; المجتمع التربوي: (العدد: 1419) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: (العدد: 1419)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000

مشاهدات 70

نشر في العدد 1419

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 26-سبتمبر-2000

وقفة تربوية: كأنني أكلت

في كتابه الشائق: «روائع من التاريخ العثماني» كتب الأستاذ الفاضل «أورخان محمد علي» قصة أغرب اسم جامع في العالم.

هل سمع أحد بمثل هذا الاسم الغريب ولكن هذا هو اسم جامع صغير في منطقة فاتح في إسطنبول والاسم باللغة التركية «صانكي يدم».. أي «كأنني أكلت» أو أفترض أنني أكلت!!

ووراء هذا الاسم الغريب قصة غريبة وطريفة وفيها عبرة كبيرة ثم يكمل الأستاذ أورخان قصة هذا الجامع فيقول: «كان يعيش في منطقة «فاتح» شخص ورع اسمه «خير الدين كججي أفندي»، كان صاحبنا هذا عندما يمشي في السوق، وتتوق نفسه لشراء فاكهة، أو لحم أو حلوى يقول في نفسه صانكي قدم كأنني أكلت ثم يضع ثمن تلك الفاكهة أو اللحم أو الحلوى في صندوق له. 

ومضت الأشهر والسنوات، وهو يكف نفسه عن كل لذائذ الأكل، ويكتفي بما يقيم أوده فقط، وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئًا فشيئًا، حتى استطاع بهذا المبلغ الموفور القيام ببناء مسجد صغير في محلته، ولما كان أهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الورع الفقير، وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد، فقد أطلقوا على الجامع اسم جامع «صانكي يدم». 

كم من المال ستجمع للفقراء والمحتاجين. وكم من المشاريع الإسلامية سنشيد في مجتمعنا وفي العالم، وكم من فقير سنسد جوعه وحاجته، وكم من القصور سنشيد في منازلنا في الجنة إن شاء الله، وكم من الحرام والشبهات سنتجنب لو أننا اتبعنا منهاج ذلك الفقير الورع، وقلنا كلما دعتنا أنفسنا لشهوة زائدة على حاجتنا «كأنني أكلت».

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

أنفس ما تملك.. الوقت

● النظرة الصحيحة له تستوعب الماضي والحاضر والمستقبل بالاعتبار والإعداد والاستثمار لدقائقه.

● الغفلة.. التسويف.. دوام الشكوى وعدم الاعتبار بحوادث الدهر. من الآفات القاتلة للوقت.

● ومن آثاره: القلق النفسي.. عدم التوفيق.. الندم بعد فوات الأوان ولو بعد حين. 

من أهم الأسباب التي أدت إلى تخلف المسلمين إهدارهم الوقت وعدم استغلاله فيمَا يعود عليهم بالنفع والخير مقارنة بغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين الذين يحرصون على أوقاتهم أشد الحرص، وهذا سر من أسرار تفوقهم وتقدمهم في شتى المجالات وخصوصًا الاقتصادية منها، وقد عني القرآن والسنة بالوقت، فمَا واجب المسلم تجاه الوقت، وما علاقته به ثم ما الآفات القاتلة له؟

عناية القرآن والسنة بالوقت أقسم الله سبحانه وتعالى في مطالع سور عدة من القرآن الكريم بأجزاء معينة من الوقت مثل الليل والنهار والضحى والفجر والعصر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ (الليل:1-2) ﴿وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (الفجر:1-2). ﴿وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (العصر:1-2)

ويقول المفسرون إن الله تعالى إذا أقسم بشيء من خلقه فإنه يلفت أنظارنا إليه، وينبهنا إلى جليل منفعته، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (الفرقان: 62) وقال رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيمَا أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به» رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح كما أن فرائض الإسلام وآدابه تؤكد قيمة الوقت وأداء كل واجب في أوانه دون تأخير أو تسويف، ومثال ذلك فريضة الصلاة وفريضة الصيام والحج.

خصائص الوقت:

للوقت خصائص ومميزات ينفرد بها عن غيره من الأمور، ومن أهمها سرعة انقضائه، فهو يمر من السحاب، ويجري جري الرياح، فمهما طال عمر الإنسان فهو قصير مادام الموت. هو نهاية كل حي. كما أن ما مضى منه لا يعوض، ولا يمكن استعادته. 

وقد عبر الحسن البصري- رضي الله عنه- عن ذلك بقوله: «ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن ادم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة».

 ثم إن الوقت هو أنفس ما يملك الإنسان، فهو الرأسمال الحقيقي الذي يتوافر عليه، ويعتبر أغلى من الذهب، ومن كل جوهر نفيس فالوقت هو حياة الإنسان من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة، وفي هذا يقول الحسن البصري أيضًا يا بن آدم أنت أيام مجموعة كلما ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت تعلم، فاعمل فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل».

ومن جهل قيمة الوقت فسيأتي عليه وقت يعرف فيه قيمته، ويتمنى لو عاد به الزمن، وفي هذا الشأن يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (المنافقون: 10). 

واجب الإنسان المسلم نحو الوقت:

من واجب المسلم المحافظة على الوقت كما يحافظ على المال، ويوظفه فيما يعود عليه وعلى المجتمع والوطن والأمة بالنفع، يقول عمر بن عبد العزيز «الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. ويقول ابن مسعود: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه عمري، ولم يرد فيه عملي».

والحقيقة أن المسلمين اليوم يتفننون في تضييع الوقت وإهداره أكثر من تبذير الأموال وإسرافها. ويتم إضاعة الأوقات الثمينة في سفاسف الأمور وتوافهها.

ومن الواجب اغتنام الفراغ الذي يعتبر من نعم الله في الخير والصلاح والعمل لكلتا الدارين الدنيا والآخرة، يقول الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ».

 كما ينبغي على الإنسان المسلم أن ينظم وقته بين الواجبات والأعمال المختلفة دينية كانت أم دنيوية، وقد وقت الله تعالى الكثير من العبادات والفرائض بمواقيت محددة، وخصوصًا الصلاة، إذ يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: 103﴾، كما أن الإنسان لابد من قضاء جزء من وقته في الترويح عن النفس بالحلال الطيب من متاع الدنيا وزينتها.

علاقة الناس بالوقت الماضي والحاضر والمستقبل:

يختلف الناس كثيرًا في تعاملهم مع «الوقت». فمنهم المتعلقون بالماضي الذين لا يهتمون بسواه. ويعتزون بأمجاده، ومآثر الآباء والأجداد، ويتغنون بذلك، ومنهم المتعبدون للمستقبل المعرضون عن تاريخ حضارتهم الدينية والثقافية، وهناك صنف من الناس يريد العيش ليومه فقط ولا ينظر إلى الماضي، ولا يتطلع إلى المستقبل، يقول أحد الشعراء في هذا الشأن.

ما مضى فات والمؤمل غيب *** ولك الساعة التي أنت فيها

وهناك كثير من الناس ينظرون إلى الحياة المستقبل بمنظار أسود وموقف سلبي يطبعه اليأس والقنوط ثم مواجهة المستقبل بالأماني والأحلام الكاذبة، لا بالعمل والعلم والتخطيط والتوكل، وقد أنكر القرآن الكريم عليهم، إذ يقول عز وجل: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: 123).

النظرة الصحيحة للزمن:

النظرة الإسلامية الصحيحة للوقت هي التي تستوعب الماضي والحاضر والمستقبل معًا، فلابد من نظرة للماضي من أجل الاعتبار والاتعاظ يقول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج:46﴾. ولا بد أيضًا من نظرة للمستقبل وعدم الغفلة عنه وإعداد العدة، يقول الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ «إن العبد بين مخافتين، بين أجل قد قضي لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن الشبيبة قبل الهرم فوالذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار».

كما لا بد من اهتمام خاص بالحاضر، واغتنام اللحظة التي يعيشها المسلم قبل أن تقلت أو تضيع. يقول الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يغرسها فليغرسها». (رواه أحمد).

يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» «على العاقل أن تكون له أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه. وساعة يتفكر في صنع الله، وساعة يخلد فيها للمطعم والمشرب».

الآفات القاتلة للوقت:

هناك آفات كثيرة تضيع على الإنسان وقته وتأكل عمره، ومن أهمها الغفلة، وفقدان الإحساس بالليل والنهار، وعدم الاعتبار بحوادث الدهر، ثم التسويف والتأجيل، ويقول الحسن البصري في هذا الصدد إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك فإن يكن لك غد فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم.

يقول الشاعر:

تزود من التقوى فإنك لا تدري *** إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

ومن الآفات الخطيرة كذلك سباب الزمان وإلقاء اللوم على الوقت ودوام الشكوى منه، ويرجع سبب ذلك إلى تهرب الأشخاص من تحمل التبعية عن أخطائهم، وأعمالهم، فيلقون باللوم على الدهر يقول الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» (رواه مسلم عن أبي هريرة). 

وما أصدق قول الشاعر 

نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب *** ولو نطق الزمان بنا هجانا

وقفات مع التقوى:

معناها في اللغة: مشتقة من قولك: «وقاه الله وقيًّا ووقاية أي صانه» وفي الاصطلاح للتقوى معنيان:

 ١- عام: الصيانة والحفظ والتباعد عن كل شر مضر في الدار الآخرة.

 ٢- خاص: الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان، وهو اتقاء الشرك الأكبر والأصغر. أما الصحابة- رضي الله عنهم – فيعرفون التقوى بقولهم:

٣- أبو بكر- رضي الله عنه-: «أكيس الكيس التقوى وأحمق الحمق الفجور وأصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة»

عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه .. «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخالف عقاب الله».

وكان الصحابة- رضوان الله عليهم دائمًا في خطبهم يوصون بتقوى الله عز وجل.

أقوال المفسرين في التقوى:

يقول سيد قطب: «التقوى.. حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوق الأشواك الطريق... طريق الحياة الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات وأشواك المطامع والمطامح وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، وعشرات غيرها من الأشواك».

ويقول ابن الجوزي: «المتقون المحترزون مما اتقوه، قال: وفرق شيخنا علي بن عبيد الله بين التقوى والورع، فقال: التقوى أخذ عبرة والورع دفع شبهة، فالتقوى متحققة السبب والورع مظنون السبب».

أما درجات التقوى فخمس:

1- أن يتقي العبد الكفر ومقام ذلك الإسلام

2- أن يتقي المعاصي والمحرمات ومقام ذلك التوبة.

3- أن يتقي الشبهات، ومقام ذلك الورع

4- أن يتقي المباحات ومقام ذلك الزهد.

5- أن يتقي حضور غير الله على قلبه ومقام ذلك المشاهدة.

أما البواعث على التقوى فعشرة هي:

  1. خوف العقاب الأخروي.

  2. خوف العقاب الدنيوي.

  3. رجاء الثواب الأخروي.

  4. رجاء الثواب الدنيوي.

  5. خوف الحساب.

  6.  الحياء من نظر الله.

  7. الشكر على نعمه بطاعته.

  8. العلم.

  9. التعظيم لجلال الله.

10- صدق المحبة.

المرجع: كتاب «منهج الرسول في تربية أصحابه على ضوء سورة الحجرات».

محمد مقبل علي دبوان تعز اليمن

الرابط المختصر :