العنوان المجتمع التربوي (العدد1201)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 28-مايو-1996
وقفة تربوية
أوقفوا هذه الخصومة حالًا
لا تجلس في ديوانية من الديوانيات وتسأل عن فلان من نفس العائلة إلا وتجد الرد فلان من العائلة بس مالنا شغل فيه ونادرًا جدًّا أن تجد عائلة لا توجد بين أفرادها القطيعة حتى غدت القطيعة سمة من سمات هذا العصر؛ لماذا يقتفي الأبناء والأحفاد خطى أجدادهم في القطيعة لتستمر الأحقاد والضغائن ولا ينبري أحدهم إلى إعادة المحبة والوئام بين الجسد الواحد إذا كانت أبواب الجنة تفتح كل يوم في رمضان، فإنها تفتح كل يوم إثنين وخميس في غير رمضان، ويغفر الله فيهما لكل مسلم لا يشرك بالله تعالى إلا متخاصمين حتى يصطلحا؛ «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر فيها لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا» إننا مدعوون جميعًا لترك العناد والإصرار، وتقديم العفو والغفران والسهولة واللين، ومن كانت فيه هذه الصفات حرمت عليه النار، كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي بإسناد صحيح «ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار على كل هين لين قريب سهل»، فأية نتيجة سنحصل عليها باستمرارنا في القطيعة إلا زيادة في البغضاء والآلام وزوال المثوبات لما تلحقنا به هذه القطيعة من حلاقة الأجر الذي نجمعه من صلاتنا وصيامنا وصدقاتنا وتطوعاتنا كلها دون أن نشعر ولنتذكر دائمًا قول رسول الله عندما يزين لنا الشيطان العناد والاستمرار بالقطيعة «إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة» "رواه الترمذي بإسناد صحيح".
أبو خلاد
حرمة المسلم وكرامته
الإخوة في الإسلام تعني رابطة عاطفية وإحسانًا عميقًا قد لا يشعر به كثير من المسلمين لأن تعاليم الإسلام لم تتعمق في نفوسهم ليعرفوا مدلولها فالمسلم مأمور أن يلتمس مداخل الخير ليسير معها ومنافذ الشر والأضرار ليتجنبها، وهو بعمله هذا يبحث عن سعادة نفسه ويبتعد عن العنت والمشقة وهذا العمل يقيد المجتمع ويدخل السرور على أبنائه ويشعرهم بالمحبة والترابط التي هي من سمات الإسلام: " ﴿إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ إِخوَة﴾ (الحجرات:10)
فأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- له عندما وصلوا للمدينة مهاجرين شعروا بهذا العمق الأخوي والرابطة التي دعاهم إليها رسول الله له من إخاء حيث تقاسموا المسكن والمأكل وشعروا بصدق الأخوة التي زرعها الإسلام في القلوب ونماها رسول الله- صلى الله عليه وسلم حثًا وتأييدًا حيث آخى بين المهاجرين والأنصار فتقاسموا أموالهم وتشاطروا ممتلكاتهم حتى بلغ الأمر بأحدهم إلى أن يتنازل عن إحدى زوجاته ليتزوجها أخوه في الإسلام وفي أحد المراكز الإسلامية في أمريكا جاء أحد المسلمين الجدد ليؤدي صلاة المغرب والعشاء وفي الجلسة ما بين هاتين الصلاتين رحب المصلون بأخيهم وهنأه بإسلامه فكان كل واحد يصافحه ويرحب به ويدعو له قائلًا: حياك الله يا أخي أهلًا وسهلًا بالأخ الجديد، وشعر الرجل بصدق العبارات وحرارة اللقاء فلم يسعه إلا أن يبكي فسأل أحدهم: ما الذي يبكيك فقال: رابطة الإسلام وعبارات الأخوة التي رددها الجميع فقد تركت في نفسي أثرًا شعرت معه بمكانة هذا الدين وسمو تعاليمه، فقد عشت في مجتمعي فترة طويلة من عمري لم أسمع خلالها من يناديني بقوله يا أخي أو يرحب بي مثل هذا الترحيب الحار الذي لمست صدقه وتغلغل مفهومه إلى داخل نفسي.
وإذا كان الإسلام يترك مثل هذا المفهوم في نفوس المسلمين لأن الإسلام ليس عقيدة فقط ولكنه حماية للفرد ومحافظة على حرمات النفوس التي صانها الإسلام فلا يحق لإنسان أن يتطاول على آخر لنزعة شخصية أو مآرب خاصة ولعرض المسلم حرمة ولشخصيته كرامة يرعاها ويحافظ عليها حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سلم المسلمون من لسانه ويده» فيسلم الناس من لسانه عن الغيبة أو النميمة أو التطاول وما فيها من الإثم والوعيد واعتبروها من كبائر الذنوب تخيف العاقل وتنبه الغافل ولها آثار سيئة على الفرد والجماعة لأنها تثير الشحناء والبغضاء وتحرك الكوامن وتفسد المجتمع بما تتركه من آثار تنافي الأخوة التي يدعو إليها الإسلام، ويقول الرسول الله «شر الناس من اتقاه الناس مخافة لسانه».
ولاشك أن أي إنسان يدرك باللسان من آثار تترك فلتاته في المجتمع وتوقد جذوته بين الأفراد فيتحول الحب إلى كراهية والمودة إلى بغضاء والفرح إلى عناء والصلة إلى تباعد وشحناء، هذه الأضرار تلحق بالفرد والجماعة فيحرص الإسلام أن يستأصلها ويجتث جذورها.
فدعوة الإسلام تأمر بالتكاتف والتعاضد والتآخي حتى يفرح بعضهم بفرح الآخرين ويسعد بسعادتهم ويكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وشبههم رسول الله له بالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا بالفائدة والقوة والتماسك والترابط.
ومن تعاليم الإسلام المشاركة الوجدانية في المسرات من زواج وقدوم مولود وعافية بعد مرض وهذا جزء من تعاليم الإسلام في ترابط المجتمع الإسلامي.
والإسلام في سائر أحواله يعطي النفس المسلمة مكانتها من الكرامة والاحترام والرعاية والاهتمام لأنه دين التكافل، وقد عرف الغرب دور الإسلام فقال أحدهم: لو طبق المسلمون تعاليم دينهم لتحولت بلاد الغرب إلى الإسلام دفعة واحدة، ورحم الله القائل: أقيموا الإسلام في نفوسكم يقم على أرضكم.
محمد أبو سيد
كلمة إلى الدعاة
التضحية
يقول الشيخ عبد الله علوان- رحمه الله- "نعم حين يكون اهتمام الداعية بدعوته ومجتمعه وأمته كاهتمامه برزقه وبيته وأهله وولده فنقول: إن الدعوة الإسلامية قد تركزت في بؤرة وجدانه وتعمقت في مشاعره وأحاسيسه وأصبح كالنائحة الثكلى في انبعاث اللوعة ونبضات الحزن والأسى وصدق المشاعر والأحاسيس بل لا يهدأ له بال ولا يغمض له جفن، ولا يطيب له عيش حتى يرى بلده بشكل خاص وبلاد الإسلام بشكل عام تحررت من حكم الطغاة وطبقت شرع الله وانتصرت على أعداء الله ورفلت في أثواب العزة والكرامة والمجد فعندئذ يفرح ويغتبط بنصر الله، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم:٥.٤).
صور مشرقة
لما خرج الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلى بدر، خرج معهم غلام اسمه عمير بن أبي وقاص وهو في السادسة عشرة من عمره، وكان يخاف ألا يقبله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأنه صغير، فكان يتوارى ويجتهد إلا يراه أحد، فلما رآه أخوه سعد على هذه الحالة. سأله قائلًا: مالك يا أخي فأجاب أخاف أن أبدو صغيرًا في عين رسول الله فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، وكان كذلك فأراد رسول أن يرده لأنه لم يبلغ مبلغ الرجال فبكى عمير، ورق له قلب رسول الله فأجازه وقتل في هذه الغزوة، ما أجمل أن يعيش الأخ الداعية في كل لحظاته وسكناته لله تبارك وتعالى وأن يبذل كل شيء حتى نفسه لإعلاء كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله."
2- وهذا البطل المغوار صلاح الدين، فقد اهتم بقضية تحرير أرض الإسراء والمعراج اهتمامًا بالغًا ملك وقته وراحته، واستحوذ على كل ما تتطلبه النفس من إشراق وما تسعى إليه من اطمئنان واستقرار؛ يقول مرافقه "القاضي بهاء الدين" في وصف حبه للجهاد واهتمامه البالغ للقدس وما حولها: كان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال يجول بفرسه من طلب إلى طلب، ويحث الناس على الجهاد ويطوف بين الأطناب بنفسه وينادي يا للإسلام وعيناه تذرفان بالدموع، وكلما نظر إلى عكا وما حل بها من البلاء وما يجري على ساكنيها من المصاب العظيم اشتد الزحف، والحث على القتال، ولم يطعم في ذلك اليوم طعامًا البتة، وإنما شرب أقداح دواء كان يشربها الطبيب، وكان حديث يشغله دائمًا، ويستولي على قلبه وجوارحه استيلاء عظيمًا بحيث لم يكن له حديث إلا عنه، ولم يكن له نظر إلا من وسائله أو اهتمام برجاله.
یا نفس
ذريني اقل ما لا ينال من العلا *** فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة *** ولابد دون الشهد من إبر النحل.
:خالد يوسف الشطي
تعال نؤمن ساعة
إيمانك ثم انطلق
في هذه المسيرة الدعوية الطويلة يفاجأ الدعاة بين فينة وأخرى بخبر يقض مضجعهم ويسيل دمعهم ويدمي قلوبهم عندما نسمع بأن أحد إخواننا في الصف ممن كان له الأثر الكبير في هداياتنا أو تثبيتنا بعد الله سبحانه وتعالى في هذه الدعوة قد فارق الحياة، ولكن ليست الحياة الدنيوية وإنما فارق الحياة الدعوية وسقط مع المتساقطين على طريق الدعوة.
نتساءل بشدة: ما سبب هذه السقطة ويا ترى هل سيكون حالنا مثله؟ وكيف نحمي أنفسنا من السقوط؟
إن المنقذ من الغرق في بحر التساقط هو قاربك الإيماني الذي يستطيع بكل قوة أن يجابه العواصف العاتية ليصل إلى بر الأمان.
فلتسارع أيها الداعية بشتى الطرق والوسائل حتى تفهم الغاية من عملك وحتى لا تكون عرضة للسقوط وحتى تكون مستعدًا ومتأهبًا تخوض غمار طريق الدعوة الطويل، ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ (التوبة:٤٢).
وليكن ذلك أخي الحبيب قبل أن تكثر انشغالاتك وتطغى الجوانب الإدارية والسياسية على عملك وفي المقابل تزداد مشاغلك الدنيوية فتشعر بالجفاء وتكون حياتك جافة خالية من طلاوة الربانية وعذوبة الروحانية.
سالم مساعد العبد الجادر
من حقوق الصحبة
إن الأخوة ليست كلمة تقال باللسان ولا عبارة يتبادلها الإخوان أعظم من ذلك فمعناها عظيم وجذورها عميقة راسخة الأوتاد والأطناب، وإليك أخي القارئ أسوق تلك الحقوق العظيمة التي ذكرها الدكتور عادل الشويخ في كتابه "مسافر في قطار الدعوة" فيقول ومن مقتضى حقوق الأخوة واجبات الصحبة، وهي مجموعة الحقوق بين أهل الأخوة الإيمانية تزداد وتتأكد عند رفقة الطريق بأخوة العقد، والتعاهد على الدعوة في سبيل الله ومن هذه الحقوق باختصار:
1- القيام بالحاجات مع البشاشة والاستبشار، ولها مراتب أدناها القيام بذلك عند السؤال، وأوسطها القيام بها دونما سؤال وأعلاها تقديمها على حوائج النفس.
٢- السكوت عن ذكر المعايب والمماراة والجدل المذموم معه، وعدم سؤاله فيما يحرجه، وكتمان سره، وأن لا يقدح فيه، أو في أهله وأحبائه.
3- السكوت عن كل ما يكرهه، فالمؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات مع ترك إساءة الظن، وستر العيوب والتغافل عنها.
4- التودد باللسان، وتفقد الأحوال ويظهر انشغال قلبه به، ويبدي السرور بما يفرحه، والثناء عليه عند غيره، وذب الغيبة عنه.
5- الدعاء للأخ في حياته، وبعد موته بما تدعو به لنفسك.
٦- الوفاء والإخلاص، والثبات على الحب حتى الموت، والإحسان لأهله وأصدقائه بعد الموت، وأن لا يتغير على إخوانه عند حصول نعمة كبيرة له.
7- التخفيف وترك التكلف، فلا يكلف أخاه بما يشق عليه ولا يكلف التفقد لأحواله والقيام بحقوقه ويستأنس بلقائه ويقوم بحقوقه.
8- التوفير من غير كبر، والتواضع من غير ذلة، ولقاء الآخرين بوجه الرضا من غير ذل لهم، ولا خوف منهم.
9- الإحسان إلى من يقدر أن يحسن إليه ما استطاع، والشفاعة لمن له حاجة عند من عنده منزلة، والسعي في قضاء الحوائج.
خالد عبد الوهاب القرينيس