; المجتمع التربوي- (العدد 1206) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- (العدد 1206)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996

مشاهدات 97

نشر في العدد 1206

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 02-يوليو-1996

أثر القرآن على قلوب الأمريكان

بقلم: د. نجيب عبد الله الرفاعي

  • تجربة مذهلة لشهود عيان في أحد المؤتمرات عن أثر القرآن على الموجات الدماغية والحالة النفسية 

اكتشف العلماء أن للمخ أربع موجات، ولكل موجة سرعة في الثانية، ففي حالة اليقظة يتحرك المخ بسرعة 13 - 25 موجة/ ثانية، وفي حالة الهدوء النفسي والتفكير العميق والإبداع يتحرك بسرعة 8 - 12 موجة/ ثانية، وفي حالة الهدوء العميق داخل النفس ومرحلة الخلود إلى النوم يتحرك بسرعة موجة/ ثانية، وفي النوم العميق بسرعة نصف إلى 3 موجات/ ثانية (1).

كانت هذه المعلومات واضحة في ذهني وأنا أتنقل في جناح أحد مؤتمرات التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية هذا العام وبالتحديد في شهر يناير، لفت نظري جهاز كمبيوتر يقيس الموجات الدماغية الأربعة بكل دقة، واستأذنت في أن أضع القبعة على رأسي لأرى أثر تلاوة القرآن على موجات دماغي، حيث قرأت آية الكرسي وشاهدت على شاشة الكمبيوتر انتقال المؤشر من سرعة 25 موجة/ ثانية إلى ما يقارب منطقة التأمل والتفكير العميق والراحة النفسية / - 12 موجة/ ثانية. 

استغرب صاحب الجهاز من هذه النتيجة وطلبت منه أن أقرأ القرآن على أحد رواد المعرض الذي رحب بالفكرة وكانت النتيجة وأنا أقرأ عليه آية الكرسي أكثر من مذهلة، فقد رأيت كما رأى الحاضرون معي انخفاض موجاته الدماغية بشكل سريع إلى منطقة 8 - 12 موجة/ ثانية، وحينما انتهيت من القراءة قال لي: «قراءة جميلة ولو لم أفهم منها شيئًا ولكنها ذات نغمات مريحة.. لقد أدخلت السرور على قلبي بكلام غريب لم أفهم منه حرفا واحدًا.. والحقيقة وأنا مغمض عيني وأستمع إلى كلمات القرآن حاولت أن أقلد هذه الكلمات داخل قلبي ولكنني لم أستطع.. كلام جميل ومريح!!».

ونفس الموقف يتكرر مرة أخرى، فتحت ظل شجرة في حديقة ريجنت بارك في عاصمة الضباب لندن، جلست مع أحد المشاركين في دورة متقدمة في علم البرمجة العصبية اللغوية وهو من الجنسية الأمريكية ودار معه هذا الحوار: 

 - هل تعرف شيئًا عن الإسلام؟

- أعرف معلومات عامة عنه ولكن ليس بتفصيل تام، وأنا شخصيًا أبحث عن دين. 

- هل سمعت بالقرآن؟ وهل تعرف عنه شيئًا؟ 

- أعرف أنه كتاب المسلمين حاله حال الإنجيل عند النصارى ولكنني لم أسمع به من قبل.

- حيث إنك لم تسمع تلاوة القرآن هل تمانع أن أقرأ عليك بعضًا من الآيات القرآنية، فنحن المسلمين نؤمن أن للقرآن أثرًا في النفس عند تلاوته، فالقرآن عندنا معاني وكلمات وصوت مؤثر.

- إنني متحمس لهذه التجربة.. ليس لدي مانع!!

بدأت بقراءة آية الكرسي وآية بعدها بما لدي من مهارات في التجويد والترتيل تعلمتها من شيخ في مسجد الهاجري الشيخ عبد السلام حبوس -- حفظه الله - وأثناء التلاوة لاحظت التالي:

- بدأ هذا الإنسان الذي كان جالسًا باستقامة على الكرسي بالانحناء قليلًا.. قليلًا. 

- بعد لحظات أغمض عينيه. 

- تغيرت ملامح وجهه إلى الهدوء والخشوع والخضوع. أحسست وأنا أقرأ القرآن على هذا الإنسان وكأنني أقرؤه على مسلم من حيث تأثره السريع بالقراءة مما أعطاني راحة نفسية كبيرة وسعادة لا توصف، وبعد أن انتهيت من القراءة جلسنا في لحظة صمت ثم فتح عينيه وإذا العينان حمراوتان وبدأت الدموع تترقرق والانشراح بادٍ على وجهه وهو يقول: لقد عزلتني بتلاوتك الجميلة عن هذا العالم الذي نعيشه، إن لهذه الكلمات تأثير غريب على نفسي.

سألته: هل فهمت شيئًا من هذه التلاوة؟ 

قال: لقد تحدثت الآيات عن قوة عظمى هي قوة الرب التي نحتاج إليها في السراء والضراء والتي هي معنا في كل وقت وفي كل حين وفي كل مكان، ثم استرسل في الحديث مفسًرا المعاني العامة لآية الكرسي. 

ازداد عجبي كما ازدادت سعادتي وأنا أجرب أول مرة قراءة القرآن على شخص لم يسمع به من قبل ويتأثر بل ويفهم المعاني وهو جاهل بالعربية! 

قلت له: أريدك أن تكتب هذه المعاني على ورقة.

قال: سأكتبها لك بكل سرور.

وكان مما كتب عن هذه التجربة بخط يده: «إن مقدمتك من القرآن كانت ولا تزال ذات أثر عظيم في نفسي، ولسوف أحمل تعابيرك الجميلة معي دائمًا، سأحاول أن أعبر بكلماتي عن تجربتي لكلمات الرب، كانت البداية تقريبًا حزينة أو كئيبة، لقد شعرت وكأني منفصل عن جزء هام وأساسي من نفسي.. من الحياة.. لقد حركت هذه الكلمات حكمة الشخص وبصيرته العاطفية في كيفية أن الألم والاختبارات والمحن تعبير عن وجود الله، والأكثر أهمية أن الله معنا خلال هذه الأوقات والذي يعد أمرًا مهمًا ويستمر التقدير مثله مثل أوقات المتعة، وهذا عندئذ أصبح إحساسًا برابطة غير محكومة بأي زمن ومعرفة أنني في مكاني المناسب مع إدراك أن الأمر دقيق صعب التحديد غامض وفي نفس الوقت عميق معبر عن قوة الحياة التي هي هداية تملؤها المتعة ويعمها السلام.. الرب معي. 

وهذا ينتج مع حالة استغراق ممتعة مفرجة للأسارير تنتهي بسلام.

 رائع - ممتع شكرًا لك شكرًا لك.

يقول سيد قطب في كتابه «في ظلال القرآن»: "إن الأداء القرآني يمتاز ويتميز من الأداء البشري إن له سلطانًا عجيبًا على القلوب ليس للأداء البشري، حتى ليبلغ أحيانًا أن يؤثر بتلاوته المجردة على الذين لا يعرفون من العربية حرفًا.. وهناك حوادث عجيبة لا يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول– وإن لم تكن هي القاعدة، ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل.. ولن أذكر نماذج مما وقع لغيري، ولكني أذكر حادثًا وقع لي وكان عليه معي شهود ستة، وذلك منذ حوالي خمسة عشر عامًا.. كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك، من بين عشرين ومائة راكبًا وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم.. وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة! والله يعلم أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية إزاء مبشر كان يزاول عمله على ظهر السفينة، وحاول أن يزاول تبشيره معنا! وقد يسر لنا قائد السفينة – وكان إنجليزيًا – أن نقيم صلاتنا، وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمها - وكلهم نوبيون مسلمون – أن يصلي منهم معنا من لا يكون في «الخدمة» وقت الصلاة! وقد فرحوا بهذا فرحًا شديداً، إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر السفينة وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة والركاب الأجانب – معظمهم  - متحلقون يرقبون صلاتنا.. وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح «القداس»! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا! ولكن سيدة من هذا الحشد - عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية مسيحية هاربة من جحيم «تيتو»، وشيوعيته - كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها، جاءت تشد على أيدينا بحرارة، وتقول -  في إنجليزية ضعيفة  - إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح! 

وليس هذا موضع الشاهد في القصة، ولكن ذلك كان في قولها: «أية لغة هذه التي كان يتحدث بها قسيسكم»، فالمسكينة لا تتصور أن يقيم «الصلاة» إلا قسيس أو رجل دين، كما هو الحال عندها في مسيحية الكنيسة! وقد صححنا لها هذا الفهم وأجبناها فقالت: «إن اللغة التي يتحدث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب، وإن كنت لم أفهم منها حرفًا».

ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول: «ولكن هذا ليس الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه، إن الموضوع الذي لفت حسي، هو أن الإمام، كانت ترد في أثناء كلامه- بهذه اللغة الموسيقية - فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه، نوع أكثر موسيقية وأعمق إيقاعًا، هذه الفقرات الخاصة كانت تحدث فيَّ رعشة وقشعريرة إنها شيء آخر كما لو كان - الإمام– مملوءًا من الروح القدس – حسب تعبيرها المستمد من مسيحيته»، وتفكرنا قليلًا ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة! وكانت مع ذلك مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة، من سيدة لا تفهم مما نقول شيئًا!.

تعال نؤمن ساعة

القرآن الكريم «تلاوة.. تدبر.. حفظ.. عمل»

إن هذا القرآن الكريم روح أوحاه الله تبارك وتعالى إلى رسوله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور يقول تبارك وتعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ‏(الشورى 52)، فبقدر إقبالنا على القرآن يكون إقبال الله تبارك وتعالى علينا، وبقدر إعراضنا عن القرآن يكون إعراض الله تبارك وتعالى عنا. 

يقول الصحابي الجليل خباب بن الأرت: «تقرب إلى الله ما استطعت واعلم أنك أن تتقرب إلى الله بشيء هو أحب إليه من كلامه»، وقال عثمان رضي الله عنه: «لو ظهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم»، فلنا مع كتاب الله تبارك وتعالى وبيان فضله هذه الوقفات:

أولًا: مع التلاوة: يقول تبارك وتعالى في كتابه الكريم:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ‏(فاطر 29 - 30). ‏

يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون کتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية، «يرجون تجارة لن تبور»، أي يرجون ثوابًا عند  الله لا بد من حصوله ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، أي ليوفيهم ثواب ما عملوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم، «إنه غفور» أي لذنوبهم، «شکور» للقليل من أعمالهم قال قتادة: «كان مطرف رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء»، لذلك يحرص كل مسلم على أن يجعل لنفسه وردًا ثابتًا يوميًا يتلوه لكي ينال الأجر الوفير من الله سبحانه وتعالى.

 ثانيًا: مع التدبر: وما أحلى كلام ابن القيم - رحمه الله–  حول هذا المعنى يقول رحمه الله: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق مسمعك واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ‏(ق 37)، طب القلوب.. وبين الله تبارك وتعالى أنه من أسمى غايات هذا القرآن التدبر  فقال جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ‏(ص 29)،  فحري بنا أن نقف مع آياته العظيمة وقوف المتأمل المتدبر.

ثالثًا: مع الحفظ: قال أحد علماء السلف الصالح لتلميذ من تلاميذه: أتحفظ القرآن؟ قال: لا، قال: واغوثاه لمؤمن لا يحفظ القرآن، فبم يتنغم فبم يترنم فبم يناجي ربه تعالى، وحذرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من قلة الحفظ فقال: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (الترمذي)، فما أحوجنا إلى الازدياد من الحفظ لكي يكون لنا هذا الحفظ شفيعًا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يقول صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»، (رواه مسلم). 

ومن ثمار حفظ القرآن الكريم أنه ينفع المسلم في كل حالاته في حياته وبعد مماته وأعظم ما يوضح هذا المعنى حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه: «إن النبي كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول أيهما أكثر أخذًا للقرآن فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد» (البخاري)، فما أعظمها من مكانة لحافظ القرآن حتى في مثل هذا الموطن العجيب

 رابعًا: مع العمل: إن هذا القرآن دستور هذه الأمة جعله الله تبارك وتعالى منهاجًا متكاملًا لجميع مناحي الحياة يقول تبارك وتعالى ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (الكهف: 54)، روي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله ابن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا»، مباحث في علوم القرآن، وقال بعض السلف: «نزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملًا، ولهذا كان أهل القرآن هم العاملون به والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم»، نسأل الله عز وجل أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وذهاب همومنا وأحزاننا إنه نعم المولى ونعم النصير.

خالد يوسف الشطي

الرابط المختصر :