; المجتمع التربوي (1499) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1499)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002

مشاهدات 60

نشر في العدد 1499

نشر في الصفحة 54

السبت 04-مايو-2002

■ وقفة تربوية: 

أزيلوا التراب عن بذور الخير

في استقراء لقصص العشرات من التائبين، سواء من أعرفهم معرفة مباشرة أو من قرأت عنهم، أو نقل لي عنهم، فإني ألمس من خلال هذا الاستقراء والمعايشة الطويلة، أن هناك سنة إلهية عجيبة، وهي أنه ما من عاص يتوب إلى الله، ويرجع إلى الفطرة إلا وكان الذي ساقه إلى الهداية بذرة خير كانت فيه فغطتها أتربة المعاصي ردحًا من الزمن، حتى إذا جاءت اللحظة التي انكشف عنها ذلك التراب عن تلك البذرة فكان الحصاد الحلو.

السؤال هنا: كيف ينكشف هذا التراب؟

لا شك في أن هناك عوامل مختلفة تساعد على ذلك، ولكن لا بد أن نعلم ونؤمن أولًا بأن أحد أهم هذه العوامل هو الداعية نفسه، وذلك عندما يبحث ويتفرس في ذلك العاصي ليكتشف وجود تلك البذرة الخيرة في نفسه، ثم يبدأ في إزالة الأتربة عنها، ليظهر المعدن النفيس وليترك لأشعة الشمس أن تنعش تلك البذرة، ثم يتعهدها بالماء ويبعد عنها الآفات التي تهددها، ثم تخرج تلك البذرة الخير الكثير الذي لم نتوقعه.

إن كلمة طيبة أو موعظة مؤثرة أو ابتسامة حانية أو قضاء حاجة أو مواساة في مأساة كلها قد تكون سببًا في انکشاف ذلك التراب.

أبو خلاد - albelali@bashaer.org

 

■ صلاة الفجر.. تجربة شخصية أداؤها في المسجد من أعظم القربات إلى الله

■ أخذت أحاسب نفسي: متى تنتهي هذه الدوامة من التقصير وهل أنا من يحدد ساعة اللقاء بربي؟

 ■ كان لا بد من العهد الصادق أن يراني الله تعالى كل فجر في بيت من بيوته.

بقلم: علاء سعد حسن

هل جربت أن تعيش بين أناس يؤدون الواجب بحذافيره أو يحرصون على أداء الواجب حرصهم على الحياة بينما لا تكترث أنت بالواجب أو تقصر فيه؟ هل رأيت نظرتهم إليك؟ ألم تحاول وقتها أن تقلع عن تقصيرك وأن تصبح مثلهم، وإلا شعرت بنفسك التي بين جنبيك تلفظك كما يلفظونك؟

هل حدث أن كنت تلميذًا تتأخر كل يوم عن الحصة الأولى وسط تلاميذ لا يفوتهم اللعب قبل الطابور المدرسي؟ أو كنت ترى في الفصل وحدك جالسًا منزويًا تتوارى عن الأنظار عندما يهرعون جميعًا إلى المدرس لتصحيح الواجب بينما أنت خانس لأنك لم تقم بأداء هذا الواجب أبدًا؟

أو كنت موظفًا في مصلحة حكومية بين مجموعة من الموظفين النشطين وأنت تتأخر يوميًا عن موعد العمل، ويسأل عنك رئيسك كل يوم فلا يجدك أبدًا في الساعة الأولى للعمل؟

أو كنت الوحيد بين جيرانك الذي لم يذهب الزيارة جارك، وتخلفت عن زيارة الأستاذ سعيد لأداء واجب العزاء في وفاة شقيقته ولم يرك أحد عند جارك الآخر لتهنئته بزواج ابنه؟ كيف ينظر إليك الجيران وهم من الصنف الذي يحترم الواجب، وأنت الوحيد في بيتك منعزل؟

نظرة إلى الواجب المقدس

لقد عشت أنا يا صاحبي وسط أناس ينظرون إلى صلاة الفجر نظرتهم إلى الواجب المقدس، لم يجربوا أن يتخلفوا عنها يومًا في جماعة المسجد، لم يثنهم برد ولا مطر عن ذلك، وأنا إذا نمت فلا يمكن أن أغادر فراشي قبل أن أخذ أكثر من كفايتي من النوم والراحة.. والكسل، ولقد عانيت من جراء ذلك معاناة نفسية فوق ما أستطيع أن أصف لك. فقد غيرت سكني مرات عدة - وكنت أقيم في بلد يمكنك فيه تغيير السكن إن كان معك مال هربًا من نظرة الجيران الذين لا يفتقدونني في شيء قدر افتقادهم إياي في المسجد وقت صلاة الفجر كنت أهرب من نفسي التي بين جنبي وهي تضيق على فأنام أو أتناوم وهي تحاسبني على هذا التقصير في الواجب المقدس.

عرفت وقتها أن الواجب إنما يحدده المناخ والعرف وقناعات الناس كما تحدده قناعاتك الشخصية، وقد كنت مقتنعًا تمام الاقتناع مؤمنًا أشد الإيمان بأن صلاة الفجر في جماعة المسجد من أعظم القربات إلى الله تعالى، وكنت أعلم علم اليقين أن هذه الصلاة لا يقعد عنها إلا المنافقون، وكنت لا أرى نفسي منهم، ومع ذلك لم أستطع أن أواجه هذه القناعات بعمل حاسم مع نفسي.

كنت أسهر كثيرًا، كان السهر بالنسبة لي هو الحياة، وكنت أعجب من نفسي وأستحي من الآخرين، هل خلقت لحياة الليل والظلام كالخفافيش والبوم؟!

جهاد النفس:

حاولت أن أضبط عملي على وقت صلاة الفجر فلم أفلح حاولت كثيرًا في كل صوب فلم أفلح، وتضحك مني عندما تعلم أنني أضبط المنبه كل ليلة على موعد الصلاة وأسمعه كل فجر، ولكني مع ذلك أقوم كلما أيقظني رنينه مع صوت المؤذن لأسكت جرسه وأعود إلى النوم.. كل ليلة أنا هكذا فلا المنبه أصابه الملل أو اليأس فكف عن الرنين ولا أنا دفعني الحياء من جرسه المنضبط على صوت الأذان للإقلاع عن النوم وقت الصلاة.

كنت أقر بيني وبين نفسي أنه ذنب... معصية.. لكني أستغفر الله منها وأطلب منه العون والمدد ثم أتشاغل وأتناسى وأمارس حياتي، حتى وجدت نفسي أسكن بين جيران طيبين يحبونني ويثنون على ويظنون بي الخير، وهم لا يفتقدونني في المسجد ولا في أعمال الخير، ولكنهم يعدمون وجودي في صلاة الفجر، أقابل الواحد منهم على درج المنزل، يصافحني وفي وجهه كلام وفي عينيه عتب، فأطاطئ رأسي حياء وخجلًا، وأهرب من مواجهة عينيه، وهو يستحي كذلك من هذا الرجل الذي يظن به خيرًا لولا هذا الجانب المظلم في حياته. 

أخذت أحاسب نفسي.. متى تنتهي هذه الدوامة من التقصير والهروب والضعف... متى يغلب العزم عندي الدعة، وتقهر الإرادة في روحي الضعف في نفسي؟.. متى أعود إلى الله فأقبل عليه؟ والإقبال على الملك.. ملك الملوك.. له مواقيت ومواعيد وأماكن.. تخيلت نفسي وأنا المملوك الذي يقال عنه مواطن إذا استدعيت للوقوف بين يدي حاكم، فهل أحدد أنا ساعة اللقاء ومكانه.. ما أبلهني وما أكثر جرأتي على الحكام... أيطلبني الحاكم للمقابلة الساعة الخامسة فجرًا فاذهب أنا إليه في أي ساعة كما يحلو لي أو كما يتفق واستيقظ من نومي!

ولا أهرع إليه بل أطلب استدعاءه لي في منزلي حيث أجري المقابلة على الوجه الذي أريده أنا وفي المكان الذي أحدده أنا.. لقد نسيت أنني مملوك.. نسيت نفسي وقدري ومكانتي..

وهذا ملك الملوك يضرب لي موعدًا ويحدد لي مكانًا للوقوف بين يديه فيراني كل يوم غائبًا، ويصعد إليه حملة الأقلام فيشتكون له غيابي المتكرر، وهو الحليم يحلم بي ولا يأخذني بعقاب ماحق وبال عملي واجترائي وغفلتي.

الطريق إلى الله

عدت بذاكرتي إلى الوراء سنوات عدة وتذكرت.. أيام الشباب والحماسة والاندفاع... والأولويات المغلوطة التي تربيت عليها.

كنت - وأنا في المرحلة الثانوية من التعليم وقد كان تعليمي تعليمًا عامًا ولم يكن دينيًا شابًا محبًا للدين متحمسًا له أصرف نفسي بقوة عن نزوات الشباب وهفواتهم، فأغض البصر، وأحافظ على الصلاة، وأحفظ لساني من رذائل كثيرة، ثم أتعدى كل هذا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات التي تحيطني فهذا طالب لا يصلي وذاك لا يكف عن مغازلة الفتيات وجرح أسماعهن، وذلك ينطق لسانه بفحش القول، وهذا.. وهذا.. إلخ؟

مع كثرة تلك الصفات كان رفاقي يظنون أنني من الصالحين الأولياء، وكان يتهمني بعضهم بالتزمت وبين التشجيع من الملتزمين والمواجهة مع الآخرين كنت أظن نفسي على خير، ودخلت.. الجامعة.. وفيها - إضافة إلى ما سبق - نشاط سياسي ومواجهات فكرية وأمنية ومظاهرات، وتعبير عن الرأي، وعمل كبير. 

ووجدت نفسي انخرط في هذا العمل أو هذا الكيان الذي يعمل من أجل الدين وينافح عنه، ولم يحاسبني أحد قط على صلاة الفجر لعلهم لم يكونوا يتصورون أن هذه الأفكار وهذا النشاط وذلك الحماس يمكن أن يصدر من شخص ينام عن فريضة وهو المشغول لشواشيه بالسنة والمستحب.

من هنا تعمقت أزمتي.. أنا الذي يراني الناس كلهم فذًا من أفذاذ الدعوة إلى الله مفكرًا من مفكري شبابها، أخادع نفسي وأغافلها حينما يؤذن المؤذن للصلاة وأنا غائب عن الوعي في الفراش.

حاولت إجراء عملية مقايضة: أن أتوقف عن كثير من الأعمال التي هي واجبة أو سنن مؤكدة أو مستحبة وكلها أعمال ظاهرة تضفي على صاحبها هالة من الصلاح والتقوى، مقابل أن التزم بالفريضة الضائعة وهي صلاة الفجر.

 لم تكن نفسي ترضى بهذه المقايضة فكيف تضحي بما يجلب لي ثناء الناس وظنهم الحسن، ويجلب لي أيضًا حياة المواجهة والإثارة التي يبدو أنني خلقت لها مقابل عمل لن يراه إلا القليل!

 كنت أعللها بأن الله يطلع عليه وكفى بالله حسيبًا ورقيبًا، لكني كنت أجد نفسي تتخاذل فلا المقايضة تمت ولا أجبرتها على التزام صلاة الفجر كما تلتزم بعض النوافل من الصوم والصدقة.

تأديب باللحية!

أخيرًا هددتها بحلق لحيتي! فهي عنوان التزامي، ورمز استمساكي بالدين.. حقيقة أنا لا أستحق أن أرفع هذه الواجهة أو أحمل هذا الوسام الذي يضعه الملتزمون على وجوههم بعدما يستكملون الدين فرائض سننا، سلوكًا ومظهرًا، داخلًا وخارجًا. 

وعزّت علىّ حلاقة لحيتي تلك التي تميزني بالاحترام والمواجهة معًا...

والأيام تمر وأنا أستغفر الله تعالى استغفارًا أستحي منه وأنا أردده، وأنا أشعر عظم التقصير وضخامة المعصية، ثم أقابل كل هذا الجرم بلفظتين باردتين تتحركان على فمي أستغفر الله.. أستغفر الله.

لقد كرهت نفسي المشتتة بين الواجب وما هو أوجب منه، وروحي التي تشعر بالخيانة المظهري غير حقيقة ممارساتي، وبت أشد تواريًا من الجيران أصحاب صلاة الفجر كما يتوارى المجرم القاتل من رجل رآه وعرفه وهو يخشى أن يشهد عليه أمام المحكمة فيعدم...

والأدهى من هذا أن مصالحي الشخصية الحياتية تعطلت... وقد تعجب لذلك ولكنها الحقيقة، فنحن معشر المسلمين نستعين على قضاء حوائجنا الدنيوية ومصالحنا الحياتية بالدعاء نطلب من الله فيستجيب لنا ولو بعد حين، نرفع أكفنا بالدعاء فإما يعطينا نسعد أو يمنعنا ويبدلنا بدعائنا راحة في قلوبنا فنسعد.. 

وهأنذا أرى نفسي مع الله كمن أساء إلى من يحبه ويجله ويقدره إساءة بالغة فهو دائمًا مطأطئ الرأس في حضرته يتحاشي مقابلته والطلب منه - ولله المثل الأعلى - أنا في حاجة.. في حاجة ماسة، لكن يمنعني حيائي من جريمتي من الإقبال على من يقضي الحاجات.. أشعر أنني لو رفعت كفي بالدعاء أن الملك سيرد على ممنوع الدخول أو الطلب... الدخول على من يقضي الحاجات له قت معلوم، ولا عزاء للمتأخرين والمتخلفين المستغنين.

وأبكي من رده كيف أستغني وأنا في شد الضر وأمس الحاجة!

 وأعود خائبًا فلا حاجاتي قضيت ولا لفظت نفسي من وصد الأبواب في وجهي بائس.

أخيرًا كان لا بد من العهد الصادق أن يرآني سبحانه وتعالى كل فجر في بيت من بيوته لأسعد بالقرب وأهنأ باللقاء وتستقر نفسي بعد طول عناء.. ثم.. ثم استطيع أن أسلم على جاري الذي أحبه وعيناي تنظران عينيه لا إلى الدرج الذي نقف عليه. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 448

188

الثلاثاء 05-يونيو-1979

الأسرة العدد 448