العنوان المجتمع التربوي (1390)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000
مشاهدات 77
نشر في العدد 1390
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 29-فبراير-2000
وقفة تربوية
رحم الله «محرَّمًا»
إعداد: عبد الحميد البلالي
داعية بكل ما تحمل الكلمة من المعاني ولا يتوقف عن دعوته حتى وهو داخل الزنزانة، جميل المعشر، حلو الطباع، يأسر قلبك بمقابلته متواضع بشكل ملحوظ سريع الألفة، أليف يؤلف، إنه الشيخ محرَّم العارفي، الذي ودع الدنيا مؤخرًا كانت أول معرفة به في الهند، إذ جمعنا مخيم الشباب المسلم في مدينة ميسور في بنجلور عام ١٩٩٣م. وقتها تحدث لي وللإخوة الطلبة عن الكثير من ذكريات الدعوة، وكان أغرب ما حدثنا به قصته مع السجان اليهودي في سجن أنصار بجنوب لبنان المحتل يقول الشيخ محرم -رحمه الله- «كان هناك سجان يهودي يقوم على أمرنا في سجن أنصار، وذلك عندما اعتقلني اليهود مع الكثير من أبناء لبنان، ويبدو أنه كان عربياً، فاتجهت نحوه وتعرفت إليه، وتوثقت العلاقة بيني وبينه، حتى بدأ يروي لي بعض مشكلاته الخاصة، إذ كانت العلاقة متأزمة بينه وبين زوجته فبدأت أنصحه ببعض النصائح التي يمكنه من خلالها أن يكسب زوجته، وتزيد من محبتها له وتعلقها به وكان يطبق ما أقوله له حتى ازداد تعلقه بي، وعندما نقلوه من سجننا إلى سجن آخر أخذ ينادي علي وهو يبكي لشدة الفراق عليه.
وكان الشيخ -رحمه الله- يستنتج من تلك الحادثة أهمية العلاقات الطيبة بالمدعوين، وأثرها في الدعوة إلى الله، معا يدلل على سجاياه الطيبة، وحنكته في دعوة الآخرين رحم الله محرَّمًا، ورفع مقامه في أعلى الجنان، وجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى.
أبو خلاد
رحلة الحب في الله ودلالاتها الإيمانية
الحج: عبادة العمر وتمام الإسلام ومدرسة الأخلاق والأخوة والوحدة
بقلم: محمود عبد الهادي المرسي
في مثل هذه الأيام من كل عام يتوافد المسلمون على اختلاف ألسنتهم، وألوانهم وأوطانهم في رحلة إيمانية مباركة إلى قبلة الأمم «مكة المكرمة»، التي شرفها الله، حيث يعقد أكبر مؤتمر إسلامي على صعيد واحد الجميع في ضيافة الرحمن الرحيم.. الجميع تركوا الأهل والأوطان، رافعين راية الإيمان، متجردين من جميل الثياب، وعظيم الألقاب فالكل أمام الله سواء.
الجميع رؤوسهم حاسرة، عيونهم باكية، أكفهم ضارعة، ثيابهم كأكفان الموتى تذكر بالآخرة، وتدعو إلى التواضع والزهد.
في الحج تنزل الرحمات، وتستجاب الدعوات، وتطمئن القلوب، وتغفر الذنوب، وتمحى العيوب، وتسكب الدموع، ويقبل الله التوبة إليه والرجوع، وهناك تلهج الألسنة بالدعاء والتلبية لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، فيرتفع الدعاء إلى مستوى الاستجابة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: ١٨٦)، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) والحج عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام وفيه انزل الله تعالى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ۳)، تهفو إليه النفوس المؤمنة، وتتشوق إليه القلوب المخلصة، لأنه من أفضل الأعمال على الإطلاق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله أي العمل أفضل قال إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (۱).
وعن السيدة عائشة -رضي الله عنها قالت: «قلت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ فقال: "لكنَّ أفضل الجهاد حج مبرور» (۲) وفي رواية أخرى قال: «لكنَّ أحسن الجهاد وأجمله الحج.. حج مبرور» (۳) قالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت رسول الله يقول هذا والحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وقال الحسن أن يرجع الإنسان زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وروي مرفوعًا بسند حسن أن بره إطعام الطعام، ولين الكلام ولهذا كان الناس في القديم يبذلون كل ما في وسعهم لأداء هذه الفريضة مهما كلفهم ذلك من جهد أو مشقة، أو تضحية، راجين تحصيل النفع لهم، والناس أجمعين.
ومن أروع ما يذكر في هذا المقام قصة لمقعد -كسيح- شوهد وهو يزحف ساعيًا إلى بيت الله الحرام بمكة، فسأله سائل من أين أقبلت فقال له من سمرقند، فسأله وكم لك في الطريق فذكر له أعوامًا تزيد على الخمسة، فتعجب السائل، فسأله فيم دهشتك؟ قال له: دهشت من ضعف مهجتك، وبعد سفرك، فأجاب -والإيمان الكامل يملأ قلبه: أما ضعف مهجتي فمولاي يحمله وأما بعد سفري فالشوق يقربه إنها رحلة الحب إلى الله ورسوله رحلة الشوق إلى بيت الله الحرام الذي جعله الله للناس جميعًا سواء العاكف فيه والباد.
روى ابن جريج عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: «هذا البيت دعامة الإسلام فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضمونًا على الله إن قبضه أن يدخله الجنة، وإن رده رده بأجر وغنيمة» إنه أول بيت وضع للناس كما يقول المولى عز اسمه ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:96-97) ومن الآيات أن الله جعل هذا البيت مباركًا والبركة تعني كثرة الخير، وذلك لتضاعف الأعمال الصالحة فيه، فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة، كما أن من دخله كان آمنًا، قال قتادة وذلك أيضًا من الآيات، لأن الناس كانوا يتخطفون من حواليه، وأهل الحرم آمنون بفضل الله ويظهر ذلك جلياً في قوله سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (العنكبوت: ٦٧)، وقال سبحانه ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (قريش:3-4).
وقال الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: إنما يكون آمنًا من النار من دخله لقضاء النسك معظمًا له، عارفًا بحقه، متقربًا بذلك إلى الله عز وجل وقال البعض كان آمنًا من عذاب الله من دخله على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء.
ومن سماحة الإسلام أن الله جعل هذه الفريضة على القادر من المسلمين المستطيع صحة، ومالًا، ومزادًا، وراحلة، قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:97)، كما جعله واجبًا على الإنسان مرة واحدة في العمر فمن زاد فهو تطوع روى مسلم بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال خطبنا رسول الله فقال: «يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل -وهو الأقرع بن حابس- أكل عام يا رسول الله؟ فسكت الرسول حتى قالها ثلاثًا، فقال النبي "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٤).
وقد حج الرسول الكريم في العام العاشر من الهجرة، وهذه الحجة تسمى حجة الوداع، لأن الرسول لحق بعدها بالرفيق الأعلى، وتسمى حجة الإسلام، لأن الرسول بلغ فيها وبيّن أصول الإسلام، وتسمى كذلك حجة البلاغ، لأنه بلغ فيها قواعد الدين وأصول العقائد وشعائر العبادات، ومبادئ الأحكام، ومناهج الأحكام، ومنهاج السلوك، وقواعد النظام.
والحج في حقيقته مدرسة أخلاقية عليا تعلم المعاني السامية، والمثل الرفيعة، والعبر الجليلة وبه يسمو الفرد أخلاقيًّا، واجتماعيًّا وفيه دعوة للوحدة والمساواة الحقة، والتعاون على الخير والبر والتقوى والأخوة المتينة التي صاغ الله بها هذه الأمة بقوله: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92).
وقد أرشدت تعاليم الوحي حجيج البيت الحرام إلى أن يكونوا مثلًا عليا في الحق، وحسن المعاملة وأن يتزودوا بالتقوي، والأعمال الصالحة. قال تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة:197).
والحج بهذا المعنى يغفر السيئات، ويمحو الخطايا، ويمحق الذنوب، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (٥).
وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم: «من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه» (٦).
كما ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (۷)
وأما عن النفقة في الحج فهي بسبعمائة ضعف، فعن بريدة قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: «النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله الدرهم بسبعمائة ضعف»(۸)
ولاشك في أن سائر أعمال الحج لها دلالات إيمانية عميقة في مبناها ومغزاها انظر إلى حكمة الله تعالى في مناسك الحج، وكل فعل جل شأنه لحكمة
فملابس الإحرام البيضاء تشير إلى فطرة المسلم في بياضها، وصفائها.
والطواف حول الكعبة: سواء كان طواف قدوم أو إفاضة، وهو ما يسمى بطواف الزيارة أو طواف وداع، تشبيه بالملائكة الذين يطوفون حول العرش ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الزمر).
ويبدأ الطواف بالحجر الأسود مقبلًا له، أو مشيرًا إليه، ففي الحج حجر يرمى، وآخر يقبل حجر يرجم، وآخر يلثم إنها حكمة الله.
والحجر الأسود يبعث يوم القيامة، وله عينان، ولسان، ويشهد لكل من قبله أو استلمه أو أشار إليه، كما ثبت ذلك عن رسول الله.
والصلاة في مقام إبراهيم امتثالًا لقول الحق سبحانه ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥)
وهذه الصلاة تذكرنا بعظمة خليل الرحمن الذي رفع القواعد من البيت، ودعا الله سبحانه وتعالى أن يبعث في هذه الأمة رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويطهرهم، ويزكيهم، قال تعالى ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (البقرة: ۱۲۹)
والسعي بين الصفا والمروة يذكرنا بعظمة أمنا هاجر زوج سيدنا إبراهيم -عليه السلام- التي تركها هي وطفلها إسماعيل في مكان قفر موحش لا أنيس فيه ولا جليس إلا الله وهي راضية بقضاء ربها وقدره، ولما نفد الماء صارت تبحث عنه وتهرول بين الصفا والمروة سبع مرات، فجعل الله سعيها نسكًا، وعبادة لعباده المسلمين بعد ذلك.
والشراب من ماء زمزم يذكرنا بفيض الله على هاجر وابنها إسماعيل حينما اشتد العطش بهذا الوليد الكريم، فانفجر الماء من باطن الأرض يحمل اليسر بعد العسر والفرج بعد الضيق وعن هذا الماء يقول الحبيب المصطفى: «ماء زمزم لما شرب له».
والوقوف بعرفات يوم التاسع من ذي الحجة هذا المشهد الجليل الرهيب يذكرنا بيوم الحساب، والعرض على الله، كما يذكرنا بتمام النعمة بنزول آخر آية من القرآن على قلب الحبيب النبي في حجة الوداع، إذ أنزل قوله الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة:281).
وهذا على الرأي الراجح إنه الركن الأعظم في الحج، ولذا قال الرسول الكريم الحج عرفات، قالها ثلاثًا.
فاللهم اجعلنا على الدوام من حجاج بيتك الحرام، لنعيش في هذا الجو الذي يتعانق فيه القلب واللسان في تسبيح الكريم المنان، وزد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابة .
الهوامش
(۱) رواه البخاري الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ج۲، ص ۱۱۰ ط الشعب.
(۲) رواه البخاري، وغيره
(۳) الترغيب والترهيب، ج ۲، ص ۱۱۱
(4) صحيح الإرواء ۹۸۰ رواه مسلم : ۱۰۲/۱وأحمد : ۲/ ٥۰۸ والنسائي ٢/٢، والبيهقي ٣٣٦/٤، والدارقطني ۲۸۱
(٥) رواه النسائي والترمذي وصححه.
(6) رواه البخاري ومسلم.
(۷) رواه البخاري ومسلم والبيهقي وابن ماجه
(۸) رواه ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والبيهقي وإسناده حسن
آفات على الطريق
أكل الحرام أصل كل مصيبة «٣ من ٤»
من عواقبه: مرض القلب الاضطراب النفسي.. عدم قبول الدعاء
بقلم: د. السيد محمد نوح «*»
هناك عواقب ضارة، وآثار مهلكة تترتب على أكل الحرام سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي، وهذه هي بعض الآثار والعواقب المذكورة
أ. على العاملين: كثيرة، نذكر منها
1. مرض القلب بل موته الأمر الذي يفضي إلى النار، ذلك أن القلب يصيبه المرض بالمعاصي والسيئات حتى إذا استمرت هذه المعاصي والسيئات، ولم تنته بعد كان موت هذا القلب وأكل الحرام من أكبر المعاصي والسيئات.
وقد مر معنا شرح أحوال القلب من حين يصيبه المرض بأول ذنب أو معصية حتى يموت بسبب الاستمرار والمواظبة على المعاصي والسيئات من الغين إلى الغيم إلى الران، إلى القفل إلى الختم والطبع.
وإذا مرض القلب بل مات انصرف عن رسالته وهي توجيه الجوارح لأداء الرسالة التي كلف بها صاحب هذا القلب، إلى توجيهه ناحية الشر والفساد، فيعيش آكل الحرام غارقاً في المعاصي من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه حتى يموت ويكون مصيره وعاقبته النار وينسى دار القرار والعياذ بالله، وقد لفت النبي -صلى الله عليه وسلم- النظر إلى ذلك بقوله يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت النار أولى به (۱)
ووعى المسلمون الأوائل ذلك فامتنعوا عن أكل الحرام، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت كان لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبوبكر، فقال له الغلام أتدري ما هذا فقال أبو بكر وما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه (2).
2- ذلك أن أكل الحرام يسوّد القلب ويفسده كما مضى وهذا بدوره يؤدي إلى القلق والاضطراب النفسي.
وحسبنا قوله سبحانه وتعالى - فيمن يأكلون الربا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)
3- عدم قبول الدعاء ذلك أن أكل الحرام يجر صاحبه كما تقدم إلى سيل من المعاصي والسيئات، ولاشك أن هذا مما يحول بين العبد وبين قبول الدعاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا». وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون:51)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة:۱۷۲) ثم ذكر الرجل يطيل السفر. أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأني يستجاب لذلك» (۳)
4- الكوارث التي تذهب بكل خير :
ذلك أن أكلة الحرام قد ينزل بهم من الكوارث، والبلايا ما يكون سببًا في ذهاب كل خير، وحسبنا قوله سبحانه في أكلة الربا ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (البقرة:٢٧٦). ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾ (الروم:۳۹).. ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30)
5- القعود عن أداء الواجبات، والانصراف إلى المعاصي والسيئات:
ذلك أن أكل الحرام يثقل بصاحبه عن أداء الواجبات، ويقوده إلى المعاصي، والسيئات، ومن قعد عن أداء واجبه وانطلق يكرع من المعاصي والسيئات فقد خسر إنسانيته، وتحول إلى حيوان وربما أدنى من الحيوان.
ب- على العمل الإسلامي:
وهي كثيرة أيضًا، نذكر منها:
1- ضعف الإنتاج وتوقف التنمية:
وهذا أمر بدهي في عملٍ كلٌّ من أفراده ميت القلب، قلق النفس، مضطرب الأعصاب، قاعد عن أداء واجبه منصرف إلى المعاصي والسيئات تحيط به الكوارث، وتلاحقه المصائب من كل ناحية، لا يقبل الله منه دعاء، ولا يجيب له طلبًا، لأنه ماض في أكل الحرام لا يرجع عنه.
2- طول الطريق وكثرة التكاليف :
وضعف الإنتاج، وتوقف التنمية يؤدي بدوره إلى أن تطول الطريق، وتكثر التكاليف، ويتأخر النصر، وتبقى الحياة مرتعًا للظالمين، والجبارين ينشرون في الأرض الفساد، ويهلكون الحرث والنسل، ويعبثون بالقيم العليا، والمبادئ السامية، ويتحمل أكلوا الحرام إثم ذلك كله وجرمه، وصدق الله العظيم الذي يقول ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41) ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف:96) ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ (يونس: ۲۷) ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف:39) .
الهوامش
(1) أخرجه أحمد في المسند 3/ 3٢١، 3٩٩ من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا على أنه من حديث طويل والترمذي في السنن كتاب الصلاة باب ما ذكر في الصلاة٢/٥١٢- 513 رقم 614 من حديث كعب بن عجرة مرفوعاً بلفظ «يا كعب بن عجزة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به»، وعقب عليه بقوله هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى، وصححه الشيخ أحمد شاكر في شرحه على الترمذي.
(۲) أخرجه البخاري في الصحيح كتاب مناقب الأنصار باب أيام الجاهلية 5/53-٥٤ من حديث عائشة رضي الله عنها بهذا اللفظ
(۳) أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الزكاة باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها 2/703 رقم ١٠١٥/65، والترمذي في السنن كتاب تفسير القرآن سورة البقرة رقم ۲۹۸۹، والدارمي في السنن كتاب الرقاق باب في أكل الطيب 2/300 وأحمد في المسند ٢/٣3٨ كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ وبنحوه.
«*» أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة –جامعة الكويت
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل