; المجتمع التربوي.. عدد 1524 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1524

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 26-أكتوبر-2002

مشاهدات 88

نشر في العدد 1524

نشر في الصفحة 54

السبت 26-أكتوبر-2002

وقفة تربوية

قوموا نعيد الصلاة

أورد الإمام ابن الجوزي في كتابه «بحر الدموع ص 119» أن «یوسف بن عاصم ذهب مع بعض أصحابه يسألون حاتم الأصم عن صلاته فقال لهم: إذا قمت إليها فاعلم أن الله مقبل عليك، فاقبل على من هو مقبل عليك، واعلم بأن جهة التصديق لقلبك أنه قريب منك قادر عليك، فإذا ركعت فلا تأمل أن ترفع، وإذا رفعت فلا تأمل أن تسجد، وإذا سجدت فلا تأمل أن تقوم، ومثل الجنة عن يمينك، والنار عن يسارك، والصراط تحت قدميك، فإذا فعلت فأنت مصل.

فالتفت يوسف إلى أصحابه وقال: قوموا نعيد الصلاة التي مضت من أعمارنا».

فكم منا من إذا وقف بين يدي الله في الصلاة لا يتفكر إلا بالأبناء والزوجات والمال والتجارة وما حدث له مع فلان وعلان، وما يتمناه من متاع هذه الحياة! 

لو أننا تفكرنا بالقليل مما ورد عن الجنة والنار، وعشنا مع القليل من الآيات التي تتلوها أو تتلى علينا، لخرجنا بغير القلوب التي بين جوانحنا ولأحسسنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: «يا بلال! أقم الصلاة أرحنا بها»، ولكانت الصلاة واحة وراحة لقلوبنا المتعبة والمتخمة بحب الدنيا وزينتها. 

إننا نحتاج حقًا إلى «غربلة» لصلاتنا وتنقية لها مما شابها من دغل قلوبنا.

أبو خلاد

 

30 مفتاحًا لهداية الآخرين

الدعوة إلى الله.. ميراث الأنبياء ومنهاج الأولياء

أساسها: الإخلاص والمثابرة والتعاون مع رفقاء الطريق

خالد عبد الرحمن الدرويش

  • أهدافها: إحياء الإيمان في القلوب.. وتحريك كوامن الخير في النفوس

  • أهم ميادينها: الأسرة المسجد.. العمل.. وسائر التجمعات

الدعوة إلى الله هي ميراث الأنبياء والرسل، والدعاة إلى الله هم أعلى الناس منزلة وأعظمهم أجرًا، ولا سبيل إلى نيل هذه المنزلة إلا بالصبر في طلب العلم وتبليغه ثم اليقين في نصر الله تعالى القائل في محكم كتابه ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)﴾ (السجدة: 24).

وقد قال ابن تيمية رحمه الله مقتبسًا من هذه الآية: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين».

كما أن الدعاة أتباع الأنبياء.. وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف: 108).

فالدعوة لا بد أن تكون عن علم وعلى بصيرة حتى تؤتي ثمارها وتحقق أهدافها.. وانطلاقًا من قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت: 33).. جاء هذا المشروع الدعوي لنشر الخير لعموم المسلمين وتهيئتهم للآخرة وفعل الطاعة.

أهداف المشروع

1 - غرس الحس الدعوي لدى الأفراد لتغيير الواقع إلى الأحسن.

2 - وضع برنامج عمل لشغل أفراد الصحوة بما ينفع الإسلام والمسلمين.

3 - تحريك كوامن الخير في نفوس الناس. 

4 - عدم الاعتماد على الجهود الجماعية الدعوية فقط.

التأصيل الشرعي له

قال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت: 33).

وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران: 104). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه» (رواه مسلم).

وقال صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (رواه مسلم).

هذه الآيات والأحاديث – وغيرها كثير – تدل على فضل الدعوة إلى الله ونشر الخير بين الناس.

إذن فعلى المسلم أن ينطلق من خلال وسائل هذا المشروع الدعوي في ميدان الدعوة إلى الله لنشر الخير بين عموم المسلمين، ونقلهم من محيط المعصية إلى محيط الطاعة، ومن محيط الغفلة عن الدين إلى محيط العمل بالإسلام والدعوة إليه.

أساسياته

لهذا المشروع الدعوي أساسيات يعتمد عليها وعمد يقوم عليها أهمها: 

1 - إخلاص العمل لله تعالى واحتساب الأجر في الآخرة. 

2 - الاقتناع بأهمية وضرورة العمل الدعوي الذاتي وأنه جزء من عبادة المسلم اليومية.

3 - المداومة على هذا العمل وعدم الفتور. 

4 - التعاون مع الآخرين في تنفيذ المشروع.

5 - الدعاء بالتوفيق والقبول. 

ميادين عمله

1 - الأسرة.

2 – المسجد.

3 - مكان العمل.

4 - تجمعات الناس «أعراس- مجالس- ولائم».

5 – الأحياء.

6 - أماكن التعليم «مدرسة - جامعة - معهد».

7 - عند السفر.

8 - اللقاء العابر والحديث العادي.

9 - القرى والنجوع.

10 - المجتمع الواسع.

وسائل تطبيق المشروع في واقع الناس

أقصد بوسائل المشروع: تلك التي يستعين بها الداعية على ممارسة عمله، ومنها الخطبة والندوة والمحاضرة والمقال والخاطرة والمسابقة.. وغيرها. 

المفاتيح الدعوية للمشروع

هناك 30 مفتاحًا لهداية الآخرين والأخذ بأيديهم إلى درب الإيمان وهي:

1 - الدعاء للمدعو بأن يهديه الله تعالى ويشرح صدره. 

2 - السيرة الحسنة للداعية، فهي وسيلة فاعلة في التأثير على الناس وجذبهم إلى الخير. 

3 - الترغيب في الخير: وهو كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة لأمر الله ورسوله، والترهيب من الشر، وهو كل ما يضيف ويحذر المدعو من عدم الاستجابة أو رفض الحق، فهي وسيلة لها تأثيرها في نفوس الناس فمارسها بحكمه واتزان.

4 - اربط حياة من حولك بالإسلام بذكر فضائله وعظيم شرائعه وقدرته على سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

5 - الحرص على التعارف، فهو بداية انطلاقة لدعوة الآخرين إلى الهداية. 6 - اصنع من صديقك وقريبك داعية إلى الله من خلال العيش معه والتأثير فيه. 

7 - المشاركة في الرحلات الإيمانية والزيارات الأخوية مع الحرص على تقديم ما ينفع من أمور الخير.

8 - نشر الكتاب أو الكتيب بطريقة مشوقة على حسب مستوى المدعو المعرفي والعقلي ليكون تأثيره أقوى في نفسيته.

9 - توزيع الشريط الإسلامي، خاصة مع الذين لا يحمون القراءة، فيختار لكل شخص الموضوع الذي يناسبه.

10 - طرح مشاريع خيرية ودعوية في المجالس العامة أو الخاصة مثل:

أ - كفالة داعية.

ب - تفطير صائم.

ج - كفالة يتيم. 

د - طباعة كتاب.

هـ - وقف خيري.

11 - توزيع ونشر المطويات وخاصة في المناسبات.

12 - التفكير فيما ينفع الدعوة والتخطيط لها «لذا على الداعية أن تكون له جلسة تفكير لإيجاد الجديد من الوسائل أو تطوير للموجود».

13 - تأليف الكتيبات والرسائل.

14 - شكر كل من ساهم في دعم الدعوة والثناء عليه من خلال:

أ – المقابلة.

ب – الهاتف.

ج – الرسالة.

د – الفاكس.

هـ - الإنترنت.

15 - تشجيع كافة أعمال البر والخير، لا سيما في مجال الدعوة ونشر العلم وتقديم الخدمات.

16 – التسخير، وأقصد به توظيف الداعية لطاقاته وإمكاناته وما أتاه الله من النعم في خدمة دعوته «بالنفس - المال – الوقت».

17 - التعاون الدعوي مع الآخرين والاستفادة منهم في نشر الدعوة الإسلامية قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ (سورة المائدة آية 2).

18 - استثمار الفرص في خدمة الدعوة كالمناسبات الإسلامية «رمضان، الحج... إلخ».

19 - دعوة فرد بعينه ومحاولة جذبه إلى الهدى ومن ثم إلى العمل الجماعي الخيري، ولك إن شاء الله أجر صلاحه وهدايته.

20 - تخصيص وقت دعوي «وليكن ساعة في الأسبوع»، لزيارة الأقارب والجيران، وأن تكون الزيارة هادفة «بمعنى أن يضع الداعية هدفًا تربويًا يحققه من خلال تلك الزيارة».

21 - تسخير البيت في خدمة الدعوة وتأثيره على من حوله، وذلك بنشر الدعوة بينهم.

22 - المبادرة الذاتية لفتح أنشطة دعوية:

أ - لقاء للحي.

ب - نشاط مدرسي.

ج - تفعيل جماعة المسجد.

د - نشاط عائلي.

23 - الاستفادة من الشبكة العالمية «الإنترنت» في الدعوة إلى الإسلام ونشر مبادئه السمحة.

24 - تنظيم قافلة – إن أمكن – لدعوة مجموعة من رجال الخير في المناطق القروية والنائية.

25 - المشاركة في الدعوة من خلال وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.

26 - الاستعداد الدعوي للمناسبات الإسلامية، وذلك بإعداد ورقة عمل لممارستها عمليًا في تلك الأجواء «رمضان - أعياد – الحج»... إلخ. 

27 - الدلالة على كل خير للمسلمين، فكن أيها الداعية الذاتي «مفتاح خير» للآخرين. 

28 - ملازمة الإمامة – إن أمكن – في أحد المساجد لتفعيل رسالة المسجد ودعوة أهل الحي للهداية والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان : 74). 

29 - تقوية العلاقة بالمؤسسات الدعوية والإغاثية والمشاركة معها بقدر الإمكان وخاصة في المواسم «كرمضان»... إلخ. 

30 - أخيرًا أن يسشعر الداعية المسلم مسؤوليته تجاه دعوة الإسلام وتبليغها للناس بأقواله وسلوكه وأعماله لتعيش الدعوة حية في قلبه، نابعة من ضميره، تجري في دمائه، وتنقله من الفتور والكسل إلى الحركة والعمل، ومن حظوظ النفس وشهواتها إلى احتياجات الدعوة وإجابتها.

النتائج المتوقعة من المشروع

- إنقاذ الناس من النار برحمة الله. 

-  نشر الخير في أوساط الناس. 

- نصر الله للأمة الإسلامية.

- تحقيق هدف من أهداف العمل الإسلامي وهو إنشاء المجتمع الإسلامي. 

وينبغي طرح هذا المشروع بقوة على الساحة الإسلامية حتى يتولد الحس الدعوي في أبناء الأمة وينمو الجانب الذاتي الحركي عندهم. 

ومن الضروري أن تعقد جلسات وورش عمل ولقاءات لإجراء حوار ومناقشة في كيفية تحقيق هذا المشروع على الواقع، ولنعلم في النهاية أن الهداية بيد الله وحده، وإنما نحن نأخذ بالأسباب، فقد خاطب الله تعالى نبيه بقوله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾ (القصص: 56) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)﴾ (يونس: 99)، فنحن فقط نغرس النبتة ونتعهدها بالرعاية والسقاية، أما الإنبات والإثمار فهو بإذن الله تعالى.

الشكر نصف الإيمان (4 من 4)

شكر الناس من شكر الله..

اشكر من هم بالمعروف.. وأحسن وإن لم تُشكر

حجازي إبراهيم (*)

تحدثنا في العدد الماضي عن شكر الوالدين، وعرضنا كيفية تحقيقه، كما أشرنا إلى أنه يجب شكر الناس على ما قدموه لنا من خير أو أسدوه لنا من بر، وعرفنا أن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، ونواصل في هذا العدد حديثنا عن شكر الناس فنقول: 

من المعروف أنه لا يزال الخير مبذولًا بين الناس، ولا يزال الخير يفيض من شخص لآخر، وذلك من طيبات الحياة الإيمانية: أن يبقى المعروف دائمًا بين الناس، والإسلام يحض على رد الجميل بما هو أجمل منه، فإذا ضاقت يدك عن مكافأة من أسدى إليك معروفًا، فشكرك له يكون بالدعاء له والثناء عليه، عن أنس أن المهاجرين قالوا: «يا رسول الله ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لا ما دعوتم لهم، وأثنيتم عليهم» (1). 

وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أُعطى عطاءً، فوجد، فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره» (2)، قال الترمذي ومعنى قوله: ومن كتم فقد كفر، يقول كفر النعمة (3).

وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا فقد أبلغ الثناء» (4).

وقوله: «فقد أبلغ الثناء» أي بالغ في أداء شكره، وذلك أنه اعتراف بالتقصير، وأنه ممن عجز من جزائه وثنائه، ففوض جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى. 

قال بعضهم: إذا قصرت يداك بالمكافأة، فليطل لسانك بالشكر والدعاء.

قال بعض الفصحاء: الكريم شكور أو مشكور، واللئيم كفور أو مكفور، وقال بعض الأدباء: 

شكر الإله بطول الثناء *** وشكر الولاة بصدق الولاء 

وشكر النظير بحسن الجزاء *** وشكر الدني بحسن العطاء

وقال بعض الشعراء: 

فلو كان يستغني عن الشكر ماجد

مـــــــــــــــــــــــاجــــــــــــــــــــد

                                                                   ***  لعزة ملك أو علو مكان 

لما أمر الله العباد بشكره

                                                                  ***  فقال: اشكروا لي أيها الثقلان

من الشكر نشر إنعام المنعمين

فإن من شكر معروف من أحسن إليه، ونشر إنعام من أنعم عليه، فقد أدى حق النعمة، وقضى موجب الصنيعة، ولم يبق عليه إلا استدامة ذلك إتمامًا لشكره، وليكون للمزيد مستحقًا، ولمتابعة الإحسان مستوجبًا.

قال بعض الحكماء: من قصرت يداه عن المكافأة فليطل لسانه بالشكر، وقال أبو تمام: 

ومن الرزية أن شكري صامت *** عما فعلت وأن برك ناطق

أرى الصنيعة منك ثم أسرها *** إنى إذا لندى الكريم لسارق (6)

وقال أبو حاتم بن حبان البستي: الواجب على العاقل أن يشكر النعمة ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته إن قدر بالضعف وإلا فبالمثل وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده مع بذل الجزاء له بالشكر، وقد أنشدني علي بن محمد: 

علامة شكر المرء إعلان حمده *** فمن كتم المعروف منهم فما شكر

إذا ما صديقي نال خيرًا فخانني *** فما الذنب عندي للذي خان أو فجر؟

وأنشدني المنتصر بن بلال: 

ومن پسد معروفًا إليك فكن له *** شکورًا یکن معروفه غیر ضائع

ولا تبخلن بالشكر والفرض فاجزه*** تكن خير مصنوع إليه وصانع (7) 

إن من ستر معروف المنعم، ولم يشكره على ما أولاه من نعمه، فقد كفر النعمة، وجحد الصنيعة، وأن من أذم الخلائق وأسوأ الطرائق ما يستوجب به قبح الرد وسوء المنع.

حكي أن الحجاج أتي إليه بقوم من الخوارج، وكان فيهم صديق له، فأمر بقتلهم إلا ذلك الصديق، فإنه عفا عنه، وأطلقه ووصله، فرجع الرجل إلى قطري بن الفجاءة وكان من أصحابه، فقال له: عد إلى قتال الحجاج عدو الله، فقال: هيهات، غل يدًا مطلقها، واسترق رقبة معتقها (8).

اشكر من هم بالمعروف

يقول أبو حاتم بن حبان البستي: إني لأستحب للمرء أن يلزم السعي للصنائع فيها من غير قضائها، لأن الاهتمام ربما فاق المعروف وزاد على فعل الإحسان، إذ المعروف يعمله المرء لنفسه والإحسان يصطنعه إلى الناس، وهو غير مهتم به ولا مشفق عليه، وربما فعله الإنسان وهو كاره، وأما الاهتمام فلا يكون إلا من فرط عناية وفضل ود، فالعاقل يشكر الاهتمام أكثر من شكر المعروف، وقد أنشدني عبد العزيز بن سليمان: 

لأشكرن الله معروفًا هممت به *** إن اهتمامك بالمعروف معروف

ولا ألومك إن لم يمضه قدر  *** فالشيء بالقدر المجلوب مصروف (9)

احسن وإن لم تشكر

والمسلم حين يفعل الخير ويبذل المعروف إنما يتعبد الله بذلك، ومن ثم فهو حريص على فعله وإن جحده الناس، وشعار المسلم في ذلك قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)﴾ (الإنسان: 9)، أي لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها، ولا أن تشكرونا عند الناس، قال مجاهد: لم يقل القوم ذلك حين أطعموهم، ولكن علم الله من قلوبهم فأثنى علیه به ليرغب فيه الراغب (10).

ويقول علي بن أبي طالب – رضي الله عنه –: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الجاحد.

وقال الحطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه *** لا يذهب العرف بين الله والناس

وأنشد الرياشي: 

يد المعروف عنم حيث كانت *** تحملها كفور أو شكور

ففي شكر الشكور لها جزاء *** وعند الله ما كفر الكفور (11)

وفد الشكر

وقيل: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز وكان فيهم شاب فأخذ يخطب، فقال عمر: الكبر الكبر، فقال الشاب: يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أحق بالخلافة منك، فقال: تكلم، فقال: لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة، أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك، ولما الرهبة فقد أمننا منها عدلك، فقال: فمن أنتم؟ فقال: وفد الشكر، جئناك نشكرك وننصرف.

الهوامش

  1. سنن أبي داود 4/256/4812.

  2. المرجع السابق 4/256/4813.

  3. تحفة الأحوذي 6/184.

  4. المرجع السابق 6/185/2014.

  5. المرجع السابق 6/185.

  6. ابن حميدو وآخرون، موسوعة نضرة النعيم 6/2419.

  7. المرجع السابق 6/2417.

  8. أدب الدنيا والدين ص 206 بتصرف.

  9. موسوعة نضرة النعيم، مرجع سابق 6/2417.

  10. الدر المنثور 6/484.

  11. أدب الدنيا والدين ص 201.

(*) من علماء الأزهر.

 

القرآن.. وحياة الأرواح

رغم التطور المادي الرهيب للغرب، فإنهم لم يحققوا شيئا يسمو بالروح، فانتشر الانتحار فيهم وكثرت المشكلات النفسية والخلافات العائلية والاجتماعية، بينما قل ذلك في البلاد النامية لسبب بسيط هو وجود القرآن، روح الحياة، وحياة الروح، لكن لا يزال الانبهار بحضارة الغرب قائمًا بين المسلمين، فليلهم يمتد إلى الفجر غالبًا مع الفضائيات، ونهارهم بعيد عن تعاليم القرآن، فلماذا لا نعيش مع القرآن خاصة بالليل؟

فالليل في هدأته وسكونه يجمعنا مع حبيبنا، نناجيه بكلامه وندعوه ونرجوه، رهبًا ورغبًا، وهذا قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدبر آية واحدة، ويتفهم معانيها ويكررها إلى الفجر وهو يبكي ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾ (المائدة: 118). 

وهذا شيخ كبير يسمى أبا إسحاق التبعي يقول: لا إله إلا الله كبرت سني وضعف جسدي ولم أستطع قيام الليل إلا بالبقرة وآل عمران! فيا من ترجو رحمة ربك لا تمت ليلك وأحيه بالقرآن مصليًا متدبرًا، ويا شباب: جربوا مناجاة الله بآية واحدة وكرروها تتذوقوا حلاوتها.

وهذه امرأة عجوز تكرر في صلاتها قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾ (الغاشية: 1) وتبكي فيسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويضع رأسه على عتبة بابها ويبكي ويقول: نعم أتاني! نعم أتاني! 

وهذا طفل صغير هو ابن السفطاني يستيقظ ليلًا ووالده يصلي فيطلب منه أن يعلمه التطهر والصلاة، فيقول له والده: نم، فمازلت صغيرًا، فيقول الولد: يا أبت إذا كان يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6)﴾ (الزلزلة: 6) أقول لربي إني قلت لأبي كيف أتطهر وأصلي معك فقال لي ارقد فإنك صغير؟ أتحب هذا يا أبي؟ فقال له أبوه: لا والله يا بني ما أحب هذا، فطلبه فكان يصلي معه، فانظر فهم الصبي القرآن واستشهاده بآياته!

أولئك رجال ونساء وعجائز وأطفال ضربوا أروع الأمثلة، فهل نعقل؟ وفهموا أن في حفظ كلام الله السعادة في الدنيا والآخرة فانشغلوا بحفظه ووجدوه خير معين على تربية الأبناء، فهذا أحمد بن حنبل والشافعي كانا يتيمين منذ صغرهما وتعلما وحفظ كل منهما القرآن على يد أمه منذ الصغر، وهذا زيد بن حسن الكندري يقول عنه الذهبي: قرأ القرآن تلقينًا وعمره سبع سنوات وقرأه بالروايات العشر وعمره عشر سنوات، وفي هذا القرن هذا هو الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا رحمه الله، اهتم بتحفيظ ولده «حسن» القرآن منذ الصغر فحفظه وعمره لم يتجاوز 14 عامًا وكلنا يعرف من هو حسن البنا رحمه الله ودوره في نصر الإسلام والمسلمين.

يذكر الشيخ إبراهيم الدويش في محاضرته «مفتاح القرآن» أن هناك أمًا لتسعة من الأبناء منهم خمس بنات وولدان أتموا حفظ القرآن، أصغرهم عمرها 9 سنوات ونصف. 

تقول الأم: بدأت منذ سنتين آخذهم معي في المطبخ أقرأ ويقرءون معي، ثم أراجع لكل واحد منهم جزءين، فتسأل: هل لك خادمة؟ فتقول: أنا لست بحاجة لخادمة فأنا أقوم بأعمال المنزل وتحفيظ أولادي، وهم بفضل الله الأوائل بدراستهم المدرسية. 

هكذا تكون الأمهات الصادقات مع أبنائهن منذ الصغر، وكذا الآباء، واليوم أصبح شريط القرآن نعمة وفرصة للحفظ والمراجعة، ولمن أراد حفظه فإن عدد آياته «6236» فبحفظك كل يوم ثلاث آيات تستطيع أن تحفظه إن شاء الله في ست سنوات.

محمد عبد الله الباردة

 

كثرة الضجيج.. حول مسيرة القافلة

عبد الله محمد العسيري

عند سير القافلة الدعوية في أي زمان أو مكان ستتعرض آجلًا أم عاجلًا إلى كثرة الضجيج والشبهات حول منهاجها أو قادتها أو أفرادها، ويجب أن تتذكر أن هذا الأمر ليس بدعة معاصرة، بل هو شيء قد تعودت عليه دعوات الحق من رسالات الأنبياء إلى حركات المسلمين، قال تعالى ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت : 2). 

وعلى الحركة الإسلامية عمومًا إعطاء بعض الجرعات للأفراد المحيطة من هذه الأشياء التي تعيق الحركة، وتكثر من التوقف لدى القافلة، وهذه المنعطفات تكثر لدى الأفراد ذوي المرحلة الجامعية وحولها، وقد نرى صراع المناهج الدعوية في كثير من البلدان الإسلامية، سواء كان في حديث المجالس أو الكتب أو الجرح والتعديل، أو حتى الأشرطة السمعية، ولكن مع هذا كله، يجب أن نتذكر دائمًا أن الحق واحد، ويجب على المؤسسة الدعوية أن تتلقى الشبهات، وتتعامل معها بموضوعية وهدوء من خلال تفنيدها، وبيان خطئها، وليكن رائدهم في ذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)﴾ (النحل: 125). 

ولنتذكر أن التشويش على القافلة ينشأ عند الجهل بطبيعة اختلاف المنهج، وتغلب العاطفة على الموضوعية، ولا ننسى أنه كان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم منافقون في المدينة يلقون الشبهات والفتن على الصحابة، وعلينا أن نتخذ العبر والعظات من مواقف الرسول منهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

138

الثلاثاء 16-يونيو-1970

دعوة الإسلام في ترنداد

نشر في العدد 14

137

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 59

163

الثلاثاء 11-مايو-1971

حوار مع الشيطان