العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1539
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003
مشاهدات 66
نشر في العدد 1539
نشر في الصفحة 54
السبت 22-فبراير-2003
وقفة تربوية
فقه المحنة وفقه العافية (1)
كثير من الدعاة إلى الله في كثير من بلاد الله الواسعة لا يتصورون الدعوة إلى الله إلا من خلال السجون والمعتقلات والملاحقة والتعذيب والتحقيق وحياة السراديب والصدام مع السلطة ومع بقية الأحزاب المخالفة، بينما الحقيقة أن هذا ليس هو الأصل، وإن حدث وتكرر، بل الأصل هو محبة الناس وتمني الخير لهم. ودعوتهم بالرفق، ونشر الخير بينهم وحثهم عليه، والابتعاد عن العنف، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى الصدام وخسارة الأرواح والأموال والأعراض.
فليس صحيحًا أن يبقى الآلاف من الدعاة إلى الله أسرى أدبيات فقه المحنة «السجون - الأغلال – الدماء – التعذيب - المشانق - الملاحقة... إلخ»، بل لا بد أن يعيشوا فقه العافية، ويسعوا إلى الأصل، قبل الاستثناء الذي لا يقومون به إلا مضطرين، بعد أن تسد كل السبل وتوصد كل الأبواب، الأصل هو اللين ورحمة الناس، كما قال ربنا ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ﴾ (آل عمران: 159).
وكما أوصى ربنا رسوله موسى وأخاه هارون - عليهما السلام - عندما وجههما إلى فرعون الذي ادعى الألوهية، فقال لهما ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 44).
والأصل الرفق بالناس، ونبذ العنف كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» (مسلم 2594).
ففقه العافية هو الأصل الذي يجب على الدعاة أن يعود ويسعوا إليه، وأن ينعتقوا من أسر فقه المحنة الذي يجعلهم يدورون في حلقة مفرغة.
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
لذوي الهمة العالية
إدارة الوقت.. منطلق النجاح
حفظ القرآن.. طلب العلم النافع وممارسة الرياضة أفضل مجالات استثمار الوقت
هاشم عبد الرزاق هلال
كرم الله الإنسان وصوره في أكلم صورة وأحسن تقويم، وفضله على سائر المخلوقات، وكلفه بمهمة عظيمة ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30).
إذن هي مهمة الخلافة في الأرض، تلك المهمة التي تقتضي منه إعمارها، واستخراج مكنوناتها لنفع البشرية والعمل على إعلاء دين الله عز وجل وتعبيد العباد لله رب العباد، وهذه المهمة تتطلب من الإنسان دوام الاجتهاد حتى يكون أهلًا لتحقيقها على أحسن وجه وأتم صورة.
وحتى يستطيع الإنسان أن يحقق تلك الأهداف والغايات كان لا بد له أن يعرف أنه في سباق جاد مع الوقت الذي هو الحياة.
فإذا عرف الإنسان أنه ليس إلا أيامًا معدودة وأنفاسًا معدودة في هذه الأرض، وأنه يجب عليه اغتنام الشباب قبل الهرم والصحة قبل المرض والفراغ قبل الشغل، وأن هذه الأرض ما هي إلا مزرعة للآخرة، كان عليه حسن التقدير والاغتنام للوقت، وكان عليه أيضًا التخطيط لتحقيق أكبر قدر من الإنجازات في هذا العمر القصير.
إدارة الوقت
ومن هنا تتبين أهمية إدارة الوقت، فعبر تخطيط للوقت جيد، وتقسيم للأعمال مناسب، يستطيع الإنسان أن يشغل وقته بكل ما هو مفيد ونافع، وليس هناك تخطيط مثالي للوقت ملائم لكل الناس، ولكن كل إنسان أعلم بظروفه وطبيعته، وعلى ضوء ذلك يستطيع أن يحدد لنفسه الطريقة المثلى لتحقيق الاستفادة المثلى من الوقت.
وهنا بعض الاقتراحات التي أرى أنها تساعد الإنسان على استغلال وقته، وتزوده بالمهارات الله اللازمة التي تجعل منه إنسانًا ناجحًا.
1 - قراءة القرآن الكريم وحفظه:
يستطيع الإنسان أن يجعل لنفسه وردًا يوميًا يلزم نفسه بقراءته صباحًا عند الاستيقاظ، وخلال وقت الفراغ لديه عصرًا كان أم ليلًا، وأخيرًا قبل النوم، ففي ذلك كل البركة في أن يفتح الإنسان يومه بذكر الله، قال تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
كذلك يستطيع الإنسان أن يجعل لنفسه آيات معينة من كتاب الله يداوم على حفظها يوميًا أو أسبوعيًا، ولا يشترط لهذا الأمر أن يلتحق بدار تحفيظ وإن كان ذلك أفضل، ولكنه يستطيع أن يلزم نفسه بحفظ صفحة يوميًا أو على حسب طاقاته، ويستعين بأحد الإخوة في تسميع تلك الصفحة.
2 - حفظ الأحاديث:
بإمكان المسلم أن يحفظ مجموعة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يبدأ بالأربعين النووية، ثم يتدرج إلى مجموعة من أحاديث الصحاح، وهكذا.. المهم التواصل والاستمرار وزرع روح الإرادة والتصميم واستحضار ثواب طلب العلم النافع والعمل به.
3 – القراءة:
وهي أعرق وسيلة للثقافة، حتى أن أول آية نزلت من القرآن هي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1).
والقراءة في الكتب والمطبوعات المفيدة تزود الإنسان بالعلم النافع وتهذب نفسه وتربيها على خصال الخير، وقد قيل إن القراءة غذاء النفوس، وكلما كثرت قراءات الإنسان كانت له قدرة على التحليل وإبداء الرأي السليم، وكان له كذلك التقدير والاحترام من الناس.
وعلى الراغب في الثقافة المفيدة أن يبدأ بالكتيبات النافعة حتى يعود نفسه على مهارة القراءة، وأن يتدرج في ذلك، وعليه أن يلزم نفسه بقراءة عدد من الصفحات يوميًا في كتب السيرة والأعلام، وبعدها يتدرج إلى كتب السياسة والاقتصاد، وكلما كانت الكتب المقروءة متنوعة كانت الحصيلة الثقافة أكبر، ولعل أجمل ما يقرأ المسلم بعد القرآن والسنة والعلم الشرعي كتب علو الهمة وتطوير المهارات وتنمية الذات.
4 - حلقات الذكر والعبادة والمدارسة:
وهذه من الوسائل المهمة التي تزيد الإنسان ارتباطًا بالله عز وجل وتساعده على تربية نفسه وزيادة تقواه وورعه ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا (7) فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا (8) قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (9) وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا (10) ﴾ (الشمس: 7: 10).
وقد يتم في هذه الجلسات مدارسة بعض الكتب النافعة ومناقشتها، بما يعود بالنفع على جميع الحضور، ويتم من خلال هذه الجلسات أيضًا تطوير ملكة الإلقاء والحوار.
5- تصفح الإنترنت:
وهذه وسيلة مهمة صارت حديث العصر، وأصبحت وعاءً كل يدلي بدلوه فيه، وهي تحتوي على منافع كثيرة، وإن كان لا تخلو كذلك من مساوئ كثيرة منها إهدار الوقت فيما لا يفيد ولكن من جعل النافع غايته أتاه النافع بل وسهل الله أمره ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (سورة الطلاق: 4)، والإنترنت وسيلة لزيادة ثقافة الإنسان وحصيلته بل والمساهمة فيه مساهمة نافعة وطيبة لخير الأمة ونفعها.
وفي ضوء ذلك يستطيع الإنسان أن يتعلم تصميم ونشر الصفحات ويعمل على الاطلاع على برمجيات الإنترنت وتعلم البرامج المساعدة في تحريك الصور وتعلم برامج البريد الإلكتروني وإنشاء القوائم البريدية وإدارتها.
6 – الرياضة: وهي كذلك وسيلة مهمة لتجديد طاقة البدن والمحافظة على سلامته، وقد قيل إن العقل السليم في الجسم السليم، ويستطيع الإنسان أن يؤدي بعض التمرينات الرياضية الخفيفة يوميًا، لتحقيق هذا الهدف.
هذه بعض الاقتراحات التي قد تساعد المرء على الاستفادة من وقته في كل مفيد ونافع، وهناك الكثير لم أذكره، ولكن كل إنسان يعرف أولوياته في الحياة ومجالات تخصصه وإبداعه ومن خلالها يستطيع تطويع وقته، بل وإدارة ذاته الإدارة الفاعلة.
وما يجب أخذه دائمًا في الاعتبار أهمية التدرج في الأعمال وعدم التسرع، والاستمرار والمواصلة، وذلك بالإرادة والمثابرة والعمل على تنويع البرامج لتجنب الملل، وتحديد وقت وبرنامج لكل عمل يراد إنجازه، وأخيرًا تجديد الطاقة والحياة بالترفيه المباح.
و25 وصفة للنجاح
للنجاح مذاق خاص وهو هدف يسعى إليه كل إنسان.. مؤمنا كان أم كافرًا.. برًا كان أم فاجرًا.. متعلمًا كان أم جاهلًا.. ولكن شاءت إرادة الله أن يجعل لكل شيء سببًا، فإذا كنت ممن يطمحون للنجاح.. فإليك هذه الوصايا الغالية.
حاول أن تعمل بها بعد أن تخلص نيتك لله تعالى:
1 - حدد هدفك في الحياة بدقة.. واعمل على تحقيقه.
2 - اكتشف القدرات والمواهب التي تتميز بها.. ثم وظفها في سبيل بناء ذاتك.
3- اعمل بقدر ما تستطيع.. وابذل ما في وسعك من جهد وطاقة.
4 - لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.. بل سارع إلى تنفيذ أعمالك في أوقاتها.
5 - حذار من التسويف والمماطلة.. فالوقت هو الحياة.. يجب أن تستغله فيما يرضي الله.
6 - إياك والكسل والضجر والملل. وعليك بالمثابرة والجدية والعمل المتواصل.
7 - استوعب حقائق الحياة الكبرى.. واطلع على قوانينها وأسرارها وسننها.
8 - استفد من تجارب الآخرين.. فإن في التجارب علم مستحدث.
9 - قاوم الشهوات والغزائر والأهواء التي تقبع في داخلك.. بالعقل والإرادة والترشيد.
10 - لا تستسلم للإحباطات والإخفاقات.. بل حول إخفاقاتك إلى دروس عملية تتعلم منها كيفية النجاح.
11 - اطلع على حياة العظماء.. واقرأ سيرتهم وتعرف أسرارهم.. ففي حياتهم الكثير من الدروس والعبر.
12 - صادق النابهين.. وتعلم من تجاربهم في الحياة.
13 - ثق بنفسك وتأكد أنك لست أقل قدرًا من الآخرين.
14 - استثمر الفرص التي تمر عليك.. فإنها تمر مر السحاب.
15 - ابتعد عن التوافه.. ولا تشغل نفسك بسفاسف الأمور.. وعليك الاهتمام بمعالي الأمور.
16 - فكر قبل الإقدام على أي عمل.. ثم اعمل.. ولا تعمل ثم تفكر.
17 - عش في الحاضر.. لا تندم على الماضي.. وخطط من أجل المستقبل
18 - تعاون مع الآخرين فإنك لا تعيش في عالم وحدك.. والتعاون هو طريق التكامل.
19 - اعتن بصحتك ولا تفرط فيها.. فإنها أغلى من الذهب.
20 - اعتمد على الله.. ثم على نفسك ولا تكن اتكاليًا على الغير.
21 - احرص دائمًا على أن تشجع نفسك بنفسك.. ولا تنتظر من يشجعك.
22 - لا تفقد الأمل فمهما طال الليل.. لا بد من شروق الشمس.
23 - اعرف الأولويات واعمل على تحقيقها أولًا.
24 - لا تغضب.. واحتفظ بهدوئك في تعاملاتك مع الناس.
25 - تحل بالصبر والهمة العالية.. واعلم أن طريق النجباء مليء بالأشواك.
المجتمع التربوي
مراقبة الله.. طريقنا إلى اليقظة الروحية
الضمير الحي يوقد فتيلة الإيمان في القلب فيعود العود إلى رحاب ربه تائبًا نادمًا
د. يسري عبد الغني (*)
إذا مات الضمير وانعدمت المراقبة فشت الفوضى وعمت المنكرات
المسلم- حقًا - يراقب ربه سبحانه وتعالى في سره وعلانيته، يراقبه في عبادته كلها، وفي عمله كله، في بياض النهار وسواد الليل، حينما يكون في مأمن من عيون الناس، كما يراقبه وهو معهم وبينهم.
يمثل لنفسه – دائمًا - عظمته، وهيبته وجلاله، ويذكر نفسه دائمًا بأن عينه جل علاه لا تغفل ولا تنام، وأن مراقبته له لا تنقطع عنه في ليل أو نهار.
والمسلم يوقن تمام اليقين أن ظاهره عند الله كباطنه، وسره كعلانيته، لماذا؟ لأنه يعلم أنه عليم خبير سميع بصير، سبحانه لا تخفى عليه خافية في أرضه ولا في سمائه ولا في كونه كله.
﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 3)، يطلع سبحانه وتعالى على خبايا نفسه، مصداقًا لقوله تعالى ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (سورة طه: 7).
ولقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ﴾ (الأعلى: 7).
يذكر نفسه - دائمًا - بأن ربه القادر معه حيثما كان، في أي مكان كان، في أي زمان كان، على أية حال كان.
قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 7).
وأنه تعالى، يسمع أقواله الهامسة، ويرى أفعاله الخافية، ويعلم ما يجول في خاطره، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: 16).
ولقد عبر عن ذلك المعنى رسول الله ﷺ حينما سئل عن الإحسان، فقال ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (من حديث متفق عليه).
فالمسلم كامل الإسلام، يتصرف دائمًا وفق هذا الهدي النبوي الحكيم، فهو يراقب ربه جل شأنه في كل أمر من أموره، يراقبه حينما يعبده يراقبه، حينما يعمل يراقبه، حينما يبيع أو يشتري، يراقبه في كل حركاته وسكناته.
يراقبه في فعله، وفي قوله، فلا يغش، ولا يختلس، ولا يسرق، ولا يطفف كيلًا أو وزنًا، ولا يتعامل بالربا أخذًا أو عطاء، وكيف يفعل ذلك وهو يعلم أن ربه معه؟!
وقديمًا قال بعض الصالحين: إذا أردت أن تعصي مولاك فاعصه في مكان لا يراك فيه!!
ومحال أن يخلو مكان ما من إحاطة علم الله سبحان و تعالى به.
المراقبة والضمير
وهنا نريد أن نقف أمام العلاقة بين المراقبة والضمير، ونستطيع القول إن المراقبة الصادقة تحيي في داخل المرء ما يحلو للبعض أن يسميه «بالضمير».
لكن ما هو ذاك الضمير الذي طالما تكلم عنه أهل الفكر والفلاسفة؟
الضمير هو الشعور النفسي الذي يقف من المرء موقف الرقيب، يحث على أداء الواجب وينهى عن الإهمال والتسيب والانفلات والتقصير، ويحاسب بعد أداء العمل، مستريحًا للخير والإحسان، مستنكرًا للشر والإساءة.
هذه اليقظة الروحية هي حقيقة الإيمان وجوهره، وهذا المعنى هو ما يحلو للبعض أن يطلق عليه اسم «الضمير»، وإلى ذلك يشير الهادي البشير صلى الله وعليه وسلم في حديث أبي أمامة رضي الله عنه، إذ يقول: «سأل رجل النبي صلى الله وعليه وسلم فقال: ما الإثم؟ فقال: إذا حاك في نفسك - أي وقع في نفسك شك - شيء، فدعه، قال: ما الإيمان؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا ساءتك سيئتك، وسرتك حسنتك، فأنت مؤمن» (رواه أحمد بسند صحيح).
فتيلة الإيمان
نقول: إذا راقب العبد ربه الخبير العليم، أو قل: إذا كان المرء عنده يقظة روحية، وضمير حي، تراه إذا أخطأ في تصرفه، وتنكب الصراط السوي - فعمل معصية، أو ارتكب إثمًا - سرعان ما يتنبه منه هذا الضمير، فيدق على الفور ناقوس الخطر
داخله، وتشتعل فتيلة الإيمان في قلبه، فيبصر على ضوئها مسلكه المعوج، وتورطه فيما نهى عنه رب العالمين جل شأنه، فيقلع عما فعله، ويعود من قريب إلى رحاب الإيمان، تائبًا نادمًا.
يقول الله سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201).
ويقول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 135)
ولقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه اليقظة الروحية، وإلى ذلك الضمير الحي اليقظ حيث قال: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تعوجوا، وداعٍ يقول «أو يدعو» من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب «أي من ستورها المرخاة» قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله والداعي من فوق الصراط: واعظ الله» (رواه أحمد بن حنبل في مسنده).
«وواعظ الله في قلب كل مسلم» هو ما يحلو للناس أن يطلقوا عليه اسم الضمير، والذي لا ريب فيه أنه لن يكون إلا في قلب أراد الله تعالى بصاحبه الخير، مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله عبدًا جعل له واعظًا من نفسه وزاجرًا من قلبه، يأمره وينهاه» (رواه الديلمي عن أم سلمة رضي الله عنها بسند صحيح).
عودة إلى الله
إن مشكلة عصرنا الذي نحياه تتمثل في انعدام هذه المراقبة، ونشأ عن ذلك موت الضمير عند كثير من الناس، وبموت الضمير فشا فينا كثير من الموبقات القاتلة، فأصبحنا نرى في مجتمعنا مظاهر شتى للانحراف، والسرقة، والاختلاس، والاستغلال، والانتهازية، وغير ذلك من السلبيات، مما طلى جوانب كثيرة من حياتنا بطلاء قاتم.
إن أصحاب الضمائر الميتة يتجرؤون على تجاوز حدود الله جل علاه، ويستهترون بكل قيمة ومبدأ، إنهم أنانيون، لا يتجاوزون حدود ذواتهم، ولا يهتمون إلا بمصلحتهم فقط لا غير، ولو تحققت على حساب مصلحة الغير.
ولن تعود إلى مجتمعنا تلك السمات الرفيعة: الإيثار، والمحبة، والمودة، والإخاء، إلا بإيقاظ هذه الضمائر الميتة، ولا سبيل إلى إيقاظها من سباتها العميق إلا بعودتنا الحقيقية إلى ديننا الحنيف والتخلق بأخلاقه والتحلي بآدابه، وأقصر طريق يوصلنا إلى ذلك هو مراقبة الله عز وجل.
(*) باحث ومحاضر في الدراسات الإسلامية.
الترجمة والدعوة إلى الله
أحلام علي
كم من المسلمين في شتى بقاع الأرض لا يقدرون على قراءة القرآن الكريم والحديث الشريف لعدم فهمهم اللغة العربية؟ وكم من اناس يرغبون في معرفة الإسلام وحضارته ولكن يحجبهم عن ذلك حاجز اللغة؟ وكم من الناس أضلهم الأعداء بسبب كتاباتهم التي شوهت صورة الإسلام وشككت فيه؟ من هنا تبرز أهمية دور الترجمة الدينية في الدعوة إلى الله.
كانت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية - لغة العلم في أوروبا آنذاك - سنة 1143م، إذ قام النصارى بترجمته لدراسته من أجل تشويه حقائقه والرد عليه.
ففي سنة 1132م دعا الراهب الفنرايلي بفرنسا إلى ترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية حتى يسهل على رجال الدين المسيحي هناك مناقشته وإثارة الجدل حوله ونقده وإثارة الشكوك حوله.. هذا ما قصده مترجم القرآن إلى لغتهم، وقد قام بهذه الترجمة راهبان هما دوبرت وهرمان وأتما الترجمة سنة 1143م، وظلت هذه الترجمة مخطوطة في عدة نسخ تتداولها الأديرة إلى أن تم طبعها في مدينة بال بسويسرا سنة 1543م (1).
والذي حدث في تاريخ ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات العالم أن أغلبها تم بأقلام غير المسلمين، وكان هدفهم واحدًا وهو تعريف الناس بالإسلام من وجهة نظرهم وقصدهم الخبيث، لذلك صدوا الناس عن طريق معرفة الإسلام كما ينبغي معرفته.
ولما بدأ المسلمون يترجمون معاني القرآن الكريم إلى اللغات الحية بدأ الناس من هنا وهناك يقبلون على دين الله لما يرون فيه من عالمية واتزان بين الدنيا والآخرة، وقد كانت جهود المسلمين في ترجمة معاني القرآن الكريم والعلوم الإنسانية محصورة في نطاق ضيق جدًا، حيث لم يقم بهذا العمل إلا أفراد ضحوا بأنفسهم وأوقاتهم لإبلاغ ما فهموا من العلوم الإسلامية ومعاني كتاب الله عز وجل إلى الناس بمختلف اللغات، وهناك جهود ومحاولات لا تخفى على أحد في توضيح الحقائق الإسلامية للناس بواسطة ترجمات معاني القرآن (2)، وهناك جهات عدة تهتم بقضية الترجمة نذكر منها:
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة: الذي يقوم بطباعة كتاب الله العزيز وترجمة معانيه إلى اللغات الحية وتوزيعها بالملايين من النسخ على المسلمين أينما وجدوا، وتزويد المساجد والمدارس والمؤسسات والمراكز الإسلامية بها، وقد تم في هذا المجمع ترجمة معاني القرآن الكريم إلى ثلاثين لغة منها: الإسبانية – الأوردية- الكورية- الكشميرية – الفرنسية - الإنجليزية.
- الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد: وتعد من أقدم الجهات الإسلامية بالمملكة العربية السعودية التي تقوم بترجمة معاني القرآن الكريم إلى مختلف لغات المسلمين وتتعاون في ذلك مع مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة.
- الندوة العالمية للشباب الإسلامي: ولها جهود حثيثة في هذا المجال، إذ يزيد عدد الكتب والنشرات التي تولت إصدارها على مائة كتاب ونشرة باللغات الإنجليزية والفلبينية والإندونيسية وغيرها.
- جهود خاصة: هناك جهات إسلامية خاصة مهتمة بالترجمة الدينية مثل بعض المكتبات الخاصة، وهناك أيضًا جهود فردية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما قامت به الأستاذة الدكتورة إيمان الزيني - الجامعة الأمريكية بالقاهرة - إذ ترجمت فقه السنة إلى اللغة الإنجليزية، وما يقوم به الداعية الشيخ عباس قديم - مدير مركز دعوة الداعية الجاليات بالمدينة المنورة - من جهود كبيرة في ترجمة الكتب الدينية إلى الإنجليزية والفرنسية.
إيجابيات وسلبيات
وللترجمة الدينية إيجابيات وسلبيات، فمن إيجابياتها: إسلام كثير من الناس عن طريقها، مثال ذلك المغني البريطاني السابق كات ستيفنز الذي أصبح «يوسف إسلام»، فبعد أن تحدث عن وقت ضلاله وضياع عمره في ملذات الدنيا وحيرته في البحث عن الحق قال: «وفي عام 1975م حدثت المعجزة بعد أن قدم لي شقيقي الكبير نسخة من القرآن الكريم هدية وبقيت هذه النسخة معي حتى زرت القدس في فلسطين، وبعد تلك الزيارة بحثت عن القرآن الكريم ورأيت أن أطلع على ترجمته ومن أول وهلة شعرت أن القرآن يبدأ باسم الله وكانت مؤثرة في نفسي، لقد أجاب القرآن عن كل تساؤلاتي.. ثم فكرت أن أكون مسلمًا حقيقيًا فاتجهت إلى مسجد في لندن وأشهرت إسلامي» (3).. هكذا اهتدى «يوسف إسلام» إلى الإسلام بفضل الله ثم بفضل ترجمة معاني القرآن التي قرأها باللغة الإنجليزية.
وكما أن هناك إيجابيات هناك أيضًا سلبيات منها جهل كثير من المترجمين بالإسلام عمومًا وخصوصًا عقيدة أهل السنة والجماعة التي سار عليها السلف، وكم توجد ترجمات رديئة مليئة بالأخطاء في كثير من الجوانب مما يجعل صاحب اللغة يشمئز منها، ومن السلبيات أن الذي يقومون بالترجمة متخصصون في الترجمة، إلا أنهم يجهلون كثيرًا عن الإسلام وإما لديهم فقه في الإسلام ولكنهم ضعفاء في اللغات التي ينقلون إليها غير متقنين لها (4).
وأخيرًا لا تزال قضية الترجمة الدينية محصورة في نطاق ضيق، فلا بد من مراكز ومدارس علمية يتخصص فيها المسلمون لدراسة العقيدة الإسلامية الصحيحة واللغة العربية واللغات الأجنبية للقيام بالترجمة التي تعد جزءًا كبيرًا من وسائل الدعوة الإسلامية.
الهوامش
1 - المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، محمد محمود الصواف.
2 - دور الترجمة الدينية في الدعوة إلى الله، أبو عبد السلام النيجيري.
3 - العائدون إلى الله محمد بن عبد العزيز، المسند.
4 - دور الترجمة الدينية، مرجع سابق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل