العنوان المجتمع التربوي (1462)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001
مشاهدات 111
نشر في العدد 1462
نشر في الصفحة 54
السبت 04-أغسطس-2001
وقفة تربوية
على طمام المرحوم»»
مثل كويتي، يقصد به البقاء على ما كان عليه من عادة أو طبع أو خلق قديم، وعادة يطلق على العادات والأخلاق، والطبائع غير المحمودة. ما الأسباب التي تجعل البعض يحارب التغيير، ولا يرضي بأن ينتقل مما هو فيه إلى عادات أخرى نافعة؟
هناك أسباب كثيرة، ولكن من أبرز هذه الأسباب:
«1» الخوف من الجديد:
فمعظم الناس يشعرون بالخوف من الجديد لأنهم لا يتقنونه، ولا يعرفون نتائجه ويخشون عدم النجاح فيه، بينما هم متمكنون من العادة القديمة.
«2» خوف الانتقال من الأصالة:
البعض يظن أن كل عادة قديمة أصيلة حتى لو كانت سيئة، ومخالفة للشرع، مما يجعله يرفض هذا الجديد، خوفًا من الانتقال عن الأصالة.
«3» عدم الثقة في النفس:
الذين اعتادوا على عادات صحية سيئة مثل شرب القهوة بكثرة، أو التدخين، أو السهر فإنهم لا يملكون الثقة في النفس مما يجعلهم يرددون: «نحن لا نستطيع».
«4» الخوف من الفشل:
يخشون إن انتقلوا إلى العادات الجديدة النافعة أن يفشلوا فيما كانوا يجنونه منالنتائج.
«5» المجاملة الاجتماعية:
فالكثير من الناس لا يستطيع التغيير بسبب المجاملة الاجتماعية، ومراعاة خواطر الناس، فهو لا يستطيع صناعة كلمة «لا». فكلما قدم له المضر قبل به خوفًا من غضب الآخرين.. وهكذا يجامل الناس على حساب صحته أو أخلاقه أو دينه.
هذه بعض الأسباب التي تجعل الناس يكرهون التغيير، ويحبون أن يبقوا على طمام المرحوم.
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
رشوة قاض!
يحرم على أرباب الولايات والموظفين العمومين قبول أي هدية أو عطية
بعض القوانين الوضعية لا يعاقب دافع الرشوة على عكس الشريعة الإسلامية
عبد القادر العماري
نشرت الصحف مؤخرًا خبًرا من إحدى البلاد العربية عن إدانة «قاض» بتلقي رشوة من رجل أعمال، والحكم عليه بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة، إضافة إلى تغريمه ٦٥ ألف دولار، والحكم على زوجته التي دبرت صفقة الرشوة بالسجن ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة وغرامة مماثلة، فيما برأت المحكمة متهمين آخرين كانا صلة الوصل بين القاضي ورجل الأعمال، بحجة أن قانون البلد لا يعاقب من يدفع الرشي!
الواقع أن كل القوانين تعاقب من يدفع الرشي، وإلا فتح المجال للمفسدين لإفساد المجتمعات غير أن اختلاف القانونيين في دول الغرب ينعكس على القانونيين الذين يتلقون منهم في الشرق فتضطرب المفاهيم لديهم.
فقد قال شراح القانون الفرنسي إن المشرع عندهم أراد أن يجعل فعل الراشي وفعل المرتشي جريمتين مستقلتين، وهنا جاء الاختلاف، كما أن بعض القوانين لا تعاقب الراشي والوسيط إذا أبلغ عن الرشوة بينما تعاقب الشريعة الإسلامية المرتشي والراشي والرائش وهو الوسيط، لأن الله قد لعنهم وطردهم من رحمته فيعاقبون جميعًا عقوبة تعزيرية مردها إلى ولي الأمر في تقديرها ويجب تشديدها على القاضي- حتى لو بلغت الإعدام- إذا عظم الفساد واستشرى لأن العلماء يقولون: «يجوز أن يبلغ بالتعزير حد القتل في بعض الحالات لأنه أؤتمن على أرواح الناس وممتلكاتهم فخان الأمانة فخيانته خيانة عظمى».
قال مسروق إذا قبل القاضي الرشوة فقد أكل السحت، وبلغت به إلى الكفر قال تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: ٤٢) قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره السحت هو الرشوة وقال إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر.
وتسمى الرشوة أيضًا في اللغة البرطيل وفي المثل: «البراطيل تنصر الأباطيل» وهي مأخوذة من البرطيل الذي هو المعول لأنه يخرج به ما استتر، وأرباب الولايات والعمال والموظفون العموميون- بل وحتى غير العموميين- يحرم عليهم تسلم العطايا والهدايا والرشي، فكل ذلك
سحت وغلول.
ففي البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية على صدقات بني سليم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا جلست في بيت أبيك أو بيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فحمد صلى الله عليه وسلم وأثني عليه ثم قال: «أما بعد فإني أستعمل رجالاً منكم على أمور ولاني الله عز وجل فيأتي أحدهم فيقول هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت لي ألا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هدية إن كان صادقًا؟! فو الله لا يأخذ أحدكم منها شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحمله إن كان بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر»، ثم رفع يديه يقول الرواي: «حتى رأيتبياض إبطه وقال ألا هل بلغت». وقال تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ۱۸۸).
استقلال القضاء
فالإسلام يحارب الظلم والفساد، وقد عرف عب ر التاريخ بأنه رائد في إقامة العدل واستقلال القضاء وقد رأت الشعوب المتقدمة الآن أنه لا حياة حرة مستقلة، ولا تقدم ولا أمن ولا استقرار إلا بواسطة سلطة قضائية مستقلة يتصف قضاتها بالكفاءة والنزاهة، فالقضاء يعلو فوق جميع المؤسسات الدستورية لا يستثنى شيء منها، والمطلوب أن تستقل سلطة القاضي عن سائر السلطات وأن يستلهم حكمه من ضميره الحر، وأن يراقب الله وهو ينطق بالعدل طبقًا لما أمره به وعلى القاضي أن يمارس استقلاله ولا يستسلم لنزعات خاصة أو أغراض جهات، ولا يصدر حكمًا ينزل إلى خدمة هذه الأغراض، ولا تأخذه نزعة الجمود إلى التقوقع في الأعراق البالية التي ترفضها مقاصد الشريعة ومبادئ الإسلام.
والواقع أن القاضي لا يكمل، ويُرجى منه الحكم بالحق إلا كما قال الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز: «يجب أن تتوفر فيه خمس خصال «1» علم بما كان قبله «2» ونزاهة عن الطمع «3» حلم على الخصم «4» واقتداء بالأئمة «5» ومشاورة أهل العلم والرأي».
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «قاضيان في النار وقاض واحد في الجنة» فالمسألة عسيرة إذن، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن القاضيين اللذين في النار قاض علم الحق وقضى بغير الحق وقاض قضى بالجهل سواء قضى بالحق أو بغير الحق، أما القاضي الذي في الجنة فهو الذي علم الحق وقضى به.
ألا يجعل هذا القضاء أصعب وأشد وأخطر وظيفة في المجتمع يقول الله تعالى:﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: ٢٦)
ويصعب على الإنسان أن يقول كلمة الحق ويعدل في قوله وفعله إلا إذا خاف الله تعالى وتجرد عن حب المال والشرف ولم يخف من الدوائر على حد قول بعض السلف، فإذا خاف أن يغضب عليه كبير فلن يعدل، وأن يقول الحق إلا إذا عصمه الله فلم يخف في الحق لومة لائم.
ومن أجل ضمان عدالة القضاء واستقلاله وضعت ضمانات في كل الأنظمة، وأول من قدر القضاء حق قدره الإسلام، لأنه ولاية عظيمة القدر والقاضي خليفة رسول الله يباشر إحدى وظائفه التي كلفه بها الحق تبارك وتعالى حين في محكم تنزيله: ﴿فَاحْكُم بينهم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة: ٤٨) وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة: ٤٩) فقد ربط سبحانه بين سببنزول كتابه الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء بين الناس فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: ١٠٥)
وإذا كانت هناك ضمانات مقررة للقاضي في كل الأنظمة حفاظًا على استقلاله فلا يحول ذلك دون مساءلته، وتوقيع الجزاء عليه إذا انحرف عن أداء واجبه، وأعظم جريمة يرتكبها القاضي هي الرشوة التي استحق عليها لعنة الله، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «لعنة الله على الراشي».
الرفقة الصالحة منجاة من المعصية
الإنسان في هذه الحياة له أعداء.. يزينون له الباطل، ويزحزحونه عن طريق الجادة، فيقع في المعاصي والسيئات- خصوصًا الكبائر- وهو لا يدري، حتى تتكاثر عليه فتصير مثل الجبال وهو لا يكترث، ولا يلقي لها بالاً!
ومن المعينات التي تنبه الإنسان إلى أنه وقع في معصية أو انحرف إلى رذيلة، وجود الرفقة الصالحة من الأتقياء الأنقياء، ولا يعني ذلك أن يكونوا في درجة الأنبياء، ولكن أن يكونوا غيورين بعضهم على بعض حريصين على التناصح بالحق وبالصبر ومتعاونين على البر والتقوى، ومتناهيين عن المنكر والبغي.
وكم من شاب أو شابة، من أسرة طيبة -بحسن نية أو لضعف الرقابة الأسرية- لم ينظر إلى من يصاحب من الناس يأخذونه معهم خطوة.. خطوة.. فيقع معهم في الذنوب والمعاصي، حتى تصير شيئًا عاديًا له، فقد أصبح قلبه أسود لا ينكر منكرًا، ولا يعرف معروفًا !
ولا ينبغي لعاقل أن يغتر بكثرة الهالكين وقلة المهتدين، فإن الحق لا يعرف بالرجال ولكن- كما قيل- اعرف الحق تعرف أهله، وعليك بالثبات على الحق- ولو كنت وحدك- فإنه من شيم الصالحين، والقلة صفة محمودة مثل قلة معادن نفيسة كالذهب والألماس.. إلخ فكيف ببني البشر؟ وقد قال الشاعر حبيب الطائي يصف الجياد التي فيها غرة، وما فيها البياض في عنقها أو رأسها لقلتها بقوله:
إن الجياد كثير في البلاد وإن
قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
لو لم تصادف شيات ألبهم أكثر ما
في الخيل لم تحمد الأوضاع والغرر
إن أخوة الإسلام، ورفقاء الخير يكون كل فرد فيها مرأة لصاحبه، بحيث يعينه على الحق، وينهاه عن الباطل، ويدفعه إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، وهذه إحدى فوائد الرفقة الصالحة، فإن المرء وحده يصعب عليه أحيانًا معرفة عيوب نفسه، وشطحات خياله فيكون صيدًا سهلاً لإبليس وجنوده.
ولا ينبغي لعاقل أن يقع في رفقة سوء تزين له الباطل بأنه هو الحق، وتقبح له الحق بأنه هو الباطل، فلا يدري الصواب من الخطأ، فيزيغ ويضيع. ولهذا كان أثر الحاشية على الأمير عظيمًا- إن خيًرا أو شرًا- والسعيد من وفقه الله لصحبة الأخيار، وأبعد عنه صحبة الأشرار.
وقديمًا قيل: «إذا أردت أن تعرف شخصًا فاسأل عمن يصاحب، فإن المرء يعرف بمن يخالل أو يصاحب، وقال سبحانه وتعالى واصفاً حال الأصدقاء الصالحين في الآخرة ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67)».
الغنائم .. أيها النائم «1 من 3»
افتتاح اليوم بالذكر والطاعة يجعلك منشرح الصدر متجدد النشاط
صلاة الفجر تؤهلك لتكون من أهل النور وتضفي عليك حراسة ربانية وحصانة إلاهية
كل ليلة يقول الشيطان عند رأسك: «عليك ليل طويل فارقد، ليحرمك من الأجر ويصدك عن الخير
د. علي بن عمر بادحدح
ما رأيك- أخي القارئ- الذي دعيت لتأخذ المغانم، وتنال المكاسب- أنها تبذل لك وتقيد في رصيدك بدون أي تأخير أو تقصير خاصة إذا علمت أن الذي يعطي تلك الغنائم ليس غنيًا من الأغنياء وإنما هو الله رب الأرض والسماء، وأن الغنائم لیست دراهم ولا دنانير ولا ذهبًا ولا فضة وإنما هي الحسنات والدرجات والجنات المترتبة على أعمال معينة يسيرة؟ إنني لأهمس- بل أصرخ في أذنك: غنائم الفجر أيها النائم.
غنائم الفجر:
الغنيمة الأولى: الحرية الإيجابية عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يعقد الشيطان على قافيه رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة، عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» «متفق عليه».
الشيطان يقيدك، وعن الخير يقعدك، وفي أسره يحبسك إنه يصدك عن الذكر ويحرمك من عظيم الأجر، إذا أردت أن تجيب النداء حي على الصلاة ردك بالترغيب في النوم، وإذا سمعت المقارنة الصلاة خير من النوم صرفك عن الخير بالمزيد من النوم، فإن كنت ذا عزيمة، وتنبهت وتوضأت وبادرت إلى أداء الصلاة، كنت في كل خطوة تحطم قيدًا من قيوده، وتهزم جندًا من جنوده، ولا تزال مواصلاً تذكر الله فتحل عقدة ثم تمضي مصرًا على مخالفته فتتوضأ فتنحل الثانية، ثم تتابع مقبلاً على الله فتقل قوته وتنفك من أسره فتصبح وقد تحررت من قيده، وتغلبت على مكره وكيده.
ذكر القرطبي يرحمه الله في قوله صلى الله عليه وسلم: «نم عليك ليل طويل فارقد» أن هذا من كيد الشيطان وتغريره بالإنسان- وقال إنه- أي الشيطان يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد.. ومقصود الشيطان بذلك تسويفه بالقيام، والإلباس عليه وفي قوله: «يعقد الشيطان...» نقل ابن حجر أنه عقد على الحقيقة كعقد الساحر على من يسحره كما في قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (الفلق: ٤) ثم قال: وقيل «هو على المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك تصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم.. وقيل: العقد كناية عن تثبط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه عقدت فلانًا عن امرأته أي منعته عنها «الفتح ٢٥/٣».
وعلى كل فالمراد أن التارك للذكر والطهارة واقع تحت تأثير الشيطان ووسواسه، بل إن البيضاوي أشار إلى ما يدل على الوقوع تحت سلطان الشيطان إذ قال: «التقيد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء الذكر والوضوء والصلاة، فكأنه منع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه، وكان تخصيص القفا بذلك لكونه محل الوهم ومجال تصرفه، وهو أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته» «الفتح ٢٦/٣» أي كأنما يتحكم فيه فيقوده ويوجهه بسيطرته وقبضه على قفاه فهل ترضى أن تكون ذلك المأسور المستعيد؟ أم تكون ذلك القوي المنتصر بإذن الله؟
إنه انتصار الطاعة على المعصية، والذكر على الغفلة، والعزيمة على الضعف والخير على الشر فما أعظمها من غنيمة، احرص عليها، ولا تفرط.
الغنيمة الثانية: الانطلاقة الحيوية:
ومرة ثانية نأخذ هذه الغنيمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق، إنها غنيمة حسية مهمة أثرها ظاهر بل باهر، وفائدتها أكيدة بل فريدة تأمل معي قوله الله فيمن ذكر وتطهر وصلى الفجر أصبح نشيط النفس إن افتتاح اليوم بالذكر والطاعة يجعلك منشرح الصدر، طيب الخاطر، قوي العزم، متجدد النشاط، تنطلق وفي محياك وسامة، وعلى ثغرك ابتسامة، وينفرج- بإذن الله- كربك، ويزول- بعون الله- همك وترى من نفسك على الخير إقبالاً، وللطاعة امتثالاً، وتجد الأمور ميسرة، والصعاب مذللة يلقاك التوفيق مع بشائر النهار، ويصحبك النجاح في سائر الأحوال.
وانظر- أخي- إلى من حرم هذه النعمة وفاتته تلك المنة، انظر إليه وقد أصبح في غفلة «فإذا هو خبيث النفس كسلان»، لا يصحو إلا متثاقلاً، وتراه، مكدر الخاطر، ضيق الصدر، فاتر العزم، تنظر إليه فكأنما جمع هم الدنيا بين عينيه وكثيرًا ما تتعسر أموره، وتتعثر مقاصده، إنه يكون خبيث النفس بسبب «إتمام خديعة الشيطان عليه».
ويكون كسلانًا أي متثاقلاً عن الخيرات لا تكاد تسخو نفسه ولا تخف عليها صلاة، ولا غيرها من القربات، وربما يحمله ذلك إلى تضييع الواجبات «المفهم ١٤٠/٢».
قال ابن عبد البر: «هذا الذم يختص بمن لم يقم إلى صلاته، وضيعها» «الفتح ٢٦/٣».
أما الذي انبعث للطاعة، وبادر للصلاة فإنه يكون طيب النفس لسروره بما وفقه الله له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عقد الشيطان، كذا قيل، والذي يظهر أن في صلاة الليل سًرا في طيب النفس «الفتح ٢٦/٣».
ومن معاني النشاط أنه يكون نشيطًا لما يرد عليه من عبادات أخر من صلوات وغيرها فإنه يألف العبادات ويعتادها حتى تصير له شربًا فتذهب عنه مشقتها، ولا يستغني عنها «المفهم ٤٠٩/٢».
إنه ينشط بزوال آخر سحر الشيطان عنه. وكفايته إياه، ورجوعه خاسئًا عنه خائبًا من كيده. «إكمال المعلم١٤٢/٣». فما أحسنها من غنيمة تشبث بها، ولا تضيع.
الغنيمة الثالثة البشارة النورانية:
حديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم له ستة عشر صحابيًا، أسوقه إليك من رواية بريدة ابن الحصيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة».
الجزاء من جنس العمل، والحق جل وعلا يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: ٦٠)، وأنت عندما خرجت الصلاة الفجر والظلام ما زال يلف الكون، والدنيا ما زالت في الغلس، فإن جزاءك ومكافأتك نور تام يوم القيامة لأنك أطعت ربك وأقبلت على مولاك، وطلبت النور لقلبك وروحك، وتأمل معي لفظ الحديث: «بشر المشائين»، أي من تكرر منه «المشي إلى إقامة الجماعة»، «في الظلم» أي «ظلمة الليل»، والبشرى هي «النور التام يوم القيامة»، لأنهم لما قاسوا مشقة ملازمة المشي في ظلمة الليل إلى الطاعة جوزوا بنور يضيء لهم يوم القيامة، وهو «النور المضمون لكل مشاء إلى الجماعة في الظلم».
ولماذا وصف النور بالتام؟ والجواب: أن أصل النور يعطى لكل من تلفظ بالشهادتين من مؤمن أو منافق لظاهر حرمة الكلمة ثم يقطع نور المنافقين.
وأما تقييده بيوم القيامة فقال الطيبي: «تقييده بيوم القيامة تلميح إلى قصة المؤمنين» وقولهم فيه «ربنا أتمم لنا نورنا»، ففيه إيذان أن من انتهز هذه الفرصة، وهي المشي إليها في الظلم في الدنيا كان مع النبيين والصديقين في الأخرى وحسن أولئك رفيقًا «فيض القدير ۲۰۱/۳»، متى يأتيك النور؟ إنه يقدم لك في موقف عصيب وهول رهيب، إنه يسطع بين يديك في وقت أحوج ما تكون إليه اقرأ معي قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (الحديد: 17) ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: ۱۲).
لله ما أعظمها من نعمة يكون لهم النور في ذلك الموقف الهائل الصعب كل على قدر إيمانه ويبشرون عند ذلك بأعظم بشارة فيقال «بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم».
فالله ما أحلى هذه البشارة بقلوبهم وألذها لنفوسهم، إذ حصل لهم كل مطلوب محبوب ونجوا من كل شر مرهوب.
فإذا رأى المنافقون المؤمنين يمشون بنورهم وهم قد طفي نورهم، وبقوا في الظلمات حائرين قالوا للمؤمنين: «انظرونا نقتبس من نوركم» أي أمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به لننجو من العذاب قيل «ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا»، أي إن كان ذلك ممكنا، والحال أن ذلك غير ممكن بل هو من المحالات فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وهو الذي يلي المؤمنين «وظاهره من قبله العذاب» وهو الذي يلي المنافقين «تفسير السعدي ٢٩٠/٧».
وقد أورد «ابن كثير في تفسيره ٣٠٨/٤» عن أبي حاتم بسنده إلى أبي ذر وأبي الدرداء رضي الله عنهما يخبران عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه فانظر من بين يدي، ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم فقال له رجل: يا نبي الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ فقال: «أعرفهم محجلين من أثر الوضوء ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم..».
صلاة الفجر تؤهلك لتكون من أهل النور في وقت يتخبط فيه الآخرون في الظلمات، فما أجزلها من غنيمة، بادر إليها، ولا تتأخر.
الغنيمة الرابعة: الشهادة الملائكية:
يقول الحق جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ۷۸) والمفسرون يذكرون عند هذه الآية حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله- وهو أعلم بهم- كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» «متفق عليه».
إن السائل هو الله ملك الملوك والمسؤولون هم الملائكة الذين «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» و«لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون»، نعم هؤلاء الملائكة المقربون يشهدون لك عند الله، ويذكرونك بأداء الصلاة، ويمدحونك بشهودك لجماعة الملائكة الأبرار الأطهار يشهدون أنك من العباد المصلين الأخيار.
تأمل معي لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم بأن جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة «الفتح ٣٥/٢».
وتأمل معي أيضًا حكمة سؤال الله للملائكة كما ذكرها ابن حجر في قوله: «قيل الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك بإظهار الحكمة من خلق الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ۳۰) أي قد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم، ورد الحديث أيضًا فيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا لنزداد فيهم حباً، ونتقرب بذلك «الفتح ۳۷/۲»، فهل رأيت أثر صلاة الفجر في صلتك بالملائكة، وشهادتهم لك؟ وفي تفسير الألوسي . عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ۷۸) «قال: أخرج النسائي وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححاه وجماعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير ذلك تشهده أي «قرآن الفجر» ملائكة الليل وملائكة النهار، وقيل يشهده كثير من المصلين في العادة، وقيل من حقه أي «قرآن الفجر» أن تشهده الجماعة الكثيرة، وقيل تشهده، وتحضر فيه شواهد القدرة من تبدل الضياء «بالظلمة والانتباه بالنوم الذي هو أخو الموت».
ويقول الألوسي يرحمه الله: لا يخفي ما في هذه الجملة من الترغيب والحث على الاعتناء بأمر صلاة الفجر لأن العبد في ذلك الوقت مشيع كرامًا ومتلق كرامًا فينبغي أن يكون على أحسن حال يتحدث به الراحل، ويرتاح إليه النازل، فما أجلها من غنيمة، فلا تغب عن شهودها .
الغنيمة الخامسة: الحصانة الإلهية:
عن جندب بن سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء» «رواه مسلم».
إنها حصانة إلهية، وحماية ربانية تكون بها- إذا صليت الفجر- في ذمة الله أي في حفظه يصرف عنك الشرور، ويبعد عنك الأذى، ويسلمك من مهاوي الردى، إنه حفظ عظيم فريد، وإنه الشرف كبير أن تكون أيها العبد الضعيف في حماية الملك العظيم رب الأرباب، وملك الملوك وجبار السماوات والأرض سبحانه وتعالى.
إن الله يدافع عنه، ويحذر من يتعرض له بالأذى، فهو في ذمة الله أي في أمان الله، وفي جواره أي قد استجار بالله تعالى، والله تعالى قد أجاره فلا ينبغي لأحد أن يتعرض له بضر أو أذى، فمن فعل ذلك فالله يطلب بحقه، ومن يطلبه لم يجد له مفرًا ولا ملجأ، وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين «المفهم ۲۸۲/۲»، وعلى هذا فمعنى قوله ﷺ: «لا يطلبنكم الله في ذمته بشيء هو نهي للناس من أن يتعرضوا له بشيء، فإن فعلوا فإن الله يتهددهم» «حاشية إكمال المعلم ٦٣٠/٢».
ومن جهة أخرى في الحديث تنبيه مهم لا بد من العناية به والانتباه له فإن صلاة الفجر سبب ذلك الأمان والجوار، فإن تركتها لم يكن أمان ولا جوار، والمعنى الضمني في الحديث لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض العهد الذي بينكم وبين الله عز وجل «حاشية إكمال المعلم ٦٣٠/٢».
إنها ثمرة عظيمة وغنيمة جسيمة، وأنت يا من صليت الفجر المؤهل لنيلها، فلا تفوت الغنيمة وتعرض لها ولا تعرض ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل