العنوان المجتمع التربوي ( العدد1510)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 103
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 54
السبت 20-يوليو-2002
وقفة تربوية
قوانين الحافزية(1)
لا شك أن الحافزية من أعظم ما يدفع الإنسان للقيام بالعمل، ولا يتصور أن يتحرك أي إنسان, مهما اختلف انتماؤه أو عقيدته, من غير حوافز.
تُستخدَم الحافزية بطريقتين، الأولى: التحفيز الذاتي، وهي أهم هذين الطريقين, إذ إنه لا يمكن أن نقوم بأي نوع من التحفيز للآخرين إذا كنا فاقدين لهذه الحافزية، والطريق الثاني- هو تحفيز الآخرين..
والتحفيز الذاتي له قوانين يجب علينا اتباعها إذا أردنا استمرار الهمة العالية، ووفرة الإنتاج.
القانون الأول: الاتصال الدائم بالحوافز العليا، وهي ما يتصل بالآخرة, فدوام قراءة القرآن الكريم, والسنة المطهرة, يجعل الإنسان يتصل بالمنهج الأعظم للحافزية.
القانون الثاني: تذكر محدودية العمر... فإن هذا يدعو الإنسان لزيادة التحرك نحو الأهداف الأخروية، وحتى الدنيوية، فلا يوجد متسع للوقت حتى يضيع في غير الأهداف التي تنجي الإنسان من النار، وتجعله ناجحًا في هذه الحياة.
القانون الثالث: ضع أهدافًا رئيسة: حتى تتقد الحافزية في ذاتك لا بد من تجزئ هذه الأهداف الرئيسة إلى أهداف مرحلية صغرى، يمكن القيام بها، فإن نجاحك في تحقيق هذه الأهداف الصغرى يحفزك على تحقيق الأهداف الكبرى.
القانون الرابع: انتهِ مما بدأت به: الانتهاء من العمل حافز كبير للقيام بأعمال أخرى منتجة، بينما التوقف عن استكمال العمل الذي بدأت به يؤدي إلى الإحباط, وضعف الحافزية.
أبو خلاّد
albelali@ bashaer.org
وسائل الثبات على دين الله
تشتد حاجة المسلم اليوم إلى الثبات.. لفساد الزمان ونُدرة الخلان
الدعاء .. ذكر الله.. العمل الصالح وتدبر القصص من أعظم أسباب الثبات
د. إسماعيل الزعبي- كلية الشريعة جامعة الكويت
الثبات على دين الله مطلب أساسي لكل مسلم صادق يريد سلوك الصراط المستقيم بعزيمة ورشد، وتكمن أهمية هذا الموضوع في ضوء وضع المجتمعات الحالية التي يعيش فيها المسلمون، وأنواع الفتن والمغريات التي يكتوون بنارها، وأصناف الشهوات والشبهات التي أضحى الدين بسببها غريبًا، فنال المُستَمسِكون به مثلًا نبويًا عجيبًا: «القابض على دينه كالقابض على الجمر».
لا شك عند كل ذي لُب أن حاجة المسلم اليوم لوسائل الثبات أعظم من حاجة أخيه أيام السلف, والجهد المطلوب لتحقيقه أكبر، لفساد الزمان, وندرة الإخوان، وضعف المعين, وقلة الناصر.
كذلك كثرت حوادث الردة والنكوص على الأعقاب, والانتكاسات حتى بين بعض العاملين للإسلام مما يحمل المسلم على الخوف من أمثال تلك المصائر، ويتلمس وسائل الثبات الموصول إلى بر آمن.
والثبات موضوع يرتبط بالقلب، الذي يقول النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه: «لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت غليًا»، ويضرب عليه الصلاة والسلام للقلب مثلًا آخر فيقول: «إنا سُمي القلب من تقلُّبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا لبطن», فسبق الحديث قول الشاعر:
وما سُمي الإنسان إلا لنسيه *** ولا القلب إلا أنه يتقلب
فتثبيت هذا المتقلب برياح الشهوات والشبهات أمر خطير يحتاج إلى وسائل جبارة تكافئ ضخامة المهمة، وصعوبتها.
من وسائل الثبات
من رحمة الله عز وجل بنا أن بيَّن لنا في كتابه, وعلى لسان نبيه، وفي سيرته، وسائل كثيرة للثبات استعرض بعضًا منها.
أولًا: الإقبال على القرآن:
القرآن العظيم وسيلة التثبيت الأولي، وهو حبل الله المتين, والنور المبين من تمسك به عصمه الله، ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.
نص الله على أن الغاية التي من أجلها أنزل هذا الكتاب منجمًا مفصلًا هي التثبيت، فقال تعالى في معرض الرد على شُبَه الكفار: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان: 32-33)
لماذا كان القرآن مصدرًا للتثبيت؟
لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفس بالصلة بالله.
لأن تلك الآيات تنزل بردًا وسلامًا على قلب المؤمن فلا تعصف به رياح الفتنة ويطمئن قلبه بذكر الله.
لأنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع من خلالها أن يحكم على الأوضاع من حوله، وكذا الموازين التي تهيئ له الحكم على الأمور فلا يضطرب حكمه، ولا تتناقض أقواله باختلاف الأحداث والأشخاص.
أنه يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين كالأمثلة الحية التي عاشها الصدر الأول، وهذه نماذج:
ما أثر قول الله عز وجل: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ (الضحى: 3), على نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا قال المشركون (ودَّع محمد..)؟
ما أثر قول الله عز وجل: ﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: ۱۰۳)؛ لما ادعى كفار قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم, إنما يعلمُّه بشر وأنه يأخذ القرآن عن نجار رومي بمكة؟
ما أثر قول الله عز وجل: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (التوبة: ٤٩) في نفوس المؤمنين لما قال المنافق: «ائذن لي ولا تفتني»؟.
أليس ذلك تثبيتًا على تثبيت، وربطًا على القلوب المؤمنة، وردًا على الشبهات وإسكاتًا لأهل الباطل..؟
ومن العجب أن الله يعد المؤمنين في رجوعهم من الحديبية بغنائم كثيرة يأخذونها «وهي غنائم خبير»، وأنه سيعجلها لهم، وأنهم سينطلقون إليها دون غيرهم, وأن المنافقين سيطلبون مرافقتهم، وأن المسلمين سيقولون: «لن تتبعونا»، وأنهم يريدون أن يبدلوا كلام الله, وأنهم سيقولون للمؤمنين «بل تحسدوننا»، وأن الله أجابهم بقوله: ﴿كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الفتح: 15) ثم يحدث هذا كله أمام المؤمنين مرحلة بمرحلة، وخطوة بخطوة، وكلمة بكلمة.
من هنا نستطيع أن ندرك الفرق بين الذين ربطوا حياتهم بالقرآن وأقبلوا عليه تلاوة وحفظًا وتفسيرًا وتدبيرًا، منه ينطلقون، وإليه يفيئون وبين من جعلوا كلام البشر جُلَّ همهم وشغلهم الشاغل.
وياليت الذين يطلبون العلم يجعلون للقرآن تفسیره نصيبًا كبيرًا من طلبهم.
ثانيًا: التزام شرع الله والعمل الصالح:
قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 27).
قال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير و العمل الصالح «وفي الآخرة»، في القبر. وكذا روي عن غير واحد من السلف، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء: 66)، أي: على الحق.
وهذا بيِّن، وإلا فهل تتوقع ثباتًا من الکسالي القاعدين عن الأعمال الصالحة إذا طلت الفتنة برأسها وأدلهم الخطب؟ ولكن الذين آمنوا وعموا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم صراطًا مستقيمًا، لذلك كان كل صلى الله عليه وسلم يثابر إلى الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل، وكان أصحابه إذا عملوا عملًا ثبتوه.
وكانت عائشة رضي الله عنها إذا عملت عمل لزمته، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة وجبت له الجنة» (أي السنن والرواتب)، وفي الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه».
ثالثًا: تدبر قصص الأنبياء ودراستها تآسي والعمل:
الدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 120).
فما نزلت تلك الآيات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم للتلهِّي والتفكُّه، وإنما لغرض عظيم هو تثبيت فؤاد رسول الله الله صلى الله عليه وسلم وأفئدة المؤمنين معه.
فلو تأملت قول الله عز وجل: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُواْ آلِهَتَكُم إِن كُنتُم فَٰعِلِينَ, قُلنَا يَاٰنَارُ كُونِي بَردا وَسَلَٰامًا عَلَىٰ إِبرَٰاهِيمَ, وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيدا فَجَعَلنَٰهُمُ ٱلأَخسَرِينَ﴾ (الأنبياء: 68- 70)، قال ابن عباس: «كان أخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: «حسبي الله ونعم الوكيل)».
ألا تشعر بمعنى من معاني الثبات– أمام الطغيان والعذاب- يدخل نفسك وأنت تتأمل هذه القصة؟
لو تدبرت قول الله عز وجل في قصة موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَٰءَا ٱلجَمعَانِ قَالَ أَصحَٰابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدرَكُونَ, قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهدِينِ﴾ (الشعراء: 61- 62).
يزود القرآن المؤمن بالتصورات والقيم الصحيحة التي يمتلك من خلالها موازين الحكم على الأشياء
ألا تحِس بمعنى آخر من معاني الثبات عند ملاحقة الظالمين, والثبات في لحظات الشدة وسط صرخات اليائسين وأنت تتدبر هذه القصة؟
لو استعرضت قصة سحرة فرعون، ذلك المثل العجيب للثلة التي تثبتت على الحق بعدما تبين، ألا ترى أن معنى عظيمًا من معاني الثبات يستقر في النفس أمام تهديدات العالم وهو يقول: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: 71).
ثبات القلة المؤمنة الذي لا يشوبه أدنى تراجع وهو يقولون: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: 72).
وهكذا قصة المؤمن في سورة يس، ومؤمن آل فرعون، وأصحاب الأخدود وغيرها, يكاد الثبات يكون أعظم دورسها قاطبة.
رابعًا: الدعاء:
الدعاء.. ذكر الله.. العمل الصالح وتدبر القصص من أعظم أسباب الثبات
من صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (آل عمران: 8).
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:250)
ولما كانت قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثِر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
خامسًا: ذكر الله:
من أعظم أسباب التثبيت:
وتأمل في هذا الاقتران بين الأمرين في قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45)، فجعله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد.
وتأمل أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها, بالرغم من قلة عدد وعدة الذاكرين الله كثيرًا.
وبماذا استعان يوسف عليه السلام في الثبات أمام فتنة المرأة ذات المنصب والجمال لمَّا دعته إلى نفسها؟
ألم يدخل في حصن «معاذ الله» فتكسرت أمواج جنود الشهواب على أسوار حصنه؟
كذا تكون فاعلية الأذكار في تثبيت المؤمنين.
سادسًا: الحرص على أن يسلك المسلم طريقًا صحيحًا:
الطريق الوحيد الصحيح الذي يجب على كل مسلم سلوكه هو طريق أهل السُنة والجماعة, طريق الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، أهل العقيدة الصافية والمنهج السليم وأتباع السنة والدليل, والتميز عن أعداء الله ومفاصلة أهل الباطل.
وإذا أردت أن تعرف قيمة هذا في الثبات فتأمل وسائل نفسك: لماذا ضلَّ كثير من السابقين, واللاحقين وتحيروا ولم تثبت أقدامهم على الصراط المستقيم ولا ماتوا عليه؟ أو وصلوا إليه بعدما انقضى جل عمرهم وأضاعوا أوقاتًا ثمينة من حياتهم؟
فكر وتدبر: هل رجع أحد من أهل السنة والجماعة عن طريق سخطه بعد إذ عرفه وفقهه وسلكه!
قد يتركه لأهواء وشهوات أو لشبهات عرضت لعقله الضعيف، لكن لا يتركه لأنه قد رأي أصح منه أو تبين له بطلانه, مصداق ذلك مساءلة هرقل لأبي سفيان عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؟، قال هرقل لأبي سفيان: «فهل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟» قال أبو سفيان: «لا»، ثم قال هرقل: «وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب».
فإذا أردت الثبات فعليك بسبيل المؤمنين .