; المجتمع التربوي (1443) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1443)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001

مشاهدات 95

نشر في العدد 1443

نشر في الصفحة 54

السبت 24-مارس-2001

وقفة تربوية:

عالم رباني:

يكمل العالم الرباني الشيخ منصور منصور عويس رواية قصة مرضه لتلميذه المقرب عبد الوهاب الفهيد.. فيقول:

عندما أصبت بالشلل الكامل وأيقن الجميع بأن الطب عاجز تمامًا عن فعل شيء أمام مرضي أصبحت أطعم الطعام كأنني طفل، وعينوا لي خادمًا يساعدني في كل شيء، وكنت أجلس مع نفسي الساعات الطوال أبكي على حالي، حيث لا يتحرك في جسدي إلا عيناي.. وفمي لآكل.

 وفي ليلة من الليالي رأيت في المنام نورًا ساطعًا خلف باب غرفتي وما لبث أن انفتح الباب فبدأ النور يتسرب إلى داخل الغرفة رويدًا رويدًا حتى إنني لم أستطع تبين ما وراء ذلك النور، نظرًا لشدته.. ثم فوجئت بشخص أتى من وراء ذاك النور وقال لي: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليزورك.. لكنني لم أر وجهه صلى الله عليه وسلم .

ثم أضاف ذلك الرجل: هذه «برتقالة وموزة وبلحة»، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لك: إن هذا دواءك.

يواصل الشيخ: لكنني لم أستطع حملها بيدي فآكلها، فقال ذلك الرجل: سأساعدك على أكلها.

وبالفعل ناولها للشيخ فأكلها، ثم استيقظ من الرؤيا وعلامات الفرح بادية على أسارير وجهه.

ويكمل الشيخ حديثه قائلاً: هنا بدأت بالصياح حتى تجمع حولي الجميع، وأنا أحاول أن أقول لهم إنني أريد إحضار ما رأيت في الرؤيا، لكنهم لم يفهموا مني شيئاً إلا بعد يومين كاملين ذلك أنهم كلما أتوني بشيء رفضته حتى ألهم الله زوجتي إلى أنني أريد بعض ثمار الفاكهة فهززت رأسي بالموافقة.

أبو خلاد

ترقيق القلوب بعلاج أمراض أربعة:

إذا مات قلب العبد طلب الدنيا بعمل الآخرة!

سيد مصطفى جويل

مرضى القلوب أكثر من مرضى الأبدان، لأن المريض لا يدري أنه مريض، ولأن عاقبة هذا المرض غير مشاهدة في هذا العالم، بخلاف مرض البدن، وكذلك لأن الناس فقدوا العلماء الذين هم الأطباء، بل لقد مرض كثير منهم مرضًا شديدًا عجزوا عن علاجه!

قال أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال قد علمت فماذا عملت فيما علمت؟

فمتى رأيت القلب يرحل عنه حب الله والاستعداد للقائه، ويحل فيه حب المخلوق، فاعلم أنه قد خُسف به.

قال الحسن البصري: عجبًا لقوم أمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل وهم قعود يلعبون، إن النفس كالعدو، إن عرفت منك الجد استأسرت لك وإن أنست منك المهانة أسرتك.

قال الله سبحانه وتعالى - على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَا تُخۡزِنِی یَوۡمَ یُبۡعَثُونَ یَوۡمَ لَا یَنفَعُ مَالࣱ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡب سَلِیم﴾ (الشعراء: 87: 89).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. (رواه مسلم). والأمر هكذا، نذكر بعض الأمراض التي تصيب القلوب حتى نتجنبها، ومنها هذه الأمراض الأربعة:

1- الرياء:

إن أخطر ما يصيب القلوب ويخالطها الرياء وعلامة إخلاصك أنك إذا رأيت الخير يجري على يد غيرك تفرح. وإذا كنت تتحدث ودخل عليك الأكابر لم تغير حديثك بالزيادة أو النقصان، وإذا تناظرت في مسألة مع أحد أقرانك فإن ظهر شيء من الحق على لسانه لم يثقل عليك قبوله وشكره على تنبيهه، واعلم أنه كثيراً ما بذل المرائي ليمدح فانقلب المدح ذمًا.

واعلم أن قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه يصرفه عنك إلى غيرك.

إن رياء المراثين صير مسجد الضرار مزبلة. وإخلاص المخلصين، رفع قدر الشعث «رب أشعث أغبر».

إن الشرك والكذب والرياء شجرة في القلب ثمرها في الدنيا الخوف والهم والحزن، وثمرها في الآخرة العذاب المقيم.

إن عمل المرائي بصلة كلها قشور.

وتنبه: فعند الطاعات العظيمة تغلي النفس رغبة في الإفشاء فاقنع بعلم الله في جميع طاعتك، ولا يقنع بهذا إلا من يخاف الله.

إن المرائي يحشو جراب الزاد رملاً يثقله في الطريق، وما ينفعه، لذلك لا تفتك وقفة تجديد النية الصالحة عند كل عمل، لأنك إذا لم تخلص فلا تتعب كالجاهل بالطريق الذي يتعب دون فائدة، وذلك بأن يعمل عملاً بالجوارح لم يواطئه عمل القلب. ومما يجب أن تحذر منه في هذا الموضع التوسع في المنطق، ولو كنت بليغًا، وعليك إذا جالست العالم أن تكون على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.

واحذر التزين بالعلم، كما تحذر العجب بالعمل.

 2- الطمع في الدنيا

إن من علامات إرادة الدنيا لدى العلماء التحاسد فيما بينهم، ولهذا قال الشاعر:

أمت مطامعي فأرحت نفسي *** فإن النفس ما طمعت تهون

وأحببت القنوع وكان ميتًا ففي *** إحيائه عرضي مصون

إذا طمع يحل بقلب عبد *** علته مهانة وعلاه هون

ولهذا لا يستطيع العبد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إلا إذا قطع الطمع عن الخلق لتزول المداهنة.

ومن الطمع ما فسر به العلماء قوله تعالى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (التكاثر: 1)، فلقد قالوا التكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره، وهذا مذموم إلا فيما يقرب إلى الله، فالتكاثر فيه منافسة في الخيرات ومسابقة إليها. إن من رضي بالخل طعاماً لم يستعبده أحد.

فصونوا الأنفس التي شرفت بالعلم أن تذل للأنذال.

إن المقصود من المال إنفاقه في العمر، فإذا أنفق العمر في تحصيله فات المقصودان جميعًا.

إن حرص العصفور يخنقه بالشباك وقنع العنكبوت في زاوية الضعف يسوق إليه الذباب طعامًا له.

 ولذلك نرى العالم إذا أحب الدنيا مات قلبه فطلبها بعمل الآخرة.

فأقلل حوائجك إلى الناس، وأفزع إلى الله عند كل فاقة.

إن الناس الآن يفرحون بالدنيا، ويحزنون على فوات حظهم منها، ولا يحزنون على فوات الجنة.

 3- الكبر والعجب:

الكبر ترفع بالباطل ونكران للنعمة وجحود بها، والعزة ترفع بالحق، واعتراف بالنعمة وشكر لها.

قال ابن مسعود: الهلاك في اثنتين القنوط والعجب.

إن المحمود من التواضع أن يكون في غير مذلة.

وإذا أردت أن تختبر تواضعك فقم بأحد هذين العملين: تناظر في مسألة مع أحد أقرانك، فإن ظهر شيء من الحق على لسانه فثقل عليك قبوله والشكر له على تنبيهه، فذلك يدل على أن فيك كبرًا دفينًا، فلتتق الله ولتشتغل بعلاجه.

أو أن تجتمع بإخوانك وتقدمهم على نفسك وتمشي خلفهم، فإن ثقل عليك ذلك، فأنت متكبر فلتواظب على هذه الأعمال تكلفًا حتى يسقط الكبر. ولكن لماذا يزداد بعض الناس بالعلم كبرًا وأمناً؟

الجواب أن يكون اشتغالهم بما يسمى وليس علمًا حقيقيًا، فالعلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه.

أو أن يخوض في العلم وهو سيئ الخلق، رديء النفس فيصادف العلم من قلبه منزلاً خبيثًا فلا يطب ثمره ولا يظهر في الخير أثره.

 ولقد قال الحارث بن جزء الزبيدي: يعجبني من القراء كل طليق، فأما الذي تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس، يمن عليك بعلمه فلا أكثر الله في المسلمين مثله. وما من قلب دخل فيه شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك أقل أو أكثر.

 ومما يبعد الكبر عن النفس تذكر الموت.

 مر بالحسن شاب عليه بزة له حسنة فدعاه فقال له: ابن آدم معجب بشبابه محب لشمائله كان القبر قد وارى بدنك وكأنك قد لاقيت عملك، ويحك!

وإن شر أنواع الكبر ما يمنع من الاستفادة من العلم، وقبول الحق فلا عز إلا لمن تذلل لله عز وجل.

ولهذا لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، لأن كبره يحول بينه وبين أخلاق المؤمنين، فلا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا يتواضع، بل يحقد ويكذب ويغضب ويحسد ولا يكظم غيظًا ولا يقبل النصح ويغتاب ويحتقر.

إن من التواضع أن تقبل عذر من اعتذر، ولو كان هناك خلل في غدره.

إن من أشد أنواع الكبر خطرًا الكبر بالعلم وإن رفع الكبر بالعلم يكون بأمرين:

 أ- أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم أكثر وقد مثل الله تعالى من يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب.

ب- أن يعلم أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وأنه إذا تكبر صار ممقوتًا.

وإذا قلت: هل أتواضع لفاسق مسلم؟

أقول: نعم. وذلك بتذكر الخاتمة فالعاقل لا يتم عقله حتى يرى الناس خيرًا منه حتى الأشرار يقول عنهم لعلهم ينجون وأهلك.

إن الكبر دليل الأمن والأمن مهلك والتواضع دليل الخوف والخوف مسعد.

إن ما يفسده الأخ بإضمار الكبر، واحتقار الخلق أكثر مما يصلحه بظاهر الأعمال.

 وعلامات الكبر في الشخص هي:

- يحب قيام الناس له أو بين يديه.

-لا يزور غيره ولا يبدأ الناس بالسلام.

-يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه أو مؤاكلته.

-لا يتعاطى بيده شغلاً في بيته.

-التكبر يظهر في صوت الإنسان ونغمته ومشيته وجلوسه وحركاته وسكناته.

 -يستبعد تقصير الناس في قضاء حوائجه.

-إن ناظر يأنف أن يرد عليه.

-إن وعظ عنف، وإن وعظ استنكف.

-إن علم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وانتهرهم وامتن عليهم واستخدمهم.

-إن من علامات السعادة أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه.

 4- قسوة القلب:

متى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى، فاعلم أن هذا العبد قد خسف به أما أسباب قسوة القلب فهي فضول الطعام، وفضول المنام، وفضول الاختلاط بالناس، فهذه الأمور تضيع الوقت وتورث الكسل وتثقل البدن.

إن القلب لا يستقيم إلا إذا استقام عمل العبد واستقامت أخلاقه وإرادته.

ومن أعظم ما يعين على رقة القلب الخشوع في الصلاة.

فالذي لا يصلي بخشوع يُحرم قوة الإيمان وانشراح الصدر والدرجات العلى في الآخرة ومرافقة المقربين.

وكيف يعتد بصلاة فقدت روحها وخشوعها، وبقيت صورتها وظاهرها؟

 إن تعطيل القلب عن عبودية الخشوع تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته.

إن الإخلاص هو قصد المعبود وحده بالتعبد. والغافل لا قصد له فلا عبودية له.

 ولذلك قالوا في قوله ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون: 4) أي ساهون عن وقتها وخشوعها.

إن الذي يحسن موقفه في الصلاة يهون الله عليه موقف القيامة.

ومما يرقق القلب أيضًا ذكر الموت.

 فلو لم يكن بين يدي العبد المسكين هول سوى الموت لكان جديرًا أن ينغص عليه عيشه.

وأول ما ينكشف للميت ما ينفعه أو يضره من حسناته أو سيئاته.

إن الأمل كلما قصر جاد العمل لأنه يقدر أن يموت اليوم فيستعد استعداد ميت.

 يقول النبي صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه.

وأما صاحب النار الذي ختم له بسوء، فهو يبشر بها وهو في تلك الأهوال.

ويقول أيضًا: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار فيُقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة.

فاحذر من هذا اليوم الذي يأخذ العرق فيه الناس على قدر أعمالهم.

واحذر أن تقول فيه: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (الزمر: ٥٦).

فأدخل حبس التقوى باختيارك أيامًا ليحصل لك الإطلاق على الدوام.

وحد الخوف ما حجزك عن معاصي الله وحد الرجاء ما طيب لك السير والعبادة.

 فمتى دخل اليقين ركون إلى سبب قدح ذلك في يقينه وليس المراد بذلك قطع الأسباب، فهذه زندقة وكفر، فالرسول صلى الله عليه وسلم سبب الهداية والأعمال الصالحة سبب دخول الجنة، والكفر سبب دخول النار.

إن أضر شيء على العبد التعلق بغير الله فهو أساس الشرك. ولصاحبه الخذلان ولا يتم التوكل إلا بقوة القلب واليقين.

إنه لا أشرح للصدر بعد الإيمان من الثقة بالله فلا تتسبب إلا بطاعته. وإذا اجتمع التوكل والتقوى استقام القلب وإذا حل الجبن لم يشعر المؤمن بالتوكل.

إن من أعظم آثار حسن التوكل شجاعة القلب في إبداء الآراء. فإن وجد الرأي بلا شجاعة وجدنا الجبن والعجز.

وإن صحة الرأي لقاح الشجاعة، فإذا اجتمعا كان النصر والظفر.

 إن أحب الأشياء إلى الله مراغمة وليه لعدوه، وهذا قمة الشجاعة.

ولنعلم أننا لن نصل إلى شيء من تلك الصفات الطيبة إلا بالدعاء والتضرع وكل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه.

ولكن علينا أن نطبق شروط استجابة الدعاء حتى يستجاب لنا وأهمها أكل الحلال، فإن الحجر المغصوب أساس الخراب.

قالوا شروط الدعاء المستجاب لنا *** عشر بها بشر الداعي بإفلاح

طهارة وصلاة معهما ندم *** وقت خشوع وحسن ظن يا صاح

وحل قوت ولا يدعى بمعصية *** واسم يناسب مقرون بإلحاح

فهيا للتعرض بالدعاء لنفحة من نفحات الرب: ففي لحظة أفلح السحرة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

104

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

نصيحة مخلصة لإخوتنا المجاهدين

نشر في العدد 66

114

الثلاثاء 29-يونيو-1971

منوعات

نشر في العدد 246

128

الثلاثاء 22-أبريل-1975

الإخلاص.. معناه مكانته وأثره