; المجتمع التربوي.. عدد 1525 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1525

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002

مشاهدات 69

نشر في العدد 1525

نشر في الصفحة 48

السبت 02-نوفمبر-2002

وقفة تربوية 

طريق الفضائل

الكثير من الآيات والأحاديث يذكر لنا حقيقة إيمانية كبرى، لا يمكن لأحد أن يسلك طريق الإيمان ويثبت فيه إلا ويدركها، ألا وهي أن هذا الطريق فيه الكثير من العوائق التي يطلق عليها القرآن لفظ «البلاء» ومن هنا يظهر الجهاد والتزكية لهذه النفس التي تأمر صاحبها وتزين له السوء وعدم ركوب الصعاب ومن هنا تظهر معادن الرجال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9- 10) فالمفلحون الناجحون في هذه الحياة وفي الآخرة هم الذين أدركوا هذه الحقيقة وقاوموا هذه الأنفس المزينة للكسل والراحة والسلامة والابتعاد عن الصعاب.

إنها تشتد عليهم وهم يقاومونها ويزكونها، ليرتقوا بها إلى نوع آخر من النفوس النفس اللوامة ثم النفس المطمئنة ومن لم يدرك هذه الحقيقة، فما أسهل السقوط والانتكاس الذي يلاقيه عند أول الطريق، وعند أصغر نوع من البلاء هؤلاء هم الذين يأبون دخول الجنة، كما قال عنهم الرسول صلي الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»، إن أمثال هؤلاء يصيح بهم الإمام ابن الجوزي قائلاً: «طريق الفضائل مشحون بالبلاء ليرجع عنها مخنث العزم».

«اللطف في الوعظ ٤٤».

أبو خلاد 

albelali@bashaer.org

ونحن مقبلون على شهر رمضان

كف اللسان عن الآثام.. أول مراتب الصيام

من حادثة الإفك عشرة آداب تجاه الكلمة غير المسؤولة.. أهمها التثبت وحسن الظن.. والنظر في عواقب الأمور 

خسارة المجتمع المسلم بشيوع تهمة غير محققة أفدح من خسارته بالسكوت عنها

محمد عبده

إطلاق اللسان ليخوض في أعراض الناس وينهش لحومهم أشد خطرًا من إطلاق العنان للشهوة المادية من طعام أو شراب، لأن خطر الأول وآثاره تمتد فتحرق الآخرين وتؤذي سمعتهم وتجعلهم نهبة لغير ذوي المروءة والتصون ومراقبة الله.. أما آثار الآخر فلا تتعدى صاحبها وضرره لا يصيب سواه.

ولعل ما يحلو لكثير من الناس، لا سيما في المجالس الخاصة الخوض في أعراض بعض المشاهير وعلى رأسهم الفنانون والرياضيون وقذفهم بتهم ورميهم بآثام قد يكونون منها براء، وهذا الأمر في غاية الخطورة يوجب تنفيذ حد القذف على من أطلق ذلك الكلام وهو ثمانون جلدة كما أمر القرآن الكريم. 

وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم له من يأمر امرأتين بأن تقينا بعد أن خاضتا في أعراض الناس- وكانتا صائمتين- وقد صدق جل شأنه وهو القائل: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (الحجرات: ١٢). 

ومما لا شك فيه أن الصمت أفضل في كثير من الأحيان مما لو خاض الإنسان في كلام لا يعنيه أو استرسل في كلام لا طائل منه خاصة إذا كان هذا الكلام يتعلق بالآخرين... فيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى معصية يصيبها أو ذنب يقترفه يقول تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: ١١٤)، فالخوض في أعراض الناس والتحدث عنهم أمر مرفوض في الصف المسلم والجماعة المسلمة الذين يصفهم القرآن بأنهم كالبنيان المرصوص، وقد حذرنا الرسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة الكلام إلا في الخير، فقال :«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (رواه مسلم)، والعبد الفطن هو الذي يسمع كثيرًا ولا يتكلم إلا قليلاً، فإذا تكلم غنم، وإذا سكت سلم، فمن تكلم كثيرًا كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه وتبقى الحكمة الخالدة: من صمت نجا. 

فالمتحدث كثيرًا لا يقدر على أن يمسك لسانه ولعل من أخطر الأمور تناقل الكلام والتحدث عن الغير من دون أي ضوابط فتساق الاتهامات دون تثبت أو دليل، فتكثر القلاقل وتوغر الصدور وتضعف الروابط بين الناس، وتقطع الأرحام الموصولة، وتفصم عرى المحبة بين الأقران فإذا قيل إن نقل الكلام ضرورة ملحة وتقتضيه المصلحة العامة في بعض الأحيان، وسلمنا بذلك فلا بد من الوقوف عند ثوابت وخطوط حمر لا نتعداها قبل الخوض واتهام الآخرين.

 فما هذه الضوابط؟

سوف نستقي هذه الضوابط من حادث الإفك والذي عرضه القرآن الكريم في سورة النور.. فلقد كان لتناقل الحدث وكثرة الكلام فيه أثره البالغ على رسول الله ﷺ والسيدة عائشة أم المؤمنين والصحابة رضوان الله عليهم. 

.... فتعال... معي أخي الكريم.. أختي الكريمة نتعلم كيف نتعامل مع الكلمة إذا أشيعت وتناقلتها الألسن!! 

أولاً: عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير:

فلو نقلت إلينا أخبار تنال إخواننا بالتجريح فتشكك في أخوتهم وطهارة لسانهم، ونقاء سيرتهم، فلا بد من عرض الكلام على قلوبنا، وأن نستفتي فيه ضمائرنا، ونسأل أنفسنا: لو كنا مكانهم هل يمكن أن نفعل ذلك؟ وهم المعروفون لدينا بسلوكهم القويم وأخلاقهم الحسنة، ففي حادث الإفك نشر الخبر وأذيع بين الناس، وكان فيمن تكلم فأحسن أبو أيوب الأنصاري، إذ قال لزوجته عندما سألته أما تسمع ما يقول الناس في عائشة- رضي الله عنها؟ قال: نعم، وإنه الكذب، ثم يستطرد سائلاً: أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة خير منك. 

ثانيًا: التثبت بالدليل والبينة: 

فإذا عقدنا العزم على تناقل الخبر بغرض المصلحة العامة، وحسن النية فلا بد من التثبت واستحضار الأدلة والبراهين التي تؤيد ما يشاع. فلا يعقل أبدًا أن نسوق الاتهامات وننشرها بين الآخرين لمجرد الرغبة في الكلام والتحدث... اللهم إذا كان الغرض من هذه الثرثرة هو إحداث البليلة وإفساد ذات البيت وإيغار الصدور... فافتقار الخبر إلى دليل قد يظلم شخصًا بريئًا، وفي حادث الإفك يبين الله تعالى موضحًا غفلة المؤمنين وتناقلهم الخبر وهو مفتقر إلى دليل فيقول تعالى: ﴿لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۖ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (النور: 13)، فما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هيئة وأن تشيع دون تثبت ولا بينة.

ثالثًا: تقديم الظن الحسن قبل الظن السيئ في الأمور التي تحتمل وجهين:

فالظن أكذب الحديث.. ولو أنا فرضنا سوء ظن في كل أقوالنا لتخاصمنا جميعًا استجابتنا لإذاعة الأخبار وترويجها، وتصديقها لأول وهلة.. من شأنه أن يبث الضغينة في القلوب خاصة إذا ثبت بعد ذلك براءة من اتهمناه.. 

السيدة عائشة وهي الطاهرة العفيفة بعدما تكلم وتناقلت الألسن ما تناقلته وخاض من خاض من الصحابة كحمنة بنت جحش وحسان ثابت.. ومسطح بن أثاثة، جاء القرآن ليضع حدًا لهذه الفوضى مبرئًا ساحتها الشريفة وفاضحاً أهل النفاق. 

يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (النور: ١١). 

رابعاً: الاستشارة قبل المبادرة بالاتهام:

 فقبل أن نقدم على اتهام الآخرين لا بد من سؤال واستشارة الأقربين والتأكد من صحة حادث حتى لا نرمي بريئًا بغير ما اقترفت يداه وفي حادث الإفك دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله فقال: هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم عنهم إلا خيرًا، أما علي بن أبي طالب فأشار عليه بسؤال الجارية فدعاها النبي ﷺ فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟!! فقالت: لا والذي بعثك بالحق نبيًا، إن رأيت منها أمرًا أغمضه -أي أعيبه- عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن -أي الشاة في البيت- فتأكله، فاطمأنت نفسه صلى الله عليه وسلم. 

خامسًا: استحضار الأضرار والعواقب الناتجة من تناقل الكلام عن الآخرين:

ولعل من أخطر هذه الأضرار، الأضرار النفسية التي يقع فيها من نتهمهم وهم أبرياء يقول الأستاذ سيد قطب في الظلال: «وإن الإنسان ليقف متململاً أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة رسول الله ﷺ وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة رضي الله عنها..." الأضرار أيضًا القلاقل والأرق الذي يحدث في تلك البيوت التي تتناولها الألسن.

فها هو أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- في وقاره وحساسيته وطيب نفسه يلذعه الألم وهو يرمى في عرضه، وإذا الألم يفيض على لسانه وهو الصابر المحتسب القوي على الألم فيقول: والله ما رُمينا بهذا في جاهلية أفنرضى به في الإسلام؟ 

وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل.

 وها هي أم رومان -زوج الصديق -رضي الله عنهما- وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء، المريضة حتى تظن أن البكاء فالق كبدها. 

وها هو الرجل المسلم الطاهر المجاهد صفوان المعطل وهو يرمي بخيانة نبيه في زوجه وهو بريء من كل ذلك، فيعلم أن حسان بن ثابت يروج لهذا الإفك عنه فيضربه بالسيف ضربة تكاد تودي به فليتنا نستحضر كل هذا ونحن نتثاقل كلامًا من الممكن أن يُحدث فتنة أكبر من هذه.

 سادسًا: عدم أخذ الأمور بخفة واستهتار:

ما زلنا مع حديث الإفك وكيف تناوله الصحابة والخبر ينقل من شخص إلى آخر، ولسان يتلقى عن لسان بلا تدبر ولا ترو حتى لكأن القول لا يمر على الآذان ولا تتملاه الرؤوس ولا تتدبره القلوب يقول تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: 10)، وهذا التصوير القرآني يوضح الخفة والاستهتار وقلة التحرج وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام.

سابعًا: إعلان براءة البريء 

فإذا أذيع الخبر وانتشر بين العوام، وتناولت الألسن الأبرياء بلا ترخص ولا مبالاة، ثم تبين بعد ذلك بالأدلة القاطعة والبراهين الواضحة أن ساحتهم نظيفة مما نُسب إليهم من أقوال لم ينطقوا بها، أو أفعال لم يقوموا بها لزم علينا أن نعلن أمام الجميع براءهم ونظافتهم مما نسب إليهم وهذا من حقهم بعدما خاض فيهم القاصي والداني، دون أدنى تحرج، فها هو القرآن الكريم يتنزل من فوق سبع سماوات ليعلن براءة الأتقياء وطهارة المتهمين ظلمًا وعدوانًا فيبرئ ساحة السيدة عائشة الطاهرة العفيفة مما نسب إليها، وهي ما كانت لتطمع إلا أن يرى الرسول ﷺ رؤيا في منامه تبرئها.

 ثامنًا: الأخذ على أيدي كل من تناول الخبر ونشره:

فلو أنا تركنا للآخرين أن يتناولوا أعراض الناس بهذه الخفة واللا مبالاة، لفسدت الأرض ولكانت أعراض الناس مشاعًا، فيجد الشيطان مكانًا له وسط الصف فيحرك الضغينة في القلوب ويعمل على إيقاظ الفتنة النائمة، لهذا نجد أن القرآن الكريم يشدد في عقوبة القاذف فيجعلها قريبة من عقوبة الزنى «ثمانين جلدة مع إسقاط الشهادة» صيانة للأعراض وحماية لأصحابها من الآلام النفسية الجسيمة التي تلحق بهم.

يقول الأستاذ سيد قطب- رحمه الله: والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه وعدم التحرج من الإذاعة به، يقول تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 4).

ويقول رحمه الله: إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات بدون دليل قاطع يترك المجال فسيحًا لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئًا بتلك التهمة النكراء، ثم يمضي أمنًا، فتصبح الجماعة وتمسي وإذا أعراضها مجرحة وسمعتها ملوثة وإذا كل فرد فيها منهم أو مهدد بالاتهام.

 تاسعًا: التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر

ثم يأتي التحذير بعد انتهاء الأمر ومعرفة البريء ببراءته والأخذ على يد المتسبب وعقابه يأتي التحذير من العودة إلى مثل ذلك يقول تعالى: ﴿وَيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 17)

عاشرًا: قول التي هي أحسن:

فالفرد المترخص في الكلام يعطي فرصة للشيطان الذي يتلمس سقطاته وعثرات لسانه فيجد الشيطان في هذه السقطة وتلك العثرة ضالته في إيقاع العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه فالكلمة الطيبة، وقول التي هي أحسن تسد هذه الثغرات وتقطع عليه الطرق وتحفظ حرم الأخوة أمنًا، يقول تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53).

 

الصيام مدرسة روحية.. ودورة تدريبية

هدفها: تهذيب النفس.. وضبطها بضابط الشرع الحنيف

برنامجها: طائفة مباركة من الأعمال الصالحة المتكاملة والمتتابعة 

د. حمدي شلبي

كرم الله عز وجل الإنسان وفضله على سائر المخلوقات لما امتاز به من مميزات أهمها حمل أمانة التكليف، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:۷۰). 

والإنسان- كما هو معلوم مخلوق مؤلف من جسد وروح، وللجسد مطالبه الطينية وللروح مطالبها النورانية.

وقد كلف هذا الإنسان على هذه الصورة من الخلق بعبودية الله عز وجل، والعبودية لله شرف فهي كمال الحب مع كمال الخضوع والانقياد والعبادة هي كل ما يحبه الله ويرضى من صلاة وصيام، وزكاة، وحج ومعاملات.

والتكليف بهذه العبادات ليس بالأمر الهين لا سيما إذا عرفنا أنه محاط بكثير من العقبات وهي: النفس الأمارة بالسوء، واتباع الهوى والدنيا الفانية، والشيطان الرجيم الذي قعد للإنسان بكل طرق الخير. 

روي عن سيدنا سبرة بن فاكه- رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وأباء أبائك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تُهاجر وتذر أرضك وسماك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد :فقال تُجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه وجاهد، فقال رسول الله صلي الله عليه و سلم: فمن فعل ذلك كان حقًا على الله عز وجل أن يدخله الجنة» رواه النسائي.

 والدنيا الفانية تلوح ببريقها وزخرفها وزينتها للناس كي تصرفهم عن أداء هذه المهمة والقيام بهذه الرسالة، وقد حذرنا الله عز وجل منها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر: 6). 

القيادة للروح

وحتى ينجح الإنسان في القيام بهذا التكليف لا بد من تعاون تام بين الجسد والروح، ولا يتم هذا التعاون وذلك التآزر إلا بقيادة حكيمة من أحد الجانبين، ولا يمكن أن تكون القيادة للجسد، لأنه بطبيعة تكوينه الطيني سيقود الروح حتمًا إلى مرحلة تظلم فيها الروح وبالتالي يقعد عن أداء دوره وواجبه. 

 ولله در من قال: 

يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته *** أتطلب الربح مما فيه خُسرا

أقبل على النفس واستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسـان

إذاً فلا بد أن تكون القيادة والسيطرة للروح والروح من أمر ربي إذا بقي على إشراقة وسنائه وانضبط بضابط الشرع الحنيف من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

ولا يتحقق ذلك الانضباط والسمو إلا بالأعمال الصالحة التي تهذب الروح وتسمو بها ومن الصيام الذي يأتي كل عام حاملاً معه طائفة الخيرات وإننا إذا أحسنا أداء الطاعات في الشهر الكريم ارتقى الإنسان إلى أن يصير ملكاً في صورة بشر.

ففي رمضان: صيام النهار وضبط اللسان والجوارح، وأداء الصلوات الخمس، وأداء التراويح، وقراءة القرآن والأذكار، وسماع المواء والمرفقات وإخراج صدقة الفطر وغيرها من الصدقات والاعتكاف في المسجد، وإفطار الصائمين حبًا في الله عز وجل، وزيارة الأحباب في الله عز وجل.

 إن رمضان أشبه بمدرسة روحية أو دورة تدريبية محددة الزمن والهدف والبرنامج. فالزمن شهر من كل عام كما قال الحق تبارك تعالى في القرآن الكريم ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: ١٨٤). 

والهدف تصفية الروح وضبطها بضابط لشرع الحنيف بحيث يسمو المسلم، ويرقى إلى على مراتب المجاهدة والقيام بدوره وواجبه في الأرض كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

والبرنامج طائفة مباركة من الأعمال صالحة، وهي طاعات مكثفة متتابعة بالليل والنهار من الصلاة والصيام والـصـدقـات وقراءة القرآن الأذكار والاعتكاف والأدعية والصمت مع التفكر ثم النتيجة ترجمة هذه الطاعات إلى عمل متواصل بالنهار، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(التوبة: 105) ثم إلى العمل الاجتماعي المفروض علينا جميعًا، ألا وهو صدقة الفطر.

 وبهذه الروح الاجتماعية التي يستشعرها المسلمون في كل مكان من أرض الله..

في أداء صلاة عيد الفطر المبارك. 

ومن خلال التزاور والتحاب والتصافي.

 بهذه الروح يكون الصيام لنا كمدرسة إلزامية في كل عام لما فيه من الثمرات الروحية والاجتماعية الصحية. وبهذا نصل إلى مرتبة الشرف وهي العبودية للذي خلقنا فيأتي الجزاء من جنس العمل. صدق الله حين قال ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60)

 

في رمضان... كانت التوبة

فرصة للبعيدين عن أبواب الخير كي تشف أرواحهم ويخرجوا من «غمسة» الدنيا

تحقیق: محمد ثابت

لأنه شهر الله شهر الطاعات والقرآن وفيه ليلة خير من ألف شهر كما تُصفد فيه الشياطين، فهو فرصة لمراجعة النفس وتصحيح أخطاء الماضي، وإصلاح ذات البين مع من خاصمناهم.

هذا التحقيق يفتح الملف ويعرض قصص بعض من اغتنم الفرصة لمراجعة النفس في رمضان وفتح صفحة جديدة مع النفس والآخرين بالتوبة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى.

في البداية تقول فاطمة الدسوقي، 65 عامًا: ابني الوحيد قاطعني وحرمني من رؤية حفيدتي، لمجرد أنه ليس هناك ود بيني وبين زوجته وفي أول أيام رمضان الماضي جلست بمفردي فلم أطق تناول طعام الإفطار، وأشهد الله على ما أنا فيه ولم يمض اليوم الثاني إلا وجرس الباب يرن لأجد ابني يدخل عليَّ حامل طفلته ووراءه زوجته فسألته عما حدث فذكر أنه تعرض لحادثة كادت تودي بحياته لذا أقسم بأن يقضي الشهر الكريم كله، وزوجته وابنته معي.

بعيدًا عن أصدقاء السوء

محمد سلیم 23 عامًا- تاجر، يقول: كل يوم في رمضان وبعد انقضاء صلاة القيام.. كنت أجتمع ورفقاء السوء وكثيرًا ما ألحو عليَّ للحضور بعد الإفطار مباشرة.. غير أن بقية من حياء بداخلي كانت تقول لي: لا تذهب إليهم وفي إحدى ليالي رمضان الماضي راح أحدهم يعيب عليَّ ما أفعل، ويقسم بأن ما يدخنونه حلال (!)، فثارت ثائرتي، وحطمت النرجيلة وفي اليوم التالي استحييت من ربي أن أكون معهم.

ذهبت إلى المسجد مترددًا، وشجعني الإمام على الصلاة التي واظبت عليها لاحقًا والآن أحمد الله، وأتمنى أن أرى رفقتي السابقة في المسجد يومًا ما. 

لفحة جهنم

تقول حنان محمود، طالبة جامعية: أكثر ما كان يضايقني في رمضان اضطراري إلى ارتداء إيشارب صغير، وعدم وضع مساحيق التجميل بالنهار، وذلك لأتجنب غضب أمي ونظرة أبي المحذرة لي بعد أن أعياهما إقناعي بالالتزام بارتداء الحجاب! 

كنت أتحرر من الإيشارب بمجرد الإفطار أقف أمام المرآة لأتزين وأتفق مع صديقاتي على الخروج، ويوم رؤية هلال العيد الماضي.. غطيت شعري المصفف جيدًا، واستعددت للخروج لشراء فستان العيد، ولكنني دخلت إلى المطبخ لأمر ما أشعلت الموقد فلفحت ناره وجهي فجأة.. ابتعدت سريعًا.. وهداني الله للمقارنة بين هذه الشعلة ونار جهنم هطلت دموعي بغزارة وخرجت أعتذر لصديقاتي وأطلب من أمي أن تخرج معي -بدلاً منهن- لنشتري جلبابًا طويلاً، وخمارًا؛ ليكون آخر أيام رمضان... آخر عهدي بمعصية كنت أظنها ممارسة لحقي المشروع في الحياة والمرح والانطلاق.. إلى أن هداني الله. 

تمام التقوى ومعية الله: الداعية الإسلامي الدكتور أحمد علي حميدة يعلق على النماذج السابقة فيقول: بيَّن الله تعالى في آي الذكر الحكيم الحكمة من مشروعية الصيام. يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) فالآية الكريمة تنص على أمرين: فريضة الصيام، وهو سر بين العبد وربه، وأمر آخر هو أن الصيام إنما فرض لتحقيق هذا الهدف، إذ تُغلق أبواب جهنم، وتفتح أبواب الجنة وتصفد الشياطين. 

ويضيف إن الصائم في رمضان يعيش في معية الله وفي جو روحاني طوال يومه، وذلك بالقيام والطاعات، لذا تشف روحه فيرتفع عما يشغله من ماديات الحياة الدنيا في غير الشهر الفضيل فيكون أقدر على الأخذ بيد نفسه إلى الخير ومراجعتها فيما بينه وبين الناس وتقوية أسباب الود معهم، كما أن رمضان فرصة مناسبة للعصاة كي يتوقفوا ويراجعوا أنفسهم جيدًا، فمع جوه الكريم من الطبيعي أن يستحي العاصي من نفسه، وهو يرى الناس في انشغال بالعبادة طوال اليوم ورمضان فرصة ذهبية للبعيدين عن أبواب الخير وطاعة الله كي يقتربوا، فما بالنا بأولئك الذين يقاطعون أهلهم وذويهم والشهر شهر طاعة وتقرب إلى الله بالطيبات؟

ويتابع حديثه إن من تمام التقوى مراجعة النفس، وهو ما لا يتم في الشهر الكريم إلا بالكف عما يغضب الله، وأيضًا بمصالحة من خاصمناهم لأمر من أمور الحياة الدنيا. 

وعن الذي يعود إلى ما نهى الله عنه عقب انتهاء رمضان يقول هؤلاء لم يصدقوا الله تعالى في توبتهم فغلب عليهم الشيطان فعاد بهم عن جادة الطريق وزين لهم المعاصي ثانية والتائب العائد عن توبته كالمستهزئ بالله عز وجل والعياذ بالله. ويختتم حديثه بالدعاء: نسأل الله عز وجل أن يهبنا في هذا الشهر الفضيل التقوى وأن يعيننا على صيامه وقيامه، وأن يأخذ بنفوسنا إلى تقواه وأن يهبنا فيه توبة نصوحًا لا نعود بعدها- أبدًا- إلى المعاصي والذنوب. 

 

رمضان .. مرحبًا يا نعم المربي

محمد موسى رزق

«يا قليل الأدب.. الزم حدودك»!

قالتها بصوت عال سمعه المارة بأحد شوارع عاصمة عربية- وكنت من بينهم- فوجدتني- برغم أنفي- أنظر إليها وإليه.. إنها فتاة تلبس ما يصف ويشف بصورة مبالغ فيها.. وهو فتى «مستهتر» يعاكسها بعد أن عجز عن غض بصره، عندئذ ســرح خيالي إلى بعيد إلى الوراء لسنوات عدة عندما كنت في رحاب المسجد الحرام بمكة المكرمة:

رجال ونساء شباب وشابات زحام شديد، وبرغم ذلك فإن الجميع يطوف حول الكعبة المشرفة في خشوع وأدب واحترام لا أحد يضايق أحدًا، ولا شاب ينظر إلى فتاة مجرد نظرة.

سبحان الله.. لماذا يحدث هذا في الكعبة ولا يحدث في غيرها من الأماكن بالدرجة ذاتها إلا ممن رحم الله؟

الجواب: أن رقابة الله سبحانه وتعالى في الكعبة تكون ملء القلوب والعقول والعيون والمشاعر، وهنا يقفز إلى الذهن سؤال كبير هل الله سبحانه وتعالى يراقبنا في الكعبة فقط أم أن رقابته- سبحانه وتعالى- لنا موجودة في كل مكان؟ قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 59).

مكان وزمان

إن الكعبة مكان أما رمضان فزمان وما يحدث في الكعبة المكان يحدث مثله في رمضان الزمان. نعم أرى الناس في رمضان أكثر تقوى وخشوعًا وأدبًا، وأعف لسانًا، وشعار الكثيرين اللهم إني صائم أو اللهم إني صائمة فلم هذا كله؟

أليس رب رمضان هو رب شوال ورب بقية شهور السنة؟ 

إن علماء التربية- خصوصا الذين يتناولون موضوع «التعلم»- كثيرًا ما يرددون العبارة التالية: لا تعلم دون ممارسة، بمعنى أننا لا نتعلم شيئًا إلا بعد أن نمارسه ممارسة حقيقية وعملية ومتكررة.. إن شهر رمضان المبارك شهر ممارسة وتدريب، وطوال الثلاثين يومًا نتدرب فيه على ضبط النفس وغض البصر وضبط الشهوة شهوة البطن وشهوات أخرى كثيرة ولأن الممارسة شرط للتعلم فبوسعي أن أقول بصوت عال: مرحبًا بك يا رمضان يا شهر التعلم.. يا نعم المربي.

 

فرصة للتدرب على تنظيم الوقت والاستعداد لما هو آت

عجبًا لمسلم يحرص على موعد العمل ويهمل موعد لقاء ربه!

إذا أردنا النصر.. فلنصل الفجر 

حسن محمد جلهوم 

كثيرون منا أولئك الذين يقصرون في صلاة الفجر، ويتكاسلون عن أدائها في وقتها، وهذا من علامات ضعف الإيمان وخور العزيمة وفتور الهمة، فالله تعالى هو الذي حدد مواقيت الصلاة بما فيها الفجر فقال سبحانه ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾(النساء: 103)، ولا شك أن في الأمر نوعًا من البلاء ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2) ليعلم الله مدى صدق إيمان عبده وتضحيته في سبيل طاعة أوامره وأداء فرضه سبحانه وللمقصرين في صلاة الفجر يأتي شهر رمضان فرصة نادرة للمحافظة عليها.. إذ يستيقظ المسلم للسحور قبيله.. ولو حافظ على أدائه جماعة طوال الشهر... وصدقت نيته في المداومة على ذلك، فلن يجد صعوبة أبدًًا في هذا الأمر، وهذا وعد من الله تعالى ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

 وقد لفت نظري وأنا أسير بسيارتي ملصق معلق على الكثير من السيارات عليه عبارة تقول: إذا أردنا النصر فلنصل الفجر، فكرت في هذه الجملة مليًا، وأدركت أن لها نصيبًا كبيرًا من معناها، خاصة أن صلاة الفجر لها من الفضل ما لها، وهي غرة الصلوات الخمس وعنوان المؤمن المجاهد، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة فيها بين مرغب في المحافظة عليها، ومرهب من سوء عاقبة من تركها فتعالوا بنا نتجول في روضة السنة المطهرة لنقطف منها هذه الثمرات اليانعة عساها تكون حافزًا لنا للمحافظة على هذه الصلوات وخاصة صلاتي الفجر والعصر. فمن أسباب دخول الجنة المحافظة على صلاتي الفجر والعصر، عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى البردين دخل الجنة» (متفق عليه) والبردان هما الصبح والعصر.

وعن أبي زهير عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر» (رواه مسلم).

 وصلاة الصبح سبب من أسباب حفظ الله لك طوال يومك، حيث تكون في ذمة الله، فعن جندب بن سفیان رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى الصبح فهو في ذمة الله فانظر يا بن آدم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء». (رواه مسلم).

هذا الحديث بالذات يستشعره من أكرمه الله بالمحافظة على صلاة الفجر استشعارًا يجعله مستحضرًا معية الله في كل لحظة من لحظات يومه ويشعر بالوحشة ويخشى أن تنزل به كارثة أو تحل قريبًا منه إذا فاته فجر فيظل طول يومه ولسان حاله يقول: سلم يا الله.. سلم.. فلماذا لا يحرص المسلم على العيش في كنف الله وذمته كل يوم؟! 

وهي سبب من أسباب رؤيتك لربك يوم القيامة رؤية حقيقية كما يرى القمر ليلة البدر فعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا يعني الفجر والعصر» (متفق عليه). 

وسبحان الله إذا كان الصحابة مخاطبين بهذه الأحاديث في عصرهم، وهم على ما هم عليه من تقوى وخوف من الله تعالى، فنحن أولى بذلك في عصرنا هذا، بل كأننا المعنيون بذلك في عصرنا حيث يوجد من الأسباب ما يشغل المسلم عن هذه الصلوات خاصة الفجر والعصر. 

أسباب فواته:

أما أسباب ضياع صلاة الفجر فهي كثيرة، وعلى المسلم الحرص على دينه بالحذر من تلك الأسباب، وعليه الالتزام بهدي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كان يكره النوم قبل العشاء والسهر بعدها، وهذا سبب رئيس من أسباب ضياع صلاة الفجر، حيث الاسترسال في السهر بداع وبغير داع، بل قد يبرر الشيطان للإنسان أسباب هذا السهر كأن يقول لك مثلاً: عليك فأنت مأجور لأنك تتابع أخبار المسلمين على شاشات التلفاز وما أدراك ما خطر التقلب بين تل القنوات التي تحمل في طياتها شرًا مستطيرًا، إذ يستطيع الشيطان أن يغويك بالنظر إلى ما حرم الله ولو للقطات محدودة تعود على قلبك بالحسرة فضلاً عن ضياع وقت سيحاسبك الله عليه. 

 وبالحجة السابقة نفسها يسترسل الإنسان أمام ما يسمى بالإنترنت وهو أدهى وأمر، حيث تجد نفسك وقد امتد بك الوقت إلى ما قبيل صلاة الفجر، ثم يغلبك النوم فتنام فيقع المحذور وهو ضياع صلاة الفجر. 

وإن تعجب فعجب المسلم ملتزم يستيقظ على موعد العمل لا موعد الصلاة، ويحرص على الدنانير والدراهم أكثر من حرصه على الأجر والحسنات ويجاهد ألا يسجل على نفسه تأخيرًا عن موعد العمل، ويهمل موعده مع الله في كل صلاة.

جهاد النفس

إن هذه العبارة التي قرأتها في الملصق- والتي أسال الله تعالى أن يجزي صاحب الفكرة فيها خير الجزاء- تذكرنا بضرورة جهاد النفس أولاً قبل الحديث عن النصر على الأعداء، فالانتصار على النفس هو بداية الانتصار الحقيقي.

 يقول الأستاذ البنا رحمه الله: أيها الشباب اعلموا أن ميدانكم الأول هو أنفسكم، فإن انتصرت عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن أخفقتم في جهادها كنتم عما سواها أعجز فجربوا الكفاح معها أولاً، واذكروا أن الدنيا جميعًا تترقب جيلاً من الشباب الممتاز المتحلي بالخلق الفاضل. 

 أما أولئك الذين يكثرون من الحديث عن أحوال المسلمين، وعن فتح باب الجهاد، وعن ظل الحكومات وعن غير ذلك وهم لا يستطيعون أن يحافظوا على صلاة الفجر- وهو جهاد مطلوب فهؤلاء بسلوكهم هذا يؤخرون النصر عن أمتهم ويعوقون مسيرة النهوض من الكبوة، ويحولون بيننا وبين ما نشتهي من النصر على الأعداء وغلبتهم.

 إن المصلين للفجر في أي مسجد لا يكادون يكملون صفًا أو صفين! 

وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يظنون بمن تخلف عن صلاة الفجر أنه قد نافق- وهذا في صلاة واحدة- فما بالك بمن تعود على ذلك وكان قدوة لأهله وأولاده في التخلف عن هذه الصلاة أو أي صلاة غيرها؟ 

إن الشعور بالندم الشديد وإلزام النفس بعقوبة خاصة تردعها عن التفريط في صلاة الجماعة من سيما المؤمن الصادق الذي يجاهد نفسه ليصل إلى الأفضل، فإذا كنا مندوبين لصلاة القيام التي هي شرف المؤمن- فمن باب أولى المحافظة على صلاة الفجر والعشاء وغيرهما. 

فقد ورد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله» (رواه مسلم) ولاحظ كلمة «في جماعة»، فالمسلم لا يستسلم لما يشعر به في أثناء النوم من صعوبة في القيام، أو ادعاء المرض أو غير ذلك من الأعذار الواهية التي تجعله يصلي في بيته- هذا إن صلى في موعد الصلاة. 

وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم الله سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة المتخلف نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين ليقام في الصف» (رواه مسلم).

وفي رواية له قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه... انظر رحمك الله إلى عظيم فضل الله وامتنانه عليك، حيث يكلفك أعمالاً قليلة ويحسبها لك بأجر كثير، وتأمل هذا الحديث العظيم من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة» (قال الترمذي حديث حسن صحيح). 

فكن أخي المسلم سباقاً للخير مسارعًا للأجر وإذا تكالب الناس على ثواب الدنيا، وقاتل بعضهم بعضًا على متاعها القليل، فكن أنت سباقًا إلى ثواب الآخرة مهما تكن الظروف وضع نصب عينيك ما قاله الرسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» (متفق عليه)، واحذر أخي أن تكون من المنافقين أو متشبهاً بهم، فقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا .. واحذر السهر فإنه عدو الفجر وإذا كان كل المسلمين مطالبين بالمحافظة على الصلوات في جماعة- وخاصة صلاتي الفجر والعصر- فمن باب أولى الدعاة وأبناء الحركة الإسلامية، حيث يتمكنون من المحافظة على أذكارهم وأورادهم اليومية، فضلاً عن شهود الملائكة لهم في صلاة الفجر، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: 78). وقد جمع رسولنا له ذلك كله في قوله: «بورك لأمتي في بكورها، وأخيراً إذا أردنا النصر فلنصل الفجر».

 

حتى لا نندم بعد فواته برنامج إيماني متكامل في رمضان

رابعة محمد حربي

يظلنا شهر رمضان المبارك فنتذكر في الحال كيف ودعنا رمضان الماضي وكم تمنينا ودعونا أن يعيده الله علينا أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، وكم أحسسنا بتقصيرنا فيه وكم قطعنا على أنفسنا العهد بأن نكون أفضل في رمضان الذي يليه إن بلغنا الله إياه، وها هي الفرصة تتجدد كرمًا من الله عز وجل ونفحة من نفحات جوده فهل سيتم الوفاء بالوعد؟ 

إذا أردنا الوفاء بوعدنا فعلينا أن نخطط لرمضان قبل أن يبدأ حتى لا نفاجأ بانتهائه، كما حدث مع سابقه وقبل أن نتحسر عليه حيث لا تنفع الحسرة.

 إليك أختي المسلمة برنامجًا متواضعًا لشهر رمضان إن شئت أن تزيدي عليه فافعلي، وإن شئت أن تتخيري منه ما يناسبك- شرط الالتزام بهد جديًا- فهذا أمر متروك لك أيضًا ولكل مجتهد نصيب، عليك فقط أن تحضري ورقة وتكتبي فيها ما سوف تلتزمين به من ذلك البرنامج وتعلقيها في مكان واضح في المنزل حتى يسهل عليك متابعة نفسك يوميًا.

 1- النية الصادقة والعزيمة على الاستفادة من الشهر والدعاء الصادق أن يرزقنا الله المغفرة والرحمة فيه وأن يتقبل منا.

 2- المحافظة على اجتماع الأسرة على الإفطار والسحور لما في ذلك من البركة والثواب.

 3- قراءة جزء من القرآن يوميًا- على الأقل- بتدبر وحضور قلب والحرص على مراجعة ما تم حفظه. 

4- صلاة التهجد، ثم صلاة الفجر جماعة مع الأولاد إن أمكن حبذا لو تم تعويد الأولاد على التهجد. 

5- المحافظة على صلاة الضحى، فهي صلاة الأوابين.

6- الحرص على أذكار الصباح والمساء والإكثار من الذكر المطلق، وأثناء القيام بالأعمال المنزلية والإكثار من الدعاء. 

7- المحافظة على الصدقة يوميًا- ولو بالقليل- حتى تحظى بدعوة الملك: اللهم أعط منفقًا خلفًا. 

8- تخصيص يوم أو يومين في الأسبوع لإفطار صائم... الحارس، عامل النظافة، أسرة فقيرة.. إلخ. 

9- غرس روح التعاون بين الأسرة. 

 10- محاولة الانتهاء من إعداد الطعام قبل المغرب بنصف ساعة للتفرغ للأذكار.

 11- استحضري دائمًا نية إفطار صائم يوميًا حين تدخلين مطبخك، فزوجك وأولادك صائمون فيا بشراك بالأجر. 

 12- تنظيم أوقات العمل في البيت والموازنة بينها وبين أوقات العبادة والطاعة.

 13- الاقتصاد في نوعيات الطعام، وتذكر الهدف من الصيام. 

 14- تجهيز بطاقات المعايدة من منتصف الشهر لمن تريدين معايدتهم حتى تصلهم في العيد.

15- عمل جلسة يومية للأولاد تشمل:

 أ- الابتداء بآيات قرآنية وتفسيرها وبعض الخواطر عنها. 

ب . عرض قصة صحابي، صحابية أو الأسرة، قصة معبرة ذات هدف تربوي.

 جـ. المناقشة حول موضوع يهم ومشاركة الأولاد بآرائهم.

 16- تحري ليلة القدر.. ووضع برنامج مناسب لها كثرة الدعاء من بداية رمضان، اللهم بلغنا ليلة القدر. 

17- القيام بعمرة في رمضان إن أمكن للفوز بثواب حجة مع النبي. 

18- التودد إلى أهلك وأهل زوجك وإدخال السرور عليهم بطريقتك الخاصة. 

 19- الإقلال من اللغو والكلام عديم الفائدة خاصة في العشر الأواخر... واحذري الهاتف.

 20- الاقتصاد في شراء ملابس العيد ويستحسن القيام بالشراء قبل بداية الشهر وإن لم تتمكني من ذلك فقبل العشر الأواخر. 

الرابط المختصر :