; المجتمع التربوي: العدد 1305 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: العدد 1305

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998

مشاهدات 84

نشر في العدد 1305

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 23-يونيو-1998

وقفة تربوية

هؤلاء هم الذين ينجحون

 أجرت جامعة بيل الأمريكية دراسة حول عدد الطلاب الذين لديهم أهداف واضحة قد كتبوها، ورسموا خططًا لإنجاحها، وجدت الدراسة أن (3%) من طلاب السنة الأخيرة في الجامعة قد فعلوا ذلك، وبعد عشرين سنة توبعت الدراسة بالاتصال بأولئك الطلاب الـ (٣%) للنظر في وضعهم المالي والاجتماعي، فوجد أن هؤلاء الـ(٣%) الذين كتبوا أهدافهم يحصلون ماليًا على ما يعادل دخل الـ (97%) الآخرين.

الله -سبحانه وتعالى- عندما خلقنا بين لنا أن أجل كل واحد منا محدد، وأنه لن يخلد في هذه الدنيا أحد، وأنه لن يرجع إلى الدنيا بعد الموت أحد، فالوقت هو أثمن شيء في حياتنا، وما لم نستغل هذا الوقت الاستغلال الأمثل فإنه سيمضي ولن ينتظرنا حتى نفاجأ بالرحيل من هذه الدار، والناجحون في هذه الحياة يعلمون حق العلم هذه المعادلة، ويعيشونها لحظة بلحظة، لذلك يخططون لحياتهم، وينجزون دائمًا. الناجحون في هذه الحياة يخططون لأبنائهم ولأنفسهم، والمؤسسات التي يعملون فيها، وفي كل عام يعلمون ماذا يريدون إنجازه من أبنائهم «تعليمهم السباحة وتعليمهم لغة من اللغات، تحفيظهم بعض أجزاء القرآن الكريم، تعليمهم مهارة من مهارات الحياة» ويخططون لأنفسهم «كم من المال يريدون جمعه هذا العام؟ وما هي العيوب التي يريدون التخلص منها؟ وكم مقدار الثقافة التي سيحصلون؟ وهكذا».

أما الفاشلون في هذه الحياة، فيتركون كل شيء للأيام تعبث بهم، ويريدون من السماء أن تمطر ذهبًا أو فضة، ولكن الحقيقة القرآنية الثابتة تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد :11).

 أبو خلاد

إيذاء المؤمنين:

بقلم: عبد العزيز عبد الرحمن قارة.

يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (سورة الأحزاب: 58)، والإيذاء يشمل كل أنواع الإيذاء سواء كان قولًا أو عملًا أو كتابة، وهدد الله -سبحانه- الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات بقوله -سبحانه-: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (سورة البروج:10)، ولقد سمعنا كثيرًا عن افتتان المؤمنين والمؤمنات من قبل الملحدين والقوميين والبعثيين وعباد الأصنام وعباد البقر واليهود والنصارى وغيرهم كثير، وإدخالهم السجون وتعذيبهم وحتى الأطفال والنساء والغلمان لم يسلموا من هذا الافتتان، ومع هذا لم يحتج أو يستنكر أحد من المسلمين علنًا ويهاجم هؤلاء المجرمين بالقول فقط، وحتى في النكاح أمر الله المؤمنين بتفضيل المؤمنة حتى لو كانت دميمة يقول -سبحانه-: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾   (سورة البقرة: 221)، ولعن الله -سبحانه وتعالى- الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾  (سورة النور: 23). 

وأمر الله رسوله ألا يرجع المؤمنات المهاجرات إلى الكفار أو بلاد الشرك بقوله -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (سورة الممتحنة: 10)، وعلى هذا فلا يجوز إعادة المؤمنات إلى بلادهن الكافرة أو التي فتن فيها.

إن هذه الفئات المؤمنة هي الفئة الأعز والأفضل والأعلى عند الله وعند الناس، وهي الفئة التي يجب اختيارها لكل عمل مهم وخطير، وهي التي يجب أن يستأمن لها ويوثق بها مهما كان جنسها، أو لونها، أو عرقها، أو جنسيتها، أو منشؤها، أو لغتها.  هذه الفئة هي التي يجب أن يهتم بها ولاة الأمر من المسلمين المؤمنين والجماعات الإسلامية في كل مكان، وأن تحظى لديهم بالتقدير والتكريم والأهمية، وهي التي يجب أن يوثق بها ويطمئن إليها؛ لأنها الفئة الوحيدة التي تخلص في عملها لله، وتتفانى في واجباتها، وتدافع عن الدولة الإسلامية وولاة الأمر من المؤمنين حتى لو كانوا لا يحملون جنسيتها ولم يولدوا في أراضيها، ولم ينشؤوا أو يتربوا في أحضانها أو مدارسها، ولم يكونوا من مواطنيها أو ينطقوا بلغتها؛ لأنهم حقًا الذين يدافعون عن الولاة الصالحين، وعن الإسلام والمسلمين، وهم العيون الساهرة للدفاع عن الدولة الإسلامية وولاة أمرها، والدعوة إليها، ونشر مبادئها، وإظهار محاسنها، واتخاذها القدوة المثلى في أحكامها وعدالتها وأنظمتها ودفاعها عن العدل والحق والمساواة. يقول -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾   (سورة الحج: 38)، فما دام الله -سبحانه وتعالى- يدافع عن الذين آمنوا أفلا يجب على المسلمين وولاتهم الدفاع عنهم، والمطالبة بكف الأذى عنهم، واعتبارهم من رعايا الدولة الإسلامية ومواطنيها سواء بسواء؟ أليس من الواجب العمل على إنقاذهم، والاحتجاج على ظلمهم، والعمل بكل ما في الاستطاعة للتخفيف من معاناتهم، وإيقاف الظلم عنهم؟ وهذا ما يفعله الصالحون من المؤمنين سواء كانوا مسؤولين أو غير مسؤولين.

لقد ارتكبت مذابح هائلة ضد المسلمين وغير المسلمين في أنحاء الأرض، ذهب ضحيتها المئات والآلآف، ولم يحتج أحد على ذلك إلا القليل النادر من المؤمنين، ولم تقطع العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو غيرها مع تلك الحكومات الظالمة، ولم تقم المظاهرات الشعبية والجماهيرية من الفئة المؤمنة في أنحاء العالم الإسلامي، أليس هذا دليلًا على أن الأخوة الإيمانية ضعيفة؟ إن كثيرًا من دول أوروبا التي لا تؤمن بالإسلام ولا بأي دين وتنادي بالعلمانية تسمح للكثير من الناس على اختلاف مذاهبهم ومعتقداتهم، ومن ضمنهم بعض المؤمنين الذين هربوا من بلادهم أو هاجروا منها أو خرجوا منها لملاحقتهم بسبب الاختلاف في الرأي أو الاعتقاد مع حكوماتهم- تسمح لهم بالإقامة في أراضيها، بل وتمنح بعضهم رواتب ومساعدات وتسهيلات باسم حق اللجوء السياسي وحرية الاعتقاد.

أليست الدولة الإسلامية أو الدول الإسلامية أحق بإيواء المؤمنين ومساعدتهم للإقامة في أي بلد إسلامي؟

يقول -سبحانه-: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (سورة المائدة: 56).

أشيعوا الحرية تزدهر الدعوة الإسلامية

بقلم: المستشار مصطفى الشقيري.

في جو الحرية تزدهر الدعوة الإسلامية، وينطلق الدعاة مجاهدين بكلمة الحق آمرين بالمعروف وناصحين للأمة، وهم آمنون على أنفسهم من كل ذي سلطة لم تصادف كلمة الحق قبولًا لديه.

في ظلال الحرية تثرى الدعوة الإسلامية بالآراء المتعددة، وينهض الدعاة وينشطون في أداء واجبهم، لا شيء يحد من حركتهم ولا رقيب عليهم سوى الالتزام بنهج الإسلام، وهو بين واضح لا لبس فيه ولا غموض.

نعم لا خطر على الدعوة الإسلامية من تباين الآراء، واختلاف وجهات النظر في ظل وحدة الهدف والإخلاص في الدعوة، إنما يكمن الخطر في مصادرة الرأي الآخر وانعدام الإخلاص، وإذا كان الإسلام دينًا شاملًا لكل أوجه الإصلاح في الحياة، فإن المساحة التي يتحرك فيها الدعاة تكون شاملة شمول الإسلام ذاته، ولا يسوغ أن نحصر الدعاة في نطاق محدود من تعاليم الإسلام لا يتجاوزونه، ونضع خطًا أحمر لا يتعدونه، وإلا كانت المساءلة وكان النقل والعزل والحرمان، وبذلك تتوارى الكلمة الصادقة، وتختفي لتظهر عبارات النفاق الرخيص والتعلق المفضوح الذي لا تجني الأمة منه إلا التأخر والانحطاط، وإذا كانت المجتمعات الإسلامية تشهد في عصرنا هذا صراعًا بين قيم الإسلام والقيم الوافدة من الحضارة الأوروبية، وقد أصبح للأخيرة دعاتها وحماتها، ويملكون من الإمكانات وقنوات التعبير ما لا يملكه دعاة الإسلام مما يضاعف الأعباء الملقاة على عاتقهم، ويغدو أمر تحقيق الضمانات وتوفير الحصانة لهم لازمًا وضروريًا حتى لا تحيف عليهم سلطة، ويتحقق لهم الاستقلال الذي يعينهم على أداء واجبهم، وذلك أسوة بأجهزة عديدة لا تقل الدعوة الإسلامية شأنًا عنها، بل تفوقها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾  (سورة فصلت: 33) إن الدعاة إلى الله يحملون كلمة الحق التي أمرهم الله بتبليغها للناس، كل الناس، صغيرهم وكبيرهم، عظيمهم وحقيرهم، والحق دائمًا ثقيل، ولكنه خير ما قيل، وكلمة الحق لها أفقها الواسع، ومدلولها الشامل يتحرك بها الدعاة، ويواجهون بها انحراف العام والخاص، وسائر أوجه الفساد في المجتمع كله، حتى يستقيم أمر الناس على نهج الله القويم، وفي التاريخ الإسلامي كله كان ازدهار المجتمع قرينًا بازدهار الدعوة الإسلامية، وكان ازدهار الدعوة الإسلامية قرينًا بتوفير الحرية للدعاة، ففي أزهى عصور التاريخ الإسلامي كان الحكام يقربون العلماء منهم، وكان العلماء يبذلون النصحية لهم، وبذلك استقامت الحياة وساد الأمن والأمان، وصنفان من الناس إذا صلحا صلح المجتمع، العلماء والأمراء، عالم ينطق بالحق، وحاكم يصغي له، وينزل على الحق وإن خالف هواه ويوفر الأمن والأمان لدعاته .

العودة إلى الله:

بقلم: محمد أبو سيدو.

رغب الله -تبارك وتعالى- في التوبة، ودعا إلى المداومة عليها؛ فهي السبيل إلى غفران الذنوب، وستر العيوب، بها تنزل الرحمات، وتبارك الأرزاق، وبها ترفع الدرجات والفوز بالجنات والبعد عن النار، والتائب من ذنبه تحت رعاية الله وعنايته، وفي حفظه ورحمته، يمتعه الله -سبحانه- بسعة الرزق، ورغد العيش، وراحة القلب في الدنيا والثواب العظيم في الآخرة، وقد بين الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم وكذلك الرسول الكريم فضل التوبة وما تعود به على صاحبها من خير وسعادة في الدنيا والآخرة، ومن فضائل التوبة محبة الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (سورة البقرة: 222) والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة» وفي رواية للإمام مسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك، إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح». وعن قبول التائبين والصفح عما فرط منهم من السيئات يقول الله -تعالى-: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة المائدة: 39) وقال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (سورة الشورى: 25)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يتنزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» والتوبة هي طريق الفلاح في الدنيا والآخرة قال الله -تعالى-: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾  (سورة النور: 31)، أي ارجعوا أيها المؤمنون إلى ربكم بامتثال الطاعات، والكف عن الشهوات؛ لتنالوا رضاه وتفوزوا بسعادة الدارين، والتوبة هي السبب لدخول الجنات يقول -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (سورة التحريم: 8).

 قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- التوبة النصوح يذنب الذنب، ثم لا يرجع إليه، ويقول العلماء التوبة النصوح أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على ألا يفعل في المستقبل، فالتوبة النصوح الصادقة من المسلم سبب المغفرة الذنوب والسيئات والفوز بنعيم الجنات.

 يفتح الله باب التوبة لمن أراد أن ينجو من المصير السيئ في الآخرة بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، والله يعد التائبين المؤمنين أن يبدل ما عملوا من سيئات قبل التوبة بحسنات بعدها تضاف إلى حسناتهم الجديدة، ومن رحمة الله لعباده أن من فعل سيئة كتبت عليه سيئة واحدة، ومن تركها خوفًا من الله كتبت له حسنة، ومن فعل حسنة واحدة كتبت له بعشر أمثالها.

يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ (الفرقان:70-71) ورحم الله القائل:

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة *** فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن *** فيمن يلوذ ويستجير المجرم .

داء ودواء

بقلم: محمد الجاهوش

     روى الإمام الذهبي بسنده إلى عبد الله بن عون أنه قال: «ذكر الناس داء، وذكر الله دواء».. أ.هـ، سير أعلام النبلاء ج 6. ص ٣٦٩.

     ذكر الناس داء: الداء فيه واضح، لا لبس فيه ولا غموض، فالخائض في أمور الناس أحد رجلين: الأول: مادح لهم، وهذا يخشى عليه من الإفراط والرياء، وكلاهما داء وبيل ومرض خطير، والتزام القصد -هنا- أمر عسير، لذلك أمرنا أن نحثو التراب في وجوه المادحين. الثاني: ذاكر لهم بالقدح والذم: ينفث سموم صدره حقدًا وحسدًا أو غيبة ونميمة، وإفسادًا بين الناس، وكلها علل تميت القلب، وتقتل المواهب وتدمر أخلاق الأمة، وتذهب ريحها، فضلًا عما ينتظر صاحبها من سوء الحساب، وأليم العذاب، وكلا الرجلين -المادح والقادح- أنفق وقته عبثًا، وأضاع عمره سدى فلا نفسه أفاد، ولا انتفع به الآخرون

     وسلامة الإنسان: أن يكف لسانه عن شؤون الناس وأحوالهم، وإن كان لا بد من الكلام، فليحرص على أن يكون في دائرة المباح، والدعاء لهم بالخير والصلاح، وإظهار الحسنات لتتخذ قدوة وأسوة، والحذر كل الحذر من تلبيس إبليس، فالمجال -هنا- خصب لنزغه ووسواسه، والعاقل من احترز، وكان على وجل.

 ذكر الله دواء: ما أنزل الله داء إلا وجعل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله.

والمرضى يهرعون إلى الأطباء، فيشخصون عللهم، ويصفون المناسب من العلاج، فإذا أصاب الدواء الداء برى بإذن الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾  (سورة الشعراء: 80).

أمراض القلوب: أما أمراض القلوب وعلل النفوس، فخفية أعراضها، عزيز دواؤها، قليل أساتها، ذلك أن الإنسان ما ينفك يتقلب في إحدى حالتين:

الأولى: حالة النعيم، وما يرافقها غالبًا من ترف وتيه، واستكبار في الأرض، وتفلت من ضوابط الخلق والدين، يحسب صاحبها أن إشراقة الدهر لن تغيب عنه، وأن حظه منه إقباله ومسراته، وأنه قدم له ما أخره عن غيره، أما وجه الدهر الكالح فهو من نصيب الآخرين، وما الذي يعنيه من شأنهم: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾  (سورة العلق : ٧-٦).

الثانية: حالة البؤس والإدبار، والمصائب والمرض، والإنسان في هذه الحالة ينكر نفسه ويكره غيره، ويضيق ذرعًا بأهله وولده، يتوهم واقعه قدرًا نافذًا وقضاء مبرمًا، وأن الدهر الذي جثم على صدره لن يصرفه عنه صارف، فهو في قلق دائم، وهم ناصب.

سبيل الخلاص: سيبقى أثر الشدة والرخاء في حياة الناس ماداما متعاقبين فيهم، وليس ثمة وسيلة تحول دون ترف أهل النعيم، أو ضجر أهل البلاء، إلا ذكر الله -عز وجل- لأن ذكر الله -تعالى- يغرس في القلوب السكينة والطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾  (سورة الرعد: ۲۸) كما يملؤها بالخشبية والرهبة منه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾  (سورة الأنفال: ۲)، وغير خاف ما للخشية والطمأنينة من الآثار الحميدة في القلب والنفس.

أثر الطمأنينة: إذا اطمأن القلب حلته السكينة، وتم له كمال اليقين، ونعم بالأنس والرضا، وصغرت عنده الدنيا فلا يحزنه ما فاته من زهرتها، فما نعيمها إلا متاع ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ (سورة الحديد: 20)، لقد سمت همته إلى الفوز بما ادخره الله -تعالى- للمؤمنين في دار الخلود: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الشورى:٣٦)، فلتذهب الدنيا حيث أرادت، ولتحل في رحال من اختارت فما نيلها غنى ولا فوتها فقر.

أثر الخوف: الخوف -بعامة- دافع للتوقي والحذر، ومن خاف من الله تمثل عظمته ومهابته، والتمس مرضاته، وتجنب موجبات سخطه وغضبه، ومتى حل الخوف قلبًا كبح جماح صاحبه، وألجم هواه، واستل من أعماقه سخيمة الأشر والبطر والاستعلاء على من حرموا الحظ الوافر من الجاه والثراء، وأيقن أنه محاسب عن كل ما خوله الله -عز وجل-:﴿ثُمَّ لَتُسـَٔلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ   (سورة التكاثر :8)

صفوة القول: وهكذا نجد أن ذكر الله -تعالى- وقاية لمن أدبرت عنهم الدنيا، أو قل حظهم منها، وهو وقاية لمن أقبلت عليهم بزخرفها وزينتها.

إنه يهون شدائد الأمور، ويخفف من وقع البلاء، ويرتفع بأقوام فيرون البلاء نعمة، يسعدون بها أكثر من سعادة غيرهم بالعز والنعيم، كذلك فإنه ينتشل أهل الجاه والثراء من الانسياق وراء رغبات النفوس والانهماك في إثم الملذات، ويسمو بهم حتى ينزلوا أنفسهم منزلة القيم الأمين، يكسب حلالًا وينفق قصدًا، ويتصدق فضلًا، فما أجمل أن يحرص المؤمن على الاستجابة لنداء الحق سبحانه: ﴿يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرࣰا كَثِيرࣰا وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةࣰ وَأَصِيلًا (سورة الأحزاب: ٤١ - ٤٢)، ويجعل هذا النداء مبدأ متأصلًا في حياته، ولسوف يحمد عقباه في حالتي الشدة والرخاء، سدد الله الخطى، ووفق الجميع، والحمد لله رب العالمين .

كن ولا تكن:

كن مشاورًا.

من الغرور والعجب والكبر عدم الأخذ بالشورى، وليس ذلك من علو الهمة، أخي كيف تتكبر على الاستشارة والله سبحانه أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن يأخذ بها وهو أعلمهم وأحكمهم، فكان غنيًا عنها، ولا شك لأنه مؤيد بالوحي من الله جل وعلا، ولكن الله سبحانه أمره بذلك لتكون سنة لمن بعده ولا يستعبدون الناس برأي أحدهم، فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (سورة آل عمران: 159) فهل كنت أفضل وأحكم منه -عليه الصلاة والسلام- حتى تستبد برأيك؟ 

وخذ مقولة سيف بن ذي يزن: «من أعجب برأيه لم يشاور، ومن استبد برأيه كان من الصواب بعيدًا» وهاك حكمة: «الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه» (۱) أخي، لا تشاور إلا صاحب الدين والعقل والحكمة، وعليك بالعالم العامل والناصح الدين، وبالشورى تشحذ القريحة، وتتلاقح الفكر، وتنمى المعارف، وتقوى الأواصر بين المتشاورين، والشورى تنفي عن العبد الغرور والإعجاب بالنفس، وتفتح له الأبواب، وتزيل عنه الحيرة والاضطراب، قال علي -رضي الله عنه-: «نعم المؤازرة والمشاورة، وبئس الاستعداد والاستبداد» (۲)، وتلك حكمة: «المشاورة راحة لك وتعب على غيرك» (۳).

إن بعض الشباب يبحث عن صاحب العقل والدين والتجربة ليشاوره، ولكن ماذا بعدها؟ إن الفكرة التي كانت في رأسه قبل وبعد هي هي، ومشاورته كانت كما يقال: «سد فراغ»؛ لأنها إن وافقت رأيه فيها ونعمت، وإلا ضرب بها عرض الحائط، وهذا خسر الوقت والمشاورة، وأخيرًا خُذ مشورة ناصح، تعط ثمرة يانعة .

فهد بن عبد العزيز الجوعي

الهوامش:

  1. راجع سلسلة الحمادي، ط الأولى ١٤١٨هـ، دار ابن حزم – الجزء الخامس، ص ۱۹.
  2. الهمة العالية للحمد، ص ١٥٩، ط الثانية ١٤١٧هـ دار القاسم.
  3. سلسلة الحمادي - الجزء الخامس - ص ١٩.
الرابط المختصر :