; المجتمع التربوي (1174) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1174)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1995

مشاهدات 77

نشر في العدد 1174

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 07-نوفمبر-1995

حول قصة طالوت وجالوت.. قراءة في أوراق جولة التدافع الحضاري «5 من 7»

المرونة القيادية

* القيادة الصلبة الحكيمة لا يرهبها عدو، ولا تضعفها كثرة المنهزمين في المحنة.

* الداعية الواعي لا ينخدع بعدد قبل تجربته في محك اختبار عملي.

بقلم: د. حمدي شعيب

13- ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (البقرة: 249)، وتجلت هنا حكمة أخرى من القيادة الراشدة لطالوت، فإذا كان هدفه هو إعادة المجد والسؤدد لأمة ذاقت الذل والهوان والهزيمة، ولابد من دخول غمار معركة ستعتبر منعطفًا في تاريخها، ولا بد كذلك من اختيار جدية هؤلاء الشباب الذين خرجوا معه، لسبر مدى قوة إرادتهم وضبطهم لشهواتهم، فإن من الحكمة أن يكون هناك شيء من المرونة في الأوامر، الرفق في التكاليف، ثم الحلم في تلقي نتائج تلك الأوامر، فلقد أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده، تبل الظمأ، ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف.

وهذه المرونة القيادية حتى مع أصحاب العزائم، سمة نراها في موقف المفاوض أثناء غزوة الحديبية، وكذلك مرونته ورفقه وهو ينصح عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنه- في الحديث الصحيح: «ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟»، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله»، فشددت، فشدد الله علي، قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، قال: «فصم صيام نبي الله داود- عليه السلام- ولا تزد عليه»، قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: «نصف الدهر»، فكان عبد الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم.

والداعية يعلم أنه يملك منهجًا يتميز بالمرونة والسعة ويحمل للبشر شريعة سمحاء قد راعت «الضرورات» والحاجات والأعذار التي تنزل بالناس فقدرتها حق قدرها، وشرعت لها أحكامًا استثنائية تناسبها، وفقًا لاتجاهها العام في التيسير على الخلق، ورفع الآصار والأغلال التي كانت عليهم في بعض الشرائع السابقة، كما قال تعالى في الأدعية التي ختمت بها سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة: 286)، وجاء في صحيح مسلم أن الله استجاب لها من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- قال الله تعالى: «نعم»، ومن هنا جاءت القاعدة الأساسية الجليلة: «المشقة تجلب التيسير»، وتقررت القاعدة الشرعية الشهيرة: «الضرورات تبيح المحظورات»([1]).

والداعية لا يعدم فقهًا، يدعوه ليوازن ويرجح، ويختار، ويدفع المفسدة قبل جلب المصلحة، ويراعي ظروف وإمكانيات الأتباع، بمرونة لا تخدش مبدأ، ولا تفرط في ثوابت، ويرفق بنفسه قبل الرفق بهم، فإن الدين متين، ويغلب كل من شاده، ودعوته دعوة النفس الطويل.

أنهار.. وأنهار

14-  ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (البقرة: 249) وتمت هنا الغربلة والتصفية الثانية لهذا الجيش العرمرم أما عقبة حب الشهوات والرغائب، وكما ورد في «تفسير الجلالين»، وفيما روي عن البخاري، أن الذين ثبتوا وأطاعوا قيادتهم، واكتفوا بالغرفة، كانوا فقط ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً مؤمنًا، وروي عن السدي أنهم كانوا أربعة آلاف، أما بقية السبعين ألفًا أو الثمانين ألفًا وهم الأكثرية، فلقد شربوا وارتووا، ولم يكفهم ما أباح لهم قائدهم الحكيم المرن من الاغتراف باليد، «وانفصلوا عنه لمجرد استسلامهم ونكوصهم، وانفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم، وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة، والجيوش ليست بالعدد الضخم ولكن بالقلب الصامد، والإرادة الجازمة، والإيمان الثابت المستقيم على الطريق"([2]).

وتدبر كيف أظهرت التجربة العملية قوة المعادن البشرية، واختبرت الأقوال والنيات الحسنة على أرض الواقع العملي.

وهنا ملمح تربوي، هو أن لا ينخدع الداعية بكثرة، ولا يغتر بعدد طالما لم يختبروا عمليًا.

والإفراط في شرب ماء النهر ما هو إلا مثال للمفرطين في أنهار الشهوات والمباحات، ورمز للمكثرين من أنهار الحجج والأعذار، وكم من مراوح في نهر أعذاره، وكم من سادر في نهر مباحاته، ومحك مجاوزة تلك الأنهار هو طاعة القيادة، والثقة في أوامرها، ورؤيتها لما لا يراه غيرها، والاطمئنان إلى فقهها، وموازنتها في الاختيار بين الغرفة المباحة، وبين الشرب النهم.

شروط ومعالم.. المجاوزة

15- ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (البقرة: 249)، لقد جاوز طالوت النهر- الذي قيل إنه بين الأردن وفلسطين- ومعه القلة المؤمنة التي أطاعته، واختلف في عددهم، حيث قيل إنهم أربعة آلاف مؤمن، وقيل إنهم حوالي ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أصل الأمة التي طلبت الجهاد في سبيل الله عز وجل. 

وتدبر كيف تم مجاوزة النهر بقيادة صلبة حكيمة لم يرهبها عدو، ولم تعجزها كثرة الناكصين الظالمين، فالتحمت بأتباعها القلة الصابرة المؤمنة المطيعة، وتأمل مغزى كلمة «معهم» وما توحي به من الالتحام بين القيادة والجنود في ظل الفكرة والمبدأ، وفي سبيل الغاية.

وهنا ملمح تربوي يرسم لنا معالم مجاوزة أنهار التشرذم والتفكك، والخروج من مرحلة القصعة، ومجاوزة عصر الوهن الحضاري لأمتنا، وهي: القيادة الحكيمة والجنود المطيعون الذي يضمهم عمل جماعي منظم، ومنهج واضح، ثم التحام في ظل فكرة وغاية ربانية.

خطر الهزيمة الداخلية

16- ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ (البقرة: 249)، وبعد مجاوزة النهر، ظهر رأي لمجموعة من المؤمنين، استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، حيث روي إنهم كانوا مائة ألف، وكانت تلك هي العقبة الرابعة، عقبة الحكم على الواقع الظاهر دون وزنه بميزان الحقيقة التي يستشعرها كل من اتصل بحبله سبحانه، عقبة الهزيمة الداخلية أمام ثقل الواقع الخادع المنتفش، وقد تم على صخرة تلك العقبة التصفية الثالثة، للفئة المؤمنة الخالصة، وكان هو الاختبار الثاني تحت قيادة طالوت، وأصبح عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً مؤمنًا خالصًا، من أصل أمة اشتاقت للجهاد، ومن مجموع جيش كان تعداده بين السبعين والثمانين ألف مجاهد.

وتدبر مغزى كلمة «قالوا» وما توحي به من حيث كثرة القائلين، وأن هناك ظاهرة جماعية ورأيًا واسعًا متناميًا يرغب في القعود، ويدعو للجين، ويحمل لواء النكوص والنكول، وتأمل كيف أن هذه الظاهرة أصابت المؤمنين الخلص الذين تجاوزوا ثلاث عقبات سابقة، ونجوا من تصفيتين شديدتين للصف المؤمن المجاهد.

وهنا عدة ملامح تربوية تدعونا للوقوف، أن الداعية لا ينبغي له أن يستغرب عوائق الطريق ومشاكله، والهزة التي قد تصيبه وتصيب البعض عند الشدائد، وكيف أن الصف المؤمن يشمل الجميع، الضعفاء والمحدودي القدرات، وأنصاف الرواحل والرواحل، وكل له فضله واستطاعته، ولكن الخوف يأتي من الظواهر الجماعية إن لم تحسم، فخطرها ما يتعدى أفرادها إلى البقية ولو كانت مؤمنة خالصة، وقد قال سبحانه لأصحاب غزوة العسرة المؤمنين الخلص في رحلتهم الشاقة لتبوك، محذرًا من خطر المنافقين: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (التوبة: 47)، وتدبر تلك الهزة لأصحاب بدر أمام النفير ذات الشوكة، قد خرجوا للعير، وكيف ذكرهم القرآن بها عندما اختلفوا على الغنائم ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (الأنفال: 5)، وتدبر اللحظات الحرجة لزوغان الأبصار، وتطاير القلوب في غزوة الأحزاب ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (الأحزاب: 10). 

وكل هذا متوقع لأي صف يفقه وعورة الطريق، ويقدر واقعية جنده البشرية، والمخرج هو تقوى الله، ثم الإخلاص للفكرة والطاعة للقيادة.

النافذة التربوية

وجوب اتخاذ إمارة

يكثر الكلام واللغط في أوساط شباب الصحوة عن مسألة «وجوب اتخاذ الإمارة» في العمل الدعوي، كل يدلي بدلوه محاولاً إقناع غيره بما يعتقد وبما يحمل من فكر.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»، فأوجب- صلى الله عليه وسلم- تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله- تعالى- أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة»، «السياسة الشرعية، لابن تيمية 176».

والإمارة في المفهوم الدعوي والحركي ما هي إلا لترتيب الصفوف، وتوجيه الطاقات، واستغلال القدرات الاستغلال الأمثل، فالفوضى أمر منكر في العمل الإسلامي، لا يرجى معه أثر في المدى البعيد.

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم                                                                                                ولا سراة إذا جهالهم سادوا
 

  

وإذا احتج أحدهم وقال: كيف تكون هناك عدة إمارات في بلد واحد؟!! نرد عليه بقولنا: لو ذهبت عدة مجموعات وقوافل لأداء الحج أو العمرة، أما يجب على كل مجموعة أو قافلة أن تؤمر واحدًا منها عليها؟ سيكون الجواب بنعم- ولا شك في ذلك- حتى يتابع سير الرحلة، وينظم الجهود، ويوفر الوحدة، ويحل المشاكل، وقبل ذلك يخطط ويبرمج.

كل ذلك في رحلة وسفر لا يتعدى الشهر في أغلب الأحيان، ألا يحق لنا اتخاذ إمارة خلال سفرنا إلى الله- تبارك وتعالى- مارين على قنطرة الدنيا، فما هي إلا سفر طويل.

ونحن أثناء مزاولة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وخصوصًا بعد تخلي ولاة الأمر عنها، وعملهم على ضدها أغلب الأحيان- بحاجة إلى من يقود جموع الدعاة والمصلحين، وينسق بينها ليكون منها منظومة متناغمة، يسمع منها لحن العطاء والبذل والفداء، هي له مطيعة منقادة ما أمرها بالمعروف، وهو له محب عطوف.

عبداللطيف محمد الصريخ

الرابط المختصر :