العنوان المجتمع التربوي (1155)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1155
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 27-يونيو-1995
وقفة تربوية
أفضل الناس
كان من المؤسسين للعمل الدعوي في الكويت، وقد شاب رأسه في الدعوة يعلوه الوقار، ولا تغادره الابتسامة التقيت معه في إحدى الرحلات، وإذا به يسبق القوم بحمل إبريق الشاي ليوزع عليهم، ثم يبادر الآخرين بتوزيع الفاكهة على إخوانه، ثم يطوف عليهم واحدًا واحدًا ليجمع قشور الفواكه، بالرغم من وجود الكثير ممن يصغرونه بالسن بل ممن لم يمض على وجودهم أكثر من سنتين في عالم الدعوة، وكان دائماً يقول: «أريد أن أربي هذه النفس بخدمة إخواني».
ذكرني ذلك قول أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان عندما سئل عن أفضل الناس؟ قال: «من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة» «تاريخ الخلفاء ۲۱۹»
وهكذا كان أفضل الناس في عهد الصحابة رضي الله عنهم ابتغاء تربية نفوسهم على التواضع، فمما جاء في ترجمة عمر بن الخطاب –رضى الله عنه– أنه حمل قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: «إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها» «تاريخ الخلفاء ۱۲۹».
إن من الأهمية بمكان أن يبادر البارزون من الدعاة لتربية نفوسهم على التواضع بمثل هذه الأمور، لأنهم أكثر الناس عرضة للإعجاب بالنفس لكثرة ما يلاقون من ثناء العوام.
أبو بلال
القرض الحسن
بقلم: محمد أبو سيدو
الإنفاق في وجوه الخير سلوك إسلامي أوجد التكامل والمحبة بين أفراد المجتمع وبهذا يتحقق التكافل في المنشط والمكره تكافلًا لا منة فيه لكافل أو مكفول، حيث جعل الإسلام إهمال الفقير أو المسكين من مظاهر الكبر والتكذيب بيوم الدين ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ (سورة الماعون:١:٣).
والقرآن الكريم يربط بين الصلاة والزكاة ويجعل من ترك هذه ومنع تلك سبباً لدخول النار فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾ (سورة المدثر:٤٢:٤٥)
والرسول الكريم ﷺ يؤكد مبدأ التكافل الإجتماعي بقوله: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» ثم يقول أبو سعيد الخدري راوي الحديث: «فذكر النبي ﷺ من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» ويقول ﷺ« أيما أهل عرصة أصبح فيهم جائع فقد برئت منهم ذمة الله».
وخطب عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– مرة فقال: والذي لا إله إلا هو ما من الناس أحد إلا له في هذا المال حق أعطيه أو أمنعه، فالرجل وبلاؤه والرجل وقدمه والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه ثم يشير الخليفة عمر –رضي الله عنه– إلى مواصلة التكافل بقوله إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف. فالمال في الإسلام يتعلق به حق الفرد ويتعلق به حق الله ، وحق الله يلزم صاحب المال بدفعه في فترات معينة، وبعضه تكريمًا يدفعه بإرادته الخاصة، ولم يقتصر مبدأ التكافل في الإسلام على الجانب المادي أو مطالب العيش فقط كما تفعل الحضارات المادية، وإنما تتسع دائرة التكافل حتى تشمل ميادين الحياة وبصورة ملزمة لأفراد المجتمع، فهناك التكافل العلمي، والتكافل السياسي، والتكافل الأخلاقي، والتكافل الصحي والتكافل الحضاري.
والتكافل الإسلامي يدعو إليه القرآن ويحث عليه النبي ﷺ وتفرضه ضرورة العيش في مجتمع الأخوة الإسلامية.
يقول عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ (سورة الحجرات:١٠) ويقول سبحانه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ ﴾ (سورة المائدة:٢) ويقول النبي الكريم ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، ويقول ﷺ: ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
ويرسم القرآن الكريم صورة حية للإنفاق فيقول: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ (سورة البقرة:٢٧٢).
فالإنفاق «في وجوه الخير سلوك إسلامي أنقذ مئات الملايين من البشر من الموت جوعًا ومن الفاقة والعوذ».
عن ابن مسعود –رضي الله عنه– عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها»، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما آخر.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقًا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكًا تلفا»، ويقول رسول الله ﷺ: يا بن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلي.
وعن أبي هريرة –رضي الله عنه– قال: إن رسول الله ﷺ قال: «ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه».
وعن سعيد الطائي أنه قال : حدثني أبو كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فأحفظوه قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها وأحدثكم حديثًا فأحفظوه، فقال: إنما الدنيا الأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقى ربه فيه، ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهو بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء» «رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون كالجبل».
وهكذا سلفنا الصالح جعلوا الإنفاق في وجوه الخير ومساعدة الآخرين مفتاح السعادة الدنيوية والأخروية.
وفي العطاء الإسلامي ترسيخ للمحبة بين المسلمين.
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس.
آلام وآمال
صلة المؤمنين بالله تدفعهم للرقي والكمال
بقلم: جاسم المهلهل الياسين
الصلة بين الله وبين المؤمنين لا تنقطع أبدًا، بل إن صلة الناس أجمعين –في هذه الحياة– بالله رب العالمين، ممدودة لأسباب ثابتة الأوتاد شاء الناس أم أبوا فالله سبحانه يمدهم بالحياة والإيجاد بقدرته، ويرزقهم من فضله، وبعث إليهم المرسلين ليهدوهم إلى الصراط المستقيم فمنهم من أمن ومنهم من كفره والمؤمنون بالله الملتزمون بتعاليمه يدركون فضله، ويستشعرون رحمته وتأييده وعونه، فيطمئنون بذكره وتحيا قلوبهم بمعرفته ويسعدون في الحياة بمعيته ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ (سورة النحل:١٢٨)، ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ (البقرة: ١٥٣)، وهذه المعية تتضمن المولاة والحفظ والنصر، أما الموالاة فتقتضي أن يخضع العبد نفسه لمولاه، وأن يكون وقافا عند ما يحبه، لا يتعداه وهو يعلم أن في هذه المولاة تأييدًا له وعونًا على الحياة، وغناء عن البشر﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ( سورة الأعراف:١٩٦).
والحفظ نتيجة من نتائج الولاء يغمر الله به عبده فيواجه شدائد الحياة في ثقة المطمئن لتغلبه عليها، ويدرك أن البأساء والضراء إن واجهته فإنما إلى حين، وأنها إن لم تنقلب إلى سراء ونعماء، فإنها حتمًا ستزول بشيء من الصبر وشيء من التقى ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (سورة يوسف:١٩٦)، ومعونة العبد في ذلك « احفظ الله يحفظك».
وبعد هاتين الخلتين يأتي نصر الله، فيكون التمكين في الأرض، ويكون العدل والأمن ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ ﴾ (سورة النور:٥٥) ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ﴾ (سورة الحج:١٠) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ (سورة محمد:٧)، وهذا كله يدفع المؤمن لأن يتمسك بالحق ويحرص عليه مهما أوذي في سبيله، بحيث يجعله منهاجًا لحياته كلها، لأنه مقدم عنده على كل شيء في الحياة، وهذا ما قاله معاذ عند موته: «اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولا لنكح الأزواج ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الليل، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر».
وصلة المرء برية تجعل منه إنسانًا متواضعًا للحق غير متكبر عليه، مقبلًا عليه غير معرض عنه، لأن الحق أحق بالاتباع، فتتولد نتيجة ذلك مجموعة من محاسن الأخلاق، يظل المؤمن ينميها ويحرص على التعامل بها حتى تكون له طبعًا. به يألف ويؤلف فتحسن صلته بالناس بعدما حسنت صلته بالله، فلا ظلم ولا جور ولا بغى ولا فساد ولا كبرياء، يقول سلمة إبن الأكوع لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم، وهل يصيب الجبارين غير المقت والهلاك لظلمهم «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»،﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ (سورة هود:١٠٢)، والذين يمكرون السيئات لا يعجزون الله –سبحانه –وأولى بهم أن يكفوا عن مكرهم قبل أن يذيقهم الله بأسه ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ (سورة النحل:٤٦-٤٧)
والذين حسنت صلتهم بربهم يتجنبون هذا المصير بتجنب أسبابه، وهم واثقون أن مكر الأعداء إلى بوار وأن محاولاتهم النيل من المسلمين ستبوء بالخسران، لأنهم يتخذون سبيل الغي سبيلهم، ويغفلون عن أن الله ناصر جنده، وحافظ عباده ودينه.
لقد نقلت مجلة الأمة منذ حين قول الرئيس الأمريكي نيكسون: «إن على روسيا مساعدة أمريكا لمواجهة الخطر الإسلامي الذي سيظهر في المستقبل في شكل ثورة إسلامية».
والأمر ليس جديدًا على المسلمين، فمتى توقف كيد الأعداء نحوهم؟ ومتى أراد الأعداء للمسلمين الفوز والنصر والتمكين والله سبحانه يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (سورة البقرة:٢١٧)
ليس عجيبًا ولا غريبًا أن يقول الأعداء ما قالوا وأن يطلبوا من بعضهم محالفات وتكتلات لتقف في وجه الإسلام منفردة أو مجتمعة، إلا أن العجيب حقًا أن تظل أمة الإسلام في سباتها، وأن تظل سادرة في غفلتها، وأن يعلن الأعداء أمامها ما يدبرون لها فلا تضيق بهم ولا تعمل لتلافي مكرهم، ولا تتحرك لتقف على قدميها أمامهم.
إن الذين أحسنوا صلتهم بالله يدركون أن عليهم واجبًا عظيمًا نحو نهضة هذه الأمة كلها. ونحو بعثها من جديد لتعلن في فخر واعتزاز أن ولاءها لله وأن واجبها أن تنشر نور الله بالحكمة والموعظة الحسنة بين عباد الله أجمعين.
النافذة التربوية
كما تفكرون تكونون
إن النجاح غاية لا يبلغها إلا من استطاع أن يسيطر على نفسه وعلى شهواته، وهو عادة يتشربها أصحابها فلا يقبلون بغيرها بديلًا، وتجدهم يواصلون الليل والنهار لبلوغه في كل مجالات الحياة!!.
والعادة هي الشرط الضروري للتقدم والنجاح، كما أن العادات تؤلف شخصيتك، وكل عادة جديدة تحدث في شعورك أو وعيك الداخلي دافعًا يحركه بقوه ديناميكية، وهذا هو المعني الحقيقي للمثل القديم المشهور «كما تفكرون تكونون».
إن سر النجاح هو في استئصال العادات السيئة واستبدال العادات الحسنة بها، وتلك حقيقة يتجاهلها أغلب الناس، حيث يقول علماء النفس إنه لا يمكنك أن تقتل عادة ما إلا باستبدال عادة أخرى بها.
لذلك ابدأ بتكوين عادة المثابرة عود نفسك عمل أشياء تكرهها، لا تعرض عن شيء لك فيه المصلحة بسبب صعوبته أفتخر بتصلبك وتمسكك بموقفك نحو التغيير، اتخذ لنفسك هذا الشعار المثابرة أساس النجاح والازدهار، ثم اجلس وبيدك قلم وقرطاس ودون كل عاداتك السيئة بما فيها العادات التي تنكر أنها فيك، وإلى جانبها عدد عادات النجاح العادات التي يمكن أن تصنع منك الرجل الذي تريد أن تكون عندئذ يصبح لديك برنامج، بل خريطة مفصلة لحياتك ولا يبقى إلا أن تسير على هذا البرنامج فتستبدل بإصرار وعناد كل شهر أو كل شهرين أو كل ثلاثة أشهر أو كل سنة عادة سيئة بعادة حسنة «علم النفس في حياتنا اليومية بتصرف».
وبطبيعة الحال، إن النجاح يحتاج إلى بذل وعطاء وتضحيات، فليس هو بالشيء السهل وإنما هو طريق طويل شائك لا يجتازه أبطال الرجال وكبارهم.
وإذا كانت النفوس كبارًا
تعبت في مرادها الأجسام
عبد اللطيف الصريخ
أين نحن من هؤلاء؟!
بقلم: محمد عبد الله الخطيب
إنه واحد من النماذج الفريدة التي صنعها الإسلام، في كل جيل، وهي نماذج فذة غالية، بالنسبة للتاريخ البشرى كله، وهذه النماذج ليست محصورة في جيل الخلفاء الراشدين وحده، ولا في الأسماء التي يحفظها التاريخ. وإن كانت هذه النماذج في قمة البشرية – ولكنها تشمل الوفا والوفا غيرهم، لم يذكرها التاريخ، لأنه اكتفى بذكر القمم، واكتفى بإشارات عابرة، إلى قمم أخرى، نظرًا لكثرتها وتنوعها، وغزير عطائها.
يقول مصطفي صادق الرافعي –رحمه الله– في العز بن عبد السلام وأمثاله من علماء الأمة دومًا معنى العلماء بالشرع إلا أنهم امتداد لعمل النبوة في الناس دهرًا بعد دهر، ينطقون بكلمتها، ويقومون بحجتها، ويأخذون من أخلاقها كما تأخذ المرأة النور، تحويه في نفسها، وتلقيه على غيرها، فهي أداة لإظهاره وإظهار جماله معاء.
وهو إمام في العلم والدين، وقائد مخلص في الشدائد والمحن، ورائد من رواد الدعوة إلى الله، وموجه حر يهابه السلاطين ويخشاه الملوك يقول ما يعتقد، ويصدع بالحق لا يخشى في الله لومة لائم، ظهر في فترة انتشر فيها الفساد وسيطر اليأس بسبب وحشية التتار وأحقاد الصليبيين، لقد سكت الكثير عن الجهر بالحق بل ساير البعض رغبًة أو رهبًة وإيثارًا للسلامة وحرصًا على الحياة.
وفي هذا الجو العجيب نشأ الإمام ليكون حجة على القاعدين وليكون عزمة من عزمات الإيمان، وطيفًا من أطياف النور، وحلقة في السلسلة التي بدأت منذ صدور الإسلام، ثم تتابعت على الطريق يصدق عليهم ما قاله الرسول ﷺ:« إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وقوله ﷺ: «ولا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم» وقوله ﷺ: «إن الله تعالى جعل للمعروف وجوهًا من خلقه حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله، ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم إعطاءه، كما يسر الغيث إلى الأرض الجدبة ليحييها ويحيي به أهلها».
اسمه: أبو محمد عز الدين عبد العزيز ابن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن ابن محمد بن المهذب السلمي الدمشقي الشافعي لقب بسلطان العلماء، واشتهر بالعز ابن عبد السلام، ولد في دمشق سنة ٥٧٧هـ وعاش ثلاثًا وثمانين سنة.. لم تتيسر له سبل التعلم في صباه.. بسبب فقره الشديد، فبدأ صلته بالدراسة والعلم بعدما بلغ وكبر، ثم اتجه إلى التدريس وتصدى للإفتاء، وتولى الخطابة في جامع دمشق والبيئة التي عاش فيها طوال حياته في الشام ومصر، وكان الوازع الديني ما زال قويًا، وللعلماء في الأمة مكانة محترمة وكلمة مسموعة عند الحاكم والمحكوم.
من مواقفه
١- تحالف الصالح إسماعيل مع الفرنج وأذن لهم في دخول دمشق فأنكر المسلمون ذلك وأفتى عز الدين بن عبد السلام بتحريم ذلك. وانتقد الصالح إسماعيل من على منبر جامع دمشق، ولما علم الصالح بذلك أمر بعزل ابن عبد السلام واعتقاله وألا يفتى ولا يجتمع بأحد، وهنا عزم على أن يهاجر من دمشق إلى مصر فسير الصالح وراءه بعض خواصه لاسترضائه والتلطف معه، فلما اجتمعوا به قال له - بينك وبين أن تعود إلى مناصبك أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير، قال الشيخ والله يا مساكين ما أرضاه أن يقبل يدي فضلًا عن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به فأخذوه واعتقلوه.
٢- وبعد ذلك جاء إلى مصر، فأقبل نجم الدين أيوب عليه وولاه قضاء مصر، وكان نجم الدين ملكًا شديد البأس ولا يجسر أحد أن يخاطبه ولا يتكلم بحضرته، وقد جمع حوله المماليك الترك مالم يجتمع لغيره، وهم معروفون بالخشونة والغلظة والبأس، وفي يوم العيد صعد الشيخ إليه وهو يعرض الجند ويظهر سطوته وجبروته، فناداه الشيخ بأعلى صوته.. يا أيوب باسمه مجردًا، ثم أمره بإبطال منكر عرف بوجوده، قيل له بعد هذا الموقف ونداء السلطان باسمه.. أما خفته، فقال للسائل استحضرت هيبة الله تعالى، فكان السلطان أمامي كالقط، ولو أن حاجة من الدنيا في نفسي لرأيته الدنيا كلها غير أني نظرت إلى الآخرة فامتدت عيناي فيه إلى غير المنظور للناس، فلا سلطان ولا بقاء ولا دنيا بل لا شيء في صورة شيء.
٣- وحين تجاوز المماليك حدودهم وتسلطوا على الأمة، فكر الشيخ في ظلمهم فهداه إلى أن هؤلاء مماليك أرقاء يجب شرعًا بيعهم لبيت المال فأفتى بأنه لا يصح لهم بيع ولا شراء، ولا زواج ولا طلاق ولا معاملات حتى يباعوا ويحصل عتقهم بطريق شرعي، وغضب المماليك عليه فلم يبال بأحد وقرر أن يهاجر من مصر كما ترك دمشق من قبل. وحين سمعت الأمة بخبر خروجه فزع الناس وتبعوه لا يتخلف منهم أحد. وأمامهم العلماء والتجار فخرج السلطان وراءه يترضاه ويدفع به غضب الجماهير المؤمنة... ورجع الشيخ مصرًا على رأيه وأمر بعقد مجلس وجمع الأمراء للنداء عليهم حتى يصيروا أحرارًا.. وكان نائب السلطان من هؤلاء المماليك فهاج على فتوى الشيخ وقال كيف نهان من هذا الرجل ونحن ملوك الأرض، ثم ركب على رأس عسكره واستل سيفه وذهب إلى دار الشيخ وحين شاهد ابنه هذا الموكب رجع إلى أبيه مذعورًا ولكن الشيخ ما تغير ولا جزع بل قال: «أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله» ثم خرج إليهم، ولما نظر إلى نائب السلطان ألقى الله الرعب في قلبه فوقع السيف من يده وأخذ يبكي ثم قال له يا سيدي ما تصنع بنا؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم، فقال له: وقيم تصرف ثمننا؟ قال في مصالح المسلمين، ومن يقبضه؟ قال الشيخ أنا، وتم له ما أراد ونادى عليهم واحدًا واحدًا وقبض أثمانهم وصرفها في وجوه الخير.
الضرائب على الأغنياء أولًا
وحين دمر التتار بغداد وتقدموا لبلاد الشام واستولوا على بعض مدنها جمع قطر القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم في اتخاذ الخطوات اللازمة لمواجهة التتار والدفاع عن آخر معقل للإسلام. وكان الشيخ قد بلغ الثمانين... ودعي لهذا اللقاء.. ولم يستطع أحد أن يعترض على ما فرض من ضرائب باهظة على الشعب التمويل الحرب، ولا ينظر إلى الأعيان والأمراء وبيت السلطان، وهنا أفتى الشيخ بأنه لا يجوز أن تفرض ضرائب على الشعب قبل أن يؤخذ من أموال الأعيان والأمراء وأن ينفق كل ما في بيت المال حتى يتساوى الجميع، وأنفض المجلس على هذا الموقف الجريء الصريح موقف المرشد المخلص.. ولقد كسر التتار في عين جالوت وانتصر المسلمون وقرت عين جالوت أمامنا بهذا الفتح.
المخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين، ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمر في صفوف المشركين، وكذلك المخاطرة بالأمر والنهي عن المنكر ونصرة قواعد الدين بالحجج والبراهين مشروعة، فمن خشي على نفسه سقط عنه الوجوب وبقي الاستحباب، ومن أثر الله على نفسه أثره الله، ومن طلب رضا الله بما يسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن طلب رضا الناس بما يسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، وفي رضا الله كفاية عن رضا كل واحد.
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب
هذه لقطات من حياة الإمام العامل الذي ارتفع عن مستوى الكثير من أقرانه ممن يرون أن مهمتهم تبرير الأخطاء، أو التماس الأعذار أو تسويغ الانحراف، فليتأمل طلاب الحق في هذا التاريخ ليروا معالم بارزة على طريق الإيمان والجهاد.
والصبر والمصابرة والحرص على بلوغ الغاية، والالتزام لأدق حدود الصدق في الوسيلة والهدف التلطف في الدعوة الطهر في السير والسريرة.
لا أحقاد ولا ختل بل تضحية بحظوظ النفس مع عزيمة وجد في إقامة الحق والعدل، مع الإيمان الكامل بعظمة هذه الرسالة وضرورة حملها وتبليغها والأمل العريض في نجاح الدعوة وبلوغها أقصى غاياتها، وما يدل على عظمة هؤلاء الإعلام ونفوذهم ما رواه السبكي قال: «حين مرت جنازة الشيخ تحت القلعة وشاهد السلطان كثرة الخلق الذين معها قال: اليوم استقر أمري في الملك، لأن هذا الشيخ لو قال للناس اخرجوا عليه لأنتزعوا الملك مني».
الرسول ﷺ يبشر بمنازل من يقيمون هذا الدين ويعلمون له في آخر الزمان فيقول:
١- روى الإمام أحمد وأبن مردويه في تفسيره بسنده عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ بيت المقدس يصلي فيه ومعنا يومئذ رجاء ابن حيوه- رضي الله عنه– فلما انصرف خرجنا نشیعه، فلما أراد الانصراف قال: «إنكم لكم جائزة وحقًا، أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قلنا: هات رحمك الله، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرًا» أمنا بالله واتبعناك، قال: «ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء»، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا مرتين.
وروى الحسن بن عرفة العبدي قال: حدثنا إسماعيل بن العباس الحمصي عن المغيرة بن قيس التميمي عن ابن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ: «أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟» قالوا: الملائكة، قال: «وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» قالوا فالنبيون، قال: «وما لهم لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم؟» قالوا: فنحن قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟» قال: فقال رسول الله ﷺ «ألا إن أعجب الخلق إلى إيمانًا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها» رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وروى نحوه عن أنس بن مالك مرفوعًا.
٣- وقال أبو عيسى الترمذي حدثنا سعيد إبن يعقوب، وحدثنا عبد الله بن المبارك، وحدثنا عتبة إبن أبي حكيم، حدثنا عمرو اللخمي، عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبي ثعلبة الخشني فقلت له كيف تصنع في هذه الآية فقال أية آية قلت: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ (سورة المائدة:١٠٥) فقال: أما والله لقد سألت عنها خبير؟ا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون كعملكم» قال عبد الله بن المبارك وزاد غير عتبة قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منهم أو منا؟ قال: «بل أجر خمسين منكم» قال الترمذي هذا الحديث حسن غريب صحيح..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل