العنوان المجتمع التربوي (1140)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1995
مشاهدات 71
نشر في العدد 1140
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-فبراير-1995
وقفة تربوية
أقفال القلوب
يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24)، وجاء في
تفسير ابن عطية (13 /409): «إن وفد اليمن وفدَ على النبي ﷺ وفيهم شاب، فقرأ النبي ﷺ
هذه الآية فقال الفتى: عليها أقفالها حتى يفتحها الله تعالى ويفرجها، قال عمر -رضي
الله عنه: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر حتى ولي الخلافة فاستعان بذلك
الفتى».
وذكر الإمام ابن القيم ما ذكره مقاتل في «التفسير
القيم» (439): «كان القلب بمنزلة الباب المرتج، الذي قد ضرب عليه قفل، فإنه ما لم
يفتح القفل لا يمكن فتح الباب، والوصول إلى ما وراءه، وكذلك ما لم يرفع الختم
والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان ولا القرآن».
وأصحاب هذه القلوب المقفلة يستمعون للقرآن والمواعظ
ويحتكون بالصالحين، ويسمعون ويرون منهم ما لا يستفيدون منه في تغيير واقعهم،
والسبب في ذلك وجود تلك الأقفال على قلوبهم؛ فكلما جاءت كلمات الوحي تريد دخول
قلوبهم وجدت تلك الأقفال فرجعت القهقرى. وما لم يقرروا هم كسر هذه الأقفال بتوبة
نصوح، فإنها تستمر بقفل قلوبهم حتى يغادروا هذه الحياة، وقد تكدست طبقات الران
عليها بالإضافة إلى تلك الأقفال.
والأقفال كثيرة ومتنوعة؛ فحب الدنيا وتفضيلها على
الآخرة قفل، ونسيان الموت قفل، وهجران القرآن قفل، وقلة الذكر قفل، وضعف المحاسبة
قفل، وترك الصدقات قفل، وعدم العمل بالعلم قفل، وكثرة الاحتكاك بأهل الغفلة قفل،
وتضييع الأوقات فيما لا ينفع قفل، وعدم أداء الفرائض قفل، والظلم قفل، وعدم
الاكتراث بالنوافل قفل، وجميع المعاصي أقفال.. وهكذا تتنوع الأقفال، وتختلف في أشكالها
وأحجامها، ولكنها كلها تؤدي مهمة واحدة وهي منع هذا القلب من تدبر كلام الله
تعالى، ولا يكسرها إلا إقبال وعزيمة وتوبة لا رجعة للذنب بعدها.
أبو
بلال
قطوف تربوية
دعوة لفقه السنن الإلهية في الكون (1-2)
الازدواجية قاعدة الخلق والسلوك البشري
بقلم: د. حمدي شعيب
لا ينبغي للمسلم أن يعيش حبيس ذاته وسجين دائرته
الشخصية، فيفسر قضاياه وأحداثه اليومية بمنظاره الشخصي المحدود؛ فالوجود الكبير من
حوله يدعوه دومًا أن يربط نفسه به عن طواعية، ومختارًا وإراديًّا، وإلا فهو -حقيقةً
وواقعًا- مرتبط به لاإراديًّا، ويستحثه ليتدبر سنن الله الكونية، والظواهر العامة
التي تنظم وتنسق وتضبط هذا الارتباط، فيتوافق ولا يصطدم، ويكون جهده مثمرًا.
بركة التعايش الاختياري
فهو عندما يقبل مختارًا، وعن طواعية، أن يتعايش
ويتناسق ويتوافق مع سنن الله في خلقه المنظمة لهذا الوجود، ويعلم أنه ما خلق إلا
لوظيفة العبودية لله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، وأنه كذلك ما خلق إلا لمهمة الاستخلاف والإعمار في
الأرض: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30)؛ فإن استقرار
معنى العبودية في نفسه يعطيه يقينًا بأن هذا الوجود الكبير ليس فيه إلا عابد
ومعبود، وأن هناك عبدًا يَعْبُد وربًّا يُعْبَد، وأن هنالك حقيقتين كبيرتين:
- الأولى:
حقيقة الألوهية بخصائصها وآثارها وصفاتها، وهي حقيقة ذلك المعبود سبحانه
المستحق للعبادة، ومصدر كل شيء.
- الثانية:
حقيقة العبودية بخصائصها وصفاتها، وهي حقيقة ذلك العابد التي تتمثل في ثلاث،
هي: حقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان(1).
فإذا فقه السنن، وأدرك تلك الحقائق، وتعامل معها،
كانت تلك بدايته الطيبة، وانطلاقه المبارك، وجهده المثمر.
ازدواجية النظرة هي شرط النضج
ولكي يدرك المسلم تلك الحقائق، فإنه مطالب بأن يرقى
بنفسه أولًا، ثم بالإنسانية ثانيًا، في تصوراته، وفي وسائله، ثم في غاياته، فينمو
وينضج بفكره وسلوكه إلى مرحلة الرجولة البصيرة الراشدة القوية المدركة، التي تدرك
أن الانحسار الحضاري أو الأزمة الحضارية التي نعاني منها اليوم هي أزمة فكر أولًا
وقبل كل شيء؛ لأن النسق الفكري للحضارة الإسلامية توقف عند حدود العقول السابقة،
وكأن الله خلق عقولنا لنعطلها عن الإنتاج.
والكشف عن السنن التي تحكم الحركة الاجتماعية لا
يتأتى إلا من السير في الأرض واستقراء التاريخ والتعرف على القوانين التي حكمت
البشر للإفادة منها للحاضر والمستقبل(2).
وبذلك يتجاوز المسلم مرحلة العجز والقصور، مرحلة
الطفولة التي تقتضيك أن ترثى لصاحبها، وتعطف عليه؛ الطفولة التي لا تفهم إلا ما
يدور في محيطها الصغير وتنفض يدها معرضة عما يدور بين الرجال ذوي المواهب الكبار.
فهل من سبيل إلى إزالة هذا الحجاب الكثيف، فينكشف قناع الإنسان، فيرى الله من خلال
كل شيء كأن له نافذة، يطل منها على الملأ الأعلى؟! نعم السبيل ميسرة معه، نعم لا
ينقصنا إلا أن ننظر لكل شيء أمامنا نظرتين في نظرة طويلة واحدة:
- النظرة
الأولى: هي نظرة العين الباصرة، وهي التي لا ترى
من الشيء إلا صفحته الخارجية الصماء.
- النظرة
الثانية: هي نظرة العين الباطنة التي تنظر إلى
الشيء على أنه فعل فاعل، فتظل تبحث عن القائم عليه، والمدبر لشأنه حتى تفضي
إلى الله سبحانه وتعالى(3).
ومن ثم فإن المسلم وحده -ونتيجة لتلك النظرة
العميقة: التدبر، الازدواجية، التبصر- هو الذي يملك رؤية شاملة لهذا الوجود
الكبير، ويعلم أنه لا يعيش وحده، وأن هناك ظواهر سلوكية عامة تربطه بهذا الكون تدل
على وحدة الخلق، وتبرهن على وحدانية المصدر، وتعطيه شعورًا داخليًّا دفاقًا بالأنس
والألفة والود لجميع الموجودات، وتساعده في حركته ومهمته للنهوض الحضاري بأمته.
ومن هذه الظواهر الكونية والسنن الإلهية التي
أبدعها الخالق المعبود سبحانه، ليسير ولينسق حركة الخلائق والموجودات جميعها، ظاهرة
الازدواجية التي تتطلب نظرة عميقة التبصر.. ازدواجية التدبر لاستكشاف ظاهر وباطن
الأشخاص، والأشياء، والأحداث التي يمكن للمسلم الواعي أن يجدها في نفسه وفي كل شيء
يشمله الوجود الكبير من حوله.
الازدواجية.. في صفحة الكون
وهذه الظاهرة يستطيع أن يراها المسلم ويستشعرها في
كل شيء: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
(الذاريات: 49)، وكلمة (شيء) هنا تشمل غير الأحياء أيضًا؛ ففي صفحة الوجود الكبير
يرى ظاهرة الازدواجية في خلق السموات والأرض، وفي تقابل وتزاوج وتوازن ظاهرتي
الليل والنهار: ﴿وَهُوَ الّذِي مَدّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ
وَأَنْهَاراً وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي
الْلّيْلَ النّهَارَ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ﴾ (الرعد: 3)،
وفي أصغر وحدة في بناء الكون وهي الذرة، يجد أنها مؤلفة من ازدواجية كهربائية هما
الموجب والسالب.
الازدواجية.. قاعدة الخلق
ويلاحظ تلك الظاهرة أيضًا في وحدة الخلق، وحدة
القاعدة والتكوين لجميع الخلائق والأحياء جميعها، سواء الفصائل الحيوانية أو
النباتية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ
الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يس: 36)، ﴿وَمِن كُلِّ
الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (الرعد: 3)، ﴿الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾ (طه: 53)،
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (النبأ: 8)؛ أي من ذكر وأنثى.
ازدواجية قاعدة السلوك البشري والمصير
ولقد شاء سبحانه أن تكون هذه الظاهرة الكونية،
والسنة الإلهية واضحة كل الوضوح في نهج البشر وسلوكهم في الحياة، فيُربط السلوك البشري
ويتناسق ويتوافق مع طبيعة الأحياء، بل مع طبيعة الكون أيضًا: ﴿فَأَمَّا مَنْ
أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى *
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْعُسْرَى﴾ (الليل: 5 - 10).
إنها «حقيقة إجمالية تضم أشتات البشر جميعًا، تضمها
في حزمتين اثنتين، وفي صفين متقابلين تحت رايتين عامتين، وهما الصفان اللذان يلتقي
فيهما شتات النفوس، وشتات السعي، وشتات المناهج وشتات الغايات، وهما نهجان للجموع
البشرية في كل زمان ومكان، وهما حزبان ورايتان مهما تنوعت وتعددت الأشكال
والألوان؛ فكل إنسان يفعل بنفسه ما يختار لها، إما إلى اليسرى أو إلى العسرى»(4).
وكذلك تبدو تلك الظاهرة في مصير كلا الفريقين؛ فإما
إلى الجنة أو إلى النار -والعياذ بالله- وكان من حكمته وكرمه وعدله ورحمته سبحانه
ألا يتساوى الفريقان في المصير: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ
الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (الحشر: 20).
_____________
الهوامش
1 - خصائص التصور الإسلامي ومقوماته: سيد قطب، 96
بتصرف.
2 - أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق: د.
أحمد محمد كنعان – من تقديم: عمر عبيد حسنه، 9 – 15 بتصرف.
3 - تذكرة الدعاة: البهي الخولي، 181 – 186 بتصرف.
4 - في
ظلال القرآن: سيد قطب، 2922 - 3933 بتصرف.
كيف تختار الفكرة المبتكرة (3)
بقلم: د. نجيب الرفاعي
عندما يتجمع لديك الكثير من الأفكار، لابد لك أن
تختار أحدها لتمضي في تحقيق مشروعك الذي تريد، فهي تحتاج إلى التعديل والتغيير
والحذف والإضافة حتى تتكون لديك فكرة واحدة من جميع هذه الأفكار، فكيف يمكنك
الوصول إلى ذلك؟ هناك عدة خطوات لابد من اتباعها لتصل إلى الفكرة الناجحة المبتكرة
وهي:
حرك خيالك
إن التصور القوي يؤدي إلى سلوك متناسب مع التصور
الذي يتكون في عين العقل، وليس مهمًّا ما إذا كان هذا التصور يدور حول أمر واقعي
أو غير واقعي، ما يهم هو ما إذا كان هذا التصور قويًّا وما إذا كنت تعتقد بهذا
التصور.
إن تحريك طاقة الخيال يعيننا على اكتشاف أمور جديدة
سلبية كانت أو إيجابية، وهي بالتالي تساعدنا على تعديل الفكرة.
تخيل فكرتك جيدًا، انظر إليها من كافة الزوايا، حرك
خيالك.
فكر بالاختلافات
يقول العالم ألبرت جورجي: «إن التفكير المبدع أنك
ترى الشيء ذاته الذي يراه الآخرون، ولكن تفكيرك يختلف تمامًا عن تفكيرهم».
إن المبدع هو صاحب العقل الناقد وغالبًا لا يتفق
تفكيره مع الآخرين.
تأمل فكرتك جيدًا.. هل هناك أمور تراها لا يراها
الآخرون؟
غيّر، بدّل، أضف
إن المبدع يغامر في طبيعته، والتبديل والتغيير
بداية لهذه المغامرة؛ لأنه يغير في أشياء قد تكون مألوفة له أو لغيره.
هل هناك تعديلات لفكرتك؟ حاول أن تدونها على ورقة.
اسأل: ماذا لو؟
اكتب مجموعة من الاستفسارات الغريبة والتي لا تخطر
على بال الكثيرين وابدأها بكلمة "ماذا لو".. واربطها مع فكرتك، وكمثال:
ماذا لو آمن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بالإسلام ودعاك لعرض فكرتك؟ ماذا لو
تبنى فكرتك الوزير؟ ماذا لو تغير رئيسك المباشر ورشحت مكانه؟
كن مرحًا
ننتقل في حالة الضحك إلى حالة نفسية منبسطة وهي
بالتالي تتيح لعقولنا إصدار بعض التعديلات على الفكرة، أحد الخبراء الإداريين وضح
هذه القضية أنه في الاجتماعات التي نتبادل فيها النكات والتعليقات المضحكة حول
المشروع المطروح أكثر إنتاجية من الاجتماعات الجادة.
تأمل فكرتك... هل ممكن أن يكون دمها خفيفًا؟ كيف؟
اكسر القوانين
القائد طارق بن زياد في جهاده وفي فتوحاته كسر
القوانين، فهو القائل: «العدو من أمامكم والبحر من ورائكم» وذلك بعد أن أحرق السفن
-كسر قانون النجاة- ولكنه انتصر.
وقائد آخر الخليفة العثماني محمد الفاتح، استطاع أن
ينقل السفن البحرية عبر الصحراء بأن وضع تحتها جذوع الأشجار ثم سحبتها الخيول، لقد
كسر المبدعون قوانين (مستحيل) و(لا يمكن)، وحققوا نجاحًا باهرًا لأفكارهم.
فكر بالقوانين الممكن كسرها لمصلحة فكرتك، واصنع
قوانينك الخاصة.
الفكرة لا تتحرك حتى تتخلص من التقليد، لماذا تقلد
أفكار الآخرين والخاصة بالقوانين والنظم لفكرتك؟ ما رأيك بأفكار جديدة لنظم
وقوانين خاصة لفكرتك المبدعة؟ حاول أن تسطر أفكارًا جديدة لنظم وقوانين من عندك
وليس من غيرك، إن هذا هو الطريق للإبداع.
اجمع الأفكار
إن جمع أكثر من فكرتين مختلفتين ممكن أن ينتج فكرة
إبداعية قوية، كمثال: جمع القصدير الخفيف والحديد الخفيف أعطانا البرونز القوي..
عصارات العنب لما جمعت مع قطعة النقود أعطتنا فكرة المطبعة الحديثة.
تذكر أنك جمعت كثيرًا من الأفكار في البداية، حاول
أن تقرن بين فكرتين أو أكثر فقد تخرج بفكرة جديدة مبتكرة.
قارن مع ما تشاهده
ما علاقة القطة بالثلاجة؟
1 - الذيل شبيه بموصل الكهرباء.
2 - ممكن أن نضع فيهما سمكًا.
3 - الألوان متعددة للاثنين.
ترى ما علاقة فكرتك بشاطئ البحر، سوق السمك،
الكواكب؟ اكتب ما تشاء وقارن؛ فتطوير الفكرة يأتي من خلال المقارنة، فقد تصل
بالمقارنة لما لم يخطر على بالك من الأفكار الجديدة والمبتكرة.
فكر بالعكس
إن التحيز للفكرة يميت الفكرة، لماذا لا نتخيل رأي
الطرف الآخر؟ فإذا كنتِ أنثى فكري برأي الذكر والعكس صحيح، وإن كنت عربيًّا ماذا
يقول الأجنبي؟ وهكذا حاول أن تسطر جميع ما يقول الطرف الآخر.
غير اسم الفكرة
روى أحمد والبخاري عن نافع أن ابن عمر كان يقول:
كان المسلمون يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادى بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك،
فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل قرنًا (بوق) مثل
قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ له: «يا
بلال قم فنادِ بالصلاة».
إن عمر بن الخطاب غير اسم الفكرة من ناقوس وقرن
لمناداة الصلاة إلى الأذان، وهذا إبداع من عمر رضي الله عنه.
هل اسم
فكرتك مقلد؟ ما الأسماء الجديدة الممكن إطلاقها على فكرتك؟
المحن تبرز معادن الرجال فتشمخ القمم ويزول عنها
الركام
بقلم: محمد الجاهوش
ليس عسيرًا أن يدرك المتأمل أن أحداث التاريخ يعاد
عرضها بلغة جديدة، وألوان خادعة؛ فجاهلية عصرنا تنحو منحى الجاهليات الأولى،
وتترسم خطاها، حذوك النعل بالنعل.
فالقتل والنفي، والسجن والتعذيب والتحكم في موارد
الرزق، ومحاولة غسل الأدمغة أسلحة قديمة حديثة استعملها الطغاة -ولا يزالون-
لتحجيم الدعوة واستلزام الدعاة، وعرقلة مسيرتهم، يبذلون في ذلك الأموال ويسلطون
الأعوان والأنصار، ويستغلون شتى الوسائل، ويسلكون لذلك كل سبيل.
لقد تربى الجيل الأول -بجملته- عليها واستعلى
بإيمانه ويقينه، وصدق رجاله ما عاهدوا الله عليه، حتى قضوا نحبهم، غير خزايا ولا
مبدلين، وها هو القدر يضع خلفاءهم في قلب المعركة وأتون المحنة؛ فتمضي قوافل
الشهداء في سبيل الدعوة، وتضيق السجون بالنخبة من شباب الأمة، ويشرد الناجون في
فجاج الأرض.
ويمضي الجور بسطوته فيصادر الكثير من الممتلكات،
ويهتك المصون من الحرمات، ولا يحفظ عهدًا، ولا يرقب في مؤمن إلًّا ولا ذمة. إنها
فتنة صماء جعلت الحليم حيرانَ والأريب قلقًا مضطربًا، وفي الفتن تطيش عقول، وتزيغ
قلوب وتزل أقدام، ولذا كان المصطفى ﷺ يستعيذ بالله من شر الفتن ما ظهر منها وما
بطن.
على أن الفتن -مع هذا- تظهر معادن الرجال،
ونجابتهم، وتنقد الزائف المعيب من الصحيح السليم.
هذا هو الطريق
فأبناء العقيدة الثابتون على مبادئها، يرون في هذا
الواقع -رغم قسوته- طريق أصحاب الدعوات الذين صلبوا على الخشب ونشروا بالمناشير،
فما ازدادوا إلا ثباتًا وصعودًا.
ألا إنه لمن الخطأ الجسيم: الظن بأن الله لن يديل
للأبرياء من الظالمين، وأن هذا الواقع ضربة لازب، أو قضاء مبرم، لا يحول ولا يزول.
كلا إن اشتداد المحنة بداية السلامة وأولى بشائر
النصر، ومنه ستبرق بوارق الفرج، متى صدقت النيات، وقويت العزائم وأحسن استثمار
المحنة.
فإن من مسلمات العقيدة الإيمان بأن النصر مع الصبر،
والفرج مع الكرب، وأن العسر طريق اليسر بيقين: ﴿فإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5 - 6)، ولن يغلب عسر يسرين أبدًا.
ضريبة الثبات
وللثبات على المبدأ تبعاته التي ليس أعظمها، ولا
أخطرها دخول السجون أو النفي عن الأهل والأوطان، والمسلم يعرف هذا من أول لحظة
اختار فيها طريق دعوة الإسلام المباركة.
لقد أخبر ورقة بن نوفل قائدَ الدعوة ﷺ بالإخراج من
الديار في أول أيام النبوة -وقبل الأمر بالبلاغ- فما ضعف، وما وهن، ولا استكان، بل
مضى في جهاد الدعوة لا يعرف للراحة طعمًا، ولا تعرف هي إليه طريقًا.
مضى يبلغ رسالات ربه، ويلقى قومه بكل حزم وعزم،
ويتلقى منهم الصد والإعراض والسوء والأذى، لا يصرفه عن دعوته يأس ولا يقعده قنوط،
لم يأسَ على وطن قاوم دعوته، ولا على قريب عادى رسالته.
هاجر تاركًا وراءه كل غال وعزيز حتى فلذات كبده من
البنات، وما يدريك ما منزلة البنات وتعلق القلوب بهن!
نعم، هاجر تاركًا كل شيء، لأن ما هاجر من أجله أعلى
منزلة، وأسمى مكانة، وأعظم حباء وأقرب إلى مرضاة الله، إنه الإسلام، وإن الإسلام
يستحق هذا وما هو أعظم.
فبالإسلام بنيت الدولة، وبالإسلام محيت الوثنية،
وزال الشرك، وبه وحده حفظت الأعراض، وصينت الكرامات، وساد العدل والأخوة
والمساواة، إنه حقًّا جدير بالتضحية والفداء.
لقد هاجر الرسول ﷺ والمهاجرون الأولون، يبتغون جنة
الخلد، فأينعت هجرتهم ثمرتها، وبشرهم ربهم بنيل ما هاجروا إليه: ﴿وَالَّذِينَ
هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي
الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
(النحل: 41).
وهاجر أقوام يبتغون الزيت والتمر ومتعة الحياة، فكان
حظهم دون سواها: «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما
هاجر إليه».
لقد مضت سنة الله أن يجني الزارع ثمار غرسه، ويوفى
العامل أجر تعبه وكده، فلم يكن فوز السابقين الأولين بدعًا، ولا عجبًا؛ لأنهم لم
يركنوا إلى الراحة والاسترخاء، ولا شغلوا بحطام الدنيا، وتأمين مستقبل البنين
والبنات، بل انطلقوا في كفاح الدعوة بجهد دائب وإخلاص صادق، وجاهد مرير.
أحسنوا المسيرة فنالوا حسن العقبى وبلغوا منزلة
الرضا، فأتتهم الدنيا راغمة منقادة، وحفظهم الله في نسلهم وذراريهم: ﴿وَأَمَّا
الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ
كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا
أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ (الكهف: 82)،
لقد حفظت الذرية بصلاح الأجداد، فما ظنكم بصلاح الآباء؟ فمن أحسن الغرس طرحت غراسه
وأينعت ثماره وطاب جناه: ﴿نُصِيبُ بِرحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 56).
بشرى الآخرين
إن الله جعل الخير مدخورًا في هذه الأمة، بذلك
بشرنا رسولنا ﷺ: «أمتي كالغيث، لا يدري أوله خير أم آخره». فإذا لم يكن جند
العقيدة ورجالها هم نبع الخير الأخير، فمن ذا يكونه؟
إن قطف الثمرة، ومقاومة المحنة يتطلب المزيد من
الصبر، ورص الصفوف، ووحدة الكلمة، وتمتين روابط الحب والإخاء؛ هذا سلاح الدعاة في
الشدائد، وعدتهم في لقاء الأعداء، وأحداث الحياة.
إن العدو يسعى أن يكون أبناء الدعوة أشتاتًا
متفرقين، وأوزاعًا متنافرين، ومتناحرين، والله يريدهم إخوانًا متحابين وجندًا
مستعدين، ودعاة عاملين، وطلاب آخرة عن الدنيا والدنايا مترفعين.
إنهما طريقان مختلفان اختلاف الحق والباطل، وندان
متناقضان، تناقض الظلمة والنور، فهل ثمة عاقل يوازن بينهما، فضلاً على أن يختار
الباطل أو يفضل الظلام؟
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل