; المجتمع التربوي: (العدد: 1211) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: (العدد: 1211)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1211

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 06-أغسطس-1996

وقفة تربوية: حياة القلوب:

يقول عبد الله بن المبارك أمير المؤمنين في علم الحديث:

رأيت الذنوب تميت القلوب **** وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها

فالقلوب تموت داخل أجساد حية تدب على الأرض، إذا انقطع عنها أسباب حياتها، وتسرب إليها الميكروبات والفيروسات القاتلة والمكونة من الذنوب الصغيرة والكبيرة، فمَا من ذنب يقترفه الإنسان إلا ونكت فيه نكتة سوداء كما أخبر الصادق المصدوق، وكلما حلت فيه بقعة سوداء ارتفعت بمساحتها بقعة بيضاء، حتى ينتشر السواد فيحجب القلب عن نور الحق وماء الوحي، فيذبل ثم يموت، وإذا كانت الذنوب هي السبب الرئيس في موت القلوب فإن في تركها سر الحياة وعودة النبض والضخ لباقي أجزاء الجسد والترك وحده لا ينعش القلب إلا إذا تصاحب مع فعل الطاعات التي كالماء إذا نزل على الأرض اليابسة المتشققة؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾(الحج: 5) ما أكثر القلوب التي ماتت فأحياها الله بماء الوحي فعادت الحياة لها، وما أكثر القلوب الحية التي ماتت بالذنوب والغرور والكسل والتواني اللهم أحيى قلوبنا بطاعتك .

أبو خلاد

ظواهر مرضية داخل صفوف المسلمين ( من۲)

التطلع إلى الرئاسة

● السعي لتحصيل عرض من أعراض الدنيا وتحقيق حظ النفس من شهوة التسلط مرده للنشأة الأولى للفرد في محيط لم يتقيد فيه بضابط.

● المسلم مطالب بالتحرز من الولايات التي لا تدوم لما فيها من سيطرة الأغيار على القلب ولما في باطنها من فتنة.

بقلم: حسن بشیر([1])

ظاهرة التطلع هي من المظاهر التي ما برحت تلازم واقع المسلمين منذ انطلاق الدعوة حين صدع بها رسولنا الكريم لله، كما أنها ظاهرة لا تنفك عن الإنسان بحكم غريزيتها وباعتبارها من شهواته الكبرى، فلا يخلو منها مجتمع من المجتمعات فالمجتمعات التي تقوم فلسفاتها على مبدأ المصلحة وتقديس مصلحة الفرد، لا تعتبرها مظهرا من المظاهر المرضية، بخلاف مجتمعات المسلمين التي ترى فيها ظاهرة مرضية تستوجب العلاج والوقوف عندها حتى لا تؤدي بالمجتمع إلى التنافس الذي يورد المهالك.

فالغرائز والشهوات في إطار المنهج الإسلامي لها تصاريفها التي لا تتعارض مع الفطرة ونداء الفطرة، ذلك أن تزكية النفس في إطار المجتمع المسلم تأتي بطريقة تلقائية، فالمسلم ابتداء لا يحتاج إليها لأن المجتمع مجتمع حي يبرز قيادته العملية والفكرية من خلال العطاء والحركة ونحن حين نكتب عنها من خلال هذه المنطلقات والتحديات التي تواجه مجتمع المسلمين في إطار حركة الإسلام الحديث.

تعريف ظاهرة التطلع إلى الرئاسة:

في إطار عمل جماعي يوجد فرد أو أفراد يطلبون الإمارة أو المسئولية على أي مستوى من المستويات لاعتقادهم في أنفسهم أنهم قد حازوا مجموعة من المواهب والصفات تؤهلهم لأن يكونوا أهلًا للمسئولية والقيادة، إلا أن الأفراد داخل المؤسسة والجماعة لا يقدرون هذه الصفات والمواهب القيادية في هؤلاء الأفراد، فيقومون بدورهم بتوليتهم أو إسناد مسئوليات لهؤلاء الأفراد.

رد فعل الاستعجال في طلب المسئولية والتهافت عليها، فينشأ لديهم استعداد لسلوك أي طريق للوصول إليها من تزكية للنفس والظهور بمظهر الحريص، وتأليب البسطاء والذين يمكن تضليلهم بمعسول الكلام، وبذل ما يمكن بذله من

أجل هذه الغاية. الأعراض:

1- الرضا عن النفس وكثرة الحديث عنها.

۲ – حب الظهور وحب الثناء والمدح. ٣ – قلة الإخلاص.

٤ – يتمحل" يتصنع" لذلك، فيكون سلوكه تزيين الذميم وسوء الخلق.

ه – لا يسهم في عمل بناء، بل يختلق الأعذار.

٦ – تصيد الأخطاء وتضخيمها.

7- تبخيس أعمال الآخرين والتقليل من شأنها.

آثار جانبية:

۱ – ظهور التنازع في أمر القيادة داخل الصف.

 ۲ – تناول القيادة بالجرح والانتقاد بصورة علنية

3- إيجاد محاور وجيوب داخل الصف. 

4- تبرير التصرفات غير الشرعية بمسوغات شرعية.

الأسباب:

1 – الرغبة في تحصيل عرض من أعراض الحياة الدنيا وحظ النفس من شهوة التسلط وهذا مرده إلى النشأة الأولى للفرد في محيط لم يتقيد فيه بضابط الأمر والنهي والطاعة للغير، بل قد تكون البيئة التي عاش فيها قبل قدومه إلى هذه الجماعة قد وفرت له الأسباب التي تجعل منه مطاعًا وملبي الرغبات والحاجات، فأصلت في نفسه هذه المعاني، فعكس الصورة بالنسبة له أمر يكون صعبًا بل غير قابل للتطبيق في حياته وفكره.

2- الجهل بالتبعات، والجهل هو مدخل كل شر، فمثل هذا الشخص لا يدرك– أو لا يكاد يدرك– تبعات هذا الموقع، ذلك لأن المسئولية أمانة وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، وإن الله سبحانه وتعالى سائله عنها إن لم يعدل فيها، كما أنه لم يطلع على أحوال السلف في مواقفهم مع هذا الأمر.

3- أنه راض عن نفسه، وأصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، فلا بد أن يتفرع عن هذا الرضا عيوب كثيرة، فشخص هذا حاله لا يقبل النصح، لأنه يرى في نفسه الكمال فليس عنده استعداد لأن يسمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقع في الخطأ ولا يشعر أنه وقع في الخطأ، وعندما يرضى الإنسان عن نفسه يستهين بالمعصية، فالمعصية أثر عن الرضا عن النفس ومتابعة الشهوات أثر عن الرضا عن النفس، فحب الجاه وحب المدح وحب التصدر وحب التعالي على الآخرين كل تلك من شهوات النفس والرضا عن النفس يتفرع عنه النقد دون البناء، فالراضي عن نفسه قطعًا ذام للآخرين لا يعجبه شيء ولا يساهم في شيء، وذلك هو الهدم. 

ظواهر أخرى مصاحبة:

إن كان طلب الإمارة يعتبر ظاهرة مرضية توجب على القائمين بالأمر معالجتها والتصدي لها بالحكمة والروية، فإن هنالك مرضًا سلبيًّا آخر يتمثل في شخص يلي أمرًا ولكن القائمين على الأمر يرون أن يعزل أو يحول إلى موقع أخرى أدنى من هذا الموقع الذي ظل فيه لفترة من الزمن لأسباب تراها القيادة محققة لمصلحة العمل، فلا يرضى هذا الشخص بما تم معتبرًا ذلك انتقاصًا منه، وأن هذا الأمر إنما قصد به لذاته، وأن القيادة لا تعي خطورة هذا الأمر بتنحيته، وأن هذا إضرار بالعمل ومصلحته ومستقبله.. فينشأ عن هذا السلوك سلوك حركي غير منضبط تجاه الحركة أو القيادة أو المؤسسة التي ينتمي إليها . 

قد يعزل القائد فيصبح فردًا عاديًّا، أو يرقى الفرد فيصبح قائدًا كبيرًا، وما ذلك إلا لتقدير عناصر معينة في كليهما، وحتى لا يطمع القائد في منصبه، ولا يضعف الجندي في مركزه، وقد عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد عن القيادة حتى لا ينسب له النصر، فالله هو الفعال لما يريد وما النصر إلا من عند الله، وكاد أن يفتن بخالد بعضهم، قال عمر بن الخطاب– رضي الله عنه. "لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى بن شيبان ليعلما أن الله إنما كان ينصر عباده".

شبهة

قد يحتج المتطلعون إلى الرئاسة والطالبون لها بما كان من شأن النبي يُوسُف عليه السلام وتزكيته لنفسه عند قوله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يُوسُف: 55)، واستدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾(الفرقان: 74) وحقيقة الأمر أنه لا تعارض بين ما ذكرناه وما كان من شأن سيدنا يُوسُف عليه السلام، ذلك أن يُوسُف سأل وزكى نفسه لأنه رأى خلو المكان من قائم بالحق وداع إليه ومدافع عنه، ووجد نفسه أهلًا لذلك ولكنه لم يكن معروفًا، فكان لا بد من السؤال والتزكية كما أن العزيز قد استخلصه لنفسه، فقال الملك: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يُوسُف: 54) وبعد ذلك جاء الطلب بأن يجعله على خزائن الأرض يقوم بأمر التدبير الاقتصادي والمعاشي للأمة في لحظة يرى فيها أن الأمة تمر بضائقة، فلابد له من أن يتصدى للأمر لأنه حفيظ عليم، كما يأتي ذلك الأمر في سياق تمكين الله سبحانه وتعالى ليوسف في الأرض، وهي من رحمة الله به، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يُوسُف:56) فهو في نهاية الأمر وفق وأحسن في هذه الولاية التي طلبها. وأعانه الله عليها فكان من المحسنين.

سيرة السلف: 

لما كان عمر في النزع الأخير، جعل الأمر شورى في ستة من المسلمين فأشار عليه المغيرة بن شعبة بابنه عبد الله ليكون خليفة فغضب عمر، ورد عليه قائلًا: "قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا؛ لا أرب لنا في أموركم وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي إن كان خيرًا فقد أصبنا منه، وإن كان شرًّا فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد-صلى الله عليه وسلم- أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافًا لا وزر ولا أجر؛ إني لسعيد".

ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، جاء صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة، على عادته مع الخلفاء قبله، فقال له عمر مالي ولك: تنح عني، إنما أنا رجل من المسلمين، ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع الناس إليه، فقال: «أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر على غير رأي مني فيه، ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم ولأمركم من تريدون، فصاح المسلمون صيحة واحدة قد اخترناك لأنفسنا ولأمرنا، ورضينا كلنا بك.

"البداية والنهاية جـ1".

أخطار التطلع:

 من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك، ليقل ما تفرح به ويقل ما تحزن عليه، إن أردت ألّا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك، إن رغبتك البدايات زهدتك النهايات، إن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن إنما جعلها محلًا للتنافس للأغيار ومعدنًا لوجود الأكدار تزهيدًا لك فيها، على أنك لا تقبل النصح فدونك من ذواقها ما يسهل عليك فراقها "من شرح الحكم العطائية".

والإنسان بطبعه يحب العلو في الأرض ويحب العظمة والكبرياء وقد فرض الله عليه أن يجاهد هذه التطلعات لما يترتب على ذلك من مفاسد ومن مظاهر حب العلو في الأرض وحب العظمة والكبرياء والرغبة في الإمرة والجاه والتعظيم بالألقاب والأسماء والكنى والتصدر في المجالس وقيام الناس للإنسان من شهوات النفس، والمسلم أبدًا يحاسب نفسه على ذلك. 

وحتى إذا أكرمه الله عز وجل بشيء من ذلك بلا طلب قام به بحقوق العبودية والمسلم مطالب بالتحرز من الولايات التي لا تدوم وتلك هي الولايات الدنيوية، لما في الولايات الدنيوية من سيطرة الأغيار على القلب، ووجود الأكدار فيها من آلام ومتاعب ابتداء، ولما في باطنها من فتنة ولما في طياتها من منافسة وصراع عليها قد يترتب عليه ما يترتب من آلام. كما نعلم أن الرغبة في طلب الولاية عنيف جدًّا في قلب الإنسان، فالناس يتكادمون على الإمرة تكادم الحمر، فيفقدون في كثير من الأحيان عقولهم بسبب ذلك، فكان من حكمة الله– عز وجل– أن يذيق خلص عباده من مرارتها ما يسهل عليهم فراقها.

ولكن إذا كان أدب المسلم الفرار، فإن واجب المسلم إذا تعينت فريضة عينية أن يقيمها، وإذا تعين لفريضة كفائية أن يقوم بحق الله فيها. وعندئذ فهو مأجور مبرور عابد، ومن ها هنا فإن المسلم إذا تعين لولاية يقيم بها حقًّا أو يقيم بها شرعًا أو دينًا على مقتضى الشريعة، أو يخفف بها ضررًا عن المسلم تجيزه له الفتوى أو يضعف بها شرًّا بما تجيزه له الفتوى في الحالين وكان باستطاعته ذلك، ولا يترتب على قبوله فتنة له أو دور لا يطيقه فواجب عليه أن يقبل الولاية في هذه الأحوال، ومنها هنا كان أمر الولاية من المتلبسات التي تحتاج إلى بصيرة قلب وعلم صحيح للوصول في شأنها إلى قرار قال الله في الإمارة: «نعمت المرضعة وبئست الفاطمة».

فإن رغبتك في هذه الولاية التي تغني حلاوة بدايتها زهدتك فيها مرارة نهايتها، وإن غرتك بظاهر بهجتها فاعتبر بباطن حسرتها، وإن رغبتك فيها حلاوة إقبالها زهدتك فيها مرارة إدبارها قال ابن عباد: «درء المفاسد عند العقلاء أهم من جلب المصالح، فمن زوى الله تعالى عنه فضول الدنيا فرضي بذلك وقنع منها باليسير ولم يتطلع إلى زيادة من مال أو جاه، فهو كامل العقل حسن النظر لنفسه، لأنه دفع عن نفسه مفسدة وجود الحزن بتركه لما يفيده من حصول مصلحة الفرح الذي يزول عند قربها منه، واعتاض من ذلك الراحة الدائمة. وقد قيل:

من سره أن لا يرى ما يسوؤه *** فلا يتخذ شيئًا يخاف له فقدا

فإن صلاح المرء يرجع كله *** فسادًا إذا الإنسان حاز به الحدا

[1] - كاتب سوداني

الرابط المختصر :