العنوان المجتمع التربوي (1067)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1993
مشاهدات 67
نشر في العدد 1067
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 21-سبتمبر-1993
وقفة تربوية: أحادية التحليل السياسي
إن من المؤسف حقًا أن نرى بعض الإسلاميين، ممن
يشهد لهم في الكثير من أبواب العلم والدعوة أنهم عندما يحللون أحداث الواقع
السياسي والنكبات التي تمر بها الدول الإسلامية لا يجدون إلا سببًا واحدًا وراء
هذه الأحداث، ومثالًا على ذلك فعند البعض منهم أن «أمريكا» هي وراء كل المشاكل
التي يتعرض لها العالم الإسلامي والبعض الآخر يرى أن اليهود وراء كل شيء.. استمعت
إلى أحد هؤلاء الإخوة وهو يحلل بعض الأحداث في منطقتنا فيقول: تصور يا أخي أن
الأمريكان هم الذين قتلوا السادات لانتهاء دوره، وهم الذين قتلوا تورجت أوزال
عندما شعروا في أيامه الأخيرة من خلال تصريحاته بخطورته، وأخذ يفصل كيف أنه مات مقتولًا
وليس بالسكتة القلبية... إلخ.
إن التمادي في هذا اللون من التحليل، واعتماده
كأصل لا يقبل النقاش من شأنه أن يجعلنا نلغي جميع الخصوم الآخرين للأمة، كما أن من
شأنه أن يبرئ ساحتنا كشعوب تمامًا مما ابتلانا الله به، ويجعلنا في تقوقع تام في
إدراك الأسباب الأخرى سواء الرئيسية والفرعية في صناعة الأحداث. وكل هذا يجعلنا في
النهاية في معزل عن إدراك حقيقة ما يدور حولنا، وبالتالي يشل من قدرتنا في وضع
وسائل الوقاية من شرور أعداء الله حتى يحيطوا بنا على حين غرة ونحن غافلون.
أبو
بلال
آلام قلم وكلمات أمل
المعاناة الرابعة عشرة: احتياجات عملية للتجديد في الفكر الحركي
الفكر الحركي الإسلامي مبعث للمعاناة، حيث
نتأمل فيه، لأننا نجد قصورًا فيه أحيانًا، ونجد فيه أحيانًا أخرى أمورًا مضى وقتها
الذي كانت مناسبة له في حينه، وهي اليوم تقال في زمن غير زمنها، وربما في بيئة غير
بيئتها، فقد جدت أحداث وتلاحقات أزمان حملت كثيرًا من التغييرات في الوقائع ونوعية
المواجهات وامتداد واتساع الحركة، مما كان يستدعى تطورًا فكريًا تجديديًا، لا يصف
هذه الأحداث ويلاحقها فقط، بل يسبقها ويمهد لها إن كانت صالحة ويحذر منها إن كانت
غير ذلك.
وهذه محاولة لتصحيح شيء مما لحق الفكر الحركي
الإسلامي، قد تخفف من المعاناة، وقد تحقق أملًا ربما طلبناه.
نحتاج إلى دراسة واعية موضوعية وجدية راقية،
وروح نقدية مخلصة من غير تعرض للأشخاص وتعيين للأسماء، يصاحب ذلك دراسة تحليلية
للمواقع وألا يخلط بين الممكن والمستحيل وأن تكون الأهداف عنده محددة ووسائلها
مباشرة، كما يلزم أن يكون هناك وضوح كامل في أن التجديد في الفكر الحركي قائم على
حقيقة أنه لا تعارض بين العقل والنقل، فالعقل يتصرف ضمن حدود النص وقواعده
ودلالاته، لأن العقل مهما كان مستواه ومحيطه لا يستطيع أن يعلو بذاته على حدوده
إلا بالاستعانة بالنصوص، فالنص مورد لا ينفك عن العطاء والعقل محرك لا ينفك عن
السعي ويلاحظ عند اختيار الأساليب الحركية والأفكار أن تكون ميسرة وقادرة على
تحقيق أكبر قدر من الأهداف، يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: «وقد تتعدد الوسائل إلى
المقصد الواحد فتعتبر الشريعة في التكليف بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلًا
للمقصد المتوسل إليه، بحيث يحصل كاملًا راسخًا عاملًا ميسورًا، فتقدمها على وسيلة
هي دونها في التحصيل»، وهذا التجديد يكون دائمًا منضبطًا في حدود مقاصد الشريعة
الإسلامية وقواعدها.
والفكر الحركي يراعى فيه النظر في أهداف
الشريعة الإسلامية في المحافظة على الكليات الخمس (الدين– النفس– النسل- العقل–
المال) وتستخدم في ذلك أمور لا تخرج عن (الضروريات، الحاجيات، التحسينات)، كما
يلاحظ أنه نابع من طبيعة هذا الدين المعترف بالواقع والعرف والمصالح وهذه أمور لا
تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا.
والعامل في مجال تجديد الفكر الحركي يستدعى
منه عدم العجلة والانفعال وألا يعمد إلى احتقار سلفه من المفكرين ولا يظن في نفسه
الصواب المطلق، وأن يعمل على وضع البدائل عند طلبه ترك القديم، فالهدم وعدم البناء
يوقع صاحبه في التردد المستمر والتشكك في كل ما هو مطروح وعدم الاستقرار على شيء،
وعملية التجديد تستلزم من صاحبها معرفة ما سيلغيه مخافة إلغاء الصواب وإقامة
الخطأ.
وفي عملية التجديد لابد أن تصاحب الجرأة فيها
الدقة لأن الغفلة اليسيرة قد تؤخر عملية التجديد كما قال محمد إقبال:
لحظة يا
صاحبي إن تغفل ألف
ميل زاد بعد المنزل
فنلاحظ الأمور الدقيقة في عملية الانتقال من
الموجود إلى المقصود، والمجدد لا يحاول أن يستر عجزه، وإنما يسعى بكل جد إلى
استكمال ما ينقصه.
إن بداية التجديد من وجود الفكرة والاقتناع
بها وإقناع الآخرين ثم بعد ذلك قضية السلوك والتجديد تخضع للإمكانات والفرص
المتاحة، فالأصل البدء من النفس حتى يغيروا ما بأنفسهم، فنبدأ بوضع الأفكار
التجديدية في النفس حتى يغيروا ما بأنفسهم، وفي نهاية ذكر الاحتياج نقول: إن عملية
التجديد تحتاج من عقولنا إلى التعامل معها بجدية لأنها اعتادت على علف المعلومات
ولم تعد تتذوق طعم الأغذية الفكرية الجيدة كما قال محمد إقبال:
جوهر الآساد
أضحى خزفًا حين
صار القوت هذا العلفا
رابعًا: تعامل الحركات الإسلامية مع التجديد
نحن لا ندعو هنا إلى تحطيم الجماعات وإقامة
جماعة أخرى، فهذا تعامل مع غير الواقع، بل إننا ندعو إلى وقفة لإعادة النظر في
فكرنا المتحرك اليومي وما يبنى عليه من طرائق في التحرك. فالفكر التجديدي الحركي
لا يأتي بمبدأ النقيض الذي استخدمه نيتشه في مجال التصور، وهيجل في مجال الفكرة،
وماركس في مجال الاقتصاد وبناء المجتمعات وهو مبدأ «إن كل شيء يهدم نفسه».
ففكرة التجديد الحركي لا تعني التخلي عن كل ما
هو سابق والتقاط كل ما هو لاحق والتجديد في الفكر لا يعني أن كل جديد أسمى من
السابق بالضرورة، كما أنه من الخطأ أن نرى العجز في الحركة الإسلامية ثم نقف لنبكي
ونلطم ما حصل للحركة بينما كان ينفعنا لهذا الوضع المريض السعي لجلب العلاج وتعلم
طرق الوقاية إذ إن الله ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء.
والحركات الإسلامية مرتقبة من الجميع لتحدث أثرًا
إسلاميًا، والحركات واقع لابد من التعامل معه وجعله من الوسائل المهمة لإعادة
الصياغة الإسلامية للمجتمع يقول المستشرق «جب» في كتابه (إلى أين يتجه الإسلام؟):
«إن الحركات الإسلامية تتطور عادة بسرعة مذهلة. تدعو إلى الدهشة فهي تنفجر انفجارًا
مفاجئًا قبل أن يتبين المراقبون من أماراتها ما يدعوهم إلى الاسترابة في أمرها،
وهي اليوم لا ينقصها إلا وجود الزعامة، إلا ظهور صلاح الدين جديد» (انتهى كلام جب).
أقول: وهذا التطور إن لم ينضبط بمنهاجية حركية
تجديدية قائمة على الكتاب والسنة وإجماع الأمة فيها من المرونة والسعة ما يعينها
على الاستفادة من كل مستجدات الحياة، وإن لم تكن هذه الأمور فسيصعب وجود الزعامة
المطلوبة وسيكون الضياع.
ولكي يتم قبول العاملين في الحركة الإسلامية
للطرح التجديدي للفكر الحركي لابد من أمور منها:
1. عدم التعصب للرأي المطروح بحيث لا يقبل الفكر بوجود
الآخرين.
2. ترك الجمود على الرأي المطروح وعدم المرونة فيه
وكأنه نص في كتاب الله.
3. الابتعاد عن سوء الظن في الفكر المقابل والنظر
للأطروحات السابقة بمنظار لا يرى الحسنات بل يضخم السيئات.
4. أن تكون الأمور المطروحة في دائرة ما يكون، وما
يكون أن يقع ويقبله أصحاب الحركات.
5. اتباع سنة التدرج التي خلق الله الأكوان عليها
فالإنسان والحيوان والنبات كل هذه تتدرج في مراحل حتى تبلغ بناها وكمالها.
فهذا عبدالملك
بن عمر بن عبدالعزيز -رحمهم الله- يطلب من أبيه الإسراع في إزالة المظالم فيقول
له: «ما لك يا أبت لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدر غلت بي وبك في
الحق!». فكان جواب الأب الفاهم لسنة التدرج: «لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر
في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه
جملة فيكون من هذا فتنة».
6. بيان أن التجديد منهج سلفي يزيل الجمود الفكري
والبدع وأنه في حدود النصوص الشرعية فهو تفاعل مع الإسلام فكرًا وسلوكًا واعتقادًا
ورجوع إلى الدين لأخذه من أصوله الثابتة وينابيعه الصافية، كما تعامل الصحابة
رضوان الله عليهم مع النصوص، حيث نظروا إلى الواقع من غير إبطال للنص وتعطيل للحكم
الديني، فعمر رضي الله عنه عند عدم إقامته لحد السرقة في عام المجاعة إنما طبق
قاعدة درء الحد بالشبهة وهذا أمر مقرر في الشرع وهو أمر متعلق بسبب معين، كما أن
تغير الفتوى في إطار الزمان والمكان إنما هو نتيجة للنضج وزيادة المعرفة للأدلة
الكلية والتفصيلية، ووعي بالظرف الذي تتم فيه الفتوى وعمق في واقعه، فلا تعارض أن
سبب التغيير في بعض الفتاوى نتيجة للنضج العلمي واكتمال معرفة الواقع، وقد عقد ابن
القيم «رحمه الله» فصلًا في ذلك في كتابه (إعلام الموقعين) بعنوان: «تغير الفتوى
واختلافها بحسب الأزمنة والأمكنة والنيات والعوائد»، وهذه داخلة في القسم الثاني
للشريعة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية.
رد من الشيخ جاسم مهلهل
أشكر الأخ محمد غالي على متابعته للمقالات.
وللتوضيح ذكرت في المقال المذكور «الجرأة في إعادة النظر» أن قضية فلسطين من
القضايا الثابتة بثبوت آيات القرآن الكريم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ
بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (الإسراء
: 1)، فقضية فلسطين من الثوابت عند المسلمين لا تتغير وإن حاولت جموع البشر
تفتيتها وتهميشها وتحويلها إلى مشاكل بشرية صغيرة.
جاسم
مهلهل
تربية العارفين
«لو احتجت إلى مالك ما وعظتك»
بقلم: محمد الجاهوش
دخل أحد الزهاد على الخليفة العباسي أبي جعفر
المنصور. فقال له: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة
تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده. قال:
فأفحم المنصور قوله، وأمر له بمال فقال: لو احتجت إلى مالك ما وعظتك. (البداية
والنهاية جـ 10 ص 126)
دروس وعبر
من أجلّ نعم الله على العباد: التوفيق إلى
إخلاص القول والعمل لله تعالى، ومن أكرمه الله تعالى بنعمة الإخلاص أجرى ينابيع
الحكمة على قلبه ولسانه ورزقه القناعة بما آتاه، فهو بعيد عن لوعة الطمع، قد فرغ
قلبه لأداء الواجب، وتعلقت همته بالفردوس الأعلى فتراه في سعي دائم وجهد ناصب لربط
أسبابه بكل ما يدنيه من تلك الغاية ويبلغه منازل السائرين إلى الله لا يثنيه عن
ذلك رغبة، ولا يصرفه عنه رهبة، تراه راسخ الإيمان ثابت الجنان، لا يخشى إلا الله،
ولا يعظم سوى حرماته سواء عند مجالس الملوك والأمراء أو المساكين والفقراء يبذل
النصح للجميع كل بما يناسب حاله ويسدد أفعاله، وأداء النصح نوع من الجهاد لاسيما
عند إسدائه لذوي النفوذ والسلطان، ولن يؤتي ثماره إلا إذا سلك الداعية المسلك
الصحيح للوصول إلى هدفه ومبتغاه.
من أسباب النجاح
يحرز الداعية النجاح، ويختصر الطريق لتبليغ ما
يريد إذا ما تزود بالقدر المناسب من الثقافة المتنوعة، وفقه واقع الناس، وراعى
الفروق الفردية والاجتماعية التي ترسخت عبر السنين وتقلبات الدول، فيرفق بمن
يدعوهم ويشعرهم بمحبته لهم وحرصه على سعادتهم، ونجاتهم، ويصبر على نفورهم وإعراضهم
فإن النعمة كثيرًا ما تُبطر، ولا يطيق التواضع مع الجاه والسلطان إلا عظماء
الرجال.
فليكن التذكير بأثر النعم، والحرص على دوامها،
وكيفية الإفادة منها مفتاح الحوار مع أصحابها. فإذا ما اقترن ذلك بالترفع عما في
أيديهم والزهد بما عندهم أنست له النفوس واطمأنت القلوب، ونال كلامه القبول وأثر
أحسن تأثير.
واعظ أبي جعفر
لقد أحسن المدخل إلى نفس الخليفة فأشعره بعظيم
مكانته وجليل نعم الله عليه فحري بمثله ألا تشغله متعة عابرة أو لذة عارضة عن سرور
دائم، ونعيم مقيم. ثم دعاه للاعتبار بمصارع من سبقه والنهاية الحتمية التي تنتظر
كل حي، وأول واجبات الخليفة أن يقيم الدين وينشر العدل ويرفع الحيف ليجد ثمرة ذلك أنسًا
في مسكن الوحدة، ونورًا يهديه يوم يقعد بالمسرفين عملهم، ويخبو نورهم، ويقفون
حائرين بائرين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلًا.
تتقطع أنفسهم حسرات وهم يرون أهل الإيمان يسعى
نورهم بين أيديهم وبأيمانهم تناديهم
(بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (الحديد:
12). فكم هو مغبون من يجد طريقه ممهدًا لبلوغ منازل الأبرار، ومراجعة الصديقين، ثم
يخلد إلى الأرض ويتبع هواه، وينغمس في حمأة الذنوب، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو
خير!
فالعاقل من اتعظ واعتبر، وقدم بين يدي قدومه
على ربه ما يعلي منزلته ويثقل ميزانه، وما أحوج الدعاة اليوم أن يصدروا عن هذا
الأدب، ويتحلوا بهذه القيم، ويشتغلوا بعظائم الأمور. مدركين ما يحدق بدعوتهم من
أخطار، وما يدبر لأمتهم من مكايد ومؤامرات.
وجدير بالمخلصين من الدعاة الذين اتصلت
أسبابهم بأهل الجاه والسلطان أن يكونوا شديدي الحيطة دائمي الحذر أهل يقظة وفطنة
مترفعين عن المكاسب الشخصية، يقدرون موارد كلامهم ومواقع خطوهم، أهل حلم وأناة،
أشداء عندما يستوجب الموقف الصدع بالحق والجهر به.
أما أولئك الذين تندلق أقتابهم عندما تلوح
المكاسب والمناصب فيلهثون وراءها حتى يعييهم الجري، ويضنيهم المسير، ويقدمون دينهم
ومبادئهم ثمنًا لعرض من الدنيا قليل، فهم أمة من الناس رضوا لأنفسهم الذيلية
والتبعية، واسترقهم حب الذهب وبريق الجاه، فلهم أن يطلقوا على أنفسهم ما شاءوا من
الألقاب والصفات إلا أن يكونوا دعاة إلى الله عز وجل!
سدد الله الخطى، ووفق الجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كيف تكون مربيًا ناجحًا
بقلم: عبد العزيز القصار – الكويت
لا شك أن التربية هي أساس استقامة الحياة
البشرية، ولقد بذل الباحثون فيها في عصرنا الحديث جهدًا مضنيًا لتحديد معالمها
ورسم أهدافها وخططها، وبعد كل هذه الدراسات يتساءل البعض كيف أكون مربيًا ناجحًا؟
ولكي تكون مربيًا ناجحًا لابد لك من عدة أمور
تستوعبها ثم تجعلها منهجًا عمليًا تسير عليه بخطى ثابتة نحو التربية.
أولًا: معرفة الفرد
معرفة نفسية وسلوكية ومادية وأسرية
قبل أن تحكم على أي فرد أو تبدأ معه مرحلة
تربوية لابد من معرفته معرفة جيدة وفي المنطق قالوا: الحكم على الشيء فرع عن تصوره
والمعرفة الجيدة بالفرد المراد تربيته تحدد مسار وملامح الخطة التربوية، فتراعي
عند التربية الظروف الأسرية وتضع في الحسبان النواحي المادية وتأثيرها على نفسية
الفرد، كما تتحقق من نفسية الفرد وكيفية تقبله ومؤثرات تغيره والمعرفة الفاحصة هي
التي تسهل الطريق وتختصر المسافات في سبيل الوصول إلى تربية ناجحة، وتحصل هذه
المعرفة بالمخالطة والمعايشة وتفقد أحوال الفرد، وهذا الكلام يجرنا إلى النقطة
الثانية وهي:
ثانيًا: الوصول إلى
درجة الثقة الكاملة والتفاهم المطلق
أول خطوة يخطوها المربي إلى سلم التربية أن
يصل إلى قلب الفرد فيطمئن الفرد بكفاءته وقدرته فتحصل بذلك ثقة مطلقة وتفاهم
مستوعب لكل متطلبات التربية ومشاقها، ولا نبالغ إن قلنا إنه وبدون الثقة والتفاهم
بين المربي والفرد تنعدم التربية، ويخطئ من يظن من المربين أن الأفراد يطبقون بدون
وعي ولا تفكير. فكيف يتقبل الفرد من شخص لا يثق به ولا يشعر بأي درجة من درجات
التفاهم معه، بل إنه لا يحس بإحساسه ولا يعرف ما يؤلمه، ولهذا كان لابد من التفاهم
والثقة المتبادلة بين الطرفين.
ثالثًا: تحديد
مواضع الخلل ومواضع الصحة
حتى تضع يدك على الألم يجب أولًا أن تعرف
مكانه وهو تشخيص الفرد ومعرفة جوانب النقص التي تسعى إلى إزالتها، وتحديد مواضع
الخلل عند الفرد تسهل عملية التربية إذ تبدأ في التربية بوعي، ولا ننسى تحديد
مواضع الصحة أيضًا إذ إنها بحاجة إلى تأكيد ومتابعة إذا كانت دون المستوى المطلوب،
بل قد يقع بعض المربين في خطأ عندما يشعرون أن بعض الأفراد قد درج على صفة حسنة
تعتبر من مواضع الصحة فينسونها ويهملونها ولا يؤكدون عليها، وبعد مرور الوقت تجد
أن الفرد قد بدأ يترك هذه الصفة الحسنة حتى تتلاشى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، إن
كان هناك فرد يحب طلب العلم والسعي له، والمربي يعرف ذلك فالواجب عليه ألا يهمل
تلك الصفة، بل لابد من حين لآخر أن يذكر بطلب العلم وتحصيله وفضله.
رابعًا: البدء
بالأهم ثم المهم
وبعد ما تقدم من نقاط يبدأ بعلاج وإصلاح
الجوانب المهمة أولًا، ويركز على تربية الفرد على ما يحصل به استقامته، ومما يجدر
الإشارة إليه أن المربي قد ينظر إلى الفضائل متساوية وينبغي الأخذ بها جميعًا،
وهذا من الناحية النظرية صحيح، ولكن من الناحية العملية صعب جدًا، وهذا الميزان
أخبر به الله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما
افترضته عليه» أي إن أفضل الأشياء التي يمكن أن يتقرب بها العبد إلى الله تعالى هي
الفرائض، ثم يأتي بعد ذلك النوافل، وفي هذا إشارة إلى اعتبار الأهم ثم المهم،
ولهذا يجب على المربي أن يحصر الفضائل المراد غرسها بالفرد ثم يبدأ بطريقة
الأولويات.
خامسًا: التدرج في
العلاج والتربية
يضرب علماء التربية لهذا المفهوم المثل التالي
وهو تدرج الطفل في المشي، فالطفل في بداية طريقه للمشي أول خطواته الجلوس ثم الحبو
ثم الوقوف ثم المشي، وهذا التدرج طبيعي وكذلك تربية الفرد فلابد من تدرج وإدخال
الفضائل إلى قلبه خطوة خطوة، ومن أراد أن يربي فردًا معينًا على صلاة قيام الليل
يبدأ معه بقيام ركعتين كل شهر، ثم أربع كل شهر ثم ثمان كل شهر ويستمر على ذلك.
ويبدأ بالأسهل ولا يبدأ بالأصعب في الأمور أو التي يحتاج الفرد في سبيل تحقيقها
إلى جهد ومشقة وأن القلوب إذا كلت ملت.
سادسًا: تبسيط
المعلومات المراد غرسها في الفرد
السهولة وعدم التعقيد أساس وصول المعلومة إلى
ذهن المتلقي، والإسلام جميعه يسر وسهولة في العقائد والعبادات والمعاملات والمربي
الناجح هو الذي يقدم للفرد الفضائل بصورة واضحة المعالم سهلة التطبيق بعيدة عن
الغلو والتعقيد، ولهذا يجب على المربي أولًا أن يشرح للفرد كل ما هو مقدم عليه من
أمور التربية ويضعه أمامه بدون أي لبس أو غبش.
سابعًا: أسلوب
المحاورة يفتح الآفاق للفرد
قليل من المربين هم الذين يحاورون أفرادهم في
جوانب الارتقاء بهم وكيفية معالجة القصور لديهم، ولهذا يجب على المربي أن يشرك
الفرد في علاج مشاكله وجوانب الضعف منه والأمور التي يريد أن يغرسها في نفسه
ويجعله شريكًا في الحوار إذ عليه مرتكز الارتقاء وبدونه تصبح التربية حبرًا على
ورق لا تقدم وقد تؤخر.
ويتساءل كثير من المربين عن سبب تأخر بعض
الأفراد في التربية والإصرار على جوانب النقص! فقد يكون من الأسباب انقطاع حبل
المحاورة والنقاش العقلي الهادئ بأسباب الضعف وجوانب النقص، فالحوار يضع الفرد
أمام الأمر الواقع بصورة جلية واضحة، وقد تتفتح الآفاق بعد المحاورة فيستفيد منها
كلا الطرفين المربي والفرد.
ثامنًا: استخدم
أكثر من وسيلة في التربية
لا تتردد في استخدام أكبر عدد من الوسائل في
التربية واستعن بالتقنيات التربوية الحديثة ولا تكن وسيلتك في التربية واحدة لا
تتغير ولا تتبدل فالنفس بطبيعتها تكره الأمر الاعتيادي المتكرر، ولهذا فلابد من
الابتكار في وسائل جديدة للتربية ولا بأس بالاستعانة بأهل الخبرة في هذا المجال.
تاسعًا: لا تختلط
عليك الأوراق
لكل خلق وفضيلة طريقة معينة لغرسها فلا تختلط
عليك الأوراق، فإذا استخدمت أسلوبًا معينًا لتربي الفرد على خلق معين فليس
بالضرورة أن هذه الطريقة وهذا الأسلوب ينفع في كل خلق. فوسيلة الوعظ الإيماني تربي
الفرد في الجوانب الإيمانية والعبادات القلبية كالخشية والمراقبة وغيرهما، ولكن
ليس بالضرورة أن تؤدي دورها فيما لو أردت أن تربي الفرد على الجهاد أو طلب العلم
فلكل خلق ما يناسبه من الوسائل.
عاشرًا: الوقت جزء
من العلاج
وأخيرًا -وليس آخرًا- اعلم أن الوقت جزء من
العلاج فلا يستطيع أن تقطف الثمرة قبل أوانها فلابد من وقت حتى تنضج وتزهر والمربي
الناجح هو الذي يرسم هدفه واضحًا منذ البداية ويجعل لكل فترة معينة أخلاقًا معينة
يربى عليها أفراده والذي يحتاج إلى علاج أو إلى طول وقت يضع ذلك في الحسبان ومن
استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل