العنوان المجتمع التربوي (1260)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1260
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 29-يوليو-1997
وقفة تربوية حاجة الداعية للآخرين
كلما اعتمد الداعية على نفسه، وتخفف من حاجته للآخرين، كلما كانت كلماته أشد تأثيرًا في المخاطبين بخاصة إذا كانت هذه الحاجات هي حاجات مالية، وقديمًا كانوا يقولون: «من يمد يده لا يستطيع أن يمد لسانه» والحاجة المالية من أشد الحاجات على نفس الداعية الذي رباها على العزة والكرامة، ولذلك كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال»، فغلبة الدين هم عظيم يستحق الاستعاذة منه لشدته على النفس، فهو كما قيل: «ذل في النهار وهم في الليل» هذه الحاجة المالية تكون في كثير من الأحيان ناتجة عن سوء إدارة وتورط في الكماليات وفوضى في فهم الأولويات، فحاجة الكثير من الدعاة للمال ليست لقضايا كالطعام والملبس وضروريات الحياة، بل في غالبها كماليات يمكن إرجاؤها حالمًا توفر هذا المال ولأهمية توفر المال في حياة الداعية ليستطيع القيام بواجب الدعوة، وحتى تؤتي دعوته أكلها كان أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري يقول: «لأن أخلف عشرة آلاف درهٍم، يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس» سير الأعلام ٢٤١/٧.
وكان يقول: «كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن»، إننا لا نقول ذلك كي نثبط الدعاة عن دعوتهم والاهتمام بالتجارة لكي يوفروا المال على حساب الدعوة، ولكننا نلفت النظر إلى قضية المال وأهميته في حياة الدعاة، وألا يتورطوا في الكماليات حتى لا يضطروا لمد أيديهم للناس فيضعف تأثير كلامهم.
أبو خلاد
وقفات مع حديث الاستخارة
بقلم: د. أيمن أسعد عبده
يعتبر فن اتخاذ القرار من أهم المهارات الإدارية التي يحتاجها الإنسان في حياته العامة والخاصة، وذلك أن البدائل تتعدد، ولكن الموقف يستدعي عادة اختيار أحدها، ومن أساسيات هذه المهارة أن الإنسان كلما كان لديه معلومات أكثر دقة عن البدائل المتاحة، وكلما كان لديه تصور صحيح شامل عن الثوابت والمتغيرات المؤثرة في هذه البدائل بالإضافة إلى خبرة سابقة فإن هذا كله مما يزيد من نسبة الوصول إلى القرار الصحيح.
ولكن الإنسان مهما بلغت قدراته العقلية قوة، وخبراته العملية اتساعًا، فهو دائمًا وأبدًا محصور ضمن حدود الزمان والمكان، لا يستطيع أن يحس بما حوله إلا بواسطة الحواس التي أعطاه الله إياها، وهناك كثيٌر من المتغيرات الكونية والاجتماعية لا يحس بها، ولكنها تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في عواقب القرارات.
فالإنسان في هذه الدنيا أشبه ما يكون بسجين في زنزانة صغيرة ليس فيها سوى نافذة صغيرة تصله بالعالم الخارجي، فأنا له أن يكون تصوره صحيحًا عن الوجود الخارجي وهو لا يرى من الحقيقة والواقع سوى بعضه.
ثم إن هناك عوامل أخرى تؤثر على دقة القرار، ولعل من أهمها العوامل النفسية، فقد يندفع الإنسان إلى بديل من البدائل لهوى في نفسه أو لحالة نفسية معينة كان فيها حل اتخاذ القرار، أو نتيجة لتأثيرات خارجية بشرية وغير بشرية، كل هذه المتغيرات وغيرها تجعل الإنسان بحاجة ماسة إلى من يعينه في اتخاذ قراراته ولا بد أن يكون ذا علم أوسع من علمه وقوة تفوق قوته.
تحليل البدائل
ولهذا لجأ الإنسان المادي إلى الحاسب الآلي يحلل له البدائل، ويحسب له الاحتمالات ويرشده إلى أقرب البدائل إلى الصواب، ونسي أنه هو الذي صنع هذا الجهاز وهو الذي غذاه بالمعلومات المتوفرة لديه، وهو الذي وضع له أسس التفاضل والاختيار.
ولجا أخرون إلى العرافين والمشعوذين يريدون توسيع آفاق معلوماتهم، ويفتحون بذلك - زعموا - أبواب معارف المستقبل، ولم يفطن هؤلاء إلى أن العرافين لا يعلمون لأنفسهم مستقبل الساعة القادمة فضلًا عن أن يعرفوه لغيرهم، وأنهم يهذرون بما لا يعلمون، وأنهم يكذبون وإن بدوا صادقين.
أما المؤمن فإن تعلقه بالله جل جلاله يمنحه ميزة عظيمة لا تتوفر لسواه، إذ إن اتصاله يكون بالقوة الأعظم والعلم الأشمل لله -عز وجل-.
وهذا هو مفهوم الاستخارة في الإسلام، قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن في هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به» (۱).
ست فوائد
وهذا الحديث مليء بالعبر والفوائد ولنا معه ست وقفات سريعة:
۱-قال جابر -رضي الله عنه-: يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يدل ذلك على حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- الشديد على ترسيخ مفهوم الاستخارة في نفوس أصحابه وتربيتهم عليها في الجليل والحقير من الأمور، كما تكون الاستخارة في أبسط الأمور الشخصية اليومية تكون كذلك في عظائم الأمور ونوائب الخطوب.
2- «إذا هم أحدكم بالأمر»، تدل هذه العبارة من الحديث على أن على العبد أولا أن يتخذ كل الأسباب العلمية والعملية للوصول للقرار، فجميع المعلومات الموثقة، ويستشير أهل الرأي والخبرة ويعمل عقله وذهنه قدر استطاعته، ثم يختار أحد البدائل بناء على اجتهاده ويهم به، ولكن قبل تنفيذه يلجأ إلى الاستخارة كخطوة نهائية يلتمس بها معونة الله وتأييده، وبهذا يبطل كلام المماحكين القائلين بأن الاستخارة هي هروب من تحمل المسؤولية وتعويد على الاتكالية وتثبيط للقوى العقلية.
إن الاستخارة لا تكون إلا بعد إعمال الذهن واتخاذ الأسباب وهي بذلك لا تحجر على التفكير بل تقومه وتسدده.
3- «فليركع ركعتين»، فالصلاة هي أعظم ما يقرب العبد من ربه، وتتجسد فيها كل معاني العبودية والخضوع والاستسلام لله رب العالمين، فناسب أن تسبق الاستخارة التي فيها إعلان عجز الإنسان وفاقته إلى ربه وعلمه وقدرته.
٤- «اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم» والمستجير هنا يسأل الله من علمه المحيط الشامل الذي أحاط بكل شيء فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ثم هو يطلب منه أن يقدر عليه الخير، فيسلم أمره لخالقه الذي هو أدرى منه بمصلحة نفسه، وأعلم منه بكل المتغيرات الذي علم المستقبل كيف يكون وأي فضل أعظم من هذا الفضل.
5- «فإن كان هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاكتبه لي ويسره لي ثم بارك لي فيه»، فإن كان الأمر الذي عزمت عليه بقواي العقلية الضعيفة ووفق علمي القاصر - هو الخير لي فاكتبه لي وقدره مباركة منك لقراري وتأييدًا، ثم يسره لي وسهله فلا يكون على شاقًا، ثم بارك لي في نتائجه وملحقاته فلا يأتيني منه سوى الخير، والمسلم الحق الذي يعيش لدينه يقدمه على كل شيء، فهو همه الأول وقضيته الأولى، ولذلك ناسب أن يكون أول المعايير التي تتفاضل بها البدائل، هل هذا البديل هو الأخير لديني؟ هل يقوي إيماني أو يزيد حسناتي؟ هل هو مما يعز به الإسلام والمسلمون؟ ثم يأتي المعيار الثاني وهو الدنيا والمعاش، فهل هذا الخيار في صالح دنياي فتكون مصالحه الدنيوية أعظم من مفاسده، ثم يأتي المعيار الثالث وهو عاقبة الأمر، فالمسلم يتميز ببعد نظره وسعة أفقه، فلا يفكر في لحظته فحسب، بل ينظر إلى المستقبل، فكم من أمر كان خيرًا في حاضره شرًا في مستقبله، فإذا كان الأمر خيرًا بالمعايير الثلاثة الدين والدنيا والعاقبة فإنه الخير بلا شك.
6- «وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به».
هذا هو الشر.
وإن كان الأمر الذي هممت به شرًا بالمعايير الثلاثة السابقة فهذا هو الشر بلا شك، فأسأل الله أن يصرفه عني بما شاء من قدرته وجنوده، وأن يصرفني عنه فلا يقدر لي، ثم أن يبدلني ما هو خير لي منه سواء كان البديل الآخر أو غيره من البدائل، ثم يرضيني بما كتب لي فتطمئن نفسي ويسكن قلبي.
فإذا دعا المسلم بهذا الدعاء بصدق ثم سلم أمره إلى الله، وشرع فيما تنشرح إليه نفسه فإن يسرت سبله وتم كان هو الخير بإذن الله، فوافق الاجتهاد الشخصي خيرة الله، وإن انقبضت النفس عن العمل ولم تتيسر سبله فصرف عنه علم يقينا أن اجتهاده كان بخلاف مصلحته وسلم ورضي بخيرة الله له، قال تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم»(۲).
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «إن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب» (۳).
وقال سيد قطب - رحمه الله - «وكل إنسان - في تجاربه الخاصة - يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم، وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته، ثم تبين له بعد فترة إنه كان إنقاذًا من الله أن فوت عليه ذلك المطلوب في حينه، وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثًا يكاد يتقطع لفظاعتها، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشىء له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل» (٤).
مسكين ذلك المزهو بعقله المعرض عن استخارة ربه، لقد حرم نفسه من باب فضل عظیم فتحه الله له ودعاه إليه، وسيكله إلى عقله، وسيذهل بين الحين والحين عندما يرى كم كان عقله قاصرًا وعلمه محدودًا.
الهوامش
۱-رواه البخاري.
٢- البقرة: ٢١٦ .
3- الفوائد لابن القيم ص ۱۸۰.
4- في ظلال القرآن الكريم - سيد قطب.
ظواهر في حقل الدعوة
الظاهرة: التخويف من الالتزام بالدين.
التحليل: نتيجة للهجمة الشرسة على الأمة المسلمة في وقتنا الحاضر بدأت الأمور تأخذ بعدًا آخر تدريجيًا، فبرزت ظاهرة التقليل من شأن التدين وتهوين دوره في شخصية المسلم وعدم الحرص على إظهاره بأنه العامل الأول في الوصول إلى المركز المناسب والمنصب المرموق في المجتمع، بل جعلت هناك مقاييس وموازين أخرى فاسدة كالمجاملة والنفاق الاجتماعي، وأصبح الرجل الصالح الكفء ينظر إليه بعين الريبة والتشكك ويقصي عن المواضع المؤثرة في المجتمع، وبدأت بعض أساليب التحذير منه من قبل بعض المحسوبين على الاتجاه الإسلامي - مع الأسف - وأساليب التحقير والاستهزاء منه من قبل العلمانيين والفاسدين، لقد تم كل ذلك مع ما صاحب الإسلام عالميًا من إلصاق التهم به وبأتباعه من إرهاب وتطرف وأصولية.
النتيجة: إن استمر الوضع بهذه الصورة ستظهر في المجتمع مجموعات طفيلية وصولية تسلك مظاهر المجاملة والنفاق تطمح إلى الكراسي والمناصب ولو كان ذلك على حساب دينها أو التخلي عن بعض مبادئها وستعود للمجتمع نبرة انتقاص العلماء والملتزمين بالإسلام وقد تصل إلى الاستهزاء والتندر بهم في المجالس العامة والخاصة، وسيتولى رئاسة بعض الإدارات والمسؤوليات في المجتمع مجموعة لا بأس بها ممن لا خلاق لهم ولا فقه ولا علم.
العلاج: يمكن التخفيف من آثار هذه الظاهرة بالموضوعات الآتية:
۱- الالتزام وأثره في حياة المسلم.
۲- النفاق والمنافقون صفاتهم وأساليبهم.
3- حب الوطن من منظور إسلامي.
٤- الولاء والبراء في الإسلام.
5- العلمانية وخطرها على الأمة.
٦- الأمانة وصورها.
7- عوامل الثبات على الدين.
محمد عبد الله الشيخ
نحو عمل مؤسسي فعال (2- 6)
المقومات الدعوية عند القائمين على المؤسسات الإسلامية
إعداد: لجان العمل الاجتماعي - جمعية الإصلاح الاجتماعي
أصبح العمل المؤسسي منهجًا أساسيًا في إدارة العمل الإسلامي اليوم، ويكاد الدعاة يجمعون على أهمية تحقيق أهداف الحركة الإسلامية بفاعلية وكفاءة أفضل، من هنا فقد برزت الحاجة إلى إعداد منهج تثقيفي بين يدي الدعاة يحدد المفاهيم العلمية، والمعاني التربوية، والمتطلبات الإدارية، والأساليب العلمية لإيجاد عمل مؤسسي فاعل، ذلك أن فاعلية البناء المؤسسي لا تتحقق برسم الهياكل الإدارية فقط ولا بوضع الخطط العملية فقط، ولا بأن يكون العمل المؤسسي اهتمامًا قياديًا فقط ولا بالتدريب الفني فقط.
بل إن نجاح العمل المؤسسي يتطلب استيعابًا لمفاهيمه، وتربية على معانيه ومتطلباته الشخصية، ومعايشة لعناصره وتفاعلًا من القيادة والقواد مع مستلزماته وقدرة على تحقيقها.
لذلك فقد وضع هذا البحث الذي حاول الجمع بين المضامين الفنية والعلمية والتربوية بصياغة توجيهية مبسطة ليتم تدارسه والتحاور حوله في لقاءات تربوية متعددة ليتحقق الهدف المرجو من إعداده وهو ترسيخ العمل المؤسسي لدى الدعاة والارتقاء بمستوى مؤسسات العمل الإسلامي.
الصفات الدعوية
فالعامل في المؤسسة الإسلامية هو في حقيقته داعية لله تعالى، وعمله فيها هو عمل للدعوة مهما تنوعت الأعمال وتعددت صورها، ولا فكاك بين إسلامية المؤسسة وإسلامية أفرادها، فالحكم عليها من خلال العاملين بها، وهذا يلقي بمسؤولية عظيمة على الدعاة العاملين في المؤسسات الدعوية الإسلامية، ولعل أبرز الصفات الدعوية المطلوب توافرها في العاملين:
1- الصبر والحلم: فالصبر نصف الإيمان «والله يحب الصابرين»، «وما أعطى أحد عطاًء خيرًا له وأوسع من الصبر»، وبالصبر واليقين تنال الإمامة، «وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون»، المؤمن يكون بالله مستعينًا ولله طاعة ومرضاة، والصبر يلزم الداعية العامل من عدة وجوه:
الأول: صبره على الأعمال والواجبات والأعباء التي تتطلبها المؤسسة منه.
الثاني: صبره على المعوقات وقلة الإمكانات والصعوبات التي تعترض مسيرة تحقيق أهدافه، وهذا أمر لا يعين عليه إلا الله.
الثالث: صبره على مواصلة العطاء بهمة عالية.
الرابع: الصبر في تعامله سواء مع مسؤوليه أو أقرانه في العمل أو عامة الناس.
الخامس: الصبر على متطلبات الالتزام ونظام العمل من الطاعة في المنشط والمكره والاستئذان والاستشارة وضوابط العمل بالجملة.
ب- بث روح التفاؤل والأمل: فالمؤمن يعمل بنور من الله وعلى هدي من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبتغي رضوان الله والجنة، فهو إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وأن أمره له كله خير، وأنه موعود بالجنة والرضوان في الآخرة وبالنصر والتمكين في الدنيا، فما أحراه إذن بأن يكون دائم التفاؤل والاستبشار، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- له كان يحب الفأل الحسن، ويستبشر به والمقصود أن تتحقق هذه الروح في الأخ الداعية أولًا ثم يفيض بها على من حوله.
إن المعوقات المتعددة وطول الطريق وصعوبته وحملات التشكيك، وبث الإشاعات والشبهات عن الدعوة والتربص من قبل الأعداء فضلًا عن تحديث النفس وتثبيطها ووسوسة الشيطان وتخذيله وتخويفه من شأنها أن تشيع اليأس والقنوط لدى بعض النفوس.
فلزم أن يكون الداعية هو مبعث أمل وروح تفاؤل وهو يتلو: «ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون».
ج- حسن الخلق: فالداعية هو الدعوة في نظر الناس فعليه أن يكون خير مثال للدعوة، وقدوته رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد كان خلقه القرآن فهذا هو الميزان الذي ينبغي أن يعرض كل داعية نفسه عليه ليقوم خلقه، وتزداد المسؤولية إذا كانت المؤسسة الدعوية تتعامل مع عامة الناس على اختلاف أعمارهم وثقافتهم وأجناسهم، ويمكن إيجاز أهم الجوانب السلوكية في التعامل مع الناس فيما يلى:
1- محادثة الناس باللغة التي يفهمونها .
2- التمهل بالكلام أثناء الحديث.
3- النهي عن التكلف في الفصاحة.
4- التحدث بما لا يخل ولا يمل.
5- المخاطبة على قدر الفهم.
6- الإقبال على الجلساء جميعًا.
7- المباسطة والملاطفة في الحديث وعدم الغلظة.
8- إنزال الناس منازلهم.
9- مساعدة الناس في قضاء أمورهم.
هذا إضافة إلى الآداب الاجتماعية الأخرى التي شرعها الإسلام لدعاته، كالتواصل الاجتماعي والبشاشة في الوجوه والمحبة في الله والتكافل وغيرها.
د- القدوة الحسنة وحسن تمثيل الفكرة والحركة الإسلامية: وتزداد هذه المسؤولية في الأعمال المؤسسية العامة ذات العلاقة مع مؤسسات المجتمع الرسمية والأهلية وشخصياته وقياداته ومفكريه وأجهزته الإعلامية، فيصبح للكلمة حينئذ وزنها، والموقف مسؤوليته والتصريح ثقله، ولهذا الأمر تأثيره الفعال في صقل الأخ الداعية ورفعه إلى مستوى المسؤولية إذا ما استشعر هذا الأمر وأدرك حقيقته وكان على مستواه.
هـ- العلم: فالعلم أساس بناء العقلية الإسلامية لدى الداعية والتي هي من سمات الشخصية المسلمة، وتزداد الحاجة للعلم بازدياد مسؤولية الداعية تجاه مجتمعه، والعلم النافع هو قرين العمل الصالح «فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرًا في العمل ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما»، كما قال البغدادي فعلى الداعية أن يحوز رصيدًا من العلم الشرعي ابتداء فينال شيئًا من القرآن وتفسيره، والسنة وعلومها، والسيرة، والفقه وأصوله، وعلم العقيدة وعلم السلوك، كما يحسن أن ينال من الثقافة العامة والعلوم المعاصرة إضافة إلى دراسة علم الدعوة وأصولها وهذه لوازم العمل المؤسسي التي لا تخفى أهميتها.
الصفات الحركية والتنظيمية
يقول الدكتور فتحي يكن: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، والحقيقة أنه لا إتقان من غير تنظيم بالغ ما بلغت الطاقات والإمكانات، إذ العبرة بالكيف لا بالكم، والتنظيم جوهر الكيف ومادته الأولى والأهم إن العاملين في الحقل الإسلامي مطالبون بتنمية قدراتهم التنظيمية مثلما مطالبون بتنمية قدراتهم الإيمانية والعبادية.
ومن هذه الصفات الحركية:
أ- معايشة القضية والتفاعل معها: فالداعية صاحب قضية وغاية وإنما يوصله إلى غايته «شغفه بدعوته وإيمانه واقتناعه بها وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة»، بل إن ذلك مما يجعل قضيته ذات تأثير وقبول في المجتمع فإن من «أهم العوامل الأساسية التي تجعل من الداعية ذا هيمنة وتأثير على مستمعيه هو ظهوره في المجتمع بظواهر الاهتمام بهذا الإسلام وبملامح التفاعل والحماس لهذه الدعوة بلا تصنع ولا تكلف ولا تمثيل»، وشتان ما بين الداعية الذي حمل هم مؤسسته الدعوية وأشغل فكره وباله في سبيل تطويرها وإنجاحها فهو ما بين اقتراح يبديه ونصح ينصحه، أو تقصير يؤلمه ويؤرقه، وذاك الذي يدفع للعمل دفعًا وليس له من أمر مؤسسته شيء إلا اسمه المدون في كشوفها ودقائقه التي يقضيها في الاجتماع ثم هو ينظر لساعته متى ينتهي العمل.
إن اسمنا سيظل مكتوبًا في سجل الغافلين الفارغين ما دمنا لا نعطي للدعوة إلا فضول أوقاتنا وما دمنا لا نشغفها حبًا ولا نتخذها حرفة.
ب- الضبط التنظيمي: إن حبات اللؤلؤ الجميلة والأحجار الكريمة لا يكتمل جمالها ولا يتلألأ نورها إلا إذا عقدت بعقد يجمعها بنظم بديع ونظام جميل، لذا فإنه مهما كانت صفات الإبداع والعطاء في أعضاء المؤسسة فإنها لا تثمر الثمار المطلوبة إلا بتواضع أفرادها على السمع والطاعة والالتزام والانضباط العام بنظام العمل فهذا بمثابة القناة التي تشق في الحقل فتسير المياه العذبة إلى موقعها فلا يتبعثر الماء خارج الحقل، ولقد سئل الفقيه التابعي الجليل نافع المدني -رحمه الله- عن تضحية لا يحركها أمر قائد ولا توجبها خطة فقيل له: هل يحمل الرجل إذا كان في الكتيبة بغير إذن إمامه؟ فقال: لا يحمل على الكتيبة بغير إذن إمامه، «والانضباطية هي استعداد نفسي وذهني للتقيد والالتزام فإذا انعدم هذا الاستعداد انعدم بالتالي عنصر الطاعة وقابلية التلقي للتنفيذ»، ويؤكد هنا على:
- السمع والطاعة في المنشط والمكره.
- الالتزام بمواعيد العمل وواجباته.
- تنفيد الواجبات والأعمال حسب ما هو مرسوم لها.
- الاستئذان والاستشارة.
ولنجعل من عبارة «إن قيادة الباطل مثلبة كما إن جندية الحق منقبة» شعارًا لنا جميعًا.
ج- الطبيعة التنفيذية والروح العملية: فحقائق الإسلام ونظمه ليست نظريات مجردة بل أعمال وسلوك ومواقف تؤثر في واقع الحياة ليكون وفق تلك الحقائق والنظم، وإذا كان الدعاة بحاجة إلى الفهم السليم عن الإسلام والتصور الكامل له فهم إلى التفاعل فيه أحوج، إنهم بحاجة إلى التطبيق العملي لمبادئه وأفكاره وسلوكه لتكون حياتهم ترجمانًا مبينًا لمنطوق الإسلام وصورة كريمة لمعطياته، فالطبيعة التنفيذية هي تجسيد للإيمان تلك القوة الإيجابية التي تبعث على التنفيذ، وتنهض إلى العمل أو السر الإلهي في قلب الداعية وعصبه، موكل بإنفاذ رسالته إلى الحياة العملية، فلا يهدأ القلب ولا العصب حتى يكون كل شيء في الحياة يجري على مناهج الدعوة وتعاليمها وإلا فهو العمل الصادق والجهاد القوي حتى يقر الله عينه بما يحب.
واجب على الداعية
فواجب على الداعية العامل في المؤسسة الدعوية أن يكون لديه رصيد من هذه الطبيعة التنفيذية والعملية، إذ إن أكثر ما يعيق تقدم المؤسسات هو غلبة التنظير والتخطيط على الجانب التنفيذي والعملي، وهذه الطبيعة التنفيذية هي المحك العملي لمعرفة مدى فهم الداعية لأهداف المؤسسة واقتناعه بها وتفاعله معها، وللدلالة على قوة عزيمته وصلابة إرادته وللتعرف على صدق عطائه وبذله كما أن فيها مؤشرًا واضحًا على عمق إيمانه بهذه الدعوة وإدراكه لمتطلباتها وواجباتها، وكما قيل: »لا يزال العبد مقرونًا بالتواني ما دام مقيمًا على وعد الأماني».
وتتمثل الطبيعة التنفيذية في قدرة الداعية على ترجمة أهداف المؤسسة إلى واجبات عملية وثم ممارسة هذه الواجبات وتنفيذها على الوجه المطلوب، كما أن الداعية ذا الطبيعة التنفيذية عملي بطبعه لا يستلزم معه كثرة الأوامر والتوجيهات بل يتلقفها بوعي وينفذها بحماس، فالحاجة اليوم ملحة إلى من يحملون الإسلام لا إلى من يحملهم الإسلام.
وسائل اكتساب الطبيعة التنفيذية
1- الفهم الشامل الموزون للإسلام.
2- الفهم الدقيق لأهداف الدعوة ومتطلباتها والمشاركة الفاعلة في صياغة أهداف المؤسسة.
3- الإيمان العميق بأركان الإيمان وبالمبادئ التي تتبناها الدعوة.
4- حب الدعوة والغيرة عليها والدفاع عنها باعتزاز وثقة.
5- دوام التذكير بالغاية، وربط الأعمال والحركة اليومية بها دومًا.
6- التركيز على أصول التكوين الذاتي.
7- تغليب الجانب العملي في النفس على الجانب النظري وترويضها على ذلك.
د- الفهم والوعي: والفهم أساس النجاح وباب العمل، وهو البصيرة والعلم والإدراك والوعي، كما قال تعالى: َ﴿فاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (الفتح:19)، فقدم العلم على العمل، والداعية لا بد أن يسير على بصيرة كما سار المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:108)
وجوانب الفهم والوعي المطلوبة للداعية العامل في المؤسسة الدعوية:
١- معرفة غايته في الحياة وحقيقة دوره بين الناس.
2- إدراك حقيقة الدنيا من الآخرة.
3- فهم حقائق الإسلام ومعالمه على هدي من الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم-.
4- فهم أهداف الدعوة الإسلامية وإدراك مراميها ومراحلها.
5- معرفة أحوال الوسط والشريحة التي ستتعامل معها مؤسسته.
٦- معرفة أهداف المؤسسة واحتياجاتها وإطار أعمالها ومتطلباتها وخطة عملها.
7- معرفة واجباته ودوره وما هو مطلوب منه، وكما قيل: «رحم الله من عرف زمانه واستقامت طريقته».
8- الوعي بالواقع الذي يعيشه الداعية: وهو ما يطلق عليه في الدعوة المعاصرة «فقه الواقع»، وهو العلم الذي يبحث في فقه الأحوال المعاصرة من العوامل المؤثرة في المجتمعات، والقوى المهيمنة على الدول والأفكار الموجهة لزعزعة العقيدة، والسبل المشروعة لحماية الأمة ورقيها في الحاضر والمستقبل، ومن مقومات هذا العلم:
أ- التأصيل الشرعي: الذي يعتبر أساسًا لصحة النظر في الأحداث ورؤيتها وفق المقاييس الربانية.
ب- سعة الاطلاع وتجدده: وذلك ليبقى الداعية مستصحبًا الواقع بمتغيراته وملمًا بجوانب العلوم الدينية والدنيوية التي تؤهله لصواب الفهم.
ج- القدرة على الربط والمقارنة والتحليل: وذلك لتكوين النتائج التي يتوصل إليها الداعية في دائرة الصواب حيث صح جمعه للمعلومات واستقامت قدرته على المقارنة ومن ثمة استطاع أن يحلل المعلومات ويصل للنتائج الصحيحة.
د- التفاعل الإيجابي مع الواقع: فلا يفقه الواقع إلا من عايشه وتفاعل معه تفاعلًا يتجاوز المشاعر والأحاسيس إلى التأثير الإيجابي بذلك الواقع، وهذا ما لا يقدر عليه المعتزل.
هـ- حسن اختيار المصادر التي يستقي منها الداعية علمه ومعرفته.
هـ- المشاركة الإيجابية: وهي من دلائل حيوية الداعية وبرهان تفاعله وحبه واهتمامه بشؤون دعوته، وإن مركز المشاركة الإيجابية هو القلب في صفاء تلقيه واستقباله والعقل في إحكام تدبره وحسن توجيهه.
وتتعزز روح المشاركة الإيجابية إذا ما أدرك الداعية أنه مسؤول عن هذه المؤسسة وأنها تقوى بقوته وتضعف بضعفه، وأن دوره فيها أساسي وليس هامشي وأن لرأيه وكلمته ونصحه أثًر في سير أعمالها، كما أن حفظ الهمة سبيل لتلك الإيجابية وقد قيل: «همتك احفظها فإن الهمة مقدمة الأشياء فمن صلحت له همته وصدق فيها: صلح له ما وراء ذلك من الأعمال».
و- المبادرة الذاتية في العمل وتحمل المسؤولية: والذاتية أن تنبعث إرادة العطاء وبواعثه من ذات الداعية فلا يحتاج فيها إلى كثير توجيه وتنبيه، بل تكفيه الإشارة والتلميح، والمبادرة أرفع الدرجات الذاتية وهي بأن يبادر الداعية - دونما طلب إليه - بإنجاز أعمال وطرح أفكار ومقترحات وبذل جهد لتحقيق أهداف المؤسسة لوصول غايتها متحملًا كافة الصعاب لتحقيق الأجر والمثوبة من الله تعالى.
كلمات المودودي
ويكفينا في ذلك حرارة كلمات الإمام المودودي -رحمه الله- حين قال مخاطبًا إخوانه: «اسمحوا لي أن أقول لكم إنكم إذا خطوتم على طريق الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وأبائكم وأمهاتكم فإنكم لا بد أن تبوءوا بالفشل الذريع بفشل لا تتجرأ بعده أجيالنا القادمة على أن تفكر في القيام بحركة مثل هذه إلى مدة غير وجيزة من الزمان، عليكم أن تستعرضوا قوتكم القلبية والأخلاقية قبل أن تهموا بالخطوات الكبيرة».
إن على كل أخ داعية عامل أن يدرك أنه على ثغر من ثغور الدعوة فليتق الله أن تؤتى الدعوة من قبله.
ومن الوسائل المعينة على تنمية الذاتية والشعور بالمسؤولية:
1- معرفة طبيعة الدعوة وأنها دعوة عملية وغايتها قيادة البشرية ولذا فهي تتطلب بذل الغالي والنفيس.
2- تربية النفس على المسارعة للخيرات، ومن بواعث ذلك ما ذكره تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ هُم مِّنۡ خَشۡیَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ * وَٱلَّذِینَ هُم بِـَٔایَـٰتِ رَبِّهِمۡ یُؤۡمِنُونَ * وَٱلَّذِینَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا یُشۡرِكُونَ * وَٱلَّذِینَ یُؤۡتُونَ مَاۤ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَ ٰجِعُونَ * أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُسَـٰرِعُونَ فِی ٱلۡخَیۡرَ ٰتِوَهُمۡلَهَاسَـٰبِقُونَ﴾، (المؤمنون : ٥٧ - ٦١)، فالخشية والإخلاص واليقين والإشفاق من عدم قبول العمل هي من بواعث المسارعة للخيرات والسبق فيها.
3- التنافس على الخيرات ومما يعين على ذلك استشعار منازل المؤمنين في الجنة ويوم القيامة على الصراط وعند الميزان والحساب ومعايشة قوله تعالى: ﴿وَفِی ذَ ٰلِكَفَلۡیَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَـٰفِسُونَ﴾، (المطففين: ٢٦).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل