العنوان المجتمع التربوي (1153)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995
مشاهدات 65
نشر في العدد 1153
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 13-يونيو-1995
دروس وعبر من سير أعلام الدعاة:
سيد قطب في مواجهة الطغاة
بقلم: شوقي محمود الأسطل
في فجر يوم الإثنين ١٣ من جمادي الأولى ١٣٨٦هـ امتدت يد الخسة والإجرام إلى أحد العمالقة في زمن الأقزام، إلى أحد الرجال الذين قالوا للباطل: لا، وأبوا أن يداهنوا في دين الله؛ إذ قامت للنفاق أسواق تروجه، يقوم عليها حثالة ممن أثروا أن تكون مصيبتهم في دينهم عسى أن تسلم لهم لقمة عيشهم فلا يخسرون من جناح البعوضة نصيبهم.
أما صاحبنا الذي سنقف معه عبر هذه السطور، فقد اختار أن يكون من الغرباء الذين أخبر الصادق المصدوق صلي الله عليه وسلم عن حالهم فقال: «الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» «رواه الترمذي» مع شهيد الإسلام «سيد قطب» نمضي سويًا عبر رحلة قصيرة؛ آملين أن نروي شيئًا من ظمأ القلوب المتعطشة إلى يوم الخلاص.
١ - فراسته الإيمانية: إن المرء ليعجب؛ إذ يطلع على كثير مما صدر عن هذا المعلم من آراء وتحليلات جاءت وكأنه كان يقرأ من صفحة الغيب، وتلك فراسة المؤمن ومن ذلك:
أقام رجال الثورة في مصر عقب نجاحها حفلًا لتكريم «سيد قطب» الذي كانوا يعتبرونه أبًا لها كما يقول أحد قادتها وهو محمود العزب»: «إن رائدنا وأستاذنا سيد قطب هو الذي رعى الثورة جنينًا فوليدًا، وأمرنا بالاستعداد لها. وقد نقل لنا وصفًا لهذا الحفل: «الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي، في كتابه القيم «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد» وذلك نقلًا عن الأديب السعودي «أحمد عبد الغفور عطار» الذي حضر الحفل بنفسه؛ حيث قال: «كان مقررًا حضور «محمد نجيب» إلا أن عذرًا عرض له، فأناب عنه «جمال عبد الناصر»، ثم وقف «سيد قطب» وألقى كلمة قال فيها: «إن غاية الثورة العودة بالبلاد إلى الإسلام، وقد كنت في عهد الملكية مهيأ نفسي للسجن في كل لحظة، وما أمن على نفسي في هذا العهد أيضًا وأنا مهيئ نفسي للسجن ولغير السجن أكثر من ذي قبل»، وهنا وقف جمال عبد الناصر صارخًا: أخي الكبير «سيد»، والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا جثثًا هامدة، ونعاهدك باسم الله بل نجدد عهدنا لك أن نكون فداءك حتى الموت.
إنها فراسة المؤمن الذي ينظر بنور الله، فيستشف من خلال نظراته ما يخبئه هؤلاء الذين جاءوا ليحتفلوا به اليوم من غدر، سيظهر في مقابل الأيام في أخس وأبشع صورة لاسيما ذلك الصارخ المحتد.
ويروي سليمان فياض حوارًا دار بينه وبين سيد قطب عقب قيام الثورة، فيقول: سألته عن رأيه في هذه الثورة، فقال: هنا تحت هذه الشجرة، وأشار إلى شجرة في بيته كان الضباط الأحرار يعقدون بعض اجتماعاتهم في فترة التمهيد للثورة، ثم أحضر مظروفًا وأخرج منه صورًا وأخذ يريني إياها، وهي صور له مع الضباط الأحرار أخذت تحت الشجرة، ولكني لم أر صورة لمحمد نجيب، فلما سألته قال: هذا جاءوا به واجهة فقط، ثم أشار إلى صورة جمال، وقال: هذا هو القائد الحقيقي، وغدًا سيكون له شأن آخر، قلت له: أراضٍ أنت عن الثورة؟ فقال: لا أجد في تطور أمورها ما يريح، فهؤلاء الأمريكان يحاولون احتواءها بدلًا من الإنجليز..
وبنظرة المؤمن الثاقبة يقول عقب إنشاء منظمة التحرير: إن هذا هو المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية، وإن العرب أنشئوا المنظمة ليس لأجل تحرير فلسطين من اليهود، ولكن لمفاوضة اليهود ومهادنتهم، وإجراء الحل السلمي معهم والتوقيع على وثيقة الصلح مع اليهود والتنازل لهم عن معظم الأراضي الفلسطينية..».
انظر «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد» للخالدي ص٤٩٩.
والمقولة لا تحتاج إلى تعليق فقد أثبتت الأحداث أنها أشبه ما تكون بالإلهام، وما جرى ويجري شاهد على ذلك.
٢ - شجاعته وثباته على الحق: يروي الحاج عباس السيسي في كتابه «في قافلة الإخوان جـ ٤ ص١٤٢» فيقول: حينما كنا في الطريق إلى سماع الأحكام في مبنى مجلس قيادة الثورة جلسنا في السيارة نستمع إلى حديث مختصر من الأستاذ سيد قطب؛ حيث قال: «إننا مستعدون بكل اطمئنان إلى كل ما يقدره الله لنا، ولا يريد الله لنا إلا الخير فلا تجزعوا، وعلينا أن نستفيد من أخطائنا حتى يتداركها الجيل القادم».
هذا الكلام صدر من رجل كان ذاهبًا للاستماع إلى حكم الجبابرة فيه وفي إخوانه، فلم يجزع ولم يضطرب، وقد ثبته الله بعد صدور الحكم بقتله، فقال عقب سماعه الحكم: الحمد لله، هذا ما عملت من أجله، لقد كان فرحه بالشهادة التي ساقها الله إليه لا يعد له فرح الطغاة بكراسيهم ودنياهم الزائفة..
وعندما أرسلوا إليه من يساومه ليلة التنفيذ؛ كي يمتدح الطاغية مقابل تخفيف الحكم قال وبعزة المؤمن: «علام أعتذر؟! أعتذر على أني تاجرت مع الله! والله إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية خمس مرات في اليوم والليلة؛ ليرفض أن يكتب كلمة واحدة يقر بها حكم الطاغية.
وعندما أحضروا له ذاك الأبله؟؟! قبيل إعدامه ليلقنه الشهادة نظر إليه شزرًا، ثم قال: وأنت قد جاءوا بك لتكتمل المسرحية، والله ما جئت إلى هنا إلا لأني أقول: لا إله إلا الله، أما أنت فتأكل بها».
صدقت أيها الشهيد؛ إذ ما أعظم الفرق بين من يقدم روحه من أجل أن يتحقق مدلول هذه الكلمة في دنيا الناس وبين من يرتزق من ورائها ويتخذها مطية لغاياته الدنيوية الدنيئة.
٣ - التحول الإيماني الكبير: قبل ابتعاثه إلى أمريكا عام ١٩٤٨م كان فكره الإسلامي قد تبلور وبرز إضافة إلى التزامه الفكري بدعوة الإمام الشهيد حسن البنا، أما الالتزام التنظيمي فقد تأخر عن ذلك التاريخ، وشاءت إرادة الله أن يكون بسبب حادثتين وقعتا له في أمريكا.
أما الأولى فتتمثل فيما رآه من مظاهر الفرح والشماتة لدى الأمريكان لاغتيال الإمام البنا عام ١٩٤٩م، ويقول في ذلك: وقد لفت نظري بشدة ما أبدته الصحف الأمريكية وكذلك الإنجليزية من اهتمام بالغ بالإخوان، ومن شماتة وراحة واضحة في حل جماعتهم وضربها وفي قتل مرشدها، ومن حديث عن خطر هذه الجماعة على مصالح الغرب في المنطقة وعلى ثقافة الغرب وحضارته فيها.
أما الحادثة الثانية فهي جهود رجل المخابرات البريطاني «جون هيوورث دن» في تحذير «سيد قطب» من خطر الإخوان، وتصوير الخطر الذي سيحل بمصر إذا وصلت هذه الجماعة إلى الحكم، وإن الأمل معقود على سيد وأمثاله للحؤول بين هذه الجماعة وبين تحقيق أهدافها.. وسبحان من قلب السحر على الساحر، فجعل سيدًا من جند هذه الدعوة المباركة الذي كان يعمل هذا الخبيث؛ لتحذيره منها وتحريضه على التصدي لها ومحاربتها ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (الأنفال:30) (انظر لماذا أعدموني ص١١).
٤ - استعلاؤه بإيمانه: في وقت كان فيه الناس قد فتنوا بأمريكا وحضارتها المادية فقد كان للشهيد موقف مغاير ونظرة مختلفة؛ حيث يقول: تصلح أمريكا أن تكون ورشة للعالم، فتؤدي وظيفتها على خير ما تكون، أما أن يكون العالم كله أمريكا فتلك هي كارثة الإنسانية بكل تأكيد.. إن أمريكا هي أكبر أكذوبة عرفها العالم نستطيع أن نفيد من أمريكا في البعثات العلمية البحتة: الميكانيكا والكهرباء والكيمياء والزراعة.. أما حين نحاول أن نستفيد في الدراسات النظرية وفيها طرق التدريس؛ فإننا نخطئ أشد الخطأ.
ويقول واصفًا الحياة الأمريكية: «إنها حياة عمادها اللذة والنجاح العملي ولا حساب فيها لأي خلق من الأخلاق، وأن كل القيم الخلقية هي موضع سخرية الأمريكان «سيد قطب من القرية إلى المشنقة ص٨٧ وما بعدها».
٥ - سخاؤه: حدث أحمد عبد الغفور العطار أنه زاره في منزله يومًا فسر بوجود أثاث جديد جميل بدل القديم المتواضع، ثم لما عاد إليه مرة أخرى إذا به يرى القديم قد عاد فألح عليه لمعرفة مصير الأثاث الجديد، فأخبره أنه باعه وقدم ثمنه مساعدة لأحد إخوانه لإتمام مصروفات زواجه «سيد قطب للخالدي ص٤٩٣».
إنها أخلاق قرآنية تذكرنا ببعض ما كان عليه سلفنا من زهد وتجرد وإيثار على الآخرة، ورحم الله شهيدنا وجزاه عن أمة الإسلام خير الجزاء».
وقفة تربوية
دروس من حادث الهجرة
إنه الحادث الذي غير مجرى التاريخ، وجعله يتغاضى في إمبراطوريات العالم في ذلك الزمان؛ ليلتفت إلى تلك الدولة الوليدة في أرض جزيرة العرب.
إنه الحادث الذي حول أعرابًا في الصحراء تدوم الحروب بينهم عشرات السنين من أجل ناقة أو دجاجة إلى خير أمة أخرجت للناس.
إنه الحادث الذي حول الضعف إلى قوة، والظلم إلى عدالة، والقلة إلى كثرة، والجهل إلى علم، والعناد إلى وداعة، والتشتت إلى وحدة.
ما أكثر العبر والدروس من هذا الحادث العظيم، وأول هذه العبر، والتي يجب على كل داعية أن يقف عندها ويتملاها طويلًا، ألا وهي «حتمية البلاء لكل من سلك طريق الدعوة»، لقد وطن رسول الله ﷺ نفسه على هذا الأمر منذ أن حذره ورقة بن نوفل عندما أخبره الخبر، فقال له: «ليتني كنت فيها جذعًا إذ يخرجك قومك.. فقال له: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، فتحمل السب والشتيمة، والاستهزاء، والتكذيب، والتجويع، فلما جاءت مؤامرة دار الندوة لم يستغربها، بل أعد العدة لذلك اليوم.
وخطط فأحكم التخطيط، وكذلك الدعاة يجب أن يعوا أن خصومهم لن يفرشوا الزهور في طريقهم، وسيتعرضون للسخرية والتهكم، والتكذيب والطرد والمطاردة والسجن وأنواع البلاء، وسوف تُعقد المؤتمرات والندوات والاجتماعات المغلقة، التي يتضاءل أمامها اجتماع دار الندوة ودهاء وخبث وحقد المجتمعين فيها، فصراع الحق والباطل لن ينتهي حتى قيام الساعة.
وما على الدعاة إلا الانتباه، وعدم الوقوع فريسة لهذا الاستفزاز، بل عليهم التأني والتفكير العميق، والتخطيط الذكي في كيفية الخروج من هذه الفتن بأقل الأضرار، أو تحويل تلك الفتن إلي نجاح في مضمار الدعوة، كما حول رسولهم صلي الله عليه وسلم في حادث الهجرة تلك المؤامرات إلى نجاح في تأسيس الدولة.
أبو بلال
النافذة التربوية
نقاتل أعداءنا بالحب
كم تبدو الحياة جميلة عندما يعيشها الإنسان وهو يحمل الحب في قلبه لكل الناس، لأعدائه قبل أصدقائه، وذلك عندما يستشعر أنه داعية إلى الله يحمل أمانة ثقيلة عجز عن حملها الجبال، وعليه توصيلها لجميع الناس ومن كل الأجناس؛ وذلك لا يكون إن كان في قلبه حقد أو حسدٌ على أحد، فالداعية يجب أن يكون نقي الفؤاد كما قال صلي الله عليه وسلم: «التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد».
وها هو المصطفى عليه الصلاة والسلام يأتيه ملك الجبال بعد أن انطلق من مكة- مهمومًا- فلم يستفق إلا بقرن الثعالب فيقول: يا محمد، ذلك فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. قال النبي صلي الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله - عز وجل - من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل- وحده لا يشرك به شيئًا». «رواه البخاري 1/٤٥٨».
يا له من قلب كبير، ذلك القلب الذي يواجه الإساءة بالإحسان؛ لأن عداءه معهم ليس عداء شخصيًّا، وإنما براءة من شركهم بالله وعبادتهم لحجارة لا تنفع ولا تضر، فهو يرجو إيمانهم ويتمنى إسلامهم.
ولقد جاء رجل لمجدد القرن العشرين الإمام الشهيد حسن البنا فقال له: «يا حسن أفندي»، فأجاب «نعم سيدي»، قال: «إني أكرهك.، فابتسم حسن البنا وقال في هدوء وبشاشة: «وإني والله أحبك» فقال الرجل: ولكني أكرهك في الله»، وبالبشاشة نفسها والهدوء أجاب حسن مخلصًا «هذا يزيدني حبًّا فيك» ولم يكن ذلك مصانعة، وإنما كان الرجل يقتات على المحبة.. وكان من الاصطلاحات الشائعة جدًّا على ألسنة أتباعه «المهم الحب في الله».. وكان يردد في دروسه: «سنقاتل الناس بالحب» «حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية ص٥٥ - لعباس السيسي».
وهذا يعني أن الناس جميعًا هم هدف لدعوة شباب الصحوة والحركة الإسلامية، فيجب أن يعملوا جاهدين على كسبهم كأصدقاء لهذا الدين، وكسب الأصدقاء أصعب من إيجاد الأعداء .... «الصحوة الإسلامية نظرة مستقبلية، د. مانع الجهني ص٧١».
ويوجهنا المولى إلى ذلك المعني فيقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت:34).
عبد اللطيف الصريخ
مفاهيم دعوية
الالتزام
«إن الممارسات التربوية يجب أن تسعى لتثبيت قدم الشخصية الإسلامية، لتمثل المنهج العملي والعقلي للإسلام، وان لا تحيد عنه ولا تلتفت لغيره، وأن تلتزم التزامًا ثابتًا وموزونًا ومتكاملًا بمقتضيات الإسلام وأوامره والبعد عن نواهيه، فالانتماء للإسلام ليس انتماءً بالوراثة ولا انتماءً بالهوية، كما أنه ليس انتماءً بالمظهر الخارجي، إنما هو انتماء للإسلام والتزام به وتكيف معه في كل جوانب الحياة».
أخي الداعية: من المُسلَّم به أن هذه الأهداف العظيمة المطلوب تحقيقها والتي أوجبها الإسلام على كل مسلم ومسلمة، لا يمكن أن تتحقق بالأعمال الفردية، بدون جماعة تنظم هذه الجهود الفردية وترسم لها الخطط وتهيئ لها الوسائل والإمكانات، ومعلوم أنه «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» فالالتزام كضرورة مهم جدًّا للدعاة المسلمين على الأخص؛ لأنهم أناس يعملون لنصرة الحق ونشر الفضيلة في ربوع مجتمعاتهم.
تعريف الالتزام: الالتزام لغويًّا يعني الاعتناق «مختار الصحاح ص٥٩٧». والاعتناق كمدلول هو وجوب ظهور واقع ملموس ناتج عن الفكرة المعتنقة، ووجوب تلازم وجودهما: الاثنان معًا «الفكرة والواقع».
من صور الالتزام:
١- الالتزام بالعبادة والاستمرار عليها، لقوله صلي الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل» البخاري، ولأن مظهر ذلك الخاشع العابد الراكع الساجد القانت أناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، وقد نامت العيون وهدأت الجفون، واطمأنت الجنوب في المضاجع، أنفع للقلب وأفعل في النفس وأزكى للروح من ألف عظة قولية وألف رواية تمثيلية وألف محاضرة كلامية، ولقد حدثوا أن الجنيد البغدادي - رحمه الله - رؤي بعد وفاته فقيل له «ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت الإشارات، وفنيت العبارات، وغابت الرسوم، وضاعت العلوم، وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في جوف الليل»..
٢- الالتزام بأن يكون الداعية قدوة حسنة: وهي عامل أساسي مهم في نجاح عملية التربية التي تقوم عليها دعوة الإسلام. ورحم الله مالك بن دينار حين قال «إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصخرة الصماء».
٣- الالتزام بالقراءة والاطلاع: وذلك أننا نعيش في مجتمع تشعبت ثقافاته وتعددت اتجاهاته وتباينت أفكاره وتصوراته، ولنا في قول الخليفة الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبرة ودافع للقراءة والاطلاع والبحث؛ حيث يقول: «تفقهوا قبل أن تسودوا، فإن أصبحتم سادةً فلا سبيل إلى التفقه»..
إن الحركة تلد الحركة، والهمة تدفع الهمة، والالتزام يجر الالتزام بإذن الله تعالى، فعلى الأخ المسلم الصادق أن يشعر بأن دعوته حية في أعصابه متوهجة في ضميره، تجري في دمائه متنقلة من الراحة والدعة إلى الحركة والعمل الدائب المستمر.
خالد يوسف الشطي
إصدار جديد..
مشكلات وحلول في حقل الدعوة
من دار الدعوة في الكويت صدر الكتاب الأخير للمؤلف عبد الحميد جاسم البلالي تحت عنوان «مشكلات وحلول في حقل الدعوة» وهي عبارة عن مشكلات عاشها المؤلف في حقل الدعوة، ولمسها في الكثير من تجمعات الدعاة في أقطار العالم العربي، وكان لابد من تناولها من قِبّلِ أحدهم؛ لأنهم أعرف الناس بواقعهم وما ينَفع لعلاج مشكلاتهم.
فكان هذا الكتاب جوابًا لأسئلة كثيرة من هنا وهناك، كان يطرحها شباب الدعوة، ولا يجدون لها الجواب الشافي، وهي خمسون مشكلة كان المؤلف قد نشرها في مجلة «المجتمع»، على شكل مشكلات متنوعة مع حلولها.
الكتاب من القطع المتوسط، ويحتوي على ٢١٩ صفحة، ومن إصدارات دار الدعوة في الكويت ص.ب ٦٦٥٢٠ بيان، الرمز البريدي 43756 - الكويت - ت: ٢٦١٥٠٤٥.
نفحات ربانية:
الرسول القدوة صلي الله عليه وسلم
قال تعالي: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١).
والأسوة أي القدوة الصالحة، فقد كان صلي الله عليه وسلم أسوة وقدوة صالحة للبشرية جمعاء، تستقي من سيرته الأجيال العبر والعظات والدروس، وترتقي النفوس وتتهذب الأخلاق باستقراء السيرة المحمدية، كيف لا وحين سئلت عائشة - رضي الله عنها- عن خلق الرسول فقالت: «كان خلقه القرآن».
العظمة في حياة الرسول صلي الله عليه وسلم
لقد كان رسولنا صلي الله عليه وسلم قرآنًا يتحرك على الأرض، فأخلاقه وسلوكه وعبادته وجده وهزله هي مثالٌ يحتذى، وطريقٌ يقتفى، ودليلٌ للسالكين، لقد كان رسولنا صلي الله عليه وسلم مثالًا للعظمة في كل نواحي الحياة، في الأخلاق، وفي العبادات، وفي المعارك والغزوات، وفي معاملة الأطفال والأزواج، وفي علاج المشاكل المستعصية، وفي قيادة الأمة، وفي تلمس المشاعر ومراعاة النفوس؛ بل حتى في الإحسان إلى الحيوان والطيور والنبات «وقد يعجب إنسان أن تكون حياة رسول الله صلي الله عليه وسلم تستوعب كل جوانب حياة البشر فتكون لهم قدوة في جوانبها كلها، ولكنه الواقع الذي تشهد له كل الدراسات النظرية والعملية» «الرسول صلي الله عليه وسلم سعيد حوى».
ولذلك كان حقًا كما وصفه المولى – عز وجل - بقوله تعالى: ﴿ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ﴾ (الأحزاب: 46)، فكان سراجًا منيرًا ونبراسًا لهذه الأمة يقودها نحو جنات الخلود.
توجيهات قرآنية
لقد أمر الله تعالى رسوله بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء والرسل، فقال عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ﴾ (الأنعام: 90) وأمرنا نحن المسلمين بالاقتداء به فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١).
وأمرنا بأخذ كل ما جاء به، وترك كل ما نهانا عنه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: ٧).
ورتّب تعالى على طاعته والاقتداء به فقال عز وجل : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ﴾ (النور: ٥٤).
وهكذا يعيش المؤمن مع سيرته صلي الله عليه وسلم يستوعب ليطبق، ويتلقى لينفذ، ويستلهم الموازين والقوانين الكونية من سيرة الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم عند ذلك يلحق بالركب الكريم الذي وصفهم المولى عز وجل فقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: ٢٩).
جعفر الحداد
آلام وآمال
تصور المسلم لحركة الحياة دافع إلي العزة
بقلم جاسم المهلهل الياسين
لا يقتصر تصور المسلم للحياة على الفترة الزمنية المحددة التي يقضيها فوق هذه الأرض، وإنما تتواصل الحياة عنده من الدنيا إلى الآخرة، حيث الخلود الأبدي والنعيم السرمدي في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، لا ييأس صاحبها، ولا يلحقه كدر أو غم أو مرض ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112) هذا التصور الذي لا يقطع الأولى عن الثانية. أو بمعنى أوضح لا يقطع الدنيا عن الآخرة، ينشئ في الإنسان يقظةً دائمةً، وهمةً عاليةً، وحبًّا للجهاد والبذل في سبيل الله، لإدراكه أن سعيه دائمًا لله وبالله، ولذا فإن المسلم يواجه الأخطار دون خوف، ويتصدى للأعداء في قوة، لا يرعبه تهديد، ولا يفزعه وعيد، وشعاره الدائم: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، وكان هذا شعار المسلمين في حمراء الأسد، فقبل أن يخرجوا إليها لملاقاة المشركين، جاء من يخبرهم أن المشركين قد جمعوا لهم، وأن على المسلمين أن يتخلفوا عن الخروج رغبة في الدنيا وكراهية للموت الذي يعده المشركون للخارجين لقتالهم، فكانت هذه الشائعات بمثابة حرب نفسية يشنها المشركون على المسلمين، ما زال يتردد مثلها بين المسلمين اليوم في ميادين كثيرة، غير أن مسلمي الأمس قالوا ما حكاه عنهم القرآن: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173)، فثبتوا في وجه الحرب النفسية، فلم تتزلزل نفوسهم، ولم ترتعد فرائصهم؛ لأن المشركين قد جمعوا لهم، بل إنهم خرجوا لملاقاتهم، معتمدين على ربهم، مستعدين لبذل الأرواح في سبيله، وعلم الله - سبحانه - منهم صدق النية فأيدهم وأعزهم ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 174).
فأين من هذا الدرس العظيم مسلمو اليوم، الذين تُشن عليهم حروب نفسية ضخمة، تريد منهم أن يستسلموا للواقع الذي يسيطر على أوطانهم، فلا يرفعون صوتًا ضد اليهود، ولا يرفعون يدًا لمجاهدتهم، ورفض عدوانهم، واغتصابهم لأرض فلسطين كلها؟ وتكاد الأمة كلها تسلم لهم بهذا الأمر، مع أن الحق غير ذلك، ولسنا في ذلك نعادي اليهود لدينهم، وإنما نحن نعاديهم لعدوانهم علينا، واستيلائهم على ثالث الحرمين وأولى القبلتين، وتشريدهم ملايين من مسلمي فلسطين في شتى بقاع الأرض، وتهديدهم بإصبع الإرهاب كل من يرفع صوتًا ضدهم، أو يعمل عملًا من أعمال الفداء، يدل به على أنه من الأوفياء لدين الله وتعاليمه.
فهل فَهم مسلمي اليوم لحركة الحياة كفهم أسلافهم لها؟ وهل نحن نطلب الشهادة حتى تتحقق لنا العزة والسيادة؟ إن خالد بن الوليد كانت نظرته ثاقبة يوم قال: «احرص على الموت تُوهب لك الحياة»؛ لأن الحياة العزيزة لا تُعطي مقادها للأذلاء، الذين يفرون أمام الأعداء فيرفعون رايات بيضاء.
عش عزيزًا أو مت وأنت كريم
بين طعن القنا وخفق البنود
والحياة العزيزة تقتضي أن نعد للأعداء ما نبطل به حروبهم النفسية، ونحمي به أنفسنا وأرضنا «أرض المسلمين» من اعتداءاتهم، والله سبحانه يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ﴾ (الأنفال: 60)، هذا الإعداد المتكامل يدفع المسلم للعزة المبنية على القوة، فهو لا يخاف أحدًا من البشر، ولا يأسى على حياة يتمكن منه فيها أعداء الله، ويعلم أنه إن قاوم الأعداء فعاش بعدهم عاش عزيزًا، وإن قاومهم فمات كان موته في سبيل الله شهيدًا، يعتبر من الأحياء المرزوقين عند رب العالمين، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾. (آل عمران: 169)
وعلى هذا الطريق سارت خُطا المجاهدين، تدفع الأعداء بعيدًا عن بلاد الإسلام، وتبعث في حياتهم العزة والإباء، فقادت الأمة الإسلامية العالم أكثر من ألف عام كانت فيه منارة العلم والهدى والرشاد؛ لأنهم فهموا حركة الحياة على حقيقتها كما صورها القرآن، فهل يسير مسلمو اليوم على نفس الدرب؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل