العنوان المجتمع التربوي (1349)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1999
مشاهدات 80
نشر في العدد 1349
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 11-مايو-1999
إعداد: عبد الحميد البلالي
وقفة تربوية
قلوب قاسية
كم نحمل من الجنائز على اكتافنا، وكم نسمع من أخبار الموتى كل صباح ومساء، وكم نزور القبور للتعزية، ولا يحرك فينا ذلك كله ساكنًا، بل تبقى القلوب كما هي قاسية، وكان غشاء صلبًا قد غشاها، فما تكاد مناظر الموتى تؤثر فيها، ولا أخبار مصارعهم تحركها بينما حديث الرسول ﷺ ما زال فينا يذكرنا أكثروا من ذكر هادم اللذات، لكننا نكتفي برؤية الأموات دون تذكر الموت.
وما يحدث للأموات، ولأمثالنا يتحدث عنه الإمام ابن الجوزي مذكرًا، وموقظًا بقوله: «فكروا رحمكم الله في أحبابكم، وجيرانكم وأصحابكم وإخوانكم، وآبائكم والأباعد والأقارب، وذوي المودة والأجانب، قد هجرهم الحبيب، وسلا عنهم القريب، قد ضيقت عليهم اللحود، وسالت عيونهم على الخدود، وتمزقت عنهم الجلود ودبت في أجسادهم الهوام والدود، وبقيت أرواحهم في البرزخ إلى اليوم الهائل الموعود، لم ينفعهم ما جمعوا ولا حصنهم ما بنوا وشيدوا، ولا قدمهم ما صنعوا، صارت القبور لهم قرارًا، وفر الأحباب عنهم فرارًا. فانتبهوا معشر الإخوان واجتهدوا في طاعة الرحمن من قبل مفارقة الأحباب والأوطان» «بستان الواعظين: ٢٦٧».
أبو خلاد
حياة الفكرة
تتحول الأفكار واقع سلامتها وإخلاص حاملها ووعي متلقيها
لعل من أهم عوامل بروز الأفكار والشخصيات عوامل ثلاثة أرى- من وجهة نظري- أنها أساس العمل الناجح.
وفيما يلي هذه العوامل:
أولًا: سلامة الفكرة والمعتقد:
فبقدر ما تكون الغايات والأهداف نبيلة، يزداد نجاحها، ويزداد تقبل الناس لها، وانجذابهم نحوها.
فالفكرة إذن الأساس والمرتكز، بل القاعدة التي يجب أن تقوى لتتحمل الظروف والأهوال.
ثانيًا: طبيعة الملقي للفكرة: فهو يتحمل مسؤولية نشرها، وإقناع الناس بها.
فيه تتضح الصور المبهمة، وبأسلوبه الراقي وفكره النير تسترشد الفكرة طريقها إلى قلوب الناس، وعقولهم.
ويجد المتلقون في شخصية قائد الفكر تمثيلًا لطموحات وأهداف الفكرة ذاتها.
فهو حينئذ تجسيد للشكل والهدف. وتمثيل أيضًا للمسيرة الراشدة.
إن شخصية المفكر- فيما أعتقد- أهم عوامل النجاح، وعناصره الثلاثة.
وفي شخصية رسول الله ﷺ مثل أعلى، وفي تعامله مع الناس قدوة حسنة.
فهو ﷺ اللين في غير ضعف، والشديد في غير عنف.
إن على جميع أرباب الفكر والقيادة النظر في شخصيته. في حزمه ولينه، وفي سياسته السلمية والحربية.. إلخ.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(سورة الأحزاب: 21)
ثالثًا: طبيعة المتلقي للفكرة:
أعني بهم جمهور الناس، فهم الحلقة التي تصل الفكرة بحياتها، فمن أغلق الله قلبه عن تفهم الحق فإنه لا يسمع إلا الباطل.
وقد قيل: «نافخ الكير تزكمه نفحة المسك».
وقال الشاعر- وما أحسن ما قال:
وكم من عائب قولًا سديدًا
وافته من الفهم السقيم!
يبقى في القضية جوهر مهم ألا وهو ضرورة الإخلاص لله تعالى فهو بريق النجاح، وأصعب ما في المسألة.
فكم رأينا من أفكار اضمحلت وماتت لأنها لم تقم على تلك الأسس الصلبة لتنهض وتستمر، وتنجح، فماتت بموت أصحابها.
لقد قامت الشيوعية على غير أسس الجادة فلم تستمر أكثر من سبعين عامًا، ثم ماتت، بل أصبح التخلف والعار وصفًا لمن ينادي بعودتها، أو يحمل مبادئها، وأفكارها.
وعلى هذا، فنحن ننادي دومًا من أجل سلامة الفكرة، وعقلانية المفكر، ووعي الأمة وصولًا للنجاح والتمكين، والعزة.
ماجد الحقيب
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث
نداء خالد كان رسولنا الكريم ﷺ يصدره حين كان يمر به كرب أو يحل به ضيق، كان يخرج من قلبه إلى ربه، بلا واسطة ولا مقدمات.. كان يفضي إليه بحاجته وهو يعلم أنه جل وعلا أعلم بها منه... كان بهذه الكلمات المختصرة يطلب النصر على الأعداء، ويطلب تفريج الكربات، ويبرأ من كل معين إلا المعين جل وعلا.
فكم من الكرب تمر بالواحد منا، ولا أنيس له حينئذ إلا التأوه والمعاناة؟
كم من المصاعب يتعرض لها فيستعين بكل شيء للخروج منها غافلًا عن الاستعانة بالمعين الجبار!
كم من الحاجات التي يأمل الواحد منا أن تتحقق له فيسعى بكل جد واجتهاد باذلًا ما يستطيع من الأسباب.. ناسيًا أعظمها وأقواها وهو الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى والتضرع إليه!
فيسعى ويشقى. ولو عرف الطريق لسعى وسعد.
إن الفقر يدفع بامتلاك المتاع، واقتناء المال الذي تقوم به حياة البشر.. لكن شر الكفر لا يدفع بذلك مع أنه قد يحارب به، لكنه يدفع بالسلاح الغائب، وهو الالتجاء إلى العزيز الجبار، والتوكل على الذي ارتضى لنا الإسلام دينًا، وأمرنا بالدفاع عنه بعد الالتزام به قولًا وعملًا.
إنه يدفع بإصلاح السرائر والضمائر وصقل النفوس والمجتمعات ضمن المنهج الرباني الفريد
سيرة عالم عابد
يوم السبت السابع عشر من شهر ذي الحجة الماضي فقد المسلمون عالمًا جليلًا ومربيًا فاضلًا ومعلمًا حكيمًا، وقد أبكى هذا الحدث: الصغير، والكبير، والقريب والبعيد، رأينا في المقبرة أناسًا حضروا للصلاة والدفن لم يروا الشيخ أبدًا ومع ذلك فقد ملئت قلوبهم بمحبته بسبب سماعهم لسيرته الحسنة وأخلاقه الفاضلة، ولم يخطر في بال أحد أن يرى هذه الأمواج من الناس الحاضرين لأجل الصلاة والدفن، ولم يعهد هذا الحضور المزدحم في الشوارع وفي المسجد حتى صلت جماعات بعد الإمام لعدم تمكنهم من الصلاة معه.
ولد الشيخ صالح بن علي بن غصون رحمه الله عام ١٣٤١هـ من أبوين صالحين توفي والده وعمره ١٣عامًا فحضنته أمه وأحسنت تربيته فعكف على القرآن الكريم حتى حفظه حفظًا متقنًا، ثم سافر إلى الرياض لحضور حلقات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله فلازمه مدة حفظ خلالها أهم المتون العلمية في الفقه والعقيدة والحديث والنحو حتى كون قاعدة علمية صلبة، وذلك راجع إلى فضل الله جل وعلا ثم إلى جلده وصبره من أجل العلم فقد كان يردد حفظه في أوقات نوم الطلاب كالظهر وبعد العشاء فجمع في فترة قصيرة حفظًا وفهمًا ميزه عن بعض زملائه، وقد نقل للشيخ محمد بن إبراهيم مثابرته وجده في التحصيل فعينه قاضيًا في سدير عام ١٣٦٨هـ فذهب إليها وبقى فيها نحو أربع سنوات ومع صغر سنه في ذلك الوقت إلا أنه رحمه الله عقد للناس دروسًا في الفقه والعقيدة والحديث وقد أحبه الناس هناك لما رأوا علمه وتواضعه فطلبوا من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم إبقاءه عندهم للفائدة التي لمسوها من وجوده.
انتقل بعدها إلى محكمة شقراء وتوابعها ثم درس في المعهد العلمي بشقراء لما افتتح وبقى في شقراء حتى عام ١٣٨١هـ حيث انتقل في آخر ذلك العام إلى رئاسة محاكم الأحساء فكان قاضيًا وإمامًا وخطيبًا ثم انتقل بعد ذلك إلى الرياض عام۱۳۹۰هـ للعمل في محكمة التمييز وفي عام ١٤٠١هـ أنتقل إلى العمل في مجلس القضاء الأعلى وبقي فيه حتى طلب التقاعد في أواخر عام ١٤٠٩هـ.
وقد انضم رحمه الله إلى هيئة كبار العلماء عند تشكيلها وذلك عام ١٣٩١هـ ومنذ ذلك العام كانت له مشاركة في البرنامج الإذاعي «نور على الدرب».
كانت له مكاتبات مع الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله وكانت له صلة بأصحاب الفضيلة العلماء: الشيخ محمد بن مانع والشيخ عبد الله بن حميد والشيخ عبد العزيز بن باز وقد صدرت له رسالة صغيرة بعنوان قتل الغيلة عام ١٤١٩هـ وهي وجهة نظر قديمة للشيخ حرر فيها مذهب المالكية والذي اعتمده من قال إن القاتل غيلة يقتل حدًا ولا يجوز العفو عنه. وفي الطريق إن شاء الله إلى الظهور فتاوى نور على الدرب ومقالات بعض العلماء والأدباء في ترجمة الشيخ وقد خلف أولادًا استفادوا من سيرة والدهم فمنهم المهندس، والضابط، والمدرس، نسأل الله له المغفرة والرحمة وأن يرزقه الحسنى وزيادة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
تلميذه/ د. طارق بن محمد الخويطر
معهد القرآن الكريم بالحرس الوطني- السعودية
مشكلات وحلول في حفل الدعوة
ضعف التربية الذاتية
التعريف: اعتماد الفرد على أنشطة المؤسسة اعتمادًا كاملًا، وعدم إيجاد منهج خاص به يتربى من خلاله إيمانيًا وثقافيًا وفكريًا ودعويًا.
المظاهر:
- الضعف العام للأفراد.
- عدم تطور الأفراد في جميع المجالات.
- ظهور بعض الأخلاق غير الإسلامية على الأفراد.
- سقوط الكثير في أثناء الفتن.
الأسباب:
- خطأ المربي الأول الذي احتضنه بعدم تعويده على التربية الذاتية.
- الاحتكاك الكثير بالكسالى وأصحاب الهمم الضعيفة.
- عدم الفهم الصحيح لطرائق التربية السليمة والمتكاملة.
- انشغال الفرد كثيرًا بأموره المعاشية.
- غفلة المؤسسة عن التركيز على هذه القضية.
- ضعف المتابعة للأفراد.
- قلة القدوات التي يتأثر بها في هذا الأمر.
الحل:
- تركيز المؤسسة على غرس روح التربية الذاتية في مناهجها.
- المتابعة اللصيقة للأفراد ومعرفة نقاط ضعفهم لوضع الحلول لها سريعًا.
عافيتك في البلاء.. ورب خير استفدته من شر..
أخي المسلم أختي المسلمة، أخي المبتلى بالبلاء، والألم.. تذكر ما يلي:
- الله عز وجل يبتلي العبد وهو يحبه، ليسمع تضرعه.
- كلما اشتدت الأزمة انفرجت اشتدي أزمة تنفرجي.
- أفضل العبادة انتظار الفرج.
- الفرج يأتي من الله تعالى، على قدر شدة البلاء.
- ما يكره العبد، خير له مما يحب، لأن ما يكره يهيجه على الدعاء وما يحب يلهيه عنه.
- المؤمن أمره كله له خير.
- الصبر كفيل بالنجاح، والمتوكل لا يخيب ظنه.
- من أتبع الصبر، أتبعه النصر.
- من صبر ظفر، والصبر مفتاح الفرج، وعند اشتداد البلاء يأتي الرخاء.
- رب محبوب في مكروه، ومكروه في محبوب، وكم من مغبوط بنعمة هي داؤه ومرحوم من داء هو شفاؤه.
- من ساعة إلى ساعة فرج.
- رب خير استفدته من شر، ونفع من ضر.
- تحت الرغوة اللبن الصريح.
- ربما امتحن الله العبد، بمحنة يخلصه بها من التهلكة فتكون تلك المحنة منحة أجل من نعمة.
- كل مقدر كائن ولا بد ومن لم يرض بالقضاء والقدر لم يهنأ له عيش.
- الله يأتي بالفرج عند انقطاع الأمل واستبهام الحيل.
- المحن تأديب من الله، والأدب لا يدوم، فطوبى لمن تصبر على التأديب. الفرج والفرح والحياة في اليقين والرضا، والهم والغم والحزن في الشك والسخط.
- الصبور يدرك أحمد الأمور.
- المحن فيها تمحيص من الذنب، وتنبيه من الغفلة، وتعرض للثواب بالصبر، وتذكير بالنعمة.
- إنما يبتلى الصالحون والقدر سبع والسبع لا يأكل الميتة.
- الصحة والعافية تبطران الإنسان.
أمل محمد يونس مولوي المدينة المنورة
المجتمع التربوي
مسيرة الإصلاح والبناء من خلال المنهاج الرباني
بقلم: د. عدنان علي رضا النحوي
يرسم المنهاج الرباني بتكامله مسيرة الإصلاح والتغيير والبناء حياة البشرية. كيف لا وقد أنزل القرآن لتغيير واقع الإنسان على الأرض، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الموت إلى الحياة. ومن أجل ذلك بعث الله بالأنبياء والمرسلين الذين ختموا بمحمد ﷺ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأنعام: 122)
ولا نستطيع هنا إلا أن نأخذ قبسات من القرآن الكريم تمثل لنا بعض المراحل في مسيرة الإصلاح والبناء. ذلك أن منهاج الله كله هو سبيل الإصلاح والبناء في جميع مراحله ونماذجه. ولا بد أن نذكر أولًا بالأسس الثابتة التي يقوم عليها الإصلاح والبناء، الا وهي الأركان الخمسة: الشهادتان والشعائر، فإذا صحت النية وأخلصت لله وصحت العزيمة وصفا الإيمان والتوحيد الخالص لله، وصدق أداء الشعائر بأركانها مرتبطة بالشهادتين، فإن فالشهادتان تدفعان المؤمن إلى أداء الشعائر والشهادتان والشعائر تدفع المؤمن إلى تدبر منهاج الله ومصاحبته مصاحبة منهجية مصاحبة عمر وحياة، وهو على يقين أن هذا فرض فرضه الله عليه بطلب العلم- الذي أوله العلم بمنهاج الله- فرض كما جاء في حديث رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، ومن هنا يمتد الصراط المستقيم الذي بدأه أمام عينيه، يمتد صراطًا مستقيمًا مشرقًا باليقين إلى الهدف الأكبر والأسمى -الجنة.
ونأخذ الآن بقبسات من منهاج الله تبين لنا معالم الصراط المستقيم.
أ-الدعوة إلى الإيمان والتوحيد
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة فصلت: 33)
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (سورة النحل: 125:128)
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾(سورة الجن: 21)
وتتوالى الآيات الكريمة تؤكد أهمية هذه الدعوة والبلاغ مرتبطة بما سبق أن ذكرناه من الوفاء الأمين بالشهادتين والشعائر بالأركان الخمسة وبالمصاحبة الصادقة لمنهاج الله، وممتدة إلى ما يليها من مراحل وخطوات لتتماسك المراحل كلها نهجًا ربانيًا.
ب. التربية والتعهد والبناء، والتدريب:
والإعداد: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (سورة الكهف: 28)
وترتبط هذه الآية الكريمة بالآية قبلها وبالآية بعدها، لتبين لنا ارتباط التربية والبناء بتلاوة كتاب الله وتدبره، وامتداد الدعوة والبلاغ مع هذه المرحلة: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (سورة الكهف: 27)
ثم تأتي الآية الكريمة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (سورة الكهف: 28) ثم تأتي الآية الكريمة ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (سورة الكهف: 29)
هكذا تتماسك المراحل والخطوات وتمتد: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ (سورة الكهف: 27) ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾(سورة الكهف: 28) ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (سورة الكهف: 29)
ولنتدبر سورة أخرى:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الانعام: 50:52).
هكذا تمضي مراحل الدعوة والبلاغ، والتربية والبناء، وتتماسك مع تدبر منهاج الله وإتباعه: ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (سورة الأنعام: 50) ثم ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (سورة الأنعام: 52).
ولا بد أن نوضح هنا قضية مهمة، وهي أن هؤلاء الذين أمر الله رسوله بأن يصبر نفسه معهم، وألا يطردهم هم الماضون على الدرب على الصراط المستقيم، لا يفسدون، ولا يتوقفون، ولا يتراجعون ولا ينحرفون:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف: 108)
والإعداد جزء رئيس من التربية والبناء والتدريب، حتى يصبح المؤمن قويًا قادرًا على المضي، ويصبح المؤمنون كلهم صفًا واحدًا كالبنيان لهم. ما استطعتم من المرصوص ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال: 60)
ومن أهم أهداف التربية والبناء، والتدريب والإعداد أن تجعل المؤمنين في الأرض أمة واحدة تحمل رسالة واحدة، وتعبد ربًا واحدًا، وتمضي على صراط مستقيم واحد، لا يتمزقون شيعًا وأحزابًا، وفرقًا وطوائف.
ج. الجيل المؤمن:
الجيل المؤمن هو ثمرة المرحلتين السابقتين: الدعوة والبلاغ، والتعبد والتربية والبناء السابقتين: الدعوة والبلاغ، والتعبد والتربية والبناء والإعداد:
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (سورة آل عمران: 79)
هذا هو الجيل المؤمن: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (سورة آل عمران: 79) وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 1:11)
وتتوالى خصائص هذا الجيل المؤمن الذي يمضي بالمسيرة الإيمانية، وقد تم إعداده وبناؤه ويسميهم القرآن الكريم بأسماء متعددة تنبئ عن الخصائص المتعددة المفلحون المؤمنون المتقون، أولو الألباب، وغير ذلك.
وتجتمع الخصائص كلها في ناحيتين توافر الخصائص الإيمانية، وتوافر الإعداد والإمكانات بما يسمح لهم بمتابعة المسيرة إلى مراحلها الأخرى. والجبل المؤمن صف واحد متماسك برابطة الإيمان، رابطة أخوة الإيمان التي أمر الله بها لتجمع المؤمنين كافة صفًا واحدًا والجيل المؤمن هو الفئة الظاهرة الصابرة التي تمضي على صراط مستقيم، على بينة ونور:
فعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» «رواه مسلم».
د. الجهاد في سبيل الله في جميع أشكاله:
وأول الجهاد جهاد النفس:﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 6)، وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن الرسول ﷺ: «المجاهد من جاهد نفسه في سبيل الله» «رواه الترمذي وابن حبان»
ويمتد الجهاد على صراط مستقيم في سبيل الله ماضيًا إلى الهدف الأكبر والأسمى- الجنة- حتى يأخذ أعظم صورة في قتال عسكري بحمل رسالة الله إلى الناس حين يكون القتال هو السبيل الوحيد للدعوة والبلاغ، وحين يحشد أعداء الله حشودهم للصد عن سبيل الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التوبة: 111)
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 216)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الصف: 10:11)
ويمضي الجهاد في سبيل الله والمؤمنون أمة واحدة وصف واحد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (سورة الصف: 2:4)
جدال أعداء الله
يحاول أعداء الله أن يقنعوا المسلمين بالتخلي عن الجهاد في سبيل الله حتى لا يكون إرهابًا كما يحاولون أن يصوروا الجهاد في سبيل الله، وفي الوقت نفسه يبيحون لأنفسهم أشرس أنواع القتال والإبادع الجماعية.
ولكن المسلم الذي عرف دينه يوقن بأن الجهاد في سبيل الله حق، وأنه نهج كتبه الله على المؤمنين. لأنه أعلم بما يحتاجه المؤمنون، فأعداء الله لن يتركوا القتال ولا العدوان ولا الطغيان، ولا سبيل لرد عدوانهم إلا بالجهاد في سبيل الله.
وأعداء الله المجرمون يصدون عن سبيل الله بكل الوسائل الممكنة لهم، ولا سبيل لإيقاف صدهم عن سبيل الله إذا أصروا عليه إلا بالقتال. فالقتال إنما شرع من حيث الأساس لتبليغ الدعوة حين يصد الكافرون عن سبيل الله ويغلقون المنافذ، ثم يعتدون.
الجهاد في سبيل الله ليس مجرد الدفاع عن النفس، إنه منهج حق وخير لصلاح الإنسان على الأرض وصلاح الشعوب، إنه مقاومة لفساد المشركين وما ينشرونه من فتنة في الأرض، وإنه حماية للناس كافة من الشرك وظلمه، وإنه منع للصد عن سبيل الله، وإنه حماية للمؤمنين، وإنه وسيلة الدعوة والبلاغ حين لا يعود للكلمة وحدها منفذ للدعوة والبلاغ.
وأعداء الله المشركون والكافرون ومن معهم معتدون بصورة مستمرة لا تتوقف: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (سورة التوبة: 8:10)
إن الجهاد في سبيل الله حق إرادة الله وكتبه على المؤمنين لصلاح البشرية، ودرء الفساد والفتنة وإيقاف الظلم والعدوان وله شروط وخصائص إيمانية ربانية ولا يمكن للقتال أن يكون جهادًا في سبيل الله إلا إذا توافرت هذه الشروط والخصائص.
هـ. الأمة المسلمة الواحدة التي يحكمها منهاج الله وتكون كلمة الله فيها هي العليا:
إذا كان الجيل المؤمن هو الثمرة الطبيعية لنجاح الدعوة والبلاغ ونجاح التربية والبناء، والتدريب والإعداد، وإذا كان الجهاد في سبيل الله مسؤولية الجيل المؤمن، فإن الأمة المسلمة الواحدة في الأرض، الأمة التي يحكمها منهاج الله وتكون كلمة الله فيها هي العليا، هي الثمرة الطبيعية للمراحل السابقة كلها ولتماسكها وترابطها:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء: 92)
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (سورة المؤمنون: 52)
الآيات القرآنية ترسم مسيرة الإصلاح وخطواته.. لا توجد خطوة يمكن الاستغناء عنها أو القفز فوقها أو تجاوزها
ودعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام:
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة البقرة: 128)
إنها أمة مسلمة واحدة على مدار التاريخ تعبد ربًا واحدًا هو الله سبحانه وتعالى، وتمضي على صراط مستقيم واحد، يجمع المؤمنين كلهم ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران: 104)
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة آل عمران: 105)
و. عمارة الأرض بحضارة الإيمان:
إن من أهم مسؤوليات الأمة المسلمة الواحدة أن تحمل رسالة الله إلى الناس كافة في الأرض، وتقيم في الأرض حضارة الإيمان والتوحيد، فكرًا وتصورًا، ونهجًا وسبيلًا، وعلمًا وممارسة، وصناعة وإنتاجًا، وكذلك وسيلة وأهدافًا.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (سورة هود: 61)
حضارة الإيمان
إن أهم ما تتميز به حضارة الإيمان أنها تربط كل علم وصناعة وإنتاج بالإيمان والتوحيد والدار الآخرة، فتختلف بذلك الوسائل والأهداف عن الحضارة المادية اختلافًا واسعًا فيتغير الاقتصاد أسسه وأساليبه وأهدافه وكذلك الحروب والسلاح إن حضارة الإيمان والتوحيد تسخر الصناعة والإنتاج لصالح الإنسان للناس كافة، للخير والحق، وتمنع الاستغلال والظلم والعدوان، ومنع الفاحشة، وتجفف منابع الكفر والفتنة والفساد في الأرض.
هذه هي مسيرة الإصلاح في واقع الإنسان على الأرض مسيرة الإيمان والتوحيد، وهذه هي الآيات الكريمة التي تبين لنا هذه المسيرة، لا يوجد فيها أي خطوة يمكن الاستغناء عنها أو القفز فوقها وتجاوزها.
هذه هي المسيرة التي تؤمن الفوز في الدنيا والآخرة، إنها تختلف عن مسيرة تبحث عن الفوز وحدها معزولة عن الآخرة غير مؤمنة بها في الدنيا ولا عاملة لها.
إنها مسيرة ربانية عرضتها لنا الآيات الكريمة.. فمن أراد مسيرة من هواه فليبحث عنها لتقوده إلى خسارة الدنيا والآخرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (سورة النمل: 4:5)
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ (سورة الإسراء: 18:20)