العنوان المجتمع التربوي (1328)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1328
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
وقفة تربوية
الخلاص بالإخلاص
سورة «الكهف» تصور أهل الحق في جميع مراحلهم: الرفض والتعايش والتربية ثم التمكين.
القصة تجيب عن إشكال التعايش بين التيارين الديني والعلماني، ومرتكزات كل منهما في معركة الوجود.
كنت في جلسة إيمانية مع أخ لي في الله، فقال لي: إن أخوف آية لي في القرآن الكريم هي قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (الفرقان: 23).
هذه الجلسة مضى عليها أكثر من عشرين سنة، لكنني مازلت أتذكرها حتى هذه اللحظة، وكلما مررت بهذه الآية أتذكر ذلك اللقاء.
إنها حقًا من أكثر آيات القرآن تخويفًا للمؤمنين، وتتحدث عن فئة من المسلمين تقوم بأعمال كجبال تهامة من حج وصدقات، وقراءة للقرآن وأعمال بر كثيرة، وقيام الليل، ودعوة، وصيام وغيرها من الأعمال، وإذ بالله تعالى ينسف هذه الأعمال فيكون صاحبها من المفلسين، وذلك لأن عنصر الإخلاص كان ينقص تلك الأعمال فليس لصاحب تلك الأعمال إلا التعب والسهر والجوع ولا خلاص يوم القيامة من العذاب، والفضيحة إلا بالإخلاص، ولا قبول للعمل إلا بالإخلاص.
كان معروف الكرخي نصرانيًا ثم أسلم، وتزهد، وكان يكثر من القول لنفسه معاتبًا: «يا نفس كم تبكين، اخلصي وتخلصي».
سلوة الأحزان: ٦١.
نسأل الله تعالى الإخلاص في أعمالنا.
أبو خلاد
قطوف تربوية من قصة صاحب الجنتين
صراع الفكرة والمادة
بقلم: د. حمدي شعيب
تأتي هذه القصة في سياق سورة الكهف، وهي إحدى سور القرآن المكي الذي كان يهدف إلى وضع الأساس العقيدي والفكري للجماعة المسلمة، اما المحور الموضوعي للسورة الذي ترتبط به موضوعاتها، ويدور حوله سياقها فهو تصحيح العقيدة وتصحيح منهج الفكر والنظر، الذي يتجلى في استنكار دعاوى المشركين الذين يقولون ما ليس لهم به علم، وفي توجيه الإنسان إلى أن يحكم بما يعلم ولا يتعداه، وما لا علم له به فليدع أمره إلى الله.
وتصحيح القيم بميزان العقيدة، حيث يرد القيم الحقيقية إلى الإيمان والعمل الصالح ويصغر ما عداه من القيم الأرضية الدنيوية التي تبهر الأنظار[1]
والقصص هو العنصر الغالب في السورة ومن خلاله يعرض القرآن الكريم خلاصة لسننه سبحانه الاجتماعية، التي تنظم بعض أحوال وصور الصراع الدائم والخالد بين الحق وأهله والباطل وأهله في عدة جولات حضارية تصور الحق وأهله في مراحل مختلفة مرحلة الرفض والاستئصال ومرحلة التعايش في مناخ يسمح بهامش الحرية، ومرحلة التربية والتكوين، ثم في مرحلة التمكين:
ففي قصة أصحاب الكهف، صورة الحق عندما يكون مطاردًا، مرفوضًا من التعايش والوجود مع الباطل، وكيف أن أهل الباطل دومًا تحركهم الأفكار الاستئصالية لرأي الآخر وتسيطر عليهم التوجهات الإقصائية لوجوده لهذا فإن أهل الحق لا يسعهم إلا أن يعلنوا اعتزالهم فرارًا بدينهم وحفظًا لفكرتهم، وحماية لأنفسهم.
وقد بينا في دراسة سابقة هذه القصة من زاوية استجلاء بعض المعالم، والركائز المنهجية للعمل الدعوي والتغييري.
وفي قصة صاحب الجنتين، صورة الحق عندما يوجد في مرحلة اجتماعية، تتيح قدرًا من حرية التنفس الفكري، فتسمح بمساحة لكل التيارات للتعبير عن توجهاتهم، وهي مرحلة يجد فيها أصحاب الحق فرصة الحوار، وتقديم الحجج، أمام أهل الباطل، لفضح أفكارهم، ولكشف الستار عن سلوكهم وتوجهاتهم وتحذيرهم من المصير المحتوم.
وفي قصة موسى - عليه السلام - مع العبد الصالح، صورة الحق في مرحلة أو صورة أخرى مهمة جدًا وهي ما تختص بمجال التربية أو في مجال التكوين، إذ تعكس بعض ضوابط وركائز التعامل الداخلي بين أصحاب الحق بعضهم وبعض.
ومنها أن يقتنع كل صاحب حق بأن وجوده لا يلغي وجود غيره، بل إن هنالك من صور الحق الهادئ التي تحتاج لدعاية، وتجلية فيتبين منها أنها أعمق وأحق بالتعبير عن نفسها بجوار الصور الأخرى.
وهذا الضابط يدعونا إلى التنبيه إلى نقطة مهمة جدًا، هي أهمية ألا يستشعر القائمون على نشاط أي مؤسسة دعوية، أن دورهم أعظم وأولى من أدوار الآخرين في المؤسسات الأخرى، بل إن البركة تأتي من التعاضد والتكامل والتنسيق ومنها أن يوقن الدعاة أن وراء أي حدث من الأحداث دومًا أبعاد أخرى، وحكم ألهية بليغة وذلك يدعونا ألا نحكم على الظواهر في أي أمر.
ومنها ما يجب من سلوك في المجال التربوي يحتاجه الدعاة، وبخاصة خلق التواضع، سواء عند التلقي والأخذ، أو عند التلقين والعطاء.
وفي قصة ذي القرنين، صورة الحق، في أخطر مراحله، وأشدها مسؤولية وأكثرها حرجًا، وأعظمها تحديًا، وهي مرحلة التمكين وبيان الصورة طيبة، من سلوك أصحاب الحق عندما يُمكن لهم، فتكون فرصة للاطلاع على ملف من سفر أدب المستخلفين، يوضح منهجهم الإعماري، والاستخلافي في الأرض.
إذن فالسورة بمحورها، وموضوعاتها وبخاصة القصص، تزخر بالكنوز التربوية التي تسهم في عملية البناء الفكري للأمة.
فما أحوج الدعاة لفقه دور القصة القرانية بما تحمله من رصيد فكري، فالفكرة هي المنطلق الأول في عملية النهوض الحضاري.
وذلك لأن سلسلة التحولات الحضارية، إنما تتبع أو تنشأ من فكرة أو مبدأ، وهذا المبدأ بدوره ينشئ تحولًا نفسيًا في نفوس البشر، وهذا بدوره ينشئ دافعًا داخليًا، فيؤدي إلى سلوك اجتماعي وهذا التغير السلوكي الاجتماعي يفرز تحولًا اجتماعيًا، واقتصاديًا وسياسيًا[2].
والقصة تؤدي دورًا خطيرًا في عملية البناء الفكري.
والبناء الفكري هو مرتكز التحول النفسي للأمة، والتحول النفسي هو أصل التحول الاجتماعي، وذلك هو مرتكز التغيير الحضاري: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
وما أحوجنا لأن ندرك أن حجر الزاوية وأساس كل هذه التحولات العظيمة، إنما يأتي من خلال المحافظة على الورد القرآني اليومي الثابت فهو يقوم بعملية تربوية دائمة، إذ يقوم بعملية الرباط الدائم بين العقلية المسلمة والفكرة قصة صاحب الجنتين: وردت في سورة الكهف في الآيات من ٣٢ إلى ٤٦، وتحكي عن نموذجين بشريين حقيقيين:
النموذج الأول: يمثل نوعية بشرية، أو شريعة اجتماعية تملك الثراء الواسع والثروة الفاحشة وبخاصة عندما يجتمع معها البطر والخيلاء ونسيان القوة المدبرة التي تحرك الأحداث وتسيطر على مقادير الناس والحياة، فتطغى بالجاه والملك والثروة، وتنسى دورها الإعماري الاستخلافي في الأرض، وترفض مبدأ التعايش مع الطوائف والشرائح الاجتماعية الأخرى، وذلك بأساليب استقصائية، وتبلغ ذروة طغيانها عندما تفقد الميزان والضابط بنسيانها الآخرة.
والنموذج الآخر يمثل نوعية بشرية أو شريحة اجتماعية تعتز بقيمتها البشرية من حيث دورها الموكول بإعمار الأرض، وتملك من الرصيد الإيماني، والقيم السامية والمبادئ الراقية ما يجعلها معتزة بإيمانها، ذاكرة لربها، فترى الوجود والخلائق من خلال البعد الإيماني، وعلى أساس الضابط والميزان الرباني الخالد، وهو اليوم الآخر.
وتبلغ القصة ذروتها في المواجهة الرائعة بين الرجلين التي من خلالها نستشعر الفكرة التي تحرك كليهما في حياته، والتي على أساسها ينبني سلوكهما في الحياة، والذي على أساسه يكون مصير كل منهما.
علاقة القصة بالسنن الإلهية
تعتبر القصة نموذجًا راقيًا للقصص القرآني، الذي يُعد بابًا ومدخلًا عمليًا، وترجمة تطبيقية لسننه سبحانه الإلهية، وهي السنن الإلهية الكونية في الآفاق أي في مجال عالم المادة وكذلك السنن الإلهية الاجتماعية في الأنفس، أي في عالم البشر، والأحياء عمومًا.
وهذه السنن الإلهية من سماتها: الثبات، أي لا تتبدل ولا تتغير، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43).
ومن سماتها أيضًا: الاطراد أي التكرار أينما وجدت الظروف المناسبة مكانًا، وزمانًا وأشخاصًا، وأفكارًا ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137).
ومن سماتها أيضًا العموم، أي أنها تشمل كل البشر، والخلائق دون تفريق، ودون استثناء وبلا محاباة ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء: 123).
وهي عبارة عن قوانين وقواعد خلقها الحق سبحانه لتنظم وتحكم حركة الكون والحياة والأحياء، وتحكم حركة التاريخ، وتنظم ناموسية التغيير، وتتحكم بالدورات الحضارية، موضحة عوامل السقوط، وعوامل النهوض الحضاري.
والسنن الإلهية الاجتماعية هي المرتكز الذي على أساسه يقوم مجال واسع في المنهج، وهو الفقه الاجتماعي والحضاري، هذا الفقه يقوم على دراسة عوامل قيام وسقوط الحضارات.
إن الفقه الحضاري أو الاجتماعي، أو بمعنى آخر: فقه سننه سبحانه الإلهية الكونية والاجتماعية، مجال بخس حقه من حيث الفقه والتأصيل، والبحث والدراسة، والتعميق على الرغم من امتلاء أركان المكتبة الإسلامية ببحوث ومجلدات الفقه التشريعي.
والعجب يأتي من إهمال مجال الفقه الحضاري والاجتماعي برغم التأكيدات القرآنية المستمرة، والمتعددة على ضرورة السير في الأرض، وفي فتح ملفات الأمم السابقة لاستجلاء سننه سبحانه، لفقهها، ولمعرفة حسن تسخيرها: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11).
والقصص القرآني ما هو إلا برهان ثابت وموثوق حول فاعلية تلك السنن، وما أحوج الدعاة لفقه جديد للقصة القرانية والوقوف طويلًا أمام التعقيبات القرانية المباشرة لكل قصة، والتي غالبًا ما تذكر سنة من سننه سبحانه الإلهية، التي تنطبق على أي واقع طالما وجدت أسبابها وظروفها زمانًا، ومكانًا، وأشخاصًا، وأفكارًا.
ومن ثم يمكن التفاعل معها، وحسن تسخيرها في المهمة الإنسانية الاستخلافية.
المواجهة الحضارية المعاصرة
وفي عملية التغيير أو التبادل الحضاري وبخاصة في المواجهة الحضارية المعاصرة وحسن عرض، وتقديم المشروع الحضاري الإسلامي، والقصة التي بين أيدينا تلقي الضوء على سنة إلهية اجتماعية، تعتبر نموذجًا، بل قانونًا ثابتًا ومضطردًا وعامًا، له بعدان:
الأول: الظاهر القريب يمثل صورة من صور الصراع بين الحق وأهله، وبين الباطل وأهله، بين حاملي راية ومشعل الخير، وحاملي راية الشر بين أصحاب الأفكار والمبادئ ومالكي المادة والثروة، ومن خلال هذا الصراع تتضح الأفكار التي ينطلق منها سلوك وحركة كل تيار في معركة الحياة، وكيف أن هذا السلوك هو الأساس الذي ينبني عليه مصير كل منهما.
والبعد الآخر الغامض البعيد، يجسد مثالًا واقعيًا يعبر عن جولة من جولات الصراع بين الفكرة والمادة، ويجيب عن إشكال التعايش بين التيار الديني والتيار اللاديني المادي أو ما يسمى الآن بالتيار العلماني، إذ يتبين لنا مرتكزات كل تيار في معركة الوجود وإثبات الذات والقواعد التي يبني عليها رأيه في التعامل مع الآخر وأفكاره، وكذلك إمكان قبول مبدأ التعددية والحوار عند كل من التيارين.
[1] الظلال ١٥/ ٢٢٥٧ ٢٢٥٨ بتصرف.
[2] مشكلة الأفكار: ١٥٣ - ١٦٠ بتصرف.
الاستعداد من شعبان للسعادة في رمضان
البدايات - دائمًا - سر نجاح النهايات، والعمل العظيم يبدأ بتمهيد ثم تدريب.
والنجاح في الفوز بثمرات العبادة يكمن في حسن الاستعداد لها، وتهيئة النفس لما تقتضيه متطلباتها فالصلاة - مثلًا - تكون مسبوقة بحسن وضوئها، وترقب وقتها وإتمام خشوعها، وقيامها وركوعها، وسجودها، وذلك بعد أن تكون قد قدمت بين يدي الفريضة منها: النافلة، وبخاصة بالنسبة لفرائض الصبح والظهر والعصر.
وكذلك شهر رمضان العظيم إذ يسبقه شعبان الكريم، فيكون مقدمة رائعة له بما يحوي من برنامج تدريبي مكثف، وحث على الصيام وقراءة القرآن، وحرص على الصدقة وصلة الأرحام وأعمال الخير كافة رائدنا في ذلك رسول الإسلام ﷺ وصحابته الكرام.
ولعلها لفتة كريمة من رب العزة - سبحانه وتعالى - إلى فضل هذا الشهر بأن أنزل فيه - أي في شعبان - فريضة صيام رمضان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183]).
فافترض - سبحانه - بهذه الآية الكريمة - صيام رمضان على أهل الإيمان والإسلام وكان ذلك - بداية - في شعبان ومن هنا جاء حرص رسولنا ﷺ على صيام أكثر شعبان عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله» متفق عليه، وفي رواية «كان يصوم شعبان إلا قليلًا».
رواه مسلم
وفي شعبان نتذاكر حادثة تحويل القبلة في السنة الثانية للهجرة، قال جل وعلا: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: 144)، هذه الحادثة التي جاءت تأكيدًا لتميز الأمة، وترسيخًا لاستقلالها، وإثباتًا لشخصيتها الفريدة بأن تكون لها القبلة التي لا تشاركها فيها أمة أخرى.
وفي شعبان نتذاكر أيضًا مكانة رسولنا في ديننا، إذ أنزل الله تعالى في حقه هذه الآية الكريمة له وتعظيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56).
على أنه وإن جاءت بعض الآثار، بفضيلة ليلة النصف من شعبان، إلا أنه لا يجوز شرعًا تخصيصها بصلاة مخصوصة، ولا بعادة معينة ولا باجتماعات منصوصة، وإنما يأتي المرء فيها من الطاعات المباركات، والأعمال الصالحات، كالصلاة والصيام والاستغفار والذكر، وقراءة القرآن ما يأتيه بنية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، في هذه الليلة كغيرها من الليالي.
روي عن أنس - رضي الله عنه - قال: «كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرأوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان»، وكان جماعة من السلف يقولون: «شعبان شهر القرآن» مكثرين من الصدقة على الأرحام، والأيتام وأهل العوز، والحاجات.
فليكن لنا في سيرة المصطفى، وصحابته الكرام قدوة وأسوة، ودليل عملي، وسبيل رشد في هذا الشهر الكريم، فلعلنا لا ندرك رمضان فنكتب من الفائزين فيه، بنياتنا الصالحة، وأعمالنا السديدة في شعبان.
عبد الرحمن سعد
الصبر زادنا الأصيل في معركة الحياة
إن في قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفاسفها، والاتصال بالله وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن - الزاد لاحتمال العب الباهظ والجهد المرير الذي ينتظركم أيها الدعاة المخلصون كما هو إعلان لسيطرة الروح، واستجابة لدعوة الله وإيثار للانس به لأن الذكر فيه حلاوته، والصلاة فيها خشوعها، والمناجاة فيها شفافيتها، وإنما لتسكب في القلوب أنسًا، وراحة وشفافية ونورًا لا تجده في صلاة النهار، وذكره
إن الصبر الجميل على تكاليف الدعوة المتكررة، والواجبات الباهظة، وأعباء الأعمال الشاقة لزاد آخر لك في الدعوة قد تحتاج في مسيرتك وحياتك لما قد يعترضك، وما تلقاه من فتن وشهوات وشبهات يلقيها الأعداء على رسالتك السامية العطراء، كما تتوقع أن تتلقى الاتهامات والإعراض، والصد والتعطيل، واستخدام جميع ألوان الأسلحة لإثنائك عن أداء المهام والتكاليف، والواجبات الربانية الموجهة إليك من قبل الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو.
حاجتنا كبيرة إلى الصبر بعد الذكر، والتسبيح العميق الحاضر مع اللسان والانقطاع عن متاع الحياة الدنيا الفانية، فهذا هو الزاد الأصيل لضمان الاستمرار والعطاء للدعوة فطريقها شاق وطويل.
والصبر هو الوصية من الله لكل رسول من رسله، لعباده المؤمنين برسله، وما يمكن أن يقوم على هذه الدعوة أحد إلا والصبر زاده وعتاده والصبر جنته، وسلاحه وملجؤه وملاذه فهي جهاد جهاد مع النفس وشهواتها، وانحرافاتها وضعفها، وشرودها، وعجلتها، وقنوطها، وجهاد مع أعداء الدعوة ووسائلهم، وتدبيرهم وأذاهم ومع النفوس عامة وهي تتفلت وتتنقص من تكاليف هذه الدعوة وتتخفى في أزياء كثيرة، والداعية لا زاد له إلا الصبر أمام هذا كله، فامضوا في أداء رسالتكم فما عليكم إلا البلاغ المبين.
الصبر هو الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة معركة الدعوة إلى الله، المعركة المزدوجة مع شهوات النفس، وأهواء القلوب، مع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات وتدفعهم شياطين الأهواء.
واحذر أن تمن بما تقدمه من جهد وتستكثره، أو تستعظمه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (المدثر: 6)، فهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحس بما تبذل فيها، وابتعد عن الهواجس والأفكار التي تدور في مخيلات المسلم من الانتقال في قطاعات العمل الإسلامي، واجعل مصلحة الدعوة ترتقي فوق مصالح الأهواء والشهوات والأمزجة والراحة والدعة، فالبذل في الدعوة من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه، بل حين لا تستشعر من الأصل لأنها مستغرقة في الشعور بالله شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله، وعطاياه، فهو اختبار واصطفاء، وتكريم أنعمه الله عليك يستحق الشكر لله لا المن والاستكثار فهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا بالصبر الذي يقصد فيه وجه الله «الظلال ج٦». قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
محمد يوسف الشطي
الصلاة جامعة أنواع التعظيم
لا شك في أن فرائض الإسلام لا ترمي إلى النعيم في الدار الآخرة فحسب، فالصلاة عنوان التدين، أو كما يقول الإسلام: «عماد الدين ومن ثم فليس من الإنصاف أن تكون الراحة في الدار الآخرة هي نتيجة هذا العماد وكفى، اللهم إلا إذا كانت نتيجة التدين في البشر مؤجلة إلى النشأة الأخرى.
وذلك غير الواقع، إذ إن الدين ضروري للعمران والصلاة وسيلة للتدين قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30).
فقد سبق في علم الله أن يجعل له خليفة في الأرض ينوب عنه في عمرانها وإصلاحها، كما يبحث فيما أودع فيها من الأسرار والعلوم، هذا الخليفة أريد من سابق الأزل أن يقوم في ملك الموكل ضروري ليهتدي الوكيل إلى ما يرمي إليه الموكل مطلق الحرية كامل التصرف، فلابد من أن يتصل بالموكل بالسبيل الذي يناسبه من العظمة والجلال.
والاتصال بالموكل ضروري ليهتدي الوكيل إلى ما يرمي إليه الموكل من الأغراض، وما يقصد إليه من المرامي في إصلاح هذه المملكة، وليس من سبيل إلى هذا الاتصال إلا بالمناداة والمناجاة من وراء الحجب والتعلق بالله من وراء الأستار والاشتغال بحضرته بالخضوع والاعتقاد بالتكبير والتعظيم بالركوع والسجود، وذلك هو الصلاة.
ولأن الإنسان مكلف أو مركوز في فطرته عمارة الأرض، فهو مضطر إلى الفيوضات الإلهية التي تهديه إلى ما يصلح الأرض، ويضمن بقاءها ونموها في العمران، وهذه الفيوضات إنما تكون بوقفة العبد أمام مستخلفه يملي عليه ما يريد به وبغيره مما جعله مستخلفًا فيه.
فلا شك في أن النفس الإنسانية عند مزاولة معاني التعبد، تخرج من حضيض الماديات والحسيات فتهدأ ثورتها على الحياة، وتطمئن بذكر الله، وحينئذ تسير بصاحبها سيرًا هادئًا مطمئنًا،
فيكتسب الإنسان من وراء هذه الطمأنينة قوة في العقل يستعين بها على تذليل الصعاب العلمية وعزمًا يقتحم به معترك الحياة الدنيوية، وقوى في الأخلاق يستعين بها على النفس الأمارة بالسوء وباستكمال هذه القوى ينصلح الإنسان فتنصلح الأرض.
كما يأتي العمران - أيضًا - من ناحية التعظيم للمعبود والعقول السليمة تشهد بوجود تعظيمه وشكره، والصلاة جامعة لأنواع التعظيم التي اصطلحت عليها الأمم من التعظيم بالقلب، والذكر باللسان والخضوع بجميع البنيان وعدم التعظيم للمعبود عنوان على التمرد والمروق من التدين والدخول في ميدان الفوضى البشرية التي لا نهاية لشرورها.
والتعظيم للمعبود يُشعر الإنسان بمراقبة القوانين الاجتماعية العامة، ويحوطه بجملة الأوامر والنواهي، قال تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾(العنكبوت: 45)، وورد عنه صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة».
نجوى عوض أحمد
تعال نؤمن ساعة
أدب السلف في «هضم النفس»
قد يعجز التاريخ حقًا عن أن يصف رجالًا عظيمة أخلاقهم، طاهرة نفوسهم، عالية همتهم، سامية أهدافهم عاشوا في الدنيا وهم مدركون لحقيقتها.
لذا تجدهم عاملين للآخرة، مستعدين لها فهم في حسن علاقة مع ربهم وعلى قدر عظيم من الأدب والأخلاق مع الناس أمثالهم يخجل - والله منهم - أبناء الجيل الذين يستمعون لأحوالهم واخبارهم.
قال أحمد بن ماهان سئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع، فقال: استغفر الله، لا يحل لي أن أتكلم في الورع وأنا أكل من غلة بغداد لو كان بشر بن الحارث صلح أن يجيبك عنه، لأنه كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد.
قال الحسن بن محمد بن أعين سمعت أحمد بن حنبل يقول: لولا بشر بن الحارث وما نرجو من استغفاره لنا لكنا في عطلة.
وقال الحسن بن الليث الرازي قبيل لأحمد: يجينك بشر بن الحارث قال: لا تعنوا الشيخ نحن أحق أن نذهب إليه.
وذكر بشر بن الحارث في مجلس أحمد فقال: ما كلمته قط.
في هذا الخبر العجيب تظهر الأخلاق العالية والآداب الراقية لأئمة السلف.
فالإمام أحمد وهو إمام أهل السنة والجماعة، وشيخ المسلمين في زمانه، يبين مدى افتقاره لاستغفار بشر بن الحارث له وأنه بسبب دعائه له حصل له الخير، وكان الإمام أحمد يجل بشر بن الحارث، حتى إنه عندما سمع بزيارته له قال: لا تعنوا الشيخ.
مع أن الإمام أحمد عظيم القدر كبشر بن الحارث، ولكن هذا الموقف يبرز عمق الأدب في نفوسهم، وأن هذا التواضع هو سبب رفعتهم عند الله، ورفعتهم في نفوس الناس.
ومع مكانة بشر بن الحارث عند الإمام أحمد، ما كلمه الإمام قط، بل كان يحضر مجلسه، ويكتفي بمجالسته ومشاهدته، وهذا الخبر يوضح لنا أمرًا تربويًا مهمًا في حياة الصالحين، فهم على شدة تقواهم وعلمهم وإيمانهم، يعرضون أنفسهم لمجالس الصالحين، ولو بالمجالسة والمشاهدة.
فهل يعي جيل اليوم هذه الأمور؟
اللهم أنت أصلحت الصالحين، فاجعلنا منهم
علي بن حمزة العمري
أحوال القلوب
عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه – عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين قلب أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا يذكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض».
هكذا القلوب في كل زمان ومكان، سبب السعادة والشقاء في الحياتين، إما قلوب الرياح الفتن مشرعة، ولتحكيم الهوى وتنصيبه قائدًا راضية، فلا تزال في ضلالها حتى تسود وتنتكس كالكوز مكبوبًا منكوسًا.
وإما قلوب مشرقة فيها أنوار الإيمان ومزهوة مصابيحها، لا يشتبه عليها المعروف من المنكر كلما أنكرت الفتن ازدادت نورًا وصفاء شعارها ومیزان تحركاتها قول المصطفى ﷺ لما قيل له: أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد».
وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».
عدنان القاضي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل