; المجتمع التربوي (1206) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1206)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996

مشاهدات 91

نشر في العدد 1206

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 02-يوليو-1996

  • الخطر يأتي عندما ينشأ أجيال من زهاد الدعاة لا يدركون طبيعة الواقع ولا يحيطون بأحوال أهل الباطل

الثبات على الحق هو معلم يتضح في وصفه سبحانه لهؤلاء الرهط المؤمن أنهم: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ ‏(الكهف: 14)، أي أن هؤلاء الفتية الكرام، بعد أن اختلط إيمانهم بالله - عز وجل - بدمائهم، وعرفته قلوبهم، أعلنوا فكرتهم، وثبتوا على هذا الحق، وعزموا على مفاصلة الباطل، فإن الركون للباطل بعد معرفته للحق فإنما هو الانحراف والتيه والشطط الذي يبرأ منه كل عالم بالحق وكل صاحب دعوة.

وتدبر ثباته صلى الله عليه وسلم وهو يعلن: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه» (1)، وتأمل ثبات أخيه هود  - عليه السلام - وهو يواجه قومه «في حسم كامل، وفي تحدٍ سافر، وفي استعلاء بالحق الذي معه وثقة: في ربه الذي يجد حقيقته في نفسه: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ‏(هود 54 - 57) (2)، إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويلًا أمام هذا المشهد الباهر، رجل واحد، لم يؤمن معه إلا قليل، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم، (3). 

والثبات على الحق - وهو الركيزة الثانية عشرة – هو الرصيد الذي لا يضيع وهو الزاد الذي لا ينضب، الذي يرثه اللاحقون من أجيال الدعاة وأصحاب الدعوات من السابقين لهم على الطريق، الذين لم يبدلوا تبديلًا، وهو المنارة التي على ضوئها يهتدي كل من أراد المسير على درب الهدى والحق.

علم الشر:

13– الركيزة السابعة: معرفة الجاهلية والواقع المحيط وهم المعلم الجلي في وصفه سبحانه لهؤلاء الفتية عندما قالوا ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ‏(الكهف: 15)، أي أنهم نظروا إلى ما عليه قومهم من ضلال في العقيدة، فعبدوا آلهة من دونه سبحانه، وضلال في التصور و والفكر، فهم لا يملكون البينة والدليل على صدق  عقيدتهم، ويقابل ذلك تلك القناعة الداخلية عند هؤلاء الرهط الكريم بأن قومهم ظالمون وكاذبون.

ومعرفة طبيعة الجاهلية، وأحوال العدو، باب من فقه الواقع يعتبر معلمًا رئيسًا وركيزة مهمة، على أساسها تبنى الخطط ويستشرف المستقبل، وتدبر حكمة القائد صلى الله عليه وسلم عندما ظل يترصد تحركات خالد بن سفيان الخطرة وتأليبه لقوى الشر فأرسل إليه عبد الله بن أنيس – رضي الله عنه – بعد أن رسم له خطة قتله بدقة، كل هذا وهو كله لم يغادر المدينة وكذلك موقفه صلى الله عليه وسلم أثناء غزوة الحديبية عندما أخذت قريش ترسل وفودًا للتفاوض مع المسلمين، فكان من حكمته صلى الله عليه وسلم، أنه كان يبني خطط اللقاء على أساس طبيعة العدو، فعندما رأي وفدًا بقيادة الجليس بن علقمة سيد الأحابيش، قال صلى الله عليه وسلم: «إن هؤلاء قوم يتألهون»، أي يتعبدون ويعظمون أمر الإله، فابعثوا في وجهه الهدي حتى يره، فلما رأي الهدي رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظامًا لما رأى، وكذلك عندما رأى وفد  سهيل بن عمرو قال صلى الله عليه وسلم: «سهل أمرهم». 

وهو باب من الفقه يسمى «علم الشر» الذي استنه كاتم سر رسول صلى الله عليه وسلم له وخبير الفتن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه عندما سأل عنه ووافقه عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم حيث قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني» (4).

والخطر يأتي عندما تنشأ أجيال من زهاد الدعاة، لا يدركون طبيعة الواقع ولا يحيطون بأحوال أهل الباطل، ولا يسألون عنه كما قال الفاروق رضي الله عنه: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية»، وكذلك تنقض عرى الدعوة عروة عروة إذا نشأ في صفوفها من لم يفقه «علم الشر».

فقه المراوحة.. وفكر التكهف:

14– الركيزة الثامنة: التميز مع الاختلاط، وهو المعلم الدعوي الذي يبدو من أمر هؤلاء الصحب المؤمن، عندما علموا أنه قد اكتشف أمرهم، وقيل إن الملك حاورهم، ثم أمهلهم مهلة يراجعون فيها أنفسهم، فكان في ذلك فرصتهم ليتناجوا فيما بينهم، ثم يتفقوا على الاعتزال واللجوء إلى الكهف ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ ‏(الكهف: 16)، ورغم قناعتنا الداخلية واليقينية باعتبار ما توحي به كلمات هؤلاء الفتية من أن رحمة الله وكرمه ولطفه بأوليائه، لا تحدها حدود ولا ترتبط بمكان ولا زمان لأن المؤمن يستشعر الرحمة والرفق واللين والسعة والبحبوحة دومًا، رغم صعاب وآلام الطريق، لأنه يرنو إلى أفق وضيء، ويشارك في صنع فجر أمة، ويردد دومًا كلمات حسان الدعوة، الشاعر جمال فوزي رحمه الله:

دنيا المجاهد كلها *** محن لصهر رجالها

الشوك بين سهولها *** والزهر فوق هضابها

ولكن.. أمرا الاعتزال والهجرة من القضايا الشائكة التي يجب على الدعاة أن يفهموها جيدًا، ويربطونها بفقه عميق للواقع، ولمنهج المسيرة الدعوية الحركي، وبفقه حسن لطبيعة هذا الدين، ثم بفقه لا يهمل أولويات الخيرات. 

فالشرع والتاريخ والواقع يناشدون الدعاة أن يكونوا ذوي طبيعة بناءة إيجابية تختلط ولا تنعزل، تعايش المجتمع ولا تتقوقع. 

أ- فكتاب الله يربط خيرية الأمة باختلاطها وخروجها إلى دنيا الناس، ومعايشة واقعهم، ولتعريفهم بالخير ونهيهم عن المنكر. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ ‏(آل عمران: 110)  (5)، والرسول صلى الله عليه وسلم  يربط خيرية المؤمن باختلاطه بالناس «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (6).

ب - والتاريخ يدلنا دومًا على أن سنن الله تتحقق بقوانين ثابتة في هذا الكون المادي أي الآفاق، وفي دنيا الناس أي الأنفس، والسعيد من شارك في تحقيقها، وسترى في ختام هذه القصة كيف أن سنن الله قد تحققت في هداية قوم هؤلاء الصحب المؤمن رغم غيابهم عن مسرح الأحداث.

جـ- أما الواقع فأحوال الأمة لا تتحمل هروب الانعزاليين، وأحوال أهل الباطل والممثلة في جيوش المنصرين العالمية، والتحالفات العالمية ضد الخطر الأخضر الإسلامي، بعد زوال الخطر الأحمر الشيوعي والمخططات العبرية، والتآمرات العلمانية ستفرح بالمتكهفين المتصومعين، وأحوال المسيرة الدعوية المعاصرة، تناشد الإيجابيين الفاعليين أن يغادروا خنادق الفكر الدفاعي، ويبادروا بحمل اللواء، ويدخلوا على أهل الباطل الباب فإذا دخلوه فإنهم لغالبون.

وتدبر آثار رواد الدعوة الحديثة، مثل الإمام حسن البنا – رحمه الله -وستتعجب من أن تلك العبقرية الحركية التي أثرت في حركة التاريخ العالمي وقادت أكبر حركة دعوية حديثة، لم تنشغل بقضايا الترف الفكري وأفكار «فقه المراوحة» مثل قضايا الاعتزال والهجرة.

والداعية يدرك أن الدعوة إلى عدم الانشغال بقضايا لا ينبني عليها عمل لا تعقيه من أن يكون متميزًا في اختلاطه، وعليه أن يطلق فقه المراوحة، وأفكار التكهف، وأن يحطم كهوف الرزق والمنصب والأهل والأولاد، وكهوف التأويل، وأن يجافي سبيل المتكيفين المراوحين وينضم إلى ركب المختلطين الإيجابيين المتميزين.

فقه السنن الإلهية في الكون:

15– الركيزة التاسعة: التوافق مع سنن الله الكون وتستطيع أن تستشف هذا المعلم من قوله سبحانه ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ‏(الكهف 17 - 18)، فتلك الآيات وإن كانت من باب التوفيق الإلهي - وهو الركيزة الرابعة - لهذا النبت الطيب في صحراء الباطل، فقد حفظهم سبحانه في  الكهف وحماهم الله من حر الشمس أثناء دوراتها وحركتها فتميل وتعدل وتبتعد عنهم، وقلبهم من وضع إلى وضع، حتى تستمر عملية النوم الطويلة في تكتم دون قلق، وحرسهم بوجود هذا الكلب المخلص في وضعه في  فناء الكهف والذي قيل إنه تبعهم عندما رآهم في الطريق، وقيل إنه كلب صيد لأحدهم، وقيل إنه كتب طباخ الملك الذي آمن، وكذلك ألقى سبحانه الرعب على من تسول له نفسه محاولة كشف سرهم قبل موعدهم المضروب. 

ولكن تسخير تلك القوى، لم ينف ما تلقيه ألفاظ القرآن الحكيم في روع القارئ المتابع والمتدبر للقصة، من شعور بأن الشمس دورًا إيجابيًا، وكأنها وبإرادتها تساعد في حماية هؤلاء الصحب المؤمن.. وكذلك الكتب فلقد شارك في الأحداث وفي إتمام أمره جل وعلا. 

وهذا الملمح التربوي الطيب تعضده تلك الوقفة التأملية القرآنية: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ (الكهف: 17)، التي تبين أن للهدى والضلال سننًا ونواميس ربانية في الكون، ولكل شيء سبب وشروط من وفق إليها يهدى من آيات الله يسر له عمله وحركته، فيتوافق ولا يصطدم.. ومن أهمل الأسباب لم يوافق إلى النتائج، وكذلك تتم عملية الاستخلاف الإنساني في الأرض، وتتواصل بعملية تسخير كل القوى والإمكانات الكونية للإنسان كما أرادها الله عز وجل. 

والمتأمل لتاريخ انتكاسات المسيرة الدعوية، يجد أنها قد تعود إلى مصادمة نواميس الكون، وتأتي من إعمال تسخير سنن الله في الكون في عملية الاستخلاف، وهو التجافي عن الأخذ بالأسباب المقدرة لكل حدث والمتوافقة مع السنن الإلهية.

صناعة الأحرار:

16– الركيزة العاشرة: الحرية، وهذا ما نلمحه من تدبر قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ‏(الكهف 19 – 20)، لقد شاء سبحانه أن يستيقظ هذا الصحب الطيب من الرقدة الطويلة، وكان أول ما حدث هو التساؤلات المتبادلة حول المدة التي انقضت وهم نائمون، وكان الاتفاق الجماعي على ترك سر ذلك لعلم الله سبحانه، والانشغال بما يفيد وبما ينبني عليه عمل، فهم جائعون ويحتاجون للطعام.

وأهم ما يتبادر إلى خلد القارئ المتدبر لحال هؤلاء الفتية المؤمنون، عند استيقاظهم، هو جو التساؤل وكأنه هو المقصود من عملية بعثهم «وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم»، ففي جو من الحرية وأخذ الرأي ومن التشاور، قد تم هذا الاتفاق الجماعي على ما يجب عمله، كما اتفقوا مسبقًا على الاعتزال والإيواء إلى الكهف – عند مواجهة المجتمع - فقد اتفقوا على الانشغال بما يفيد، وبما ينبني عليه من فعل إيجابي، وترك علم الغيب لله  - عز وجل - وستعلم أن تلك هي القضية المباشرة والمقصودة من سرد القصة وهو ترك علم الغيب لله، لأنهم إذا اتفقوا على أمر معين فيما بينهم كان هذا أدعى أن يؤمن به غيرهم، وإلا فكيف سيواجهون الواقع بما لم يقتنعوا به أصلًا ولم يتفقوا عليه؟!

وهو ملمح طيب يذكر الدعاة والمربين، ويؤكد على أهمية جو الحرية، والشورى وأخذ الرأي، ثم الاتفاق الجماعي والاقتناع بالفكرة قبل عرضها على الآخرين، وأن لا تطالب الغير بما لم تقتنع أنت به أصلًا، وعلى هذه الأسس يبنى الرجال ويصنع الأحرار.

الهوامش:

1- سيرة ابن هشام 1/240.

2- هود: 54-57.

3- في ظلال القرآن: سيد قطب 12/1905.

4- صحيح البخاري 9/65.

5- آل عمران: 110.

6- رواه أحمد وابن ماجه، انظر الفتح الكبير 3/251.

 وقفة تربوية

الثواب والعقاب (2 - 5)

تحدثنا في المقال السابق عن مبدأ الثواب كأساس تربوي يعتمد عليه الأبوان في تنشئة أبنائهما، وذكرنا أن الله تعالى وعد العاملين في سبيله والسالكين لصراطه بالجنة، كلون من الثواب لما قاموا به في الدنيا.. كذلك الأبوان لا بد لهما من اعتماد هذا المبدأ لتحفيز أبنائهما على فعل الخير، ولتأصيل القيم والمبادئ الصحيحة في نفوسهم.. فنكافئهم عندما يقومون بالفعل الحسن، والثواب ينقسم إلى قسمين «معنوي ومادي».

والمعنوي لون من المكافأة لا يلمسها بيده بل يحسها بشعوره، أما المادي فهو لون من المكافأة يلمسها بيده. 

والمعنوي ينقسم إلى قسمين: مباشر، وغير مباشر. 

والمباشر هو الذي يتعامل معه الإنسان في حياته، وغير المباشر فهو يتعلق بأمور لا يتعامل معها مباشرة في حياته إنما تحدث له بعد حين، أو أنها تتعلق بأمور غيبية كالوعد بالجنة وما يتصل بها من رضا الله تعالى وغيرها. 

أولًا: المباشر.. ومعظم أنواع الثواب المعنوي المباشر تندرج تحت لافتة التقدير «Appreciation»، و«التقدير» حاجة أساسية للإنسان كحاجته للطعام وباقي الحاجات، والإنسان منا يحب أو يكره الآخرين بسبب مقدار ما يعطونه أو يحرمونه من هذه الحاجة، فيحب فلانًا لأنه يقدره، ويبغض الآخر لأنه لا يقدره، فما هي أنواع هذا التقدير؟!

 النوع الأول: التشجيع، فالطفل يقوم بأنواع كثيرة من السلوكيات بعضها يقوم بها عشوائيًا لاكتساب التجارب الحياتية، وبعضها تقليد للأفراد الذين يراهم في محيطه، أو ما يراه في الأجهزة المرئية، وواجب الأبوين ملاحظة هذا السلوك وتعديل الخاطئ منه وتشجيعه على ما كان صوابًا كأن يقال «عبد الله ولد شجاع عندما يتصرف بشجاعة»، أو يقال له «أنت ولد مؤدب» عندما يتصرف بما يوحي بهذا السلوك مع والدته أو إخوانه، أو «أنت ذكي»، فهذه بمجموعها رسائل إيجابية تحدث له بتواليها عليه قناعة بصحة ما يفعل وفائدة ما يقوم به فيستمر فيه.

أبو خلاد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل