العنوان المجتمع التربوي (1198)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1996
مشاهدات 95
نشر في العدد 1198
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 30-أبريل-1996
• وقفة تربوية
• احذروا الحالقة
في هذا الشهر العظيم تزداد فرص الأجر فيما لا تتوفر في وقت آخر، وبالرغم من ذلك فإن هناك فئة من المسلمين يقومون ببعض ما يغضب الجليل؛ مما يسبب زوال ما يجمعونه من الثواب، وسمى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - هذه المعاصي بـ«الحالقة»، وعلى رأسها «الهجران»، وهي أن يهجر المسلم أخاه ولا يكلمه يجلس معه، ويمتلئ قلبه بالشحناء عليه؛ حيث يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود بإسناد حسن: «لا يكون لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث، فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرات، كل ذلك لا يرد عليه، فقد باء بإثمه»، وأخطر من هذه النتيجة للقاطع ما جاء في الحديث، الذي رواه أبو داود بإسناد صحيح قول الرسول: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار»، فأية خطورة تنتظر أولئك القاطعين، خاصة إذا كانت هذه القطيعة بين الأقارب، فالرحم كما جاء في الحديث الصحيح معلقة بالعرش تقول: «اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني».
إن من أكبر الأعمال التي يقوم بها المسلم هذه الأيام أن يرجع المياه إلى مجاريها، ويصلح بين المتخاصمين، وإن درجته عند الله تعلو درجة الصائم والمصلي والمتصدق؛ حيث يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة؟، قلنا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة»، وفي رواية: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»، فكل ما يجمعه من الأجر تطلقه هذه المعصية، والعاقل من لا يرضى بأن تذهب أعماله سدى لمجرد رضوخه لتزيين الشيطان له بالاستمرار بالقطيعة بحجة «ما أنزل رأسي لهم»، و«كرامتي أعلى من كل شيء».
أبو خلاد
• أين نحن من هؤلاء؟!
عبادة بن الصامت.. الأنصاري الخزرجي «رضي الله عنه»
• قال عنه أصحابه للمقوقس: إنه أفضلنا سابقة وعلما وأرجحنا عقلا ورأيا
بقلم: محمد عبد الله الخطيب(*)
1- نسبه هو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الصحابي البدري أحد النقباء، شهد العقبة الأولى والثانية مع النبي – صلى الله عليه وسلم -، عقد البيعة على الإيمان بالله وحده، والالتزام بفضائل الأعمال، والبعد عن الرذائل، فوفى بما عاهد الله عليه يقول رضي الله عنه فيما أخرجه البخاري ومسلم عنه: «بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة الأولى: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، قال: فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا، فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر».
۲- يصفه المؤرخون: بأنه كان رجلا فاضلا جميلا طويلا، وكان طوله عشرة أشبار بمقياس السابقين، وكان أسود اللون، شهد مع رسول – صلى الله عليه وسلم -«غزوة بدر الكبرى، وغزوة أحد، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد»، واختاره النبي – صلى الله عليه وسلم - ليكون عاملا على الصدقات، وكان يعلم أهل الصفة القرآن الكريم، وآخي النبي له بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وكان أحد الفقهاء الذين أرسلهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى الشام؛ ليعلموا المسلمين ويفقهوهم في الإسلام، يقول الإمام الأوزاعي: «إن عبادة هو أول من ولي قضاء فلسطين».
روى عن رسول – صلى الله عليه وسلم - مائة وواحدا وثمانين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين.
وروی عنه أنس وجابر وأبو أمامة وفضالة، ورفاعة بن رافع، ومحمود بن الربيع، ومن التابعين أولاده: الوليد وعبيد الله وداود بنو عبادة، جاء في كتاب «غربة الإسلام»:
إن الإمام أحمد بن حنبل ذكر في مسنده عن عبادة بن الصامت، أنه قال لرجل من أصحابه: «يوشك إن طالت بك الحياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد – صلى الله عليه وسلم - فأعاده وأبداه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، ونزل عند منازله، لا يجوز فيكم إلا كما يجوز الحمار الميت»، ومعنى يجوز: يسير، والمراد: أن منزلته تكون بين الناس ضائعة، وفي الأثر «رب تال للقرآن، والقرآن يلعنه، يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو منهم».
(.) من علماء الأزهر الشريف.
3- فتح مصر : في السنة العشرين من الهجرة كتب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - إلى عمرو بن العاص- رضي الله عنه - يأمره أن يتجه إلى مصر؛ ليخرجها من الظلمات إلى النور، ومن جور الكهان والرومان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وكان عمرو يتوق لهذا الأمر، وطالما ألح على سيدنا عمر ليأذن له في ذلك.
وانطلق عمرو بالغر الميامين بحملة المنهج الإلهي، انطلق ومعه موازين العدل والأمانة والرقي والحضارة الحقة، حضارة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصل عمرو إلى حصن «بابليون»، وهناك لقي مقاومة شديدة من الرومان، فطلب من الخليفة أن يعينه فأمده بأربعة آلاف جندي، عليهم أربعة قواد، كل قائد منهم بألف رجل، وهم:
۱- عبادة بن الصامت- رضي الله عنه -.
2- والزبير بن العوام- رضي الله عنه -.
3- والمقداد بن الأسود- رضي الله عنه -.
٤- ومسلمة بن مخلد- رضي الله عنه -.
وقال الخليفة لعمرو: «اعلم أن معك اثني عشر ألفا، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة».
إن الجهاد فريضة على المسلمين حتى لو كان عدد أعدائهم أضعاف عددهم، وأنهم منصورون بعون الله لهم، وأن الواحد منهم كفء لعشرة من الأعداء، وكفء لاثنين في أضعف الحالات، لكن أن يكون الواحد كفئا لألف رجل، فهذه منازل ومدارج وفاق، وقد كان هذا واقعا في حياة هؤلاء الصحابة، كان الواحد منهم كما قرر عمر ابن الخطاب بألف في علمه، وصبره، وعطائه، وفي إيمانه وثقته بالله، رضي الله عنهم وأرضاهم.
إنهم قوم صدق، لا مكان للزيف ولا للكذب في حياتهم وسلوكهم، إنهم صادقون في فضائلهم في أخذهم وعطائهم حياتهم واضحة وطهرهم واضح إنهم أهل صدق عظيم.
وفي أثناء الفتح حدث أن عبادة بن الصامت كان يصلي، فهجم عليه جماعة من الروم فخرج من الصلاة، ووثب على ظهر جواده، وطاردهم ففروا أمامه، فتبعهم فجعلوا يلقون في طريقه بما معهم من متاع؛ ليشغلوه به، فما التفت إلى ما يلقونه، ثم عاد إلى مكانه؛ ليستأنف صلاته من جديد.
٤- وبعد وصول هذا المدد أرسل المقوقس إلى عمرو وفدا للمفاوضة، فعرض عليهم عمرو واحدة من ثلاث:
1- أن يدخلوا في الإسلام؛ ليكونوا إخوة للمسلمين، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
2- أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولهم الأمان والدفاع عنهم بقوة المسلمين.
3- وإما الأخرى، وهي القتال حتى يحكم الله بين الفريقين، وحين عاد الوفد إلى المقوقس سألهم: كيف رأيتم المسلمين؟!، قالوا: رأينا قوما الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، فقال المقوقس: إن هؤلاء لو أرادوا إزالة الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتالهم أحد، ثم أرسل المقوقس إلى عمرو يطلب منه إرسال وفد من قبله للتفاوض معه، فأرسل عمرو إلى المقوقس عشرة رجال، وعلى رأسهم القائد عبادة بن الصامت وكلفه عمرو أن يكون هو المتحدث، وأمره ألا يقبل منه إلا واحدة من الثلاث التي سبق ذكرها وحين دخلوا على المقوقس وشاهد عبادة بن الصامت هابه، وقال: «نحوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني؟»، فرد عليه الوفد: إن هذا الأسود أفضلنا علما ورأيا، وهو سيدنا والمقدم علينا، ونحن جميعا نرجع إلى رأيه وقوله.
فتعجب المقوقس من كلامهم، وقال يسألهم: كيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم؟، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟، فأجابوه: كلا، إنه وإن كان أسود، فإنه من أفضلنا موضعا، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس ينكر السواد فينا، ثم تقدم عبادة، وقال له: قد سمعت ما قلت، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل كلهم مثلي وأشد سوادا مني، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم مني، وأنا قد وليت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعا، وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدوا ممن حارب الله لرغبة في الدنيا ولا حاجة للاستكثار منها، إلا أن الله- عز وجل- قد أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا، وما يبالي أحدنا أكان له قناطير من ذهب أم كان لا يملك إلا درهما؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته ليلته ونهاره، وشملة يلتحفها، وإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله – تعالى -، واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما كان في الدنيا؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، بذلك أمرنا الله وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا في الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه، فازداد المقوقس منه رهبة وهيبة، وقال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟، لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندي من منظره، ثم التفت إلى عبادة، وقال له:
«أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم للدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، يحصى ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم.
ثم عرض على عبادة أن يأخذ لكل جندي دينارين، وللأمير عمرو مائة دينار، والخليفة ألف دينار على أن ينصرفوا.
وهنا وجب على عبادة أن يلقنه درسًا، فقال له: يا هذا لا تغرن نفسك ولا أصحابك، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا الذي تخوفنا به بالذي يكسرنا عما نحن فيه إن كان ما قلتم.
حقًّا، فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم وأشد لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند الله إذا قدمنا عليهن إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا من رضوان الله وجنته، وما من شيء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين، إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله - عز وجل - قال لنا في كتابه: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249]، وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة والا يرده إلى بلد، ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا هم خلفه وقد استودع كل واحد منا ربه وولده، وإنما همنا ما أمامنا، وبعد حوار طويل أهله تم الصلح، وفتحت مصر أبوابها لنور الإسلام وانتهت قضية الأنساب والأحساب، والألوان والأجناس، وارتفعت قيمة واحدة إن أكرمكم عند الله اتقاكم، وفي بيت المقدس- بعد اثنين وسبعين عاما قضاها القائد عبادة بن الصامت في العمل للإسلام- توسد الثرى، ونام قرير العين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. فسلام الله عليه ورضوانه.. وما أحوجنا إلى أمثاله.
• كلمة إلى الدعاة: التجرد
يقول الإمام حسن البنا- رحمه الله - في رسالة التعاليم: «وأريد بالتجرد أن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص؛ لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ ﴾ [البقرة: 138]، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4]، والناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف: «مسلم مجاهد- مسلم قاعد- مسلم آثم- ذمي معاهد - محايد – محارب»، ولكل حكمه في ميزان الإسلام، وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص والهيئات، ويكون الولاء أو العداء».
تعريف التجرد لغة: هو خلع الثوب أو ما يلبس، وتجرد للأمر أي خلع عن
نفسه كل ما يمكن أن يعوقه عن المضي فيه ومن أنواع التجرد:
أ- خلع كل اعتزاز يسيء إلى الإسلام والدعوة إليه، بمعنى أن يكون اعتزاز الفرد بالإسلام وبالدعوة إليه، وبالثقة فيه وحده، إيمانا منه بأنه الحق، الذي لا حق سواه.
ب- خلع كل معوق أو مثبط عن المضي في العمل، والتجرد من هذا المثبط مهما كان، علما بأن المعوقات في طريق العمل الإسلامي كثيرة، بعضها ينبع من العامل نفسه، وبعضها ينبع من الظروف المحيطة بالعمل أو العامل، وبعضها ينبع من كيد الأعداء للعمل الإسلامي وللعاملين فيه.
يقول صاحب الظلال في تفسير هذه الآية: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4]، وينظر المسلم فإذا له نسب عريق، وماض طويل، وأسوة ممتدة على آماد الزمان، وإذا هو راجع إلى إبراهيم - عليه السلام - لا في عقيدته فحسب، بل في تجاربه التي عاناها كذلك، فيشعر أن له رصيدا من التجارب أكبر من رصيده الشخصي وأكبر من رصيد جيله، الذي يعيش فيه، إن هذه القافلة الممتدة في شعاب الزمان من المؤمنين بدين الله، الواقفين تحت راية الله، قد مرت بمثل ما يمر به، وقد انتهت في تجربتها إلى قرار اتخذته: فليس الأمر جديدا ولا مبتدعًا ولا تكليفا يشق على المؤمنين، ثم إن له أمة طويلة عريضة يلتقي معها في العقيدة، ويرجع إليها، إذا انبتت الروابط بينه وبين أعداء عقيدته، فهو فرد من شجرة ضخمة باسقة عميقة الجذور كثيرة الفروع وارفة الظلال، الشجرة التي غرسها أول المسلمين إبراهيم- عليه السلام- فهي البراءة من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم، وهو الكفر بهم والإيمان بالله، وهذه العداوة والبغضاء لا تنقطع حتى يؤمن القوم بالله وحده، وهي المفاصلة الحاسمة الجازمة التى لا تستبقي شيئًا من الوشائج والأواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة الإيمان، وفي هذا فصل الخطاب في مثل هذه التجربة التي يمر بها المؤمن في أي جيل، وفي قرار إبراهيم- عليه السلام -، والذين معه أسوة لحلفائهم من المسلمين إلى يوم الدين.
نعم هذا ما نرجوه من دعاة الإسلام: تجرد تام للإسلام بكل جوانبه ومناحيه حتى يتحقق نصر الله لهذا الدين، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]
خالد يوسف الشطي
• تعال نؤمن ساعة
صلاح الظاهر والباطن
إن المتأمل في أحوال الناس يجد أمورا عجبا، فيجد من الناس من يعظم كتاب الله بحيث لا يضع المصحف على الأرض، وإذا انتهى من قراءته قبله ووضعه على جبهته، وهذا طيب وحسن ودليل حرص، ولكن نحن لا نريد التعظيم الظاهري دون التعظيم الباطني، نحن لا نريد أناسا يُقبلون المصحف بعد الانتهاء من القراءة بقدر ما نريد من تعظيم ما في المصحف من كلام الله وتطبيقه والتأثر بما فيه، والعمل به، ومن العجيب أن أرى رجلا ذات مرة يحمل المصحف، وقد وقع منه فيأتيه رجل آخر يصرخ في وجهه، ويؤنبه على أن المصحف وقع منه، ويقول له: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، وفي الواقع إن هذا الرجل الذى تكلم بعيد أشد البعد عن القرآن بأعماله التي لا ترضي الرحمن، فنحن لا نريد أمثال هؤلاء الذين يعتنون بالظاهر، ويتركون الباطن والأساس الذى به صلاح النفس وحصول الأجر، وكذلك ترى أناسا بعد أن يطوفوا طواف الوداع، ويريدون أن يخرجوا من الحرم لا يعطون ظهورهم للكعبة، بل يخرجون مستقبلين الكعبة ويرجعون القهقرى، وهذا طيب ولو أنه لا دليل عليه ولا يصح فعلهم لغة ولا اصطلاحًا، ولكن السؤال: هل تعظيم هذه الكعبة صحبه تعظيم لأوامر الله، وأصبح له أثر في القلوب بحيث إنهم ائتمروا بأمر الله، واجتنبوا نواهيه، وعظموا الله في قلوبهم، فأصبح لهذا التعظيم أثر في أخلاقهم وسلوكهم ومعاملاتهم؟، إننا نريد هذا الأثر لا الرجوع للخلف دون إعطاء الكعبة الظهور، والذي أريد أن أصل إليه من حديثي هذا أن بعض الدعاة يهتمون بإصلاح الظاهر، فيهتموا بتوجيه الناس لإطلاق اللحية، ووضع الثوب فوق الكعبين، والاهتمام بالأمور الظاهرية والحرص عليها، ولكن من الخطأ الفادح أن نهتم بإصلاح الظاهر على حساب إصلاح الباطن، فلو اهتم الدعاة بإصلاح القلوب، وتنقيتها من الشوائب والأوغال لفازوا ونجوا، وهذا لا شك مكسب كبير عظيم حري بالدعاة أن يحرصوا على إصلاحه في تربيتهم للناس.
إن المتأمل لأحوال بعض الناس يرى أحدهم حريصًا على السنن، ولكن قلبه مريض عشعشت فيه العقارب والحيات، فالحقد والحسد قد أخذ مكانا فسيحًا في قلبه، فأقول للداعية: كما تعتني بظاهرك، فعليك أن تعتني بقلبك أضعاف عنايتك بظاهرك، فإنه إذا صلح الباطن ظهرت آثاره على الظاهر والجوارح.
فيا أخي الداعية: ليكن في قرارة نفسك أنك إذا تكلمت وجب أن تبتغي بهذا الكلام وجه الله، وبدعوتك، الأجر والمثوبة من عند الله، وإياك ثم إياك أن يجد الناس منك أمورًا تخالف قولك وفعلك.
خالد عبد الوهاب القرينيس
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل