العنوان المجتمع التربوي (1562)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003
مشاهدات 75
نشر في العدد 1562
نشر في الصفحة 54
السبت 02-أغسطس-2003
وقفة تربوية
لا تنفعل:
تحدثنا في المقال السابق عن الخطوة الأولى في التحكم في الانفعالات السلبية، وهي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
أما الخطوة الثانية فهي تغيير الحالة الجسدية كما جاء في وصايا النبي ﷺ، فإذا كان الغضبان وافقًا فليجلس، وإذا كان جالسًا فليضطجع، وليغير حرارة جسده بالوضوء، ليطفئ نار الغضب، وفي ذلك تأثير كبير على خفض -وربما إزالة- الغضب بالكامل.
أما الخطوة الثالثة، فهي تصنيف المخاطب بكسر الطاء، وهي الخطوة التي كان يتبعها الكثير من علماء الأمة وصلحائها، فإذا كان أعلم مني فأجله لعلمه وأغفر زلته، والتمس له العذر لفضائله الكثيرة ومنزلته، أما إن كان أقل مني علمًا فأترفع عن مخاطبة الجاهلين، ولا أنزل إلى مستواهم، وألتمس لهم العذر لجهلهم، وأما إن كان من القرناء، ومن هم في مستواي، فأتفضل عليهم وأبادر بالتجاوز والعفو، لأن الله -تعالى- يقول: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ (سورة الشورى: ٤٠).
وما عليك إلا أن تتذكر عند أي احتكاك مع الآخرين، وبداية تحرك الانفعال أن تصنف المقابل، وتتعامل معه كما كان يتعامل معه عقلاء الأمة وصلحاؤها، تسلم من الكثير مما ستندم عليه لو أطعت نفسك وانسقت وراء الشيطان.
أبو خلاد
من صفات الداعية الناجح ومقوماته في فكر الشيخ محمد الغزالي
غزارة الثقافة وسعة الأفق وتنوع الحصيلة العلمية صفات لا بد منها لأي داعية موفق
كثير من الناس إذا ذكر اسم الداعية ينصرف ذهنه إلى الخطيب، وإذا ذكر اسم الخطيب ينصرف إلى الداعية، والحقيقة أن الداعية يختلف عن الخطيب، كما يختلف عملهما؛ إذ الخطيب يقتصر عمله -في الغالب- على أداء خطبة الجمعة، لتفعيل الناس بعدها، وتوضيح بعض المبهمات، والإجابة عن بعض التساؤلات، بينما عمل الداعية أشمل وأوسع وأعمق، الداعية طبيب يطب المجتمع من أدوائه، ويبرئه من علله، ويعالج مشكلات الناس، ويلبي حاجات المجتمع، فهو عقل قادر على الربط بين مشكلات المجتمع وثقافة الدعوة، يشخص فيه الداء ليصف له الدواء.
وتمثل الخطابة إحدى وسائل الدعوة التي تشمل وسائل أخرى عديدة، منها: القدوة الحسنة، والتعليم، والتذكير، والكتابة بأنواعها والترغيب، والترهيب، والعمل المتواصل من أجل قضاء مصالح الخلق، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية المختلفة، والقيام بكل ما يوصف بالعمل الصالح في عدد مجتمع من المجتمعات.
ومن الخير أيضًا أن نفرق بين المقومات من جانب، والصفات أو الخصائص من جانب آخر، فالمقومات هي ما يكون الداعية ذاته وينشئ بنيانه، أما الصفات والخصائص فهي شيء خارج عن تكوينه، فالمبنى مثلًا يتكون من مواد كونت بناءه هذه هي المقومات، أما الصفات والخصائص فهي أن يكون المبنى مرتفعًا وحجراته واسعة، ولونه كذا... إلخ، فالمقومات -بتعبير المناطقة- جوهر بينما الخصائص والصفات عرض.
ويطيب الحديث عن مقومات الداعية وخصائصه إذا كان موضوعها داعية كبيرًا مثل الشيخ محمد الغزالي.
يرى الغزالي – ابتداءً - أن الناس لا غنى لهم عن هداية الله، كما لا غنى لهم عن رزقه، فهم فقراء فيما يطعم أبدانهم من جوع، وفيما يزكي أرواحهم من كدر.
ومهما أوتي بعضهم من ذكاء أو صفاء، فإنه لن يستطيع تدبير شأنه وإصلاح أمره بعيدًا عن وحي الله وتعليم أنبيائه.
إن الأمم إذا لم تنتعش برسالات السماء فهي جماهير من موتى القلوب، أو هي ألوف من الرمم الهامدة، وإن حركتها الغرائز السافلة، والأمم مهما ارتقت من الناحية النظرية أو الصناعية، فإن بعدها عن الله يزين لها من الجرائم ما تنحط به إلى الدرك الأسفل، وما تتعرض به لأوخم العواقب.
وما الجفاف الروحي، والانقطاع الرهيب عن الله رب العالمين والصدود الغريب عن تراث النبيين.
وغلبة الأثرة والجشع على الأقوياء، وسيادة المنطق المادي في كل شيء- إلا نذير شؤم، وأي تقدم يحرزه العلم في تلك الميادين لا يبعث على التفاؤل، ما لم يصحبه عود سريع إلى الله، وإعزاز لأمره وإعلاء لشرعه (١).
ويؤكد الشيخ دومًا أن تكوين الدعاة يعني تكوين الأمة، فالأمم العظيمة ليست إلا صناعة حسنة لنفر من الرجال الموهوبين، وأثر الرجل العبقري فيمن حوله كأثر المطر في الأرض الموات، وأثر الشعاع في المكان المظلم، وكم من شعوب رسفت دهرًا في قيود الهوان حتى قيض الله لها القائد الذي نفخ فيها من روحه روح الحرية، فتحولت -بعد ركود- إلى إعصار يجتاح الطغاة ويدك معاقلهم (۲).
إذا كان الأمر بهذه الأهمية فليس كل إنسان -بداهة- يصلح أن يكون داعية، فقد يكون المرء عالمًا كبيرًا، ولا يكون داعية، فالداعية له خصائص قد لا تتوافر لغيره من العلماء الباحثين، والدعاة أنفسهم متفاوتون في حظهم من هذه الخصائص.
وربما تبدو هذه الخصائص لأول وهلة نعوتًا عامة يجب وجودها في جماهير المسلمين، ولا يختص بها نفر من الناس، بيد أن هذه النعوت وإن كانت شائعة في عامة المؤمنين فإن أنصبة الدعاة من معناها يكون أربى وأزكى.
إن حقائق الدرس بعد أن يشرحها الأستاذ قد تظهر متساوية لدى الجميع، وقد يظن التلاميذ أنهم ومعلمهم أصبحوا سواء في وعيها، وهذا بعيد، فإن الأستاذ لديه من رسوخ المعلومات ووضوحها ومن القدرة على تقليبها وعرضها ما يعز على غيره، وقد يوجد في الناس من امتلأ قلبه بالإيمان، لكن هذا الإيمان لا يعدو أصحابه، والإناء لكي يرشح على ما حوله يجب أن يفيض، وأن ينزل فيه ما يزيد على سعته وما ينسكب من جوانبه، فنفوس الدعاة يجب أن يكون لديها مقادير من اليقين والحماس والفضل يتجاوزها إلى ما عداها، ويجعل الاستفادة منها ميسرة للآخرين (۳).
وقد استقرأنا استقراءً سريعًا كتب الشيخ وتراثه فوجدنا أبرز خصائص الداعية الناجح ومقوماته تتمثل فيما يلي:
أولًا- حسن الصلة بالله تعالى:
وهي الصلة التي إليها يفيء الداعية ويرجع، وعليها يعتمد ويعول، ومنها يستعد ويقتبس، ولها يدعو ويبتهل، وعندها تجد نفسه راحتها وعزاءها، والشيخ الغزالي يسميها الدعامة الأولى في أخلاق الدعاة، ولا يجوز عنده أن ينفك هذا الخلق عن داعية من الدعاة؛ إذ كيف تدعو الناس إلى أحد وصلتك به واهية، ومعرفتك به قليلة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (سورة الفرقان: ٥٩) ويشهد التاريخ أنه ما من نبي أو داعية أو مصلح إلا وكان له من حسن الصلة بالله النصيب الأوفر والقدح المعلى، وكانت صلته بالله قوية لا تخبو، حاضرة لا تغيب وإذا كان حسن الصلة بالله مطلبًا ضروريًا لكل مسلم، فكيف يكون حكمها في شأن الداعية؟ إن الدعاة الذين يكرسون أوقاتهم لله، ولدفع الناس إلى سبيله وصفهم في طريقه لا بد أن يكون شعورهم بالله أعمق، وارتباطهم به أوثق، وشغلهم به أدوم، ورقابتهم له أقوى وأوضح.
يوضح الشيخ طبيعة هذه العلاقة بأنها روح ينفث الحياة، وينبض بالحركة والقوة، ويشيع الضوء والدفء: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ﴾ (سورة الأنعام: ١٢٢).
وهذه الصلة تشمل في موكبها أرقى ما في الحياة، وأكفل أسباب النجاة، ولهذا حق على الدعاة ألا يهنوا في الحياة وألا يهونوا، وألا يعدلوا بنسبتهم إلى الله شيئًا، وأن ينظروا إلى الحياة على أنهم أكبر منها، وأن تغلب رؤيتهم الله كل ما يملأ العين في زحام الأحياء وتكاثرهم (٤).
إن حسن الصلة بالله تعالى ما دام الداعية مجتهدًا مبلغًا يسدد الخطو، ويكمل النقص ويجبر الكسر، ويجعل الداعية عزيزًا شامخًا؛ لأنه ينتسب إلى الركن الذي لا يميل، ويحتمي بالحمى الذي لا ينال، ويعتمد على القوة التي لا تقهر.
ثانيًا- إصلاح النفس:
وهو أمر واجب على كل مسلم، ونصيب الدعاة منه أقوى وألصق، ولعل إصلاح النفس ومعالجتها أولى ثمرات حسن الصلة بالله -تعالى-، فمن ذكر الله وأحسن به الصلة بصره بعيوب نفسه، وجعله منها على بصيرة، أما الذين نسوا خالقهم فهم يسيرون على غير هدى، ويخبطون خبط عشواء: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ (سورة الحشر: ١٩)، ونفس الداعية في فكر الشيخ الغزالي ينبغي أن تكون حقل تجارب (٥) ومن النتائج المستفادة يعرف أفضل البذور، وأنسب الأوقات، وأجدى الأساليب، ومن صدق الداعية مع ربه في أخذ نفسه ابتداء بكل إصلاح يكون مدى ما يصيب من توفيق في عمله مع الناس.
إن من أخطر النقائص أن يدعو الداعية إلى خلق وقلبه منه فارغ، أو ينهى عن خلق ويراه الناس عليه، إنه -والحالة كذلك- لا يسيء إلى نفسه فحسب، إنما يسيء إلى غيره من الدعاة، بل يسيء إلى الإسلام ذاته، يذكر الشيخ نوعًا من الدعاة يحسبون كل ما يقولونه لغيرهم ليس موجها إليهم، إنما هو أمر يخص المخاطبين فقط، إنهم نقلة فحسب أشرطة مسجلة، أو أسطوانات معبأة، تدور بعض الوقت ليستمع الناس إليها وهي تهرف بما لا تعرف، ثم توضع في أماكنها لتدار مرة أخرى إذا احتيج إليها، ومع أن هذا النوع أهون من سابقه إلا أن الشيخ يقول عنهم «هم آفة الإيمان، وسقام الحياة، وهم النقل الذي يهوي بالمثل العليا ويمرغها في الأوحال» (٦).
ولقد عاب القرآن الكريم على هذا الصنف فشبهه مرة بالحمار يحمل أسفارًا، لا يدري قيمتها وما فيها من نور وهدي: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ﴾ (سورة الجمعة: ٥)، ومرة أخرى بالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ﴾ (سورة الأعراف :175-177). وتسير عبارات الشيخ في خط مواز لهذا الكلام القاسي والمنفر عن هذا الخلق الذميم فيقول يرحمه الله: «إن الرجل القذر البدن لا يغني عنه أن يحمل بين يديه قطع الصابون، والكريه الرائحة لا يجديه أن يرى ومعه زجاجات من العطور، ودعاة الدين الذين تهب من سيرتهم سموم حارقة، إنما هم عار على الدين وصد عن سبيله» (۷) وفي هذا المقام نذكر قول الشاعر:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم!
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم!
ونراك تنصح بالرشاد عقولنا أبدًا وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيَّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يؤخذ بالكلام ويشتفى بالقول منك وينفع التعليم
ثالثًا- ذكاء العقل ونقاء القلب ودقة الفهم:
وهذه فطرة يفطر عليها الداعية، تجعله يقدر الأمور بمقدارها، ويضع كل شيء في مكانه، ويزن كل شيء بالقسطاس المستقيم، وباختصار تعبر عنها كلمة «الحكمة»: ﴿يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (سورة البقرة: ٢٦٩).
ويوضح الشيخ مراده بذكاء العقل قائلًا: «ولا أريد بالذكاء عبقرية فائقة، يكفي أن يرى الأشياء كما هي دون زيادة أو نقص، فقد رأيت بعض الناس مصابًا بحول فكري لا تنضبط معه الحقائق، قد يرى العادة عبادة والنافلة فريضة، والشكل موضوعًا، ومن ثم يضطرب علاجه للأمور، وتصاب الدعوة على يديه بهزائم شديدة» (۸).
كما يبين مراده بنقاء القلب، فيقول: لا أريد بنقاء القلب صفاء الملائكة، وإنما أنشد قلبًا محبًا للناس، عطوفًا عليهم لا يفرح في زلتهم، ولا يشمت في عقوبتهم، بل يحزن لخطئهم ويتمنى لهم الصواب» (۹) وفي فكر الغزالي، بل في أي فكر مستقيم ينتج عن دقة الفهم عند الداعية التشخيص الصحيح للعلة التي أمامه، وتهيئة شفاء مناسب لها من كلام الله ورسوله، وبذلك يجيء نصحه طبًا للمريض، ورحمة تذهب عناءه، ونورًا يهديه السبيل.
والقدرة على هذا الأسلوب لا يلقاها إلا من استجمع ثروة طائلة من نصوص الكتاب والسنة. تكون رصيدًا عنده لأي داء وافد أو مرض عارض، وإحاطة تامة بطبيعة البيئة وأحوالها الخفية والجلية وظروفها القريبة والبعيدة ليكون ذا خبرة واعية بالميدان الذي سيعمل فيه حتى يدرك كيف يصلح دنيا الناس بدين الله (۱۰)، ذلك أنه هناك دعاة يعيشون في الماضي البعيد، وكان الإسلام دين تاريخي، وليس حاضرًا ومستقبلًا، والغريب أنك قد تراه يتحامل على المعتزلة والجهمية مثلًا، وهو محق في ذلك، ولكنه ينسى أن الخصومات التي تواجه الإسلام قد تغيرت، وحملت حقائق وعناوين أخرى (۱۱).
إن الداعية الذي لا يجمع بين الذكاء والنقاء يثير مشکلات معقدة أمام انتشار الإسلام، فلا دين إذا لم يتكون القلب النقي والعقل المؤمن فمن فقد الضمير الصاحي والفكر الذكي فلا خير فيه (۱۲).
رابعًا- الإخلاص:
ولا يتعجب القارئ من تأخير الإخلاص بعد حسن الصلة بالله، وإصلاح النفس، والذكاء، والنقاء، فلا يغني الإخلاص شيئًا إذا كانت صلة الداعية بالله واهنة، بل هما متلازمان وكذلك الأمر إذا كان مخلصًا ولا يتعهد نفسه بالعلاج والمجاهدة، أو يخالف قوله فعله، وهل يغني الإخلاص عن ذكاء العقل ونقاء القلب شيئا مذكورًا؟
إن الدعوة الإسلامية لشد ما عانت من قوم لا يشكك أحد في إخلاصهم وتجردهم لله -تعالى- لكنهم فاتهم كثير من حسن الفهم وعمق التجربة فأساءوا إلى الإسلام من حيث أرادوا الإحسان، ولقيت الدعوة على أيديهم ما لم تلقه من أعدائها، والإخلاص هو روح الدين ولباب العبادة وشرط قبول العمل، فلا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه، وقد قال ابن عطاء الله قديمًا: «الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها».
وإذا كان الإخلاص فريضة على كل عابد، فهو في حق العامل والداعي أفرض وأوجب، وغني عن الذكر ما ورد في القرآن من آيات وفي السنة من أحاديث تحض على الإخلاص في العمل والعبادة، وتحذر من الشرك بالله وابتغاء غير وجهه -تعالى- بالعمل.
إن الداعية المرائي -في فكر الشيخ- يقترف جريمة مزدوجة، إنه في جبين الدين سبة متنقلة وآفة جائحة، وتقهقر الأديان في حلبة الحياة يرجع إلى مسالك هؤلاء الأدعياء، وقد رويت آثار كثيرة تفضح سيرتهم وتكشف عقباهم، والذي يحصي ما أصاب قضايا الإيمان من انتكاسات على أيدي أدعياء التدين لا يستكثر ما أعد لهم في الآخرة من ويل والعمل الخالص الطيب، ولا يقبل الله إلا طيبًا، هو الذي يقوم به صاحبه بدوافع اليقين المحض وابتغاء وجه الله، دون اكتراث برضا أو سخط، ودون تحر الإجابة رغبة أو كبح رغبة (۱۳).
وعامة الناس يعرفون أن النية الصالحة تنقذ صاحبها من ورطات شتى، وأن النية المدخولة يصحبها العثار والشرود، وقد وعد الله المؤمنين الأتقياء بأنه جاعل لهم نورًا يمشون به، فمن أدركه شعاع هذا النور لزم الصراط السوي، وتجنب المزالق المخوفة: ﴿وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ﴾ (سورة النور: ٤٠).
خامسًا- الثقافة الموسوعية:
فقر الثقافة للدعاة يمثل -في فكر الشيخ- خطرًا أشد من فقر الدم، وأسوأ عقبي من الفقر المالي والشعب الذي يعاني الغباء والتخلف لا يصلح للمعالي ولا يستطيع حمل رسالة كبيرة (١٥) فغزارة الثقافة وسعة الأفق وروعة الحصيلة العلمية خلال لا بد منها لأي داعية موفق، وكيف لا والداعية يواجه طبقات شتى واهتمامات متعددة تختلف باختلاف الناس، إنه يخاطب الطبيب والمهندس والأستاذ والمعلم والعامل والصانع والحائك والتاجر والمتعلم والجاهل والمؤدب وسيئ الأدب والعاقل والأحمق، إنه يحتاج إلى ثقافة تضم هؤلاء جميعًا، وتؤثر فيهم، ولهذا يطلق الشيخ الغزالي العنان في الثقافة أمام الداعية يقول: «إن الداعية المسلم في عصرنا هذا يجب أن يكون ذا ثروة طائلة من الثقافة الإسلامية والإنسانية، بمعنى أن يكون عارفًا الكتاب والسنة والفقه الإسلامي والحضارة الإسلامية، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون ملمًا بالتاريخ الإنساني وعلوم الكون والحياة والثقافات الإنسانية المعاصرة التي تتصل بشتى المذاهب والفلسفات، ويحتاج الداعية المسلم في هذا العصر إلى بصر بأساليب أعداء الإسلام على اختلاف منازعهم، سواء كانوا متحدين ينكرون الألوهية أو كتابيين ينكرون الإسلام» (١٦).
كما يحتاج الداعية إلى علوم العربية والأدب شعرًا ونثرًا، في الداعية الذي يشعر بغربة في ميدان الأدب يجب أن يترك ميدان الدعوة لفوره، فإن الذي يحاول خدمة الرسالة الإسلامية دون أن يكون محيطًا بأدب العربية في شتى أعصارها إنما يحاول عبثًا، وأنى لرجل محروم من حاسة البلاغة أن يخدم دينًا كتابه معجزة بيانية، ورسوله إمام للحكمة وفصل الخطاب (۱۷).
ويركز الغزالي في الثقافة على فهم القرآن أولًا قبل السنة بالذات؛ لأن السنة مبينة له، وشارحة لغامضه، وموضحة لمبهمه، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة النحل: 44). فالنفس الإنسانية لا تدرك أطرافًا من الكمال الأعلى يغرس في أعماقها أروع العقائد وأرسخ الإيمان إلا إذا اتصلت بهذا القرآن، واستمعت إليه، وفتحت أنظارها لهديه (۱۸).
سادسًا- صفات جامعة:
وهناك صفات أخرى عديدة لعل أهمها الشجاعة والجرأة ما دام الداعية على حق في مواجهة باطل، وهي صفة يسقط عندها كثير من الدعاة إلا من عصم الله وسدد، ذلك أن فتن الحياة كثيرة، فهذه رغبة في مال أو منصب تثني، وتلك رهبة عن طريق رزق أو ولد تصد، وهذا سلطان يخيف، وذاك جبار يقعد، إن الفتن من حول الإنسان كفيلة أن تقعد الداعية وتثنيه عن قولة الحق والصدع بها ما لم يكن معه من الإيمان وحب الحق والطهر، ما يجعله يوضح معالم الهدى، ويعلي كلمة الله، والشجاعة في الجهر بالحق عند الشيخ تنبعث من اجتماع خلقين عظيمين، أولهما: امتلاك الإنسان نفسه، وانطلاقه من قيود الرغبة والرهبة وارتضاؤه لونًا من الحياة بعيدًا عن ذل الطمع، وشهوة التنعم، فكم من داع يبصر الحق، ويقدر على التذكير به، ولكنه يحتبس في حلقه فلا يسمع به أحد لماذا؟ لأنه لو نطق أحرم من هذا النفع، أو لغضب عليه هذا الرئيس، أو لفاته هذا الحظ، فهو إيثارًا لمتاع الدنيا يلزم الصمت ويظلم اليقين (۱۹).
ومن هذه الصفات الجامعة التواضع والرحمة والتهلل والبشاشة والإنصاف والمروحة والوفاء وكل ما يزين المسلم فضلًا عن الداعية (٢٠).
وأختم بكلمة للشيخ تعبر أصدق تعبير، وتدل أتم دلالة وأصدقها على ما يجب توفيره في الداعية، بحيث تصير هذه الكلمة علمًا يهتدى به، ووميضًا يبرق للعاملين، يقول ولو ذهبنا نستقصي الخلال التي تلزم لمن يتعرضون لهذا المنصب لطال حبل الحديث فلنكتف بذكر هذه الحقيقة، إن الداعية يؤدي وظيفة سبقه النبيون إليها، وإنه أحق الناس باقتباس شمائلهم، والاقتداء بهداهم، وأخذ الأسوة من محياهم ومماتهم، وأنجح الناس في أداء هذه الرسالة من ترى وراثات النبوة في خلقه وسلوكه وعبادته وجهاده وتضحياته وكبريائه على الدنيا، ومقاومته لفتنتها، ومعاملته لذوي السلطان غير راغب ولا راهب (۲۱).
إعداد: عبد الحميد البلالي
وصفي عاشور أبو زيد
الهوامش:
(1) مع الله دراسات في الدعوة والدعاة ١5/17/١9 دار الكتب الإسلامية القاهرة ط سادسة ١٤٠٥هـ.
(۲) السابق (٧).
(٣) مع الله ١٦٦ وفي موكب الدعوة 83 طبع نهضة. مصر. القاهرة.
(٤) مع الله: ۱۹۷- ۱۹۸، وعلل وأدوية ١٦٦-١٦٧ دار الكتب الإسلامية القاهرة ثانية ١٤٠٥هـ. والغزو الثقافي يمتد في فراغنا ۲۱۰، مؤسسة الشرق للعلاقات العامة والنشر والترجمة الأردن ط ثانية ١٩٨٥م.
(٥)، (٦) مع الله: ١٧١.
(۷) مع الله: ۱۷۲-۱۷۳.
(۸) الحق المر: 135مركز الإعلام العربي القاهرة- ط ثانية ١٤١٧هـ، وراجع خطب الشيخ محمد الغزالي في شؤون الدين والحياة ۱/17 دار الاعتصام القاهرة بدون تاريخ.
(9) - السابق نفس الصفحة، وراجع خطب الشيخ محمد الغزالي ١/16.
(۱۰) مع الله ۱۷۳- ۱۷۵- ۱۷۹.
(۱۱) خطب الشيخ محمد الغزالي: ١/16.
(۱۲) الحق المر: ١٤١،١٣٦، وعلل وأدوية: 2۰۸-۲۱۰.
(۱۳) مع الله۱۸0-۱۸۱- ١٨٤.
(١٤) الحق المر ١٢٠.
(١٥) راجع مثلا كنوز من السنة ١٢ ضمن مهرجان القراءة للجميع ١٩٩٩م.
(١٦) خطب الغزالي في شؤون الدين والحياة ١/16 وانظر: مع الله ١٩٥، وما بعدها، وراجع بتوسع ثقافة الداعية للشيخ يوسف القرضاوي.
(۱۷) مع الله ٢٠١.
(۱۸) راجع تركيز الشيخ على القرآن والاهتمام بفهم في هموم داعية ٣١-٣٣- 147-149، ومشكلات في طريق الحياة الإسلامية 82-83 ضمن سلسلة كتاب الأمة كنوز من السنة ١٤١٢، والغزو الثقافي ۲۱۱- 214، ومع الله 21-377، وما بعدها، ولعل أكبر ما يشير إلى ذلك عند الشيخ مؤلفاته التي خلفها عن القرآن وتفسيره.
(۱۹) مع الله: ۱۹۲
(۲۰) راجع مثلا الحق المر 121، وفي موكب الدعوة وتأملات في الدين والحياة ۱۹۰.۱۸۷ طبع دار الدعوة الإسكندرية – أولى ١٤١٠هـ.
(۲۱) مع الله 194-195.
الخسف والهلاك مصير الطغاة الظالمين.. هكذا كانت نهاية قارون
الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، كما أخبر الصادق المصدوق، وهلاك قارون أصدق مثال على مصارع الطغاة والظالمين يقول -تعالى-: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (سورة القصص: 79).
يقول الشيخ سيد قطب -رحمه الله- في ظلاله تعليقًا على هذا المشهد: وهنا تبدو معايير طلبة الدنيا ومدى وهنها وهشاشتها، إنهم لم يروا غير ظاهر ما خرج به قارون، فتمنوا مثله بصرف النظر عن الطرق الموصلة إليه حلالًا كانت أم حرامًا، ثم جعلوا حظه عظيمًا لما ملك من متاع الدنيا، فكانت قيمة المال عندهم هي الميزان الذي یوزن به الرجال، وهؤلاء دائمًا يقفون أمام فتنة الحياة الدنيا وقفة المأخوذ المبهور المتهافت، ولو فتشنا عما شكل هذه النفسية المريضة لوجدنا أن المجتمع حين يفقد كثيرًا من معاني الكرم والسخاء والحب والعطاء والبر والإحسان والخير والإيثار، وحين لا يتواصى بالتكافل والتعاون ولا يبر بعضه بعضًا، عندئذ تكثر تلك الفئة لمعاناتها الحرمان، فتقع فريسة لإهمال الأغنياء وشحهم.
وعلى جانب آخر وفي المشهد نفسه تظهر الفئة المؤمنة -ولو كانت قلة- تستعلي على كل قيمة عدا قيمة الإيمان «ففي نفوسهم قيم أخرى غير قيم المال والزينة والمتاع، وهم أعلى نفسًا وأكبر قلبًا من أن يتهاووا ويتصاغروا أمام قيم الأرض جميعًا، ولهم من استعلائهم بالله عاصم من التخاذل أمام جاه العباد، وهؤلاء هم الذين أوتوا العلم الصحيح الذي يقومون به الحياة حق التقويم»، ولذلك ولأنهم دائمًا الوعاة من الدعاة في كل عصر تنطلق كلماتهم الواثقة لتصحح المفاهيم الخاطئة، وترد الأمور إلى مسلماتها الصائبة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (سورة القصص: 80)، نعم ثواب الله خير مما خرج به قارون وما عند الله خير مما يمتلك قارون.
إنها ثوابت يجب أن يعيها المسلم حق الوعي، مهما كانت المغريات، فإذا وعاها عصمه الله من الانزلاق والسقوط أمام كل الفتن، وإذا أحسها على نحو ما تكلم به المخلصون، فإن ذلك يصبح درجة رفيعة من الشعور لا يلقاها إلا الصابرون.
وهذه المعاني هي التي كانت الجماعة المسلمة الصغيرة المستضعفة في مكة في حاجة إلى الاطمئنان إليها، وكان المشركون المستكبرون في حاجة إلى تدبرها، وهي المعاني المتجددة الدائمة حيثما كانت دعوة إلى الهدى، وحيثما كان طغيان يقف في وجه الهدى، وهي معان أولى بالتجدد والتدبر والاطمئنان إليها كلما كثر الخبث وأصبح الدعاة قيض سياسات التضييق والتجفيف لمنابع الدعوة في كل عصر.
ويأتي الموقف الفاصل: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ (سورة القصص: 81). وهو مصير واحد لكل أولئك الذين يبخلون بما أوتوا ويكون سلوكهم -فيما استخلفهم الله فيه من وفرة الرزق- البغي بشتى صوره وأنواعه والتي تصب في هدف واحد، ألا وهو الحيلولة دون أن يكون لأحد في هذا المال نصيب، ففي لمحة خاطفة ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ يكون مصير قارون وأمثاله، وابتلعته الأرض، وابتلعت داره وهو في بطنها التي علا فيها، واستطال فوقها جزاء وفاقًا، وذهب ضعيفًا عاجزًا، لا ينصره أحد ولا ينتصر بجاه أو مال: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة القصص: 82).
هنا فقط تبدت الحقائق والمسلمات العقدية، لذلك كانت العودة بالفضل إلى الله المنعم، فالثراء أو الفقر ليسا دليلًا على الرضا والغضب، إنما هما رزق للعبد الحكمة أخرى يعلمها الحق سبحانه.
الصيف.. الاستثمار الأمثل
المسلم مطالب باستغلال وقته بالنافع المفيد، إذ يقول الرسول ﷺ «نعمتان مغبون فيهم كثير من الناس الصحة والفراغ» نقول ذلك ونحن نعيش أيام العطلة الصيفية حيث تجد البعض لا يدري كيف يستغل وقته في النافع المفيد وخير مجال الاستثمار هذا الوقت تقوي العلاقة بكتاب الله -تعالى- تلاوة وحفظًا وتدبرًا وعملًا؛ إذ إنه منهج حياتنا جميعًا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف يكون ذلك؟ نقول وبالله التوفيق إن المسلم عليه أن يتعامل مع القرآن الكريم تعاملًا شاملًا، فالقرآن الكريم به صلاح الدنيا والآخرة.
أولًا- التلاوة:
لا بد للمسلم أن يكون له ورد ثابت يتلوه من القرآن الكريم يوميًا بالمقدار الذي يستطيعه سواء وجه من المصحف أو حزب أو جزء أيًا كان، ويحافظ عليه ويكون عنده أولى من أي شيء آخر مثل قراءة الجرائد والمجلات يقول الله -تعالى-: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾ (سورة فاطر: 29). تجارة رابحة بإذن الله تعالى، ويقول الرسول ﷺ «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (رواه مسلم) وانظر إلى قوله الله أصحابه، فهي من المصاحبة وكثرة الملازمة، وكان القرآن الكريم صاحب لك أيها المسلم.
ثانيًا- الحفظ:
ليجعل المسلم لنفسه هدفًا واضحًا كم أريد أن أحفظ من القرآن الكريم في العطلة الصيفية فيحدد ذلك ويسعى لتحقيقه، وليتنبه إلى خطورة إغفال جانب الحفظ، إذ يقول الرسول ﷺ (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب) (رواه الترمذي) ومما يعين على ذلك أن يكون لك وقت كل يوم للحفظ، وأن تحرص على الاستماع للقراء المجيدين، وأن يكون لك مصحف خاص بك يلازمك أينما كنت وغيرها من الوسائل المعينة على الحفظ.
ثالثًا- التدبر:
يقول الله -تعالى-: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (سورة ص: 29). إذ إن إحدى غايات نزول هذا القرآن الكريم تدبره وأخذ العظة والعبرة منه، ومما يعين على ذلك الرجوع إلى كتب التفسير كمختصر ابن كثير -رحمه الله تعالى- والوقوف على معاني المفردات وأسباب النزول؛ لما لذلك من أثر في زيادة فهم الآيات الكريمة وتدبرها.
رابعًا- العمل:
يقول الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: «إذا سمعت قول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارع لها سمعك، فإنما هو أمر تؤمر به، أو نهي تنهى عنه» لذلك على المسلم أن يحرص على العمل بالقرآن الكريم، وتطبيق أحكامه وأدآبه في واقع الحياة، ويكون شعاره الدائم القرآن (منهج حياة).
خالد يوسف الشطي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل