; المجتمع التربوي (عدد 1515) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (عدد 1515)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002

مشاهدات 74

نشر في العدد 1515

نشر في الصفحة 54

السبت 24-أغسطس-2002

وقفة تربوية

السلبية

هي كل نقص يعتري الأخلاق العالية وكل تراجع في بلوغ حد الكمال، وكل خلق مغاير للأخلاق الفاضلة.

يخشى صاحب هذه الصفة النجاح ولا يهتم إلا بذاته ولذاته، ولا تعنيه جراحات الآخرين، وهمومهم أو صراع الحق مع الباطل.

إنه عضو في جسد، لكنه لا يشعر بوجود أعضاء الجسد الأخرى، ولا آلامها ومشاعرها، فقد مات الإحساس لديه حتى ما عاد يشعر بوجود أحد سواه.

والسلبية نوعان جزئية وكلية فالجزئية أن يكون سلبيًّا مع ذاته فيهرب دومًا من التخلق بالأخلاق الفاضلة وتفتر همته في بلوغ ذلك، ويفضل البقاء في الوادي بعيدًا عن القمم بسبب خوفه من الصعود والارتقاء إيثارًا للسلامة ورغبة في الراحة والخمول حتى وإن كانت لديه القدرة على ذلك. وفي هذا قال الشاعر:

ولم أر في عيوب الناس عيبًا *** كنقص القادرين على التمام

أما السلبية الكلية، فهي انعدام الإحساس بالآخرين، فلا يهتم بما يحدث للمسلمين وحتى لأقرب الناس إليه ولا يتفاعل أبدًا مع قضايا الأمة وهمومها وآلامها وأمالها. 

ومبعث ذلك؛ الأنانية المتأصلة فيه، وحب الذات الذي يعميه عن التطلع إلى خارج إطاره، أو هي البلادة والمعصية التي تعمي بصيرته عما ينفعه وينفع الآخرين، وهذا أسوأ أنواع البشر؛ لا ينفع نفسه ولا الآخرين؛ نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء. 

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

احترام الآخر .. الإسلامي

لماذا التربص والتجريح وجلد الذات وإقحام الأهواء والتنقيب في النيات؟

● نربأ بالإسلاميين أن يكون اجتماعهم كرهًا نتيجة الظروف أو أن يتصيد كل منهم أخطاء الآخر.

د. أمير الحفناوي

في أحد لقاءات الثلاثاء، وقف الأستاذ حسن البنا -يرحمه الله- ليلقي كلمته الأسبوعية المعتادة حين قاطعه أحدهم قائلًا: «يا أستاذ ما الفرق بين الإخوان المسلمين والجمعية الشرعية (أكبر فصيلين إسلاميين معتبرين في تلك الحقبة)؟.. فأجابه العالم الرباني الواثق الفرق أن الجمعية الشرعية في المغربلين» (منطقة في القاهرة) ودار الإخوان المسلمين في منطقة «الدرب الأحمر».

عاد الشخص نفسه ليسأله مرة أخرى: إن الجمعية الشرعية تبني المساجد وأنتم لا تبنون المساجد، فعاد بربانيته ورقة أسلوبه ليقول: «خيرًا.. عليهم أن يبنوا المساجد وعلينا أن نعمرها بالرجال».

كل من يتابع موجات التنافر وأحيانًا العداء، التي ترتفع تارة وتنخفض تارة وتلعب عليها بعض الأنظمة تارة أخرى.. ويثيرها شباب متحمس منفعل لا يجد من يلجمه بلجام العقل وإدراك المرامي ويرتب له تفكيره المندفع - يعزي نفسه في علماء الأمة الأفذاذ الذين يرحلون عن الساحة كل يوم، ويتركونها شاغرة. 

فإذا نظرنا إلى خريطة التوجيه للصحوة الإسلامية عامة تهيج في صدورنا تلك الخواطر ونسأل أنفسنا متى يحدث اللقاء إلى موعد الانتصار بإذن الله؟ من هذه الخواطر يحضرني بعض النقاط التي تعتمل في ساحة الدعوة تحت السطح غالبًا وفوقه أحيانا وهي:

1- المساجد لله:

في مدينتي تسأل الشاب الملتزم فيقول لك هذا مسجد السلفيين، وهذ مسجد الإخوان وهذا مسجد التبليغ وهذا كذا وذاك كذا ... إلخ.

الواقع يقول: إن البعض يخشى حتى الاعتراف بحق الآخر في الوجود والعمل.. ويخشى أن يقره على ما يفعل فيذوب أو يتحلل فيه كما يعتقد وهذه دلالة على الضعف فلا يخشى الذوبان إلا ما هو قابل للذوبان فعلًا كان الاعتراف جريمة تجرُّ إلى ذنب عظيم.. أو كأننا في مباراة أو سباق ولسنا في حقل دعوي. دعوي عظيم الوجهة والنية لا يسمح فيه بالخسارة؛ والخاسر هو عدو نفسه وعدو إخوانه رفاق الدرب المشترك المقصد والتوجه.

2- أدب الخلاف:

ثم أذهب لأبحث عن أدب الخلاف، فأجد أن الإمام الرباني «ابن تيمية». رضي الله عنه ينعى إليه أكبر أعدائه وأشدهم خصومة، فيبكي فيلومه أحد تلاميذه في ذلك فيقول له: والله ما عاديته يومًا وما كان لي بعدو أصلًا ... نعم لكنه اختلاف العلماء.

ويذهب إلى بيته فيعزي أهله ويقول لهم: «أنا لكم بمثابة الوالد» وينسى أذية ذلك الرجل له وذمِّه عند أولي الأمر... فهل نتعلم من تلك الروح. ونجعل الميزان إسلاميًّا لا حزبيًّا؟

بل هل لنا أن نعجب ممن ينسبون الهوى والمزاج الشخصي للدعوة البريئة منهما؟

فالواجب أن نؤمن بضرورة أن يكون الاختلاف إن وجد اختلاف تنوع لا اختلاف عداء وشقاق، فإذا سلمنا بهذه الحقيقة جاءت المرحلة التالية.

3- وثيقة الاتفاق:

«نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا فيه».

ويوم نتقبل هذه القاعدة كأصل تنطلق منها حذرين قدر الإمكان من التربص... أو أن نقدم في ذلك الأهواء، وأن نتسامى عن التجريح، وجلد الذات والتنقيب في النيات، والتمحيص وسوء الظن.

يوم يكون ميثاقنا بدون حساسية أو تعصب هو ميثاق الشرع وميزانه فقط... ويوم تصفو النيات.. ساعتها سنجلس والقرآن والسنة يميننا، وواقع المسلمين من أمامنا، ومخططات أعداء الأمم نصب أعيننا ... ساعتها تخلص النيات، ونقدم مشروعًا إسلاميًّا حركيًّا مقبولًا للجميع بثوابت ومتغيرات مرنة، ساعتئذ نستبشر بنصر من الله وفتح قريب بإذن الله. 

والصيغة التي ذكرت تصلح كمنطلق واضح قبله حتى أصحاب المذاهب الأربعة في أهل السنة والجماعة حين تلاينوا مع بعضهم ولم ينتقصوا من بعضهم لمجرد تعدد الفتوى أو الاختلاف في الرأي.

فإذا نظرنا إلى هذه القاعدة بعيدًا عن التعصب أو الهوى أو التحيز المبني على أساس رأي فردي أو جماعي قابل للصواب أو غير ذلك... نجد الرقعة المسموح بها بدأت تتسع لتستوعب الجميع، وإذا فطنَّا إلى ما يُراد لنا، واستحضرنا ما نزل بهذه الأمة طيلة عقود مضت من قبل أعدائها فطنّا إلى ضرورة الاتحاد والاتفاق غير المشروط فهو ضرورة عقلية إن لم تكن شرعية من قبل البعض.... وأنا أربأ بالصحوة الإسلامية أن يكون اجتماعها كرهًا نتيجة للظروف التي هي قادمة إليك فالآن الآن وليس غدًا.

4- وإذا قلتم فاعدلوا:

هل صار من مسلَّمات الصحوة الإسلامية أن يُجرِّح بعض أبنائها بعضًا وأن ينتهج بعضهم ذلك أسلوبا، وأن يتصيد بعضنا البعض ويتتبع أخطاءه ويضعها تحت المجهر، ويفعل كالزوجين المكرهين من استحالة الألفة؟.. نعم يعمد أحدهما كما يُسمع إلى تسجيل الأخطاء الحياتية واليومية تسجيلا دقيقًا حتى إذا جاء وقت الحساب أخرج واحد منهما قائمة أخطاء الطرف الآخر وعيّره... إذا وصلت العلاقة بيننا الإسلاميين إلى هذا المستوى فالنتيجة المنطقية هي فشل الدعوة -أعاذنا الله- من ذلك المصير. 

وفي الوقت ذاته الذي يشتعل فيه الصراع بيننا ننسى حسنات بعضنا ووقوفنا جميعًا لله ضد مؤامرات وأحقاد طاغية تهدف إلى إبادة المنهج الإسلامي كلية، نعم نقول: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).

 ونحن ننفخ في أنوار بعضنا البعض لكي تهتز وتضطرب.

حتى إن الأمر يتحول في بعض الأحيان إلى تجريح متعمد بل وللأسف أقول: مدح للنفس عن طريق الذم البغيض للغير.

كيف أنسى أني كنت معجبًا بأحد الدعاة الذي بدا لي عالمًا أو قريبًا من العالم المدقق في ألفاظه المعتني بفكره الحريص على الاستنتاج والترتيب لأفكاره ووصلت إلى مرحلة متقدمة هي أنني كنت أهدي البعض أشرطته ومواده الدعوية حتى صدمني في إحدى تلك المواد.. ولولا كونه تسجيلًا صوتيًّا باسمه لكذبت نفسي، ولكن الحقيقة المخجلة أنه كان يوجه دعوة صريحة لمقاطعة أحد أعلامنا الدعاة وفقهائنا الأفذاذ ويحذر منه ومن أخذ الفتيا عنه فيا للهول والذهول، وما راعني إلا واحدة من ثلاث كنت أعيذه وأعيذ أسلوبه العلمي المدقق منها وهي:

1- الجهل لعدم رؤيته للمادة موضوع الفتيا والخلاف.

2- سوء الظن.

3- التحامل المفضوح وتعمد التشهير بأعلام الدعوة وهو ما عانى منه أكثر أعلام الدعوة الأفذاذ من أجل الاجتهاد. 

 هل نترك أعلامنا الوجهاء في الدنيا ونحسبهم كذلك في الآخرة، ونستمع إلى شريط لمن يُسفه أحد أعلامنا لواحدة من الثلاث السابقات الحق أني أغلقت المسجل على وعد بلقاء غير قريب... كان هذا من زمن أرجو أن تكون العقلية قد تغيرت عما سبق لي معاينته، وأن يكون العدل هو راية الحكم لا الهوى....

5- تطوير الأسلوب:

ما قيمة الدعوة إن تحولت إلى قواعد جافة ومجرد وسيلة لتلقين العلم الشرعي بدون التناغم معه ومع الاحتفاظ بحق التلقين المتقن؟

وما أهميتها إن تحولت إلى وسيلة لاستعراض العضلات وهل الدعوة والعلم مفترقان إلى هذه الدرجة حتى ندر أن نجد بين العلماء دعاة أكفاء وبين الدعاة علماء أفذاذ... مع تحفظ على الخلق والسلوك وهو البعد الثالث إن دور الصحوة الإسلامية أن تنجح في معركتها المصيرية بتخريج فريق هائل من الدعاة العلماء والعلماء الدعاة الذين يكسبون بحق ثقة الشارع وثقة الدعاة، وثقة العلماء وينالون احترام المؤسسات المتابعة للصحوة ورجالها ويضيفون أبعادًا جديدة إلى مهامهم كتوحيد الصفوف وجمع الشمل و«منهجة» الوسطية في صيغ دعوية قابلة للتشكيل والتطبيق.

يجب تطوير أسلوب وجرعة التوجيه ومنع المنهج الوسطي من أن يذوب تحت سياط التهاون أو التشدد. 

أجد صوتًا دائمًا يصرخ في أعماقي كلما تذكرت عمرة لي في رمضان في الطواف وتحديدًا الشوط الخامس رأيت كهلًا يمشي يدير بصره في السماء كطفل تائه وينظر بحيرة إلى بيت الله تارة وإلى السماء تارة أخرى، وإلى طيور السماء المحلقة تارة أخرى. ولسان حاله يقول: يا رب أين توبتك عليَّ من أي باب من أبواب السماء تنزل أم تراها لن تنزل... فوجدت نفسي أبكي معه وأثارني أني وجدت كل من حولي على حال كحالي وكأنما توارد إلى أذهانهم الخاطر نفسه. فالدعوة دعوة حال أصلا... قبل أن تكون دعوة مقال، فهي أثبت للحجة وأصدق... فمن الداعية بحق.

إن أسلوب الدعوة في حاجة ماسة - في ظلال هذه الموجات العاتية إلى الالتفات إلى أثر البيئة التربوية وأقصد أثر البيئة المفردة التوجيه التي لا تسمح بالتنفس ناهيك عن الاحتكاك الضروري بالآخرين من أبناء الصحوة بطريقة سليمة أو التفاعل معهم في بيئة صحية سوية بعيدًا عن التشنج وفرض الرأي والمنهج والسلوك... وأفة بعضنا أنهم ينظرون بالكاد إلى ما دون الأقدام.

حتى وجدنا من يقبل بالمشرك ولا يقبل بأخيه الداعية صاحب الفكر المختلف بل لعله ينظر إليه شذرًا وينهره فيما يهش للكافر أو المشرك.. ودعواه أن هذا قابل للهداية والتشكيل والصياغة الإسلامية التي يعتقدها هو شخصيًّا أما ذاك الداعية فيقصر نظره عن استجلاء حقيقته. 

هل تصدق مثلًا أن شابًا مسلمًا المفترض أنه داعية يتمنى علانية أن يغمض عينه ويفتحها ليجد تيارًا إسلاميًا مليونيًّا قد اختفى من الساحة الإسلامية والوجود كله... لماذا؟ لأنهم أشد خطرًا على العقيدة من اليهود.... هكذا وبكل بساطة يقول:

إن المعركة ليست بين المختلفين في الرأي، ولكنها مع عدو الأمة الحقيقي، أما أن يوجه فصيل إسلامي معركته ضد الفصائل الأخرى، فهو كمن ذهب ليبني قصرًا فهدم مِصرًا.

الرابط المختصر :