; المجتمع التربوي (1364) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1364)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999

مشاهدات 65

نشر في العدد 1364

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 24-أغسطس-1999

 أكبر من الكسوف بمراحل

تكوير الشمس.. ونهاية العالم

حدث كسوف الشمس، وهو آية من آيات الله منذ قرابة أسبوعين، ويذكر ذلك بحدث مشابه تكلم عنه القرآن، وهو أكبر من الكسوف بمراحل، ويشير إلى قيام الساعة، وانتهاء العالم ألا وهو تكوير الشمس. 

ورد في حديث الإمام أحمد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة، كأنه رأي عين، فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت».

وقال ابن عباس: إذا الشمس كورت، يعني أظلمت، وقال العوفي: ذهبت، وقال قتادة: ذهب ضوؤها، وقال سعيد بن جبير: كورت يعني غورت، وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.

وقال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك: أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، فمعنى قوله تعالى: «كورت» جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها.

وروى البخاري عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: «الشمس والقمر يكوران يوم القيامة».

كان هذا ما جاء في التفسير لمعنى قوله تعالى: (إذا الشمس كورت).

فماذا يقول العلم الحديث عن ذلك: الشمس عبارة عن قرص ناري أحمر هائل، تنبعث منه ألسنة نارية ملتهبة وإشعاعات تنتشر في الفضاء الكوني، لا يصل منها، ومن آثارها إلى الأرض إلا ذلك القدر الضئيل الموزون، الذي يسمح بنشوء الحياة فوقها واستمرارها.

والشمس آية من آيات الله العجاب، فهي الجسم المركزي لنظام المجموعة الشمسية، وقوة جاذبيتها هائلة جدًّا تزيد على قوة جذب الكرة الأرضية بمقدار (۳۳۰) ألف مرة، وقوة الجاذبية هذه تعمل على تثبيت الكواكب والأقمار والأجسام الأخرى السابحة في الفضاء بهذه المجموعة على مداراتها.

والشمس في حركة دائرية مستمرة، وهي تدور حول مركز مجرة درب التبانة بسرعة تتراوح بين ۲۰۰ و ٢٦۰ كم/ث، فهل يمكن للإنسان تخيل كبر فلكها الدائري إذا علمنا أنها بحاجة إلى ٢٠٠ مليون سنة لإكمال دورتها؟!.

التكوير: منذ أن خلق الله الشمس - أي منذ خمسة مليارات عام تقريبًا- كما يقول العلماء- فقدت الشمس ٣٧ % من مخزونها من الهيدروجين، وفي اللحظة التي تصبح فيها نواتها مكونة من مادة الهيليوم فقط، وهذا ما سيحدث بعد مرور (٥) مليارات سنة أخرى، تبدأ درجة حرارتها في الارتفاع، وكثافة نواتها في الازدياد، مما يؤدي إلى زيادة كبيرة في تقلص النواة وانكماشها، وهنا تحاول الشمس إيجاد توازن مع هذا الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وهذا التوازن يتحقق عن طريق تعدد نصف قطر الشمس إلى درجة كبيرة جدًّا، بحيث يؤدي إلى التهام الشمس لأقرب الكواكب إليها، وهي عطارد والزهرة، ومن ثم الأرض التي نعيش عليها.

أما الكواكب الأخرى الواقعة خارج منطقة كوكب المريخ، فلن تُصاب بأذى، لكن درجات حرارتها سترتفع بشدة لتبلغ آلاف الدرجات المئوية. وتستمر هذه الحالة مئات الملايين من السنوات تقوم بعدها كرة الشمس الضخمة جدًّا، الحمراء الملتهبة، بنزع قشرتها الخارجية، وقذفها بعيدًا.

 أما جسمها الداخلي فيبقى سابحًا في درب التبانة بعد أن يصبح قزمًا أبيض اللون لا حرارة فيه، ومن ثم يتحول إلى سواد مظلم. وهكذا يتكون نظام شمسي جديد تكون مادته الأساسية تلك القشرة الخارجية التي قذفتها الشمس بعيدًا.

هذا ما يقوله العلم عن الشمس ومصيرها، ولو عدنا إلى التفاسير لمعنى التكوير المشار إليها سابقًا، والقائلة: إن التكوير هو جمع الشيء بعضه إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، لرأينا أن الشيء نفسه يحصل في الشمس، وأن ما ذكرناه هو التفسير العلمي لمعنى الآية الكريمة: ﴿إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ (سورة التكوير: ١)، المؤلفة من هذه الكلمات الثلاث، والتي هي في غاية الإيجاز والإعجاز الإلهي.

كما أن هذا التفسير العلمي ينطبق أيضًا على الآية ٣٨ من سورة يس، التي يقول فيها سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ  ﴾ (سورة يس: ٣٨). 

لكن ماذا عن المدة الزمنية التي حددها العلماء لنهاية الشمس وانطفائها، ونهاية العالم، والنظام الشمسي الحالي، ونشوء نظام جديد بعد خمسة مليارات سنة، وهل هذه الحسابات صحيحة؟.

 لا يمكن الحكم على صحة هذه المدة من عدمها، على الرغم من اعتمادها على حسابات دقيقة؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - استأثر لنفسه بأمور الغيب التي يعتبر موعد قيام الساعة أحدها، كما لن يستطيع العلماء معرفة ذلك الموعد مهما تقدم العلم ومجالات المعرفة؛ إذ يقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (سورة الأحزاب: ٦٣).

وهكذا، فإن القرآن الكريم شامل لكل علوم الزمان بصورة معجزة، وما يعلم تأويله بالكامل إلا رب هذا الكون، وعلى المسلمين والعلماء دراسة آياته، واستنباط ما فيها من حقائق علمية؛ لكي يزداد المؤمنون إيمانًا بربهم الواحد القهار.

م. محمد سمير الجداع. النمسا

وقفة تربوية

مقياس إيماني

لقياس الإيمان أدوات خاصة، من أبرزها المسجد، فكلما زاد ارتياد المسجد زاد الإيمان، وكلما ضعف ذلك قل الإيمان.

فالمسجد كان - وما يزال - علامة بارزة ومقياسًا دقيقًا على قوة الإيمان، قال سبحانه: ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ  (سورة النور: ٣٧).

وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل قلبه معلق بالمساجد».

كما يقول تعالى:  ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ (سورة التوبة: ١٨).

ولهذا السبب كان أول عمل قام به رسول الله عند دخوله إلى المدينة لبناء المسجد، ثم أعقب ذلك مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار.

وكان الصحابة - رضي الله عنهم- يعرفون المنافقين من غيابهم عن شهود صلاة الفجر، فهي أشق الصلوات عليهم.

كما أن الصالحين كانوا إذا تقدم أحد لخطبة بناتهم، يسألون عن صلاته في المسجد، فإن كان من عشاق المسجد زوجوه، وإن كان غير ذلك رفضوا خطبته.

ومما روي عن شيخ التابعين سعيد بن المسيب قوله: «منذ أربعين سنة، ما أذن مؤذن إلا وأنا في المسجد» (سلوة الأحزان: ٣٤).

أبو خلاد


  •  عطية سالم..  صفحة انطوت لصاحب الشنقيطي

إذا دخلت المسجد النبوي المطهر من باب الرحمة - بعد صلاة المغرب - ستجد على يسارك في أول التوسعة السعودية حلقة نورانية يتصدرها شيخ مهيب الطلعة، جميل الصوت، حسن الأداء، تحيط به أعداد كبيرة من طلاب العلم من مختلف المستويات.  وستجد نفسك منساقًا للجلوس مع هذا الجمع المبارك.

إنه مجلس العالم الشيخ عطية سالم، الذي فجع المسلمون بوفاته يوم الإثنين ٦ ربيع الثاني عن عمر يناهز الرابعة والسبعين عامًا، قضى معظمها في العلم والتأليف، والتدريس، والإرشاد.

ووفاء لهذا العالم الجليل، أسوق هذه الكلمة الموجزة:

هو المفسر الفقيه الواعظ الشيخ عطية محمد سالم، ولد سنة ١٣٤٦هـ بمديرية الشرقية بمصر، وابتدأ دراسته بكتاتيب القرية، ثم قدم إلى المدينة المنورة في الثامنة عشرة من عمره عام ١٣٦٤هـ، وبدأ دراسته في المسجد النبوي الشريف على عدد من علماء المدينة المنورة، ومنهم الشيوخ عبد الرحمن الأفريقي، ومحمد الذكي، ومحمد علي الحركان، وعمار الجزائري- رحمهم الله جميعًا- كما حضر بعض دروس شيخه العلامة محمد الأمين الشنقيطي في التفسير أول قدومه إلى المدينة المنورة.

ولما فتحت المعاهد العلمية والكليات الشرعية انتقل إلى الرياض، فدرس الثانوية الثانية، ثم المعهد العالي، ثم في كليتي اللغة العربية والشريعة، وتخرج فيهما معًا، وكانت الدراسة آنذاك في أعلى المستويات؛ إذ استقدم للمعاهد والكليات كبار علماء الأزهر، بالإضافة إلى علماء المملكة، وهناك توطدت صلته بفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي.

أما أكثر شيوخه تأثيرًا به وأوثقهم صلة واستفادة وبرًّا ووفاء، فهو العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، فقد لازمه في الحضر والسفر لمدة عشرين سنة، واستمرت تلك الصلة من يوم قدوم شيخه سنة ١٣٧١هـ إلى آخر حياته ١٣٩٣ هـ - رحمهما الله تعالى - وامتن الله عليه بصحبة شيخه الأمين في الرياض والمدينة، وفي رحلات الحج أربع سنوات متتالية، وفي الرحلة إلى أفريقيا؛ حيث زار بصحبته عشرة أقطار بدءًا بالسودان، وانتهاء بموريتانيا، واستمرت تلك الرحلة ثلاثة أشهر، وكانت علاقته بشيخه علاقة ولد مع والده، وكان شيخه يحيطه بالعناية والرعاية.

أعماله ووظائفه 

كلف بالتدريس قبل التخرج، فدرس في معهد الأحساء العلمي لمدة أربع سنوات، وبعد التخرج انتقل للتدريس في معهد الرياض، ثم انتقل للتدريس في الجامعة الإسلامية عند افتتاحها عام ۱۳۸۱هـ باستدعاء من مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم، وكان في جملة المشاركين مع الشيخ عبد الرزاق عفيفي، ومناع القطان، ومحمد العبودي في وضع البرامج ورسم المناهج برئاسة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز، وأسندت إليه شؤون التعليم فدرس الفقه والأصول.

ثم انتقل بعد ذلك إلى القضاء بتكليف من مفتي المملكة أيضًا، وابتدأ تعيينه بمرتبة قاض، ولم ينقطع أثناء عمله في القضاء عن التدريس في المسجد النبوي.

تدريسه بالمسجد النبوي

ابتدأ التدريس في المسجد النبوي الشريف في وقت مبكر، بعد أن تم وضع كرسي بجهاز باسم الجامعة الإسلامية كان يتناوب عليه كل من فضيلة الشيخ الأمين، والشيخ عبد العزيز بن باز- نائب رئيس الجامعة آنذاك -، ولظروف الشيخ الأمين الصحية وكثرة أعمال الشيخ عبد العزيز كان يقوم بإلقاء الدروس بدلًا منهما، ولما تولى التدريس بشكل مباشر شرح كتاب الموطأ للإمام مالك، وسجل في نحو ٦٠٠ شريط، ثم شرح الأربعين النووية، وسجل في ٧٠ شريطًا، وفسر سورة الحجرات، وسورة البقرة، وشرح البيقونية في المصطلح والورقات في الأصول والرحبية في الفرائض، وشرح كتاب بلوغ المرام في أدلة الأحكام، للحافظ ابن حجر، وسجلت جميع دروسه في أشرطة تتجاوز ۱۰۰۰ شريط، وكان يعقد في شهر رمضان دروسًا يومية بعد صلاة العصر في أحكام الصوم، وبعض الغزوات، كما كان يلقي دروسًا يومية في مواسم الحج حول أحكام المناسك.

كما شارك في وسائل الإعلام منذ إنشاء إذاعة «نداء الإسلام»، وفي عدد من البرامج التلفازية، وكتب في عدد من الصحف والمجلات، وحضر الكثير من المؤتمرات.

مؤلفاته

من أبرز مؤلفاته وأهمها: «تتمة أضواء البيان» للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، من أول سورةالحشر إلى آخر سورة الناس «ترتيب التمهيد» لابن عبد البر، رتبه على أبواب الفقه بدلًا من الأسانيد في اثني عشر مجلدًا، «موسوعة الدماء»، وهو كتاب يشتمل على تركيب الدم وعناصره وأحكامه وتعاطيه بالنقل وإخراجه بالحجامة، ودماء النساء، ودماء الأنساك، ودماء الجنايات عمل أهل المدينة في موطأ مالك وصايا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ظلال عرش الرحمنآيات الهداية والاستقامة، في جزئين موقف الأمة من اختلاف الأئمة مجموعة الرسائل المدنية، وقد تجاوزت أربع عشرة رسالة منها: رسالة التراويح أكثر من ألف عام في المسجد النبوي، وزكاة الحلي، مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيرمضان، مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، معالم على طريق الهجرة الإسراء والمعراج، سجودالتلاوة، مع المرضى.

ومن كتبه المهيأة للطباعة: «أعيان علماء الحرمين من عهد الصحابة إلى اليوم»، اختار فيه بعض مشاهير العلماء ممن كان لهم نشاط تعليمي في كل فترة زمنية بكل من مكة والمدينة، وتوسع في تراجم علماء القرنين الثالث والرابع عشر، وكتاب «موسوعة المسجد النبوي»، ويشتمل على الجانب العمراني والتعبدي، والعلمي إلى غير ذلك من الأعمال العلمية، التي ستبقى أثرًا باقيًا على مر الأجيال والقرون - رحمه الله رحمة واسعة -.

ويتميز الشيخ بسعة الأفق، ومراعاة أدب الخلاف، وحسن الظن بالمسلمين، والسعي إلى جمع كلمة العاملين للإسلام، والتعاون معهم في خدمة الدين.

وبوفاته أفل نجم من نجوم المدينة المنورة، وانطوت صفحة تذكر بالعلماء السابقين، ولا يسعنا إلا أن تتمثل بما قاله الإمام البخاري عندما بلغه وفاة شيخه الدارمي:

إِن تَعش تُفجع بالأحبة كلهم                                            وذهاب نفسك لا أبالك أفجع

 

  •  ملامح المنهج «اليوسفي» (۲ من ٢)

أرسى يوسف - عليه السلام - منهجًا في الاستعفاف يقوم على استحضار مراقبة الله وعاقبة المعية

• ارتكز أسلوبه الدعوي على اكتساب الثقة والمدخل الحسن مع التدرج ومراعاة المشاعر.

• صبر على محن الجب.. السجن والرق.وأنعم الله عليه بالملك.. والوزارة.

بقلم: عادل بن أحمد باناعمة (*)

انتهت المرحلة السابقة من قصة يوسف - عليه السلام - بخروجه من الجب على يد مجموعة من السيارة الذين زهدوا فيه حتى إنهم ابتاعوه رقيقًا بدراهم معدودة، لتبدأ من هذه اللحظة مرحلة جديدة من الرق والسجن، ثم النهاية السعيدة بالقصر والسلطة، واجتماع الشمل، وفوق ذلك: الحكم والعلم.

كان يوسف في عز شبابه، وكان قد أوتي من الحسن شيئًا عظيمًا، فَعَنْ أَنس بن مالك قَالَ: قَالَرَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعطي يوسف - عليه الصلاة والسلام - شطر الحسن» «رواه الإمام أحمد»، فافتتنت به امرأة العزيز وأرادته على الفاحشة، ولنقف على ثلاثة أمور:

1- دهاء امرأة العزيز في فتنة يوسف.

۲ - دواعي الفتنة عند يوسف - عليه السلام -.

٣ - منهج يوسف في الاستعفاف.

أما امرأة العزيز، فقد صبت كيدها أصنافًا وألوانًا، واستخدمت كل ما في وسعها لإغواء يوسف، وتحقيق رغبتها.

  • فهي أولًا قد راودته، والمراودة تقتضي تكرير المحاولة بصيغة المفاعلة، وهي مشتقة من راد يرود، إذا جاء وذهب، شبه حال المحاول أحدًا على فعل شيء بحال من يجئ ويذهب في المعاودة، إذن هناك محاولات كثيرة خفية قبل هذه المواجهة الصارخة بطلب الفاحشة (التحرير والتنوير ٢٥٠/٨٦ والظلال ١٩٨٠/٤).
  • وهي ثانيًا: غلقت الأبواب، لم تكتف بغلقها بل غلقتها، والتضعيف يفيد شدة الفعل وقوته أي أغلقتها إغلاقًا محكمًا، ثم هو ليس بابًا واحدًا بل أبوابًا متعددة.
  • وهي ثالثًا: أذلت له نفسها مع أنها سيدته، فقالت: «هيت لك»، وهي دعوة صريحة إلى نفسها.
  • وهي رابعًا: حاولت تهديده بشتى الوسائل: مرة أمام سيدها حين ادعت أنه الجاني ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة يوسف: 25)، ومرة أمام النسوة حين قالت: ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾ (سورة يوسف: 32).

وأما دواعي الفتنة عند يوسف- عليه السلام- فكانت كثيرة، وحسبنا مقالة ابن تيمية - رحمه الله- التي نقلها عنه تلميذه ابن القيم - رحمه الله- في مدارج السالكين ص ٣٥٣ «ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة - فإنه- أي يوسف - عليه السلام- كان شابًا وداعية الشباب إليها قوية، وكان عزبًا ليس له ما يعوضه ويبرد شهوته وغريبًا، والغريب لا يستحيي مما يستحيي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله ومملوكًا، والمملوك ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب وهي سيدته، وقد غاب الرقيب وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع كل ما سبق عف يوسف - عليه السلام - وسلك في عفته منهجًا فريدًا صالحًا للاقتداء في كل زمان ومكان، انظروا ما فعل:

  1. «معاذ الله» إنه استحضار مراقبة الله، وهو أول خطوات منهج العفة اليوسفي، ومن راقب الله لم يقع في معصية.
  2. «إنه ربي أحسن مثواي»، وقد اختلف المفسرون في معنى الرب: هل المراد به الله - عز وجل - أم المراد عزيز مصر، وكيفما كان، فهذا يعلمنا تذكر صاحب الفضل، فمن أراد أن يفعل الفاحشة وتذكر نعمة الله عليه أنى له أن يجرؤ؟، وإذا كان همك بالفاحشة بمحارم من له عليك فضل أو بينكما قرابة، فالأمر أفحش.
  3. «إنه لا يفلح الظالمون» تذكر عاقبة المعصية.
  4. «واستبقا الباب» الفرار من موقع الفتنة.
  5. «وإلا تصرف على كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين»، الضراعة واللجوء إلى الله.

ولاحظ أن يوسف استقبل الإلقاء في البتر بالصبر، واستقبل العبودية بصبر واستقبل السجن بصبر، ولكنه شكا هذه الشكوى الحارة عندما تعرض لفتنة الجمال ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة يوسف: 33)، ففتنة الجمال هي التي تعصف برأس الحكيم، ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (البخاري ٥.٩٦ ومسلم (٢٧٤١) «انظر الأساس في التفسير لسعيد حوى ٢٦٥٣/٥»

ثالثًا: منهج الدعوة

تبدأ ملامح هذا المنهج منذ نجا يوسف- عليه السلام- من محنة الفتنة- فتنة القصر- ليستقبل محنة أخرى هي محنة السجن لقد عانى يوسف - عليه السلام- كثيرًا، وكان في كل ما عاناه مظلومًا غير ملوم. وصدق عليه الصلاة والسلام؛ إذ يقول: «أشد الناس بلاء الأنبياء» (أحمد ٢٥٨٣٢) .

ولم تكن محنة السجن هذه آخر محنة في حياة يوسف- عليه السلام- ولكنها كانت آخر محن الشدة والضيق، فكل ما بعدها رخاء وابتلاء لصبره على الرخاء. (الظلال ١٩٨٧/٤).

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (سورة يوسف: 35)
لقد سجن مع ظهور براءته؛ لتحوم حوله الشبهات، وتنصرف من امرأة العزيز «وكأنهم والله أعلم إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهامًا أنه راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك»، (ابن كثير ٤٥٩/٢).

واسمحوا لي هنا أن أقف وقفة طويلة مع منهج الدعوة عند يوسف - عليه السلام -، فمنذ أن رمي في البشر إلى لحظة دخوله السجن لم تحك لنا الآيات شيئًا عن دعوته ورسالته، أما هنا فقد دعا وبلغ إلى الفتيين اللذين كانا معه في السجن، قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك والآخر خبازه (ابن كثير: ٤٥٩/٢)، وكان في دعوته- عليه السلام- نبيًّا حكيمًا، فهلموا نستجل ملامح المنهج الدعوي عند يوسف - عليه السلام -.

  1. اكتساب الثقة قبل توجيه الدعوة: ذلك أن السياق اختصر ما كان من أمر يوسف فيالسجن، وما ظهر من صلاحه وإحسانه، فجعله موضع ثقة المساجين الظلال (١٩٨٧/٤)، ولولا ذلك لما قصده الفتيان دون غيره (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ)، قال ابن كثير: وكان يوسف- عليه السلام- قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث، وحسن السمت وكثرة العبادةومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم، ولما دخل هذان الفتيان السجن تلفًا به وأحباه حبًّا شديدًا. (ابن كثير ٤٥٩/٢).
  2. الدعوة في كل مكان: ليست الدعوة ثوبًا يلبسه الإنسان في مكان ويخلعه في آخر، وإنما هي مهمة دائمة، فينتهز الإنسان كل فرصة ليبلغ دعوة ربه، وها هو يوسف- عليه السلام- يدعو إلى الله حتى وهو في السجن.

إن بعضنا لا يستوعب هذا الأمر جيدًا فتراه في تحفيظه ومسجده داعية ناصحًا، أما في العمل أو البيت أو غير ذلك، فلا تجده يحرك ساكنا.

3- المدخل الحسن لجذب الانتباه: خطاب المعرضين بحاجة إلى ذكاء، وتوجيه الرسالة يحتاج إلى تمهيد يجذب السمع والعقل، وهذا يوسف- عليه السلام - لم يبادر بتأويل الرؤيا، وإنما حاول أن يجتذب سمع صاحبيه، ويغرس ثقتهما به أکثر وأكثر، فقال:

أولًا: «يا صاحبي السجن» فذكرهما بلفظ الصحبة.

وقال ثانيًا: ﴿لَا یَأۡتِیكُمَا طَعَامࣱ تُرۡزَقَانِهِۦۤ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِیلِهِۦ قَبۡلَ أَن یَأۡتِیَكُمَاۚ ذَ ٰ⁠لِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِی رَبِّیۤۚ﴾ (سورة يوسف: 37).

وقوله: ﴿ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ ﴾ (سورة يوسف: 37) تجيء في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية؛ ليدخل بها إلى قلبيهما بدعوته إلى ربه، وليعلل هذا العلم اللدني الذي سيؤول لهما رؤياهما عن طريقه. (الظلال:1988/4).

  1. مراعاة المشاعر: يقول الله على لسان يوسف- عليه السلام -: ﴿لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ﴾ (سورة يوسف: 37)

مشيرًا بذلك إلى القوم الذين ربي فيهم، وهم بيت العزيز، وحاشية الملك، والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم، والفتيان على دين القوم، ولكنه لا يواجههما بشخصيتهما، إنما يواجه القوم عامة؛ كي لا يحرجهما ولا ينفرهما (الظلال 1988/4).

ومن ذلك أنه لما جاء يؤول رؤيا الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير من رأسه، قال: ﴿وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ ﴾ (سورة يوسف: 41)، وهذا الذي يصلب هو الذي رأى أنه يحمل فوق رأسهخبزًا تأكل الطير منه، ولكنه لم يعينه لئلا: يحزنولهذا أبهمه. (ابن كثير: ٤٦١/٢).

إنها طريقة: «ما بال أقوام»، التي تؤلف القلوب وتمنع النفرة.

  1. التدرج الحكيم: سلك يوسف – عليه السلام- في دعوته مسلكًا متدرجًا حكيمًا، ويمكننا تلمس هذه الخطوات كما يلي:

أ - المدخل «لا يأتيكما».

ب- المقارنة بين واقع المجتمع الكافر ومنة الله عليه بالإسلام: «إني تركت ملة قوم... واتبعت ملة

آبائي».

ج - التشكيك في الآلهة القائمة: «أأرباب متفرقون خير ... ».

د- هدم الآلهة الكافرة: «ما تعبدون من دونه إلا أسماء ... »

هـ-  إقامة بناء الحق «إن الحكم إلا لله»

هكذا ... يجذب أسماعهما أولًا، ثم يضع أمامهما مفارقة بين فريقي المؤمنين والكافرين؛ ليفتح آفاقهما

على شيء لم يكن يخطر على بالهما أصلًا، ثم يباشر بهدم الفريق الكافر ومعتقداته حتى إذا خلت الساحة، قام فبنى بناء التوحيد والتخلية قبل التحلية.

  1. بساطة الخطاب الدعوي: إن الدعوة ونشر الخير ليست - بالضرورة - أفكارًا عالية وقضايا يعجز عن فهمها عامة الناس، كلا- إنها خطاب بسيط يتوجه إلى الفطرة مباشرة ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (سورة يوسف: 39)، هكذا بكل يسر وبساطة وسهولة.

ومن هنا: ثق أنك إذا بلغت القليل الذي عندك وعملت به أعقبك الله علمًا كثيرًا، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وهكذا من سلك طريق الهدى واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إمامًا يقتدي به في الخير. (ابن كثير: ٤٦٠/٢).

  1. التميز بما يشيع في المجتمع: فكلما برع الداعية في المجالات التي يعجب بها المجتمع أو المدعو كان أكثر قدرة على احتوائه واكتساب ثقته، ولعلنا نعلم أن معجزة كل نبي إنما كانت من جنس ما برع فيه قومه، فموسى قهر السحرة، ومحمد – صلى الله عليه وسلم - أوتي القرآن البليغ المعجز، وكذلك أوتي يوسف - عليه السلام- القدرة على تأويل الرؤى؛ لأن تعبير الرؤيا كان من فنون علماء مصر في ذلك الوقت فأيده الله به (التحرير ٢٦٩/٦)، ويدل على ذلك قول الملك فيما بعد: «أفتوني في رؤياي» «نفسه».

أيها الأخ.. انظر ما تتعلق به أنظار المجتمع، ويكثر اهتمامهم به، وحاول أن تبرع فيه، ولكن لا تنس ضوابط الشرع وحدوده.

  1. الاعتراف بفضل الجيل السابق: وذلك واضح جدًّا من خلال ذكر يوسف- عليه السلام- لآبائه في سياق دعوته؛ حيث قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ﴾ (سوة يوسف: 38)، فهو قد ذكر آباءه إعلامًا بفضلهم وإظهارًا لسابقتهم، وليبين أنه تسلسل من آبائه، ثم تأيد بما علمه ربه، فحصل له الشرف العصامي والعظامي، ولذلك قال النبي لما سئل عن أكرم الناس: «يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، ومثل هذه السلسلة في النبوة لم تجتمع لأحد غير يوسف» (التحرير و التنوير ٢٧٢/٦).

وهكذا على كل داعية ألا ينسى فضل من سبقه عليه، وأن ينسب إليهم الفضل، وإن فاقهم هو في علم أو فهم أو فصاحة، فلولا فضل الله ثم جهود هؤلاء لما كان شيئًا، وحسبنا قول المولى العظيم: ﴿ لا یَسۡتَوِی مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَـٰتَلَۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةࣰ مِّنَ ٱلَّذِینَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعۡدُ وَقَـٰتَلُوا۟ۚ﴾ (سورة الحديد: 10 )

  1. انتهاز الفرص: إن للنفوس إقبالًا وإدبارًا، وإن لها نشاطًا وفتورًا، والداعية الحكيم هو الذي ينتهز كل فرصة ليوصل دعوته، ويستغل كل موقف ليؤدي رسالته، وها هو يوسف - عليه السلام- يأتيه رجلان يسألانه تأويل رؤيا فحسب، فيستغلإصفاءهما ليبلغهما دعوة التوحيد، ورسالة الإيمان.قال الزمخشري: وهذه طريقة على كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة الحسنة والنصيحة أولًا ويدعوه إلى ما هو أولى به، وأوجب عليه مما استفتي فيه، ثم يفتيه بعد ذلك.
  2. الصدارة عند الحاجة مع الأمن: على الداعية الحق أن يقول ها آنذا كلمااقتضى الموقف ذلك.

إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني                                        عنيت فلم أقعد ولم أتبلد

هذا يوسف- عليه السلام- أعلنها صريحة ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف: 55]ن قال القاسمي- رحمه الله- في تفسيره: وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين لم يكن من باب التزكية. (القاسمي ٣٥٤٣/٩)، وبالتأمل في قصة يوسف- عليه السلام- نجد أنه استوفى أنواع الصبر كلها.

فأما صبره بالله فظاهر في اعتصامه به لما راودته امرأة العزيز وشجعته النسوة، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَیَّ مِمَّا یَدۡعُونَنِیۤ إِلَیۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّی كَیۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَیۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَـٰهِلِینَ﴾ (سورة يوسف: 33)، وأما صبره لله، فحسبنا شهادة الله له بعد أن ذكر عصمته من الفاحشة؛ إذ قال: إنه من عبادناالمخلصين، وقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر«المخلصين» بكسر اللام. (الوافي ٢٩٥ و البحر المحيط ۲۹٦/٥٥)، فبعد أن ذكر الله صبره عن الفاحشة وترفعه عنها شهد له بالإخلاص.

وأما صبره مع الله، فظاهر في أنه تحفظ من الفتنة، وعف عن المعصية، وهي مذللة له، وما ذلك إلا صبرًا للنفس على أوامر الله.

وهكذا نجد أن الصبر بكل أنواعه تجلى في قصة يوسف - عليه السلام - صبر على حقد إخوته، وصبر عن معصية الله، وصبر على فراق أبيه وأخيه، وصبر على ظلام السجن.

وبعد ماذا كانت عاقبة هذا الصبر؟

لقد كانت العاقبة حميدة.

فالصبر على محنة الجب يقابلها القصر المنيف في كنف الملك.

والصبر على محنة السجن يقابلها كرسي الحكم والوزارة «انظر سياحة إيمانية في قصة يوسف: ٢٦).

والصبر على الرق يقابله الملك والتصرف في أرزاق الأمة.

والصبر على فراق الأب يقابله اجتماع الكلمة والشمل في أهنأ عيشة.

قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة يوسف: 56): يعني الصابرين الصبره في الجب، وفي الرق، وفي السجن، وفي صبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة (القرطبي ٣٤٤٨/٥ نقلًا عن سياحة إيمانية (٢٧)

(*) عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى.

الرابط المختصر :