العنوان المجتمع التربوي (1395)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 54
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 11-أبريل-2000
■ وقفة تربوية
■ الهجرةُ منهجُ حياةٍ
تمر علينا ذكرى الهجرة النبوية - على صاحبها الصلاة والسلام-التي تمتلئ بالعبر، بل تعد منهج حياة للناجحين.
تجمع أربعون شابًا من اقوى فتيان قريش وباقي القبائل حول بيت النبي r مدججين بالسلاح لا هدف لهم سوى رأس الرسول r.
خرج الرسول r من بينهم وقد عطل الله سبحانه وتعالى حاسة الإبصار لديهم بالرغم من عيونهم المفتوحة.. وهنا نتمثل العبرة الأولى التي نقتطفها من هذه الحادثة. وهي أن الله تعالى قد تكفل بحفظ هذا الدين، ونصر من يقوم بحمله وتبليغه للناس بشرط أن يقوم هذا المبلغ بنصر الله سبحانه، إذ إن القاعدة الربانية ماضية من غير تغيير حتى يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)
ولقدْ وفي الله بوعده منذ أن أنزل آدم هذه الأرض، وأرسل الرسل، وكلما كان إلى هناك نصر من المبلغ، كان يردفه نصر من الله تعالى.. فالله U لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن هذا الإنسان هو الذي يتغير.
والأمر هكذا: لا يخشى الدعاة على دعوتهم، ولا ييأسوا من رحمة الله تعالى ونصره، ولكن لينظروا إلى أنفسهم ويتحققوا من إيمانهم، وعلاقتهم مع ربهم.
لقد أغرق الله سبحانه العالم كله من أجل عبد صالح نصره، وعطل صفة الإحراق في النار عندما ألقي عبده الصالح الذي نصره في نار الدنيا، وهو قادر على تكرار هذا النصر لكل من ينصره.. في كل زمان ومكان.
أبو خلاد
■ يوم عاشوراء.. فضله.. وبدع البعض فيه
فضل العمل الصالح فيه كبير لكن لم يصح حديثًا: الاغتسال والتوسعة على العيال
د. ناول عبد الهادي
أمر الرسول ﷺ بصيام يوم معه. قبله أو بعده. رغبة في التميز عن اليهود تمر بالمسلمين في كل عام مناسبة عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم، فماذا صح في هذا اليوم وما وجه الحق فيما يروى فيه؟
من الناحية التاريخية.. يبدو أن يوم عاشوراء كان يومًا معظمًا في الأمم المتقدمة زمنًا وانه كان يومًا مباركًا عندها، فقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم أن أهل الجاهلية من العرب كانوا يصومونه، وأن قريشًا كانت تصومه، وأن رسول الله ﷺ كان يصومه أيضًا، وهو في مكة قبل أن يهاجر.
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان يوم عاشوراء نصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
ولعل صيام العرب الجاهليين له بقية من الحنيفية دين إبراهيم التي حرفها المحرفون.
وقد ورد في بعض الآثار أن هذا اليوم كان يومًا مباركًا منذ عهد نوح - u، جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد أن رسول الله r مر بأناس من اليهود، وقد صاموا يوم عاشوراء، فلما سألهم قالوا: هذا اليوم الذي نجي الله فيه موسى وهذا اليوم هو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصام نوح.. وصام موسى شكرًا لله.
وكذلك فإن اليهود كانوا يصومونه احتفالًا بنصر الله -U- عبده ونبيه موسى - u على فرعون؛ إذ نجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا لله.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟ قالوا: هذا يوم نجي الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى» قال أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه «رواه البخاري ومسلم».
وهكذا تقابل النعم بالشكر. فصامه موسى عليه السلام، وصامه اليهود بعد، علمًا بأن شهور السنة العبرية «اليهودية» قمرية كما قرر ذلك العلماء المختصون في التقويم.
وقد رغَّب رسولُ الله ﷺ المسلمين في صيامه، واحتسب على الله أن يكفِّرَ صيامه سنة كاملة.
عن أبي قتادة رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: «يكفر السنة الماضية»، «رواه مسلم».
ورواه ابن ماجة ولفظه قال صيام يوم «عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله.
وما أعظمها من تجارة وما أروعه من جزاء أن تكفر سنة، ونحن قوم ذنوبنا كثيرة ومخالفاتنا وفيرة، وتقصيرنا كبير، نسأل الله المغفرة.
صيام عاشوراء عند المسلمين يمر بأدوار كالتالي:
1 - فقد كان رسول الله ﷺ يصومه في مكة كما ذكرنا آنفًا.
۲- ولما هاجر صامه في المدينة، وأمر المسلمين بصيامه، وذلك قبل نزول صيام رمضان
قال ابن حجر وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أم لا؟ فالجمهور، وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه. وهو قول الحنفية - أول ما فرض صيام عاشوراء فلما نزل صيام رمضان نسخ، فمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعًا: «لم يكتب الله عليكم صيامه».
ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب بلفظ الأمر وحديث الربيع بنت معوذ الآتي، وهو أيضًا عند مسلم «من أصبح صائمًا فليتم صومه».
قالت: فلم نزل نصومه ونصوم صبياننا وهم صغار «الحديث».
وحديث سلمة بن الأكوع مرفوعًا «من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم» «الحديث».
وقال ابن حجر: والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا فقد نسخ بلا ريب.
وقد حقق الحافظ ابن حجر - رحمه الله- أمره ﷺ للمسلمين بصيام عاشوراء بأنه
تاريخ كان في أول السنة الثانية للهجرة، لأنه قدم المدينة الأول، وأول عاشوراء تمر عليهم في المدينة حينئذ تكون في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض صيام شهر رمضان ونسخ وجوب صيام عاشوراء على القول إن صيامه في ربيع
كان واجبًا - وبقي صيامه سنة مؤكدة.
يستنتج ابن حجر أنه لم يقع الأمر بصيام عاشوراء على سبيل الوجوب إلا سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، ونقل عن ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب.
والأحاديث الدالة على استحباب صيامه كثيرة منها ما يأتي:
أخرج البخاري ومسلم عن معاوية - رضي الله عنه - أنه قال: سمعت رسول الله r يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب أن يفطر فليفطر
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم.. يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان» «متفق عليه».
وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال رسول الله ﷺ «.. وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر به السنة التي قبله» «رواه مسلم».
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصيام - بعد رمضان شهر الله المحرم» «رواه مسلم».
وتحكي السيدة الفاضلة الربيع بنت معوذ بن عفراء فيما أخرجه البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة «من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه» ويبدو أن هذا كان في حالة الوجوب.
وتذكر هذه السيدة الكريمة أنهم بعد أن رأوا هذا التأكيد بالنداء العام وبأمر من أكل بالإمساك بقية اليوم حرصوا أشد الحرص على صيام هذا اليوم تقول الربيع فكنا بعد ذلك نصومه، وتصوم صبياننا الصغار منهم، وتذهب بهم إلى المسجد.
فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم.
وفي ذلك دلالة قوية على مكانة صيامه عند الصحابة - رضي الله عنهم.
ضرورة التميز عن اليهود
ذكرنا أن اليهود كانوا يصومونه احتفالًا بيوم انتصار موسى على فرعون، ونود أن نضيف إلى ذلك أن الرسول ﷺ عندما علم أن اليهود يصومون يوم عاشوراء سألهم عن سبب ذلك، فذكروا له أن هذا اليوم يوم نجى الله فيه موسى فصامه شكرًا، وأنهم يصومونه لذلك، فقال ﷺ: نحن أحق بموسى منكم، وأمر بصيامه مرة أخرى.
ورغبة منه ﷺ في التميز عن اليهود في هذه العبادة رغب المسلمين أن يصوموا يومًا معه إما قبله، وإما بعده، وعزم صلوات الله وسلامه عليه أن يصوم التاسع والعاشر إن عاش إلى قابل كما دلت الروايات المتعددة على ذلك.
وإن هذا ليدل على أنه الله استمر بالاهتمام بهذا اليوم حتى عام وفاته ﷺ؛ إذ قال فيما رواه مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول ﷺ، قال ابن حجر: فإنه ظاهر في أنه كان يصوم العاشر، وهم بصوم التاسع فمات قبل ذلك.
وهناك أمران لا بُدَّ من ذكرهما، هما: ما الحكمة من صيام هذا اليوم؟ وما الرأي في الأحاديث التي تروى فيه؟
الأمر الأول: أن الإنسان مؤلف من جسم وروح، فكما أن الجسم يحتاج إلى تغذية فكذلك الروح تحتاج إلى تغذية.
وأثر الصيام في النفس ملموس مشهود، فهو سبيل من السبل التي توصل سالكها إلى التقوى ووسيلة تروض النفس على قوة الإرادة، وتحررها من طغيان الغريزة والضرورة، وتعمل على إرهاف المشاعر، وترقيق الطباع، والارتفاع بالروح، ولما كان الإسلام دين اليسر والسماحة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185) ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ﴾ (الحج: 78) ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: 6).
لم يوجب على المسلمين الصيام إلا صيام رمضان، وجعل صيام سواه ناقلة من النوافل التي تحقق المقاصد المذكورة آنفًا.
والصيام المسنون كثير، ومنه صيام عاشوراء.
وإنه ليؤسفني أن أقرر أن السواد الأعظم من السنة كثيرًا، فأنت تراهم المتدينين ضيعوا هذه السنة، يحافظون على النوافل والرواتب في الصلاة ولكنهم في الصوم قلما يفعلون.
أما الأمر الثاني: فقد وردت أحاديث كثيرة في عاشوراء ذكرها العلماء في كتب الموضوعات.
ومن أشهرها حديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء، ولم يرد فيها حديث صحيح، بل الأحاديث الواردة ضعيفة يوهن بعضها بعضًا، كما قرر ذلك علماء الحديث في كتبهم.
وقد صح أن رسول ﷺ أمر بصوم عاشوراء إذ قال: «إنها كفارة سنة».
وهناك الكثير من الأحاديث الموضوعة في فضل عاشوراء منها من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض إلا مرض الموت، ومن اكتحل يوم عاشوراء لم ترمد عيناه تلك السنة كلها، وهو حديث موضوع.
قال العلامة مرعي الكرمي بعد أن أورده.
ونحو ذلك من الخضاب يوم عاشوراء والمصافحة فيه، كل ذلك كذب مختلق باتفاق من يعرف علم الحديث، ثم نقل عن ابن تيمية قوله: ولم يستحب أحد من الأئمة الاغتسال يوم عاشوراء والكحل فيه والخضاب وأمثال ذلك.
وهناك بدع كثيرة في هذا اليوم لا أصل لها وعلينا أن نتذكر دائمًا قول الرسول العظيم ﷺ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وقوله: «إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».
د. ناول عبد الهادي أكاديمي مغربي
يومٌ عظيمٌ
يوم ٌكريمٌ، وقطعةُ من الزمن مباركةٌ ظهر فيها الحقُ، وبان نوره واندحر فيه الباطل وانطفات ناره.. وهكذا الغلبة والتمكين للدين القويم، قال تعالى ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47).
صامه أنبياء الله شكرًا لله على نعماه ونحن نصومه مستشعرين ذلك النصر المؤزر ونرجو الله أن يمحو عنا الذنب ويغفر.. إنه يوم عاشوراء الذي يأتي في العاشر من شهر المحرم من كل عام.
موسم تجارة مربحة:
إن صيامه فرصة عظيمة، وتجارة رابحة وغنيمة باردة لمن أسرف على نفسه بالمعاصي والآثام-وكلنا ذاك الرجل-الذي يرجو أن تكفر عنه ذنوب العام.. في الحديث الذي رواه مسلم «صيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله».
التَمَيُّزُ:
لأن المسلم متميزٌ دائمًا عن أصحاب الملل المنحرفة -لا سيما في الأمور التعبدية - فقد حث r على صيام يوم قبله أو بعده مخالفة لليهود الذين يصومونه مفردًا.
حتى الصغار:
كان الصحابة يصومون هذا اليوم ويصومونه صبيانهم، ويجعلون لهم اللعبة من العهن حتى يتسلوا بها عن الجوع ليكمل صومهم ذلك اليوم.
هذا في حق الصغار.. فما بال الشباب والكبار؟
استفتاح مبارك:
إنه استفتاح مبارك للعام الجديد.. بصيام هذا اليوم.. فاستفتح عامك بالذي هو خير عسى الله أن يجعل كل العام خيرًا.
أمر باطل:
إن بعضًا ممن ضل سعيهم في الحياة جعل هذا اليوم مأتمًا.. كما عند بعض الفرق الضالة، وإنه لمنكر عظيم، وبدعة محدثة، فإن الله لم يأمر، ورسوله لم يجعل من مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا فكيف بمن هم دونهم؟
فأحرص -رعاك الله- على صيام هذا اليوم ولا تعجز وتذكر أن الأيَّامَ تطوى والساعات تفنى، ولا يبقى إلا أثر العمل الصالح.
رياض بن ناصر الفريجي- جامعة الملك سعود الرياض
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل