العنوان المجتمع التربوي (1158)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 77
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 18-يوليو-1995
وقفة تربوية
كم نطبق من كلامنا
ما أكثر ما نتكلم، وكم من الحروف تخرج من أفواهنا، وكم يتحرك هذا اللسان الذي بين فكينا، ولكننا ننسى في زحمة هذه الأطنان من الحروف والعبارات أن نسأل أنفسنا: كم نطبق مما نقول؟!
لله درذلك القشيري الذي فقه قول النبي- صلى الله عليه وسلم- عندما قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
فقد أطال الصمت في أحد مجالس العرب، فقال له بعضهم: بحق سميتم خُرس العرب.
فرد عليه: «يا أخي! إن حظ الرجل في أذنه لنفسه، وحظه في لسانه لغيره»."عيون الأخبار 2/177"
وعندما تحول هذه الكلمات بيننا وبين العمل فإنها تكون بمثابة اسم الذي لا يترك للإنسان فرصة أن يوصي كما دلنا على ذلك أكثم بن صيفي حيث قال: «مقتل الرجل بين فكيه».
أو قول حليم العرب الأحنف بن قيس عندما تطابقت عبارته مع عبارة أكثم لما ذكر بأن «ضعف الرجل مخبوء تحت لسانه» "عيون الأخبار 1/331".
إننا نحتاج إلى وقفة مع أنفسنا نراجع الكثير مما نتفوه به، ونقوم بعمل نسبة مئوية بين ما نقوله وما نطبقه من ذلك القول ليتبين لنا الأمر قبل فوات الأوان فنكون صرعى لهذه الألسن.
أبو بلال
الإيمان الصادق
بقلم: محمد أبو سيد
من المعلوم أن الإيمان هو نبع الفطرة في صدقها وصفائها، وإذا صدق الإيمان في القلب كان لذلك أثره في عقيدة المؤمن وشعوره، وفي صلته بالله تعالى، وفي جهاده في الحياة، فلا يقبل إلا الحق، ولا يعبد إلا الله، ولا يخشى في الله لومة لائم، ولا يرتبط بالباطل في قول أو عمل، بل يكون شهيدًا على الناس يرشد ضالهم، وينصح مخطئهم، ويعطي من نفسه المثل والقدوة بأخلاقه وسلوكه مؤثرًا بما في قلبه من النور واليقين وصاحب الإيمان الصادق لا تزيده الأيام إلا يقينًا، فإن أصابه خير شكر ربه وأدى حق الله في نعمته، وإن أصابه شر حمد الله ورضي بقضائه ولا يضعف ثقته بالله شيء.
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ (الحجرات:١٥)
والإيمان الصادق العميق يحيا به ضميرالمؤمن وتسلم به اتجاهاته بينما يتخبط الناس في دياجير الظلام، فالمؤمن مرهف الحس، صادق العزم، صالح العمل، لا تشتته الحياة ولا تعصف به الشدائد، ومهما اشتد البلاء فالمؤمن لا يزداد إلا ثباتًا وإيمانًا.
والإيمان ليس كلمة تقال، ولا شعارًا يطرح إنما هو عقيدة تخالط شغاف القلوب،وتسري مع الدم في العروق، والإيمان يذكر في القرآن الكريم مقرونًا بالعمل الصالح ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (يونس:٩) وكلما كان الإيمان عميقًا أحس المؤمن بذاته، وأحسن النظر إلى واجباته ومسئولياته.
وقد يتعرض المؤمن إلى الاختبار والله سبحانه وتعالى يعلم حقيقة القلوب قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ )العنكبوت:۱۰)
فالثقة في الله، والإخلاص لله تأتي في أعلى مراتب الإيمان، والإخلاص سر من أسرار الله يودعه قلب من يحب من عباده يقول المصطفى- صلى الله عليه وسلم: «كلكم هلكى إلا العالمون،والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر شديد».
فالإخلاص من الصفات الروحية التي تسمو بالمرء إلى منزلة رفيعة.
والإيمان الصادق يفيض على النفس الطمأنينة، ويعطي المؤمن الثقة بالله:وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون أوثق فيما عند الله مما في يديه».
وفي أيامنا هذه تتعرض الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها لأنواع من الابتلاء الذي تقشعر منه الجلود وتبلغ القلوب الحناجر، غير أن المسلمين لم يفعلوا ما أراده منهم الأعداء بل ظلوا صامدين أمام الظلم والإرهاب.
ومنذ ظهور الصحوة الإسلامية انصرف أعداء الإسلام إلى إثارة القلق والفوضى،وإلقاء الرعب في قلوب المسلمين باسم الحضارة والمدنية، حتى يحققوا ما يتمنون من صرف المسلمين عن دينهم وعقيدتهم.
وأمام هذه الفتن والمحن فالمسلمون اليوم في أمس الحاجة إلى الإيمان الكامل، الإيمان الذي يقتضي من المؤمن أن يتخذ سبيله إلى الله- عزوجل-فتأتي أعمال المسلمين وفق عقيدتهم، فلا يرهبون أحدًا، ولا يذلون إلا لسلطان الله، ولا يعملون عملًا إلا ويريدون به وجه الله، يفعلون ما أمر الله وينهون عما نهى عنه، يبتغون رحمة لإخوانهم المؤمنين فيواسون الفقير، ويجبرون الكسير ويسعفون الضعيف، ويشدون العزائم، ويستنهضون الهمم، ويكونون دائمًا عونًا لإخوانهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وينفجرون شدة على أعداء الإسلام، فيجاهدون بالقلب، واللسان، والمال، والنفس يفلون عزيمتهم، ويكسرون شوكتهم، ويعملون جاهدين على أن لا يكون لأعداء المسلمين سبيل على المؤمنين لا في أنفسهم، ولا في أموالهم، ولا في أعراضهم، ولا في أوطانهم، ففي مثل هذه الظروف يجب على المسلمين لاسيما الشباب والعلماء والقادة والمفكرين أن يتنبهوا من غفوتهم، ويستيقظوا من نومهم، ويقوموا لإنقاذ الأمة من ضلالة دسائس الحركات الهدامة، وتجنيب الأمة من المأرب البغيضة، ويرشدوهم للعودة إلى الإسلام من جديد.
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسر |
| وإذا افترقن تكسرت أحادًا |
المحبة الحقة
أخي الحبيب أرجو منك أن تقف معي قليلًا لنتعرف على «كلمة» يخفى على الكثير أمرها ولاسيما الشباب الذين هم في بداية المشوار مع هذه الحياة.
كلمة "الحب" كثير من الناس يقولها والقليل فقط من يعرف معناها وثمنها، إذ ليس لمعناها تعبير ولا وصف لها في قلب المحب، وكلما وصف المحب لمن يحب وصفًا، ما زاده ذلك إلا شوقًا، وما أسكن التعبير فؤاده ولا أطفأ ناره. وأما ثمنها فليس الذهب والفضة، ولكن الثمن هو الصدق والإخلاص والإيثار وفوق كل ذلك "الإيمان".
أخي الحبيب..أظنك فهمت مرادي وعرفت قصدي، فالأهداف والأغراض متعددة، والأجر والثواب لواحد منها فما كان "في الله" فهو الحق الباقي الذى يؤجر العبد عليه "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" وهذا مايحس العبد فيه بظهور ثمرته، واخضرار زرعه، ودوام أسبابه وآثاره، وإما ما كان "لغير الله" فهو الباطل الفاني الذي يعاقب عليه العبد بقسوة القلب فيه والنفرة من حبيبه ذاك ولو بعد حين، وذلك بزوال الغرض الذي كان سببًا في "المحبة" كما يدعي فانظر وفكر واعتبر.
أخى الحبيب.. لابد لك من اختيار القرين والصديق.. أظنك ستقول لى ذلك.
إذا فليكن ممن يخافون الله ويرجونه، وليكن من أهل التقوى والخير وقد أجاد الشافعي- رضي الله عنه- حين قال:
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها |
| صديق صدوق صادق الوعد منصفًا |
وأفضل من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»، لذا أوصيك أن تبحث عن الأخ الصادق الذي يحزن لحزنك، ويفرح لفرحك، ويصون عرضك، ويستر زلتك، ويقضي حاجتك، واعلم أن من أحببته لغير الله سيتبرأ منك يوم القيامة وسوف تأكل يديك ندمًا على ما قدمت ﴿وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ﴾ (الفرقان: 27)
فلا تكن كحاطب الليل يجمع الغث والسمين وكن كالفلاح لا ينتقي من الثمر إلا أطيبه وأجوده.
أبو الفضل عيسى علي كاملي
آلام وآمال.
في رحاب أمة الإسلام
﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92) فليست أمة الإسلام مزقًا شتى ولا طرائق قددًا، ولكنها كل موحد، يشعر بشعور واحد، لأن الجميع يتجه إلى رب واحد، ويتبع نبيًّا واحدًا، ويستهدي بنور الكتاب والسنة في الحياة «تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وسنتي» ولذا كان المؤمنون جميعًا يدًا واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. وكانوا إذا اشتكى منهم أحد في المشرق تداعى له من في المغرب، وكانوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. ولذا كان أي اعتداء على بلد مسلم إنما يعد اعتداء على المسلمين أجمعين، يجب عليهم دفعه وتخليص إخوانهم من شره، فكانت الأمة بذلك قوية السلطان، مهيبة الجانب، عظيمة الصولجان،يخشى بأسها ويرهبها عدوها، وظلت بهذه القوة قرونًا كثيرة، حتى تخلى الناس عن عروة الدين الوثقى، ولم يعتصموا بحبل الله جميعًا فتفرقوا، وظهرت العصبيات التي تنخر في جسم الأمة، عصبيات عرقية أو مذهبية أو طائفية وغاب منها العدل والإحسان، وظهر فيها البغي والبهتان، فضعفت بعد قوة، وتحللت بعد تماسك، وانهار بناؤها بعد تشييد، ووجدها أعداء الدين فرصة نادرة، فأذكوا نار الخلاف وأضرموها، وضربوا بعض المسلمين ببعض، وأخذوا هم يحصدون حصاد هذا الضعف والتفكك، فاستعمروا البلاد، وأذلوا العباد، وغرسوا بذور الفتن في أرض الإسلام، فما تكاد تنطفئ حتى تشتعل من جديد.
ولذا كان من الضروري أن نبيّن الأصول التي قامت عليها الأمة، لنتمسك بها ولا نحيد عنها، وهي-إن شاء الله- واصلة بنا إلى تحقيق الأمة الإسلامية كيانًا واحدًا متجسدًا، يتغلب على كيد الأعداء.
شريعة الله صنعت الأمة
إنها أمة من صنع شريعة الله، فَسَدَاهَا ولُحْمَتُها كتاب الله وسنة رسوله، على حين أن الأمم الأخرى هي التي تضع قوانينها تلبية لاحتياجاتها الخاصة، فشريعة الإسلام جاءت لتنشئ الأمة على العدل والحق والخير ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ ﴾ )النحل:٩٠).
خصائص الشريعة
إن الأمة الإسلامية تركز على خصائص الشريعة التي من أهمها:
١- أن الله سبحانه خالق الإنسان هو الذي شرع له شريعته، ولذا فقد سلمت من عيوب التشريع التي يضطر أصحابها إلى التغيير كل حين في قوانينهم، فواضعها هو علام الغيوب ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ )الملك:١٤).
٢- أنها جاءت في صورة كلية عامة تقبل التفريع والتطبيق في الجزئيات المتجددة والأحوال المتغيرة، فسلمت بذلك من الجمود عند زمن بعينه أو حوادث بعينها لأن قابليتها للتطبيق صالحة لكل زمان ومكان.
٣- أن كلياتها العامة جاءت شاملة لكل أصول الحياة الإنسانية وجوانبها جميعًا سواء منها ما كان على مستوى الفرد أو الأسرة أو الجماعة، ونظمت العلاقة بين المؤمنين وبين غيرهم ممن يعيشون في بلاد الإسلام، ونظمت العلاقة بين أمة الإسلام وغيرها من الأمم في إطار العدل المحكم، والحق البيّن والقسطاس المستقيم ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ (المائدة:٨)
﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ )الممتحنة:٨)
ولقد استمد المجتمع الإسلامي طبيعته من الخصائص السابقة، فكان مجتمعًا عالميًّا يتفاوت فيه الناس بأرزاقهم ويتفاضلون في التقوى، مع بقاء المساواة بينهم في الحقوق والواجبات: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُم﴾ )الحجرات:١٣), ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ )سبأ:٢٨). وكان مجتمعًا ربانيًّا، لا يتخلى عن عقيدته فيسبيل أمور مادية، بل كانت العقيدة فيه هي الباعثة والموجهة لكل الأمور المادية، التي كانت قوية، في المجتمع الإسلامي يوم كانت العقيدة قوية، فكان المجتمع المسلم قويًّا في إيمانه، قويًّا في يقينه، قويًّا في الأمور المادية اللازمة للحياة والباعثة للحضارة، مع تناسق تام بين كل ما يحتاج إليه المسلمون وفهم وفقه للأولويات، فكان هذا النظام غير قابل للترقيع وغير قابل أن نستعير له ما نطلق عليه «قطع غيار» من خارج فالعقيدة والعبادة والسلوك والمعاملة كلها مترابطة، متناسقة، يقوم بها الإنسان المسلم، وتقوم بها الأسرة المسلمة، ويقوم بها مجتمع المسلمين، ولذلك كان المجتمع الإسلامي قادرًا دائمًا على حل كل مشاكله، لأنه يمنح الإنسانية المؤمنة العدل والطمأنينة والوفاء، في عبودية خالصة لله رب العالمين يقول فيها المؤمن: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ ﴾ )الأنعام:١٦٢-١٦٣).
مفاتيح الفرج
بقلم: محمد الجاهوش
دخل سفيان الثوري على الإمام جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين بن على ابن أبي طالب- رضى الله عنهم- فقال له سفيان لا أقوم حتى تحدثني، قال أما إني أحدثك- وما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله- تعالى قال في كتابه: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ ﴾ (إبراهيم:7).
وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا﴾ (نوح: ۱۲.۱۰)
يا سفيان إذا حزبك أمر من السلطان أو غيره فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة، فعقد سفيان بيده وقال: ثلاث وأي ثلاث! قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله، ولينفعنه الله بها. "سير أعلام النبلاء ج٦ ص ٢٦١"
أداء حق الشكر
خلة حميدة، وسجية قويمة، متى استلهمتها النفوس واستقامت مقاييسها، وسلكت مسلك الأبرار في التصرف بنعم الله- عز وجل-، فتراها دائمة المراقبة شديدة الخشية، حريصة على استغلالها ضمن إطار الحمد والشكر، وهذا مما يزكى النفوس، ويربيها على حب الخير وفعله، والحرص على إشاعته، ليكون النفع عامًا، غير محصور ولا قاصر على فئة محدودة.
وبذلك ينتشر الحب والصفاء، ويعم الأمن والأمان كل طبقات المجتمع المسلم، وهذا بحد ذاته مصدر من مصادر النماء والازدهار والقوة والمنعة ثم هو صلاح لشتى جوانب الحياة.
يقول صاحب الظلال- رحمه الله- «إن صلاح الحياة يتحقق بالشكر، ونفوس الناس تزكو بالاتجاه إلى الله، وتستقيم بشكر الخير، وتطمئن إلى الاتصال بالمنعم، فلا تخشى نفاد النعمة، ولا ذهابها، ولا تذهب حسرات وراء ما ينفق أو يضيع منها، فالمنعم موجود، والنعمة بشكره تزكو وتزيد». وجميع نعم الله تستحق الشكر فذو المال- بعد أداء الفريضة- يكون في امتحان من الله تعالى- هل ينفق من ماله؟ ليبر أهله، ويصل أرحامه، ويواسي جيرانه، ويكسب المعدوم، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر؟ ويبذل- ما وسعه البذل- للإسهام في نشر الإسلام، وتبليغ دعوته إلى من حرموا سماعها، وقصرت أسباب الدعاة عن الوصول إليكم. إنه إن فعل، فقد استجاب وشكر، واستوجب المزيد، وإن أعرض وفرط استحق الوعيد الأكيد ﴿وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾(إبراهيم:٧). وذو القوة والصحة في اختبار من الله- تعالى- أن يبذل من صحته في سبيل الله، وأن يستعمل قوته في مرضاته وطاعته.
مفتاح الاستغفار
كثيرًا ما يتغلب على الإنسان هواه فيضل الطريق، ويخطئ القصد، وينقاد لنزغات الشيطان. وقد أنعم الله تعالى على عباده المؤمنين بأنواع من الأسلحة، للتحصن من كيد الشيطان، وفتنة الهوى، ولاستعادة مواقعهم الإيمانية إن هم فرطوا وتراجعوا عنها. ويأتي الاستغفار، في مقدمة هذه الأسلحة ويعتبر من أمضاها وأشدها وقعًا على الشيطان إذ به يلوذ العبد بخالقه، ويعلن التوبة والندم، متضرعًا إليه سبحانه، أن يقبله ويمن عليه بالمغفرة والإحسان. إن الاستغفار إعلان من العبد أنه قد أدرك خطأه، وعزف زلته، وأن لا أحد يقبل عثرته، ويمحو خطيئته إلا رب العالمين. والاستغفار شعار الأنبياء، ورسالتهم إلى أممهم، وهو زاد الصالحين جعله الله سببًا لنجاة الأفراد والأمم، وسببًا للخصب والقوة وازدهار الحضارات قال تعالى- حاكيًا خطاب نبي الله هود- عليه السلام- لقومه ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ﴾ (هود:٥٢).
أما نبي الله نوح - عليه السلام - فقد بيّن لقومه أنهم بإيمانهم واستغفارهم يزداد عددهم، وتنموا أموالهم، وتخصب ديارهم، وينتشر الأمن والرخاء في ربوعهم، ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا﴾ (نوح: ۱۰-۱۲). وقد عاش الرعيل الأول من الصحابة والتابعين هذه المعاني الإيمانية، وترسخت في وجدانهم عقيدة ودينًا. روي ابن جرير بسنده إلى الشعبي قال: خرج عمر بن الخطاب يستسقي، فما زاد على الاستغفار ثم رجع فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما رأيناك استسقيت فقال: لقد طلبت المطر بمجاريح السماء التي يستنزل بها المطر. فيالها من مجاريح!! لا يتخلف عطاؤها، ولا يرد من دعا بها، وقد استعملوا الاستغفار علاجًا لشتى أنواع الأمراض: النفسية، والاجتماعية والمعاشية والاقتصادية.
فليتنا نستعين على حل أزماتنا بهذا السلاح الفعّال، وليتنا نعالج أدواءنا بهذا الدواء الناجع.
مفتاح البراءة من الحول والقوة
لا شيء يرضي الله- سبحانه وتعالى- مثل إقبال العبد إليه ضارعًا، متجردًا من حوله وقوته، لأن العبد في هذه الحالة يكون قد أدرك حقيقة التوحيد، وتمام العبودية، ولا عجب، فهو قد فرد الرب- سبحانه بتسيير الكون، وتصريف كافة شئونه، ثم وقف ذليلًا منكسرًا بين يدي عظمته يستمد منه كل عون، ويرد إليه كل فضل ومن هنا كانت «لا حول ولا قوة إلا بالله كنزًا من كنوز الجنة»، فهي قمة الاستسلام وتفويض الأمر إلى الله- عز وجل-والاعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا معقب لأمره، وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر ﴿ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ﴾ (آل عمران:154).
ولقد علمنا المصطفي- صلى الله عليه وسلم- أن نكثر من تردادها، ونحمد ربنا على ما رزقنا من غير حول منا ولا قوة، وأن نجيب بها منادي الصلاة، فالتوفيق لذلك بحول الله وقوته، كما أرشدنا أن لا نغفل عن هذا الكنز في دعائنا ومناجاتنا لخالقنا، روى البخاري عن عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعار- استيقظ- من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ قبلت صلاته». وهكذا نرى- أخي- أن مفاتيح الفرج تدور بين الشكر، والاستغفار، واللجوء إلى الله تعالى و استمداد الحول منه- سبحانه -إنها عواصم للمؤمن ما تمسك بها إلا عصمته، وإنها لقواصم للشيطان، تقصم ظهره، وتدفع كيده وهي يسيرة على من يسرها الله عليه، وشرح صدره لفتح أبواب الحياة بمفاتيحها.
قالوا في القلب السليم
بقلم: خالد عبد الوهاب القرينيس
قال الله تعالى: ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ﴾(الشعراء:88-٨٩). أخي الداعية ما أحوجنا في هذه الأيام أن تكون قلوبنا سليمة، ونفوسنا صافية على إخواننا.. لا حقد، ولا حسد، ولا منافسة في غير طاعة ولا غيبة ولا نميمة فالدعاة إلى الله تعالى ينبغي أن يبتعدوا عن سفاسف الأمور لينظروا إلى المعالي.
وإلى الاهتمام بالدعوة إلى الله تعالى وإصلاح الناس وإصلاح نفوسهم وقلوبهم وفعل ما يقربهم إلى الله تعالى. وقد تأملت قول الله تعالى: ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ﴾ (الشعراء:88-٨٩) فأخذت أردد «بقلب سليم» فقلت: كم أتمنى أن تكون قلوبنا وقلوب الدعاة سليمة في نفسها، وسليمة مع غيرها، وقد رجعت إلى كتب أهل العلم من المفسرين لأقرأ ما كتبوه عن هذا القلب السليم، فأحببت أن أطلعك أخي القارئ على هذه الدرر التي كتبها السلف الصالح رحمهم الله تعالى: 1- قال ابن عباس-رضي الله عنهما- القلب السليم «أن يشهد أن لا إله إلا الله».
٢ - وقال مجاهد والحسن وغيرهما رحمهما الله تعالى «بقلب سليم» يعني من الشرك.
3- وقال سعيد بن المسيب: "القلب السليم الصحيح هو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ (البقرة:١٠)" 4- وقال أبو عثمان السياري: «هو القلب الخالي من البدعة المطمئن إلى السنة».
5- وقال الحسن: «سليم من آفة المال والبنين» 6- وقال الجنيد: «السليم في اللغة اللديغ: فمعناه أنه قلب كاللديغ من خوف الله»
٧- وقال الضحاك: «السليم الخالص» 8- وقال القرطبي- رحمه الله تعالى- معلقًا على قول الضحاك: «وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن أي الخالص من الأوصاف الذميمة والمتصف بالأوصاف الجميلة».
9- وقد روي عن عروة أنه قال: "يا بني لا تكونوا لعانين فإن إبراهيم لم يلعن شيئًا قط، قال تعالى: ﴿إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ﴾(الصافات:٨٤)". 10- وقال محمد ابن سيرين: «القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور».
ولقد أحس الإمام ابن القيم- رحمه الله- بهذا الخلاف في تعريفه، فقال: «وقد اختلفت عبارات الناس في معني القلب السليم، والأمر الجامع لذلك، أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله، في خوفه، ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق، وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده».
فالقلب السليم: «هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى، إرادة ومحبة، وتوكلًا، وإنابة، وإخباتًا وخشية، وخلص عمله لله تعالى فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكم لكل من عدا رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيعقد قلبه معه عقدًا محكمًا على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال» انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
النافذة التربوية
الناس معادن
من المعلوم عند علماء المواد والمعادن أن المواد إذا تعرضت لضغط خارجي فإن حجمها سيقل، ومع ثبات الكتلة ستزداد الكثافة الناتجة من تقارب جزئيات المادة في حيز أقل، وذلك يؤدى إلى زيادة صلابتها وقوة تماسكها وتحملها المزيد من الأثقال والأحمال.
معاشر الدعاة.. إن مثل هذه الظاهرة تحدث لنا في مسارنا الدعوي، لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فالضغط هو البلاء والمحنة والفتنة، والمعدن هو الداعية.
يقول فتحي يكن إن: «المحنة من أهم عوامل التكوين والاختيار في الإسلام، وقد لا يكون للتكوين النظري قيمة ما لم تشترك فيه عوامل الشدة والبلاء» "مشكلات الدعوة والداعية- فتحي يكن۱۸"
وتعتبر المحنة قنطرة نحو التمكين لدعاة الحق يلزمهم المرور عليها واجتيازها والثبات فيها، فهذا هو دليل صدق الإيمان وقوة اليقين، لذلك يقول إمام الجيل حسن البنا:
«وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان
﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُون﴾ (العنكبوت:2) "نظرات في رسالة التعاليم ۲۸۲".
ولاشك أن المحنة ستنقلب إلى منحة لمن صبر عليها وتحمل في سبيل ما يعتقد كل ما يلاقيه من تعب ونصب وابتلاء، ولتكن صرخة خبيب بن عدي- وهو يلاقي الموت- هي شعارنا حيث قال وهو على جذع النخلة وقد صلبه كفار قريش:
ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا |
| على أي جنب كان في الله مصرعي |
أخي في الله.. كلما زاد الضغط على الدعاة، وكلما تعرضوا للمحن والفتن كلما قوي صفهم، وازداد تماسكهم وتألفت قلوبهم وتوحدت آمالهم وآلامهم وهذه هي سنة الله في الكون، وهو ما قرره الإمام الشافعي عندما سئل ما الأفضل؟ التمكين أو الابتلاء، فقال: لن تُمكن حتى تبتلى.
وتمضي سنة الرحمن فينا |
| ويبقى الأمر في الأذهان ذكرى |
عبد اللطيف محمد الصريخ