; المجتمع التربوي (1381) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1381)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1999

مشاهدات 99

نشر في العدد 1381

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 21-ديسمبر-1999

وقفة تربوية

الدخول من باب «الريان»

     أوضح لنا النبي ﷺ في الحديث أن للصائمين بابًا خاصًا يسمي الريان لا يدخل منه إلا الصائمون. فمن أراد الدخول من هذا الباب الذي لا يدخله أحد من الناس إلا الصائمون، فعليه بصيام هذا الشهر إيمانًا واحتسابًا كما أوصلنا النبي ﷺ بذلك؛ تصديقًا لوجوبه، واحتسابًا للأجر من عند الله -تعالى- عن كل ما يصيب المرء وهو صائم، فيحتمل الجوع، ويشعر بالجائعين، ويصاب بالصداع، أو قرصة الجوع، فيتذكر آلآف المسلمين الذين يعيشون بالعراء في صقيع الثلج المتجمد؛ بسبب الحروب التي فرضها عليهم أعداء الله من غير مأوى أو طعام يقتاتون عليه، فيحمد الله الذي أتم عليه نعمته، ويقول عندما يؤذى من الآخرين أو يتعرض للشتم: «إني صائم» حيث يتذكر العهد مع الله، وأجر الصابرين على تحمل الأذى، كما يخشى الحرمان من الأجر وعدم العتق من النار، ومن أراد الدخول من باب الريان فعليه كذلك أن يصوم لسانه عما يغضب الله من الكلمات، وأن يصوم سمعه عما يغضب الله من الكلام الفاحش أو الغيبة أو النميمة أو الغناء الماجن، وأيضًا يصوم بصره فلا يرى ما حرم الله كمناظر العري، وتصوم قدمه فلا يظلم بها أحد، ويصوم فرجه نهار رمضان عن أهله، كما يتعب جوارحه بالتقرب من الله سبحانه.                                                أبو خلاد 

رمضان شهر التغييرات الإيمانية في الكون

بقلم: محمد عبد الله الخطيب (.*)

     أعداء هذا الدين يصرون على ربط الإنسان بالأرض، وقطعه عن السماء، ويعملون على ربط قلبه بمآرب الدنيا، وإبعاده عن طلب الآخرة، ويأبي الإسلام إلا أن يسوق البشرية إلى الله، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة الذَّارِيَات: 50)، إن أركان الإسلام عمل حقيقي يوجد اليقظة في النفوس، والصحوة في المجتمعات، والعبادات التي تكون هذه الأركان تمثل تدريبًا جليل الأثر في تربية الأخلاق، وتقويم الطباع، وتهذيب النفوس، وقول الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾ (سورة العَنكَبُوت: 45) خبر حق، فإذا رأيت فصيلًا لا يعلو فوق تفاهات هذه الدنيا، ولا ينتهي عن منكراتها، فصلاته مجرد تمثيل وحركات، لا حقيقة فيها.

     وقول رسول الله ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري) هذا خير حق أيضًا، ومعناه أن الصيام الحقيقي يمسح آثار الماضي السيئ، كما يمسح أكداره عن مرآة القلوب، فتعود مجلوة نقية، ثم يستأنف الصائم حياة تكاد ترفعه، وتلحقه بالملأ الأعلى.

  إن الأساس الأول لهذه العبادات هو أداء حق الله، والقيام بوظيفة العبودية، واعتراف البشر بأن الله الذي خلقهم ورزقهم يجب أن يعبدوه ويشكروه، ذلك أن جعل القلب يتعلق بربه يجعل المسلم إذا ملك الدنيا يسخرها لخدمة دينه، ويجمع المال والبنين ليكونا درعًا للحق، وعونًا للرسالة التي يؤمن بها، ويتحول إلى ذاكر لله بالغدو والآصال، ويضع نفسه ومواهبه وكل ما يملك مع رهبان الليل، وفرسان النهار، وصدق الله العظيم، إذ يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ (سورة النُّور: 36-37). 

   وها هي الأيام تمضي، ويقبل علينا شهر رمضان بخيراته وبركاته، وها هو النور يشرق من جديد، وينساب إلى القلوب، وها هي مشاعر الخير والبر والرحمة تتجدد، وها هي الآمال في غد مشرق، ومستقبل كريم، وفي ثقة في نصر الله لنا على أنفسنا أولًا، ثم على أعداء الإنسانية ثانيًا.

     إن شهر رمضان يذكرنا برسالتنا الخالدة والواقع يؤكد حاجة البشرية إليها، إن حاجة العالم إلى هذا الدين أهم من حاجته إلى الماء والدواء والهواء، لقد شغلتنا الدنيا الفانية عن الآخرة الباقية، وأحاطت بنا زخارفها ومناهجها، والرجل المؤمن في سورة غافر ينادي بأعلى صوته: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ﴾ (سورة غافر: 38-39). 

      إن من رحمات الله -عز وجل- أن جعل لنا في هذا الشهر العظيم محطة نقف فيها طوال ثلاثين يومًا، نقف مع أنفسنا نحاسبها على تقصيرها، ونفتش عن منابع الإيمان في قلوبنا، فنجلو الصدأ عنها، ورمضان مصحة للعلاج الروحي، ففي الحديث: «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ فلم يغفر له» فمن لم يحصل المغفرة في رمضان، متى يحصلها؟

إن الإسلام يريد منا أن نعيش في هذا الشهر في جو خاص، نحصن فيه أنفسنا، ونحسن الصلاة فيه بخالقنا سبحانه وتعالى، روى ابن خزيمة والبيهقي أن رسول الله ﷺ قال: «استكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة ألا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن سقى صائمًا سقاه الله من حوضه شربة يظمأ بعدها أبدًا».

     وبقدوم شهر رمضان تتم في هذا الكون تغييرات يجب علينا أن نلاحظها، وأن تتهيأ لنكون مع الوافدين والقادمين على الله، الذين يستحقون أن تفتح لهم أبواب الجنة يحملون شهادة العابدين؛ لأن صومهم قد وقاهم من النار، روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب الجحيم، وصفدت الشياطين»، وفي رواية أخرى: «غلقت أبواب الجحيم فلم يفتح منه باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة» (متفق عليه)

تنزل الرحمة وتقييد الشياطين يدفعان إلى إحداث تغيير شامل في النفس.

الصيام مصحة للعلاج الروحي، وبرنامج عملي للارتقاء والسمو.

     يقول العلماء الفتح كناية عن تنزل الرحمة وإزالة العوائق عن مصاعد الأعمال، وقالوا: إنه كناية عن ارتفاع الصائم فوق المعاصي والذنوب والتخلص من بواعث الشر بقمع الشهوات، أما تصفيد الشياطين فهو منعهم من الإفساد والغواية، وهذه التغييرات الكونية التي أشار إليها الحديث يجب أن يقابلها تغييرات إلى الأفضل في نفوسنا، حين نقدم على طاعة ربنا، ونخلص في صيامنا، وهذا ما يريده الإسلام من كل مسلم، يريد نصر دينه، والعمل لتخليص أمته من الأغلال.

هل من مشمر للجنة؟

     جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- يقول رسولنا ﷺ: «ألا هل من مشمر للجنة؟، فإن الجنة لا حظر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضجة، وزوجة جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة في حلة عالية بهية». قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها؟ قال: قولوا «إن شاء الله» قال القوم: إن شاء الله» (الترغيب والترهيب).

     ها هو شهر رمضان يدعونا لذلك، فهيا بنا نشعر ونجتهد، ونهجر فراشنا، ونوقظ أهلنا، ونرفع راية الجهاد ضد أنفسنا، ورغباتنا، ونعمل على أن:

  1. نحافظ على أداء الصلوات في المسجد، ونتذكر أن من صلى أربعين يومًا في المسجد لا تفوته تكبيرة الإحرام، كتبت له براءة من النار، كما جاء في الحديث، ورمضان فرصة لتحقيق هذا الهدف العظيم.
  2. نحرص على إحياء السنن التي كثيرًا ما ننشغل عنها مثل الجلوس في المسجد، وذكر الله، وتلاوة القرآن والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، والتبكير لصلاة الجمعة.
  3. نختم القرآن أكثر من مرة في البيت مع الأولاد والزوجة، ومرة في المسجد، ومراجعة المحفوظ إن كنا قد نسيناه، ولنذكر جميعًا أن صاحب القرآن يقال له يوم القيامة: «اقرأ ورتل وارق كما كنت تفعل في الدنيا، فمنزلتك عند آخر آية تقرؤها» ولنعلم أن «من ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب».
  4. المحافظة على صلاة التراويح والتبكير إليها في المسجد، والحرص على الصف الأول، ولا تنصرف حتى ينصرف الإمام، ولنصحب معنا الزوجة والأولاد كلما تيسر ذلك.
  5. الإقلال من الطعام والشراب، والنوم والكلام، والسيطرة على اللسان، ولا نصوم عن الحلال، ونفطر على الحرام من غيبة ونعيمة وأذى للناس، وجو رمضان من أنسب الأجواء التي تعيننا على هذا؛ حيث الصيام بالنهار، والقيام بالليل، والقرآن غض طري على ألسنتنا، ويملأ جوانب النفس والشياطين مصفدة، وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة.
  6. التنافس مع الأهل والأولاد في العبادات، ورصد الجوائز لذلك، ولا ترهق الزوجة بالإكثار من إعداد الطعام والولائم، فرمضان شهر التسابق في ميدان آخر، وليس شهر التلذذ بطيب الطعام والشراب.
  7. لنذكر الفقراء والمساكين، والأيتام والأرامل، في هذا الشهر تذكرة عملية فنسارع إلى إطعامهم، ونشاركهم فيه، ونشعرهم بأخوتنا لهم، وهناك من إخواننا المكروبين والمعنيين في كل مكان من البلدان الإسلامية من يقاسون الحرمان والظلم والاضطهاد، فلا بد من العناية بهم.
  8. الحرص على بر الوالدين وإجابة طلباتهم، والعمل على راحتهم، والإكثار من الدعاء على من توفي منهم، قال تعالى: ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 24)، ونصل الأرحام ونتفقد الأقارب، ونسأل عن الغائب، ونعود المريض.
  9. ليكن شهر رمضان فرصة للعفو والصلاح والصلح حتى مع الذين أساءوا إلينا، يقول ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، لكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها» (رواه البخاري)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملل، ولا يزال معك ظهير عليهم» (رواه مسلم)، وتسفهم الملل؛ أي كأنما تطعمهم الرماد الحار، ولنحرص على سلامة صدورنا تجاه الآخرين، ولنكن نحن البادئين بالسلام والتحية.
  10. التعود على الإنفاق، وإن كان قليلًا، ولنتذكر رسول الله ﷺ فقد كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.
  11. محاسبة النفس على ما مضى من أعمال، وخاصة التقصير في العبادات، والتقصير في الجوانب الإيمانية، ونسأل أنفسنا: هل كنا مداومين على التوبة؟ هل نخشى الله حق خشيته؟ هل نتوكل عليه حق التوكل؟ هل نتحاكم إليه حين نتخاصم كما نحاسب أنفسنا على الجانب الأخلاقي والسلوكي؟ هل نؤدي الأمانة؟ هل نفي بالموعد؟ هل نقبل العذر؟ هل نحرص على الصدق؟ هل نسارع إلى خدمة المحتاج؟ هل نخف لنجدة الملهوف ونصرة المظلوم؟ هل نؤدي حقوق الآخرين؟

     فإن وجد المسلم انحرافًا عن الطريق، صحح المسار، قال تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾) سورة الإسراء: 14).

  1. يجب الإكثار من الدعاء والتضرع والوقوف بباب الله وقرع الأبواب، «فدعاء السحر سهام القدر» وعسى الحق -تبارك وتعالى- أن يفك أسرى المسلمين، وأن يرد غائبهم، وأن يفرج كروبهم، ولندع دعاء المضطر المشرف على الغرق الذي لا ينجيه إلا تعلقه بالحبل المتين، والركن الشديد الفعال لما يريد، القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ (سورة البقرة: 186).

     يقول عمر -رضي الله تعالى عنه-، «إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء». 

  1. استصحاب نية الاعتكاف في العشر الأواخر.

*  من علماء الأزهر

مشكاة مملوءة بذخائر الخير ترتقي بالمسلم إلى الملأ الأعلى

بقلم: د. فتحي يكن*

الصوم يعين على البر.. ويوفر شروط التوبة، ويهيئ موجبات المغفرة

المسؤولية الشرعية تتعاظم في هذا الشهر.. لأن أجواءه تساعد على الطاعة

قد لا أكون مبالغًا إذا قلت إن رمضان مشكاة من الخير يصعب إحصاؤها، وقد يستحيل إدراك دروسها، ومعانيها وعبرها، وهذا ما يجعل عطاءها المتجدد المتوالد دليلًا قويًا على إعجاز هذا الدين.

  وتحت هذا العنوان سأتناول -بعون الله- ما يفتح الله به من كنوز مشكاة شهر رمضان: ﴿ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ (سورة البقرة: 185)، إن مما اختص الله به شهر رمضان أن جعله شهر الصيام عن كل ما يشد الإنسان إلى الأرض، ويرقى به إلى الملأ الأعلى: 

  • صيام «حسي» يروض به المؤمن شهوات البطن والفرج، وسائر أعضاء البدن من سمع وبصر وشم وحس؛ لتحقيق عبودية المخلوق للخالق في كل جوانب خلقه، وتفصيلات صنعه.
  • وصيام «نفسي» يرتقي من خلاله المسلم في مدارج السالكين، ومصاعد الصالحين، فتخبو الشهوات، وتضعف النزوات، فيصحو من غفلته، ويستدرك ما فات، ويستشرف ما هو آت، قبل ألا ينفع الندم: ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ﴾ (سورة الشعراء: 88-89).
  • وفي ضوء كل ذلك نفهم قوله ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» أي وقاية (رواه البخاري ومسلم)، وكذلك في قوله ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. فضيقوا مجاريه بالجوع» (متفق عليه).

شهر التقوى:

  ومن فضائل رمضان أنه يعين على البر والتقوى، والتحلي بهما، مصداقًا لقوله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 183)، فالتقوى ثمرة مجاهدة النفس وتزكيتها، وحالة من حالات الامتثال لأمر الله -تعالى- وطاعته واجتناب نواهيه ومساخطه، ودرجة التقوى لا يبلغها إلا من غالب هواه فغلبه، وصارع شيطانه فصرعه، مصداقًا لقوله ﷺ: «لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار». 

  وفضيلة التقوى لا تدانيها فضيلة من تحقيق مخافة الله، وتحصيل مراقبته، وبلوغ منزلة السداد في الرأي، والرشاد في السلوك والاستقامة في العمل، وصدق الشاعر إذ يقول: 

إذا لم يكن عون من الله للفتي             فأول ما يقضي عليه اجتهاده

  والمتقون هم المعنيون بالخروج من كل ضيق والخلاص من كل عسر، مصداقًا لقوله -تعالى-: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُ﴾ (سورة الطلاق: 2-3) والمتقون هم المعنيون بصلاح الحال وراحة البال، ويسر الأعمال، مصداقًا لقوله -تعالى-: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: 70-71)، والمتقون هم المزودون بأسباب السعادة في الدنيا والآخرة، والمعنيون بقوله -تعالى-: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (سورة البقرة: 197) والمتقون هم الفائزون بنعيم الآخرة، وهم المعنيون بعشرات الآيات القرآنية التي تصف حالهم ومقامهم الكريم يوم القيامة على مثل قوله -تعالى-: ﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ )سورة الزخرف: 35)، وقوله: ﴿إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيم﴾) سورة القلم: 34) ﴿وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ﴾ )سورة ق: 31)

 فإذا كان الصوم مدرسة للتقوى، والتقوى طريقًا إلى نعيم الآخرة، فقد أصبح رمضان «قاربنا» إلى جنات الخلد، ومركبنا إلى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. 

فيا داعي الخير أقبل                ويا داعي الشر أقصر

شهر الرحمة:

 ومن خصائص رمضان أنه شهر الرحمة، الرحمة التي هي صفة من صفات الله تعالى، وهي واحدة من أسمائه الحسنى، بل هي في مقدمة هذه الأسماء: 

﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ )سورة الحشر: 22) إنها الرحمة الإلهية التي وسعت كل شي، فقد أخرج الترمذي قال: «إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي غلبت غضبي».

 إنها الرحمة التي من خلالها تتراحم الخلائق جمعاء، يتراحم الآباء والأبناء، والإخوة والأشقاء، والأصحاب والأصدقاء، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فيها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» (أخرجه مسلم). 

  ثم إن قيمة الرحمة التي اختص بها رمضان جعلها تتصدر بحسب الأولوية الزمنية أيام هذا الشهر الكريم؛ إذ يقول الرسول ﷺ: «رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار». بل إن الخطاب الرباني القائل: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾) سورة الأنبياء: 107) ليبوئ صفة الرحمة موقعًا متقدمًا لا تسبقها إليه صفة أخرى، وليجعلها الصفة الغالية لدعوة الإسلام، ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام.

  فما أحوجنا -نحن المسلمين- إلى أن نتصف بهذه الصفة المحمدية، فنتراحم فيما بيننا لنكون جديرين بالانتساب إلى هذا الدين، ومعنيين بخطاب رب العالمين: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡ﴾) سورة الفتح: 29)

وما أحوجنا إلى التحلي بهذه الصفة الكريمة ونحن ندعو الناس إلى الإسلام مستذكرين قوله -تعالى-: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَ﴾ (سورة آل عمران: 159).

  ما أحوج الساحة الإسلامية إلى أن تمحو من أذهان العالم -الصورة غير الصحيحة والقبيحة- عن الإسلام، وأنه منهج إرهاب وتطرف ووحشية من خلال الخطاب والأداء والممارسة الحضارية مستذكرين قول الرسول ﷺ: «إن الله -عز وجل- رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» أخرجه أبو داود، وقولته: «من أعطي حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير» (أخرجه الترمذي)، ولم تقتصر رحمة الإسلام على الإنسان، وإنما جاوزته إلى البهيمة والحيوان، وإلى كل ذي روح، فهذا رسول الله ﷺ يمر ببعير قد لحق ظهره بطنه، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة» (أخرجه أبوداود)، وفي رواية: «أن بغية من بغايا بني إسرائيل رأت كلبًا كاد يقتله العطش، فنزعت (موقها)؛ أي خفها، فاستقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به» (البخاري ومسلم)، وفي أخرى أن رسول الله ﷺ قال: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من حشائش الأرض» (رواه مسلم)، وأخرج أبو داود قال: «أقبل رجل على رسول الله فقال: يا رسول الله إني لما رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجر تسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فأخذتهن، فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي، فكشفت لها عنهن، فوقعت عليهن، فلففتها معهن بكسائي فهن أولاء معي، فقال: ضعهن، ففعلت فأبت أمهن إلا لزومهن، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه أتعجبون لرحم أم الفراخ على فراخها؟ قالوا: نعم، قال: والذي بعثني بالحق، لله أرحم بعباده من أم الفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن، فرجع بهن».

شهر المغفرة:

ومن عطاءات رمضان وأعطياته أنه شهر المغفرة، فإقبال المسلم على الله في هذا الشهر ومجاهدته لأهوائه، ومجاهدته لنفسه، وما يساعد على ذلك من تصفيد للشياطين وإضعاف لعوامل الشر، وتقوية لعوامل الخير يجعل باب التوبة مفتوحًا على مصراعيه، لا يحتاج الصائم فيها إلى كبير عناء ليبلغ الطهر المنشود، والغفران المقصود، فإذا كانت أبواب التوبة مشرعة بالإطلاق -في رمضان وفي غير رمضان- مصداقًا لقوله ﷺ: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (رواه مسلم)، فكيف بها في رمضان؟ والمؤكد أن المسؤولية الشرعية تتعاظم في شهر رمضان؛ لما تشكله أجواؤه من مناخات طاهرة نظيفة تعين على كل خير، وتبعد عن كل شر، وتسقط كل ذرائع الانحراف، ومن سياق الأحاديث النبوية الشريفة يتبين لنا مدى فاعلية شهر رمضان في توفير شروط التوبة، وتهيئة موجبات المغفرة، وإلى هذا المعنى كانت إشارة الرسول ﷺ: «إن الله -عز وجل- يغفر في أول ليلة من شهر رمضان لكل أهل هذه القبلة، وأشار بيده إليها، فجعل رجل يهز رأسه ويقول بخ بخ، فقال له رسول الله ﷺ «يا فلان ضاق بك صدرك؟ قال: لا، ولكن ذكرت المنافق، فقال: «إن المنافق هو كافر، وليس الكافر من ذلك شيء»، فلنقبل أيها الإخوة الصائمون على الله في شهر رمضان وفي كل شهر، ولنسأله -تعالى- الرحمة والمغفرة، ملبين نداء الكريم: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ  وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ  وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾) سورة الزمر: 53-55).

في ظلال وعيون:

 لا شك في أن من يكون هذا مكانه، فالناس له غابطون، وبعضهم له حاسدون، ونسأل الله ألا نكون ممن يتمنى زوال هذا النعيم عن أحد إخواننا، بل نتمنى أن يدوم هذا النعيم، وتلك السعادة مع بقائها عنده، والحصول على مثل ما حصل عليه من النعيم. 

  كثير أولئك الناس الذين يتجولون في أرجاء العالم، يطلبون السعادة والمناظر الخلابة التي لا تتواجد في بلادهم، والتمتع برؤية خلق الله من الجبال والأنهار والعيون والبحار، وكل حسب ارتياحه لما يرى، وبعضهم منهما لف ودار وصال وجال في هذا الفلك الفسيح، فإنه لا يملأ عينه ما يرى فيه من مناظر، ونحسب هذا الصنف قليل؛ لأن كل ما يتمناه يتم من سفر إلى أي بلد حاصل له وفي متناول يديه، ولنرى من المغبوطين في مكانه والمتمتعين في الظلال، والعيون وتجري تحتهم الأنهار، إنهم فئة صبرت ففازت، وتحملت فنالت، واستعدت فلاقت مرادها.

  صبروا على الفتن والمعاصي والشهوات، وابتعدوا عنها فيسر الله عليهم في دنياهم، ورزقهم من الطيبات، ومن التلذذ بطاعته باجتناب معاصيه، وتحقيق ما يتمنونه ولو بالشيء اليسير الذي يعينهم، فيكون لهم زادًا للآخرة، ولكنهم ادخروا الكثير لليوم الكبير في جنات ربهم، واتقوا ربهم فكافأهم بالنعيم والعيون، وما لا يخطر على بالهم، قال -تعالى-: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ﴾ (سورة الحجر: 45).

وفي موضع آخر يصف ما لهم يوم القيامة:

﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ﴾ (سورة المرسلات: 41).

وأعد الله لمن خافه في الدنيا ليأمنه في الآخرة:

﴿فيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ﴾ (سورة الرحمن: 50)، ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ (سورة الرحمن: 66).

 هم الأبرار الذين أبروا بعهدهم مع الله، واتبعوا أوامره واجتنبوا نواهيه، فحازوا ما يتمنونه، وسقاهم ربهم شرابًا كان مزاجه كافورًا:

﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا﴾ (سورة الإنسان: 5-6).

ولم يقف فضل الله -تبارك وتعالى- عند ذلك، بل زاد عليهم أن أشربهم من عين التسنيم:

﴿وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ (سورة المطففين: 27-28).

ولهم من العيون أيضًا عين تسمى سلسبيل:

﴿وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا﴾ (سورة الإنسان: 17-18)

اللهم إنا نسألك ظلًا ممدودًا، وماء مسكوبًا، وأن نكون من الأبرار المتقين لتجزينا خير الجزاء بفضلك كما وعدتنا يا ذا الفضل العظيم.            

عبد العزيز الجلاهمة

*  كاتب لبناني

الرابط المختصر :