العنوان المجتمع التربوي (1543)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1543
نشر في الصفحة 58
السبت 22-مارس-2003
الهجرة.. كيف غيرت وجه التاريخ؟
حاتم المتولي
الهجرة أعظم حدث في تاريخ النبوات.. من حيث الأهداف والغايات.. ومن حيث النتائج والآثار.
يروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب استشار الصحابة في اختيار بداية للتاريخ الإسلامي تتوحد عليها الأمة وتميزها عن غيرها من الأمم.
فقال أحدهم: نؤرخ ببعثة الرسول وبدء نزول الوحي الإلهي.
وقال آخر: نؤرخ بالوقائع العظام كيوم بدر أو فتح مكة.
وقال علي رضي الله عنه: بل نؤرخ بالهجرة أعز الله بها الإسلام.
ووقع الاقتراح موقع الرضا والقبول من الجميع، وكانت انطلاقة مباركة لهذه الأمة.
لقد اختار الصحابة - رضوان الله عليهم - الهجرة عنوانًا ورمزًا للتاريخ الإسلامي، لأنها كانت حركة مباركة، حول الله بها واقع الأرض جميعًا، فكانت انطلاقة نحو إقامة دولة التوحيد في الأرض وإعادة الناس إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها بعد الاعوجاج والانحراف الذي حدث في حياة الناس.
وهكذا، أذن الله أن تقوم دولة الإسلام في المدينة، حتى يصير الإسلام حيًا في دنيا الناس, ويكون واقعًا وحقيقة بارزة في حياتهم تسمع بها الأرض جميعًا.
الهجرة أعظم حدث في التاريخ البشري: لم تكن الهجرة مجرد انتقال من مكان إلى مكان آخر أو فرارًا من شدة التعذيب والتضييق، ولكن كانت فاتحة العمل المتواصل لتغيير الأرض من الفوضى العقدية إلى وحدة العقيدة ووحدة الوجهة.
كانت الهجرة فاتحة نحو تحقيق الأهداف والغايات العليا وإقامة دولة الإسلام العالمية إلى أن تقوم الساعة.
كانت أعظم هجرة في تاريخ النبوات على الإطلاق، من حيث تحقيق الأهداف والغايات ومن حيث التفاعلات والأحداث التي أتت بعدها، وما على ذلك خاصة حول قضية الإيمان والكفر, والتوحيد والشرك, على المستوى المحلي في الجزيرة وعلى مستوى العالم... وإلى قيام الساعة.
من إنجازات الهجرة
لقد خاض النبي وأصحابه عددًا كبيرًا من المعارك الإسلامية مع كل الاتجاهات في الجزيرة العربية، فطهروها من أرجاس اليهود وأوثان العرب, وما ترتب على ذلك من آثار بعيدة المدى, وصلت الإسلام إلى الصين شرقًا وإلى الأندلس غربًا.
وتم تقويض دولتي الفرس والروم، ودخل الإسلام الهند وأوروبا وشتى بقاع الأرض، كل هذا يدلل مدينًا بقدر كبير لهذه الهجرة المباركة وما أحدثته في دنيا الناس من تغيير.
لقد أوجز القرآن هذا الحدث العظيم في آيات محددة وكلمات معدودة ولكنها عظيمة الفوائد والمعاني، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:40).
النبي المهاجر على درب إخوانه المرسلين:
تحدث القرآن الكريم عن هجرة الأنبياء - عليهم السلام، وأنها كانت محدودة النتائج والآثار ومنها هجرة إبراهيم – عليه السلام - ولوط من العراق إلى فلسطين.
قال تعالى عن هجرة إبراهيم عليه السلام: ﴿فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقال: إني مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ﴾ (العنكبوت: ٢٦). ومنها هجرة إبراهيم أيضًا وولده إسماعيل، وأمه إلى أرض الحرم: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم:37).
ومنها هجرة موسى – عليه السلام- إلى مدين نحو عشر سنين، قبل النبوة وهجرته ببني إسرائيل من مصر من بطش وظلم فرعون.
غير أن هجرة النبي عليه الصلاة والسلام تميزت عن غيرها من الهجرات، إنها كانت طريقًا إلى إقامة الدولة الإسلامية، فإبراهيم – عليه السلام - لم تتح له فرصة إقامة المجتمع الإسلامي في فلسطين أوغيرها من أرض الله تعالى.
وكذلك موسى – عليه السلام - لما هاجر مع قومه وأنجاه الله من فرعون وسكن سيناء خرج عليه بنو إسرائيل فعبدوا العجل، ورفضوا المنهج الإلهي وجبنوا عن الجهاد في سبيل الله، وقالوا لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة:24) فضرب الله عليهم التيه أربعين سنة.
أما هجرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام فقد سبقتها جهود مضنية في التربية والإعداد وتبع ذلك جهاد متواصل مصحوب بالبذل والتضحية، فعلى الدعاة أن يتعلموا من بعده، وأن يسيروا على دربه. فرسول الله عليه الصلاة والسلام بذل كل الأسباب الممكنة ومنها اختيار الزمان والمكان والدليل والراحلة والخروج بليل ونوم علي – رضي الله عنه - في فراشه، كل ذلك مع التوكل على الله تعالى، فقامت على التوكل على الله والثقة بنصره، بعد الترتيب والتنظيم والتخطيط المحكم.
ولذلك قال لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ﴾ (التوبة:40), ولم يقل إن تنظيمنا دقيق ومحكم وإن كان الأمر كذلك، لكن الأمر كله لله من قبل ومن بعد.
وهذا نمط الأسوة الباقية إلى يوم القيامة لتتعلم الأجيال كيف تأخذ بأقصى الأسباب وهي في الوقت نفسه تتوكل على الله، وتوقن بأنه رب الأرباب ومسبب الأسباب، وناصر المؤمنين، ومذل الكفار والمستكبرين.
من الإعجـاز القرآني
بصمة الرائحة.. بشرى يعقوب
محمد مصطفی ناصيف
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ (يوسف:94).
إن عصب الشم يحمل الرقم (1) بين الأعصاب المخية، ودربه قصير جدًا من المستقبلات إلى المدركات, ووظيفته التمييز بحاسة الشم بين كل ذي رائحة, والأمراض التي تصيب هذه الحاسة عديدة، فقد يفقد الإنسان حاسة الشم تمامًا بحدوث التهاب السحايا في قاعدة المخ، أو تهشم الصفيحة الغربالية بسقف الحلق أو وجود ورم في المخ أو حدوث مرض موضعي بالأنف.
وهناك احتمال فقدان حاسة الشم وراثيًا، وقد يُصاب الإنسان بحالة فساد في حاسة الشم إذا أصيب بمرض نفسي، أو بورم في الفص الصدغي من المخ، وهناك ما يعرف أيضًا بحالة هلوسة الشم.
وإن حاسة الشم معجزة إلهية اخترقت حجب الزمن لتحمل لنا إشارات واضحة عن عظمة القرآن الكريم، حيث جاء منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا بحقيقة علمية لم يكتشفها العلماء إلا في نهاية هذا القرن، فلقد ثبت أن لكل إنسان بصمة خاصة يمكن التعرف عليه من خلالها، من بين ملايين البشر، ورغبة في إلقاء الضوء على هذا الاكتشاف الجديد، فإن العلماء يبحثون الآن إذا ما كانت الشيفرة الوراثية تحمل في طياتها بصمة رائحة.
إن الله الخالق المبدع أتاح للإنسانية أن تتعرف على هذا المقدار من العلم عن طريق الإنسان، وهبه الله القدرة الفائقة في التعرف على بصمة الرائحة، إذ تستطيع الكلاب البوليسية أن تعرف أي إنسان من رائحته... إن هذا يحدث بيننا كأنه شيء عادي، لكن القرآن الكريم أزاح الستار عن هذه الحقيقة، وفي موضع يكاد يكون هو تليد في القرآن العظيم... حيث يكشف الله لنبيه يعقوب – عليه السلام - أن ابنه يوسف عليه السلام - لا يزال حيًا.
لقد استطاع هذا الموقف أن يحسم القضية كلها علميًا وإنسانيًا، فقد بعث يوسف بقميصه لأبيه بعدما صفح عن إخوته، وطلب من إخوته أن يلقوه على وجهه، وتنبأ بتلك الأحداث، وعرف أن أباه ذو علم لما علمه الله، وأنه نبي عظيم ولسوف تكون رائحة يوسف هي مفتاح الإبصار والمعرفة والسعادة.
وجاء ذلك في قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ (يوسف93-94).
وصدق الله العظيم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت:53).
لا تغضب
د. زكريا المصري
عن معاذ- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء» (رواه أبو داود).
خلق الله تعالى الإنسان وأوجد فيه طبائع وغرائز لا بد منها لتمكينه من القيام بواجب إعمار هذه الأرض فتكون هذه الغرائز دوافع للإنسان في اتجاه الحركة الإعمارية، كغريزة المال وحب الجاه وحب الجنس وكغريزة الرضا والغضب فإن الرضا يبعث على البذل والعطاء. وإن الغضب يبعث على المنع والانتقام. ولما كانت الغريزة الغضبية في الإنسان قوة ذات حدين، فإنه بالإمكان استخدامها في محلها المطلوب لتعطي نتائجها الإيجابية وذلك عند الدفاع عن النفس أو الدفاع عن الجماعة في الحرب، ولكنها إذا استخدمت في غير محلها، فإنها تضر صاحبها ضررًا كبيرًا، لأن الغاضب يفقد سيطرته على نفسه، إذا اشتد به الغضب فربما نفس عن غضبه بضرب الغير أو جرحه أو قتله، أو بتحطيم الممتلكات وتدميرها مع ما يترتب على ذلك من إثارة الآخرين للدفاع عن النفس أو لرد العدوان بمثله وربما بأكبر منه فيدب النزاع بين الناس ويقع الشر فيهم.
والذي يشتد غضبه يفتح على نفسه بابًا للشيطان فيغريه بالعدوان على الآخرين بحجة الحفاظ على الكرامة وحماية السمعة ونحو ذلك، فيسهل على الغاضب الاستجابة لهذه الوسوسة فيقع في المحظور، ثم عندما يعود إلى رشده بعد سورة غضبه، يندم على ما فعله ولا ينفع القدم لأن الشر يكون قد وقع والضرر قد حصل، وربما يتعرض الغاضب بسببه للعقوبة القضائية بعد ذلك, فيكون الشيطان قد انتصر في حال حصول الغضب ويكون قد سعد أيضًا في حال حصول الندم.
ولذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل الوصية قال له: «لا تغضب»، ثم قال الرجل أوصني، قال: «لا تغضب»، ثم قال: أوصني فقال له: «ولا تغضب»، كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الغضب شعلة من النار، وأن النار يطفئها الماء فكان من المشروع في حق الغاضب أن يتوضأ لتبريد جهازه العصبي الفائر، وإذا كان يتكلم فليسكت، وإذا كان قائمًا فليجلس، وإذا كان جالسًا فليضطجع، وليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل