; المجتمع التربوي (عدد 1489) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (عدد 1489)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2002

مشاهدات 63

نشر في العدد 1489

نشر في الصفحة 54

السبت 16-فبراير-2002

▪    وقفة تربوية.. حال القلوب مع الفتن
روى الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير على قلبين أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه».
فمن أراد الابتعاد عن المعاصي والحذر منها، ورام صفاء القلب، ونقاءه من الأقذاء فعليه بتذكر هذا الذي ذكره الرسول ﷺ لصحابته الكرام، وما يحدث القلب عند المعصية، وكيف يتحول القلب ويغطيه الران حتى تغلق جميع مسامات الإحساس التي لديه، فلا يعود يشعر بالخير أبدًا أو يتأثر به.
يروي الإمام الأعمش عن أحد هؤلاء الربانيين- الذين يديمون هذا الشعور واستحضاره حتى يستمروا في هذه اليقظة الإيمانية، لئلا يقتحم قلوبهم إحدى تلك المعاصي التي تؤدي بذلك الانسداد الكامل- يقول: «كنا عند مجاهد، فقال: القلب هكذا، وبسط كفه، فإذا أذنب الرجل ذنبًا قال: هكذا، وعقد واحدًا، ثم أذنب وعقد اثنين، ثم ثلاثًا، ثم أربعًا، ثم رد الإبهام على الأصابع في الذنب الخامس، ثم يطبع على قلبه».
قال مجاهد: «فأيكم يرى أنه لم يطبع على قلبه» (صفة الصفوة ٢/٢١٠).
أيها الداعية إلى الله: لا تظنن أنك بمنأى عن ذلك، إذا ما توالت معاصيك وأنت لا تشعر بمصيبتك.
أبو خلاد
Albelali@bashaer.org
▪    ذكريات الحج ومشاهده.. مواقف مليئة بذكرى الأنبياء وخاصة إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام
▪    يعلمنا الحج الاستسلام التام لأوامر الله وعدم الاستجابة الرغبات النفس والشيطان
صالح أحمد المازني
الحج رحلة إيمانية يقصد بها الحاج التطهر من الذنوب والسيئات، وهو لهذا السبب يتحمل مشقة السفر، كما أنه يسعد بذكريات الحج، فكم من نبي طاف حول البيت الحرام، وكم من مؤمن طاف حوله، وكم من ذكريات في تلك المشاعر من: رمي للجمار، وتقبيل للحجر الأسود، والسعي بين الصفا والمروة.. إلخ.
يمكن إيجاز بعض تلك الذكريات فيما يلي:
١- ذكرى التضحية والفداء: نأخذها من قصة إبراهيم وولده إسماعيل- عليهما السلام- إذ أمر الله إبراهيم في الرؤيا بذبح ولده، فأطاع الأمر، ولبي النداء وتقبل الغلام أمر الله في طاعة وامتثال، بل كان منه ما يشجع والده على ذبحه يقول تعالى في هذا الموقف العظيم: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ  وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠٢- ١٠٧).
في تفسير القرطبي لهذه الآيات يقول: «لما هم إبراهيم- عليه السلام- بذبح ولده تنفيذًا لأمر الله تعالى، انتهز الشيطان هذه الفرصة فقال: «والله لمن لم أفتن آل إبراهيم عند هذا الموقف، لا أفتن منهم أحدًا أبدًا، فتمثل لهم في صورة رجل، ثم أتي أم الغلام فقال لها: أتدرين أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: لا، قال: إنه يزعم أن ربه أمره بذبحه، قالت: لئن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه». 
ثم أتى الغلام فقال: أتدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: لا، قال: إنه يذهب بك ليذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره الله به.. سمعًا وطاعة لأمر الله، ثم جاء إبراهيم فقال له: أين تريد؟ والله إني لأظن أن الشيطان هو الذي جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك، فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدو الله، فوالله لأمضين لأمر ربي، فلم يستطع الملعون إغواءهم ولم يصب منهم شيئًا».
٢- ذكرى رمي الجمار: يقول ابن عباس- رضي الله عنهما-: «لما أمر إبراهيم بذبح ابنه، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله».. ولعل هذا هو السر في رمي الجمرات كل واحدة بسبع حصيات.
٣- ذكرى رفع قواعد البيت الحرام: ماذا فعل إبراهيم وإسماعيل بعد أن نما الغلام وترعرع؟ قاما برفع القواعد من البيت الحرام، وإعداده لاستقبال الحجاج في كل عام، ونادى إبراهيم من فوق جبل أبي قبيس« أيها الناس إن الله قد أكرمكم بحج البيت الحرام ليثيبكم به الجنة...» فبدأ الناس بالحج، وكان للمسجد الحرام قدسيته وعظمته عند إبراهيم وإسماعيل وورث المسلمون عنهما تقديسه وعظمته فهو بيت الله الذي يأمن فيه الخائفون ويستجير به المستجيرون، وتتوقف عنده المنازعات، وترجأ فيه العداوات، حتى كان الرجل من العرب يلقى فيه قاتل أبيه فلا يمسه بسوء قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: 25).
ولقد امتدت قداسة البيت الحرام إلى ما هو أكبر وأبعد من ذلك، فهو بيت لا يصاد فيه الطير، ولا ينفر فيه الحيوان، ولا يقطع فيه النبات، ولا يلتقط لقطته إلا ناشدها، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو أول بيت وضع للناس، بل هو بيت الله في الأرض الذي يناظر بيته المعمور في السماء، والبيت العمور يطوف حوله الملائكة، والبيت الحرام يطوف حوله الحجيج.
٤- ذكرى تقبيل الحجر الأسود: الحاج إذ يطوف حول البيت الحرام، إنما يبدأ طوافه من محاذاة الحجر الأسود، ويقال إن هذا الحجر نزل من الجنة وهو أبيض اللون فسودته ذنوب البشر، وعلى الحاج أن يقبله إذا كان قريبًا منه، فإذا كان بعيدًا عنه اكتفى بالإشارة إليه تعظيمًا وتقديرًا.
وقد ورد في الخبر أن الحجر الأسود يرمز إلى يمين الرحمن والمقصود أنه مظهر عهد الله وميثاقه كما قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: 10)، والله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11).
٥- ذكرى السعي بين الصفا والمروة: يذكرنا هذا السعي بسعي هاجر زوج إبراهيم بينهما، وهو يقترن بالدعاء الله، والتوكل على الله في كل من رحمة الله فيفيض الله على الحاج من رحماته وتوفيقه إلى الارتباط به في كل مسعى، سواء كان هذا المسعى بين الصفا والمروة أم كان بين دروب الحياة، وما أكثر دروب الحياة وما أشقها وأصعبها.
هنا سؤال يرد على ألسنة الذين يحكمون أهواءهم في الدين، وينكرون ما لا يدركون حكمته، فيتسألون عن الحكمة في تقبيل الحجاج للحجر الأسود، وفي طوافهم حول البيت، وفي سعيهم بين الصفا والمروة، وفي رمي الجمار في منى، ويقولون إن هذا وثنية، لكن شتان بين عبادة أوثان لا تضر ولا تنفع، وطاعة الله في تقبيل الحجر الأسود، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال إني لأعلم أنك حجر، ولو لم أر حبيبي قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك» فالأمر الإلهي لا يناقش والمخلوق عاجز عن معرفة الحكمة من كثير من الأوامر الإلهية.
ماذا يقول رسول الله ﷺ عن رمي الجمار وغيره من الشعائر؟
يقول: «... وأما رميك الجمار ذلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمذخور لك عند ربك، وأما حلاقتك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، ويمحى عنك خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك: فيقول: أعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى» (رواه الطبراني والبزار وصححه الألباني).
تلك بعض ذكريات الحج العظيمة وبعض مناسكه ومشاعره التي يراها الحاج، ويعود إلى بلده منشرحًا بها صدره، بما عظم من مشاعر، وما عاش من ذكريات، وما أنفق في سبيل الله، وما تصدق على فقراء الحرم، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).
يقول الشاعر:
أحجاج بيت الله بورك سعيكم**وعدتم إلى أوطانكم سادة نجبافأنتم ضيوف الله والضيف مكرم*وقد كشف المولى لأضيافه الحجباوما أروع الأيام إن زانها التقى*وأضحت مساعي القوم محمودة العقبيففي نعمة الله الرضية حلقت*نفوس إلى عليائها تنشد القربيوقد عمها المولى بسابغ فضله*ورحمة رب الكون هتانة سحبافقد وقف الحجاج في كل مشعر*يلبون للرحمن يدعونه رباوقد جمع الله القلوب عزيزة**على عرفات الله فامتلأت حبًا
▪    تأملات في الطواف
د. صلاح الدين محمد الزفتاوي
عندما يطوف الحاج أو المعتمر حول الكعبة يلاحظ اندفاع الناس وتدافعهم، خاصة وقت الزحام في مواضع معينة من الطواف، وانفراج المطاف وتبعثر الناس في مواضع أخرى، ثم يجد أن هذه المواضع ثابتة ومتكررة على مدار الطواف، فيجد أن التدافع يزيد عند بداية حجر إسماعيل- عليه السلام-، ثم يحدث الفراج وسعة في المطاف عند الجهة الشمالية الغربية، ويستمر حتى يعود الزحام شديدًا في الجهة الجنوبية من المطاف.
يلاحظ الحاج أيضًا أنه إذا بدأ الطواف بعيدًا عن الكعبة فإنه لا يلبث أن يقترب منها كلما تقدم في عدد الأشواط، حتى إذا انتهى من الطواف وجد نفسه قريبًا من الكعبة على حسب نسبة الزحام، بل ويجد مشقة في الخروج لصلاة خلف مقام إبراهيم- عليه السلام-، أما إذا كان معه نساء وأراد أن يحتفظ بمستوى مداره بعيدًا عن الزحام فإنه سيجد مشقة ويبذل جهدًا ليحافظ على ذلك.
لم يطل تعجبي إزاء تلك الظاهرة، فعندما نظرت إلى الكعبة من الأدوار العليا لمسجدها وجدت أن الطائفين يكونون شكلًا شبه دائري وقد يكون بيضاويًا خاصة أيام الزحام، بحيث يكون القطر الأكبر للشكل هو الخط المار بالحجر الأسعد، ويخرج من الجهة المقابلة من حجر إسماعيل في الاتجاه الشمالي، ويظهر ذلك أيضًا واضحًا في لقطات البث التلفازي التي تلتقط من مكانٍ عالٍ.
فسبحان الله: الحاج يطوف والكعبة على يساره وفي مدار بيضاوي، مثلما تدور الأرض حول الشمس، وسائر الكواكب في المجرات الهائلة الضخمة كما يفعل الإلكترون حول نواة الذرة البالغة الدقة ووحدة تركيب الكون.
قد تفيد هذه الملاحظات المختصين في العلوم الطبيعية والباحثين في مسارات الأجرام، وكذلك الجغرافيين الذين يبحثون في أن مكة والكعبة مركز اليابسة على الأرض وأن خط الصفر الطولي للأرض يمر بمكة وقد يكون هو الذي يمر بقطر الطواف، ولكن الاستفادة العملية- وهي الأهم- هي إفادة المسلمين في تخفيف الزحام في الطواف وتقليل وقته ومشقته.
▪    حج البيت.. أسرار ومعان.. أعمال الحج تجسيد لمعاني الطاعة المطلقة والخضوع التام لأوامر الله تعالى
▪    من علامات قبول الحج أن يعود الحاج زاهًدا في الدنيا.. مقبلًا على الآخرة
عاطف أبو السعود
ها هي الرحال تشد إلى بيت الله العتيق، وها هي القلوب المشتاقة تتطلع إلى طيب المقام بمهبط الوحي ومجمع الرسالات، وها هو الكون كله يردد مع الحجيج والعمار؛ فرحًا بهذا الأيام المباركة:
الكون لبي والحجيج: الله حي**لبيك ربي في مدى الأكوان ضيمن كل فج قد أتى الناس ابتهال*وابتهاجًا يقتفون خطى النبيوالكائنات مسبحات والقلوب*مهللات في ثرى الله العليرب تجلى والعباد قلوبهم**عما سواء خلية من كل شيء
الحج- كما نعلم جميعًا- هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد حفلت كتب الفقه والعبادات وغيرها بالحديث عن شعائر الحج وأعماله، بدءًا من النية، ومرورًا بالإحرام والتلبية والطواف والسعي والمبيت بمنى، والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة وانتهاء برمي الجمرات والحلق أو التقصير، وأيام التشريق.
▪    وراء كل منسك حكمة
لكن ما أود التوقف عنده مليًا، تلك المعاني الغائبة عن الكثيرين، في هذه الشعيرة، والعبادة العظيمة، ولسوف يجد المسلم بوجه عام، وحاج بيت الله الحرام بوجه خاص، متعة كبيرة، إذا ما تطلع إلى الأسرار الكامنة وراء كل منسك من مناسك الحج.
يعلم المسلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه إلا بالتجرد والانفراد لمناجاته، وقد كان الرهبان ينفردون في الجبال طلبًا للأنس بالله، فجعل الله الحج رهبانية هذه الأمة، ولهذا فإن معظم أو كل شعائر الحج تدور حول هذا المعنى العظيم ومن ذلك:
أولًا: الاغتسال والتطيب: فمن سنن الحج الاغتسال والتطيب وهذا ما يتم للميت تمامًا، إذا يغسل ويطيب، وفي هذا تذكر للموت وشدته.
ثانيًا: ملابس الإحرام: عبارة عن إزار ورداء أبيضين، فإذا لبسهما الحاج تذكر أنه سيلقي ربه تعالى في زي مخالف لزي أهل الدنيا، فهما يذكران بكفن الميت.
ثالثًا: توديع الحاج لأهله: بقوله: «أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم» وفي هذا تذكرة بتوديع الميت لأهله، وهو على فراش الموت ووصيته إياهم بصالح الأعمال
رابعًا: تذكر معنى الهجرة: فالذين هاجروا من مكة إلى المدينة فروا بدينهم إلى الله، وترك صهيب الرومي ماله كله وتزود بخير زاد، وهو تقوى الله تعالى القائل في محكم التنزيل، في سياق الحديث عن الحج ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 197).
ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض أهل اليمن تركوا التزود في سفرهم للحج وقالوا: أنذهب إلى الله تعالى، ولا يطعمنا؟ فأمرهم الله تعالى بالتزود لسفرهم، والتعفف عن سؤال الناس أو المن على الله تعالى. (تفسير ابن كثير، الجزء الأول تفسير سورة البقرة الآية ١٩٧)، فإذا كان صهيب رضي الله عنه قد ترك ماله كله لله، فإن الحاج يصحب بعض ماله، وما أعظم الإنفاق في سبيل الله، وما أجزل ثواب فاعله.
وينبغي أن يحذر الحاج من فساد عمله بسبب الرياء والسمعة، فإن ذلك لن ينفعه، كالطعام الرطب الذي يفسد عند أول منازل السفر، فيبقى صاحبه وقت الحاجة متحيرًا.
وعندما هاجر الصحابة الكرام كانت قلوبهم خالية من كل شيء، لم يكن هناك ما يشغل قلوبهم سوى ذكر الله تعالى، وإقامة دينه، وتطبيق منهجه في الأرض، وهكذا الحجاج يهاجرون إلى الله تعالى شعثًا غبرًا ضاحين ملبيين ربهم تعالى:
لبيك يا رب الورى**لبيك أنت المنعمهذا نداءك قد سرى**والكل باسمك محرم
خامسًا: فإذا لبي فليستحضر بتلبيته إجابة الله تعالى: إذ قال سبحانه: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27) وليرج القبول، ولبخش عدم الإجابة، وما من سبيل إلى ذلك إلا تقوى الله تعالى، فهو القائل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: 27)
سادسًا: إذا وصل الحاج إلى حرم الله تعالى: فليستحضر نية اللجوء والفرار إليه سبحانه، فإنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وينبغي عليه أن يرجو الأمن من العقوبة، وأن يخشى ألا يكون من أهل القرب، غير أنه ينبغي أن يكون الرجاء غالبًا، لأن الكرم عميم، وحق الزائر مرعي، وذمام المستجير لا يضيع وليلهج بلسانه حال ومقاله بقول القائل:
إلهي لا تعذبني فإني**مقر بالذي قد كان منيومالي حيلة إلا رجائي*وعفوك إن عفوت وحسن ظنيفكم من زلة لي في البرايا*وأنت علي ذو فضل ومنإذا فكرت في ندمي عليها*عضضت أناملي وقرعت سني يطن الناس بي خيرًا**وإني الشر الناس إن لم تعف عنيا
▪    من الرؤية حتى الحلق
سابعًا: فإذا رأي البيت الحرام: استحضر عظمته في قلبه، وشكر الله تعالى على تبليغه رتبة الوافدين إليه، فكم من أناس تتطلع قلوبهم شوقًا، وترنو أفئدتهم حبًا لبيت الله العتيق، ولكن الله تعالى لم يقدر لهم ذلك، ومن هؤلاء يعبر قول القائل:
يا راحلين إلى البيت الحرام لقد**سرتم جسومًا ونحن سرنا أرواحًاإنا أقمنا على عذر وعن قدر**ومن أقام على عذر فقد راحا
ثامنًا: عند الطواف بالبيت: يستشعر الحاج والمعتمر عظمة الله تعالى، وعظمة الطواف، فإنه صلاة، وليتذكر أن الفقير إذا أراد شيئًا من الغني ذهب إلى بيته أو قصره، وأخذ يدور حوله ينتظر لحظة فتحه أو عسى أن يجد فتحة يدخل منها، وكذلك من يطوف ببيت الله تعالى، إنه ينتظر لحظة يتجلى فيها الرب الكريم عليه ويفتح له أبواب التوبة والمغفرة والقبول، فيلج إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
تاسعًا: عند استلام الحجر: يعتقد أنه مبايع الله تعالى على طاعته، ويضم إلى ذلك عزيمته على الوفاء بالبيعة، وعند تقبيله إياه يتذكر التجرد والطاعة التامة والاستسلام الكامل لله تعالى، وليسترجع مقولة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه «والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» (رواه مسلم).
عاشرًا: ليتذكر عند تعلقه بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم: لجوء المذنب إلى سيده طالبًا منه القرب والعفو والصفح، وليكثر من عبراته في هذا الموضع، إذ قال ﷺ عندما التزمه «هنا تسكب العبرات»، وليس أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من دمعة نزلت من خشية الله، وقطرة دم أريقت في سبيل الله، ثم إن من العينين اللتين لا تمسهما النار، كما أخبر النبي ﷺ «عين بكت من خشية الله» (رواه مسلم)، وقال ﷺ: «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران فأثر في سبيل الله تعالى، وأثر في فريضة من فرائض الله» (رواه الترمذي أيضًا)، ولو لم يجد بكاء تكلفه، فلعل التكلف ينقلب طبيعة، كما قال ﷺ: «من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» (رواه البخاري).
حادي عشر: إذا شرب من ماء زمزم: تذكر رحمة الله تعالى، عندما أدركت هاجر ورضيعها إسماعيل في هذا الموضع المبارك، وكيف أن مع العسر يسرًا، وأن من جد وجد ومن زرع حصد، وأن رحمة الله قريب من المحسنين الذين يأخذون بالأسباب ثم يتوكلون على الله تعالى.
ثاني عشر: إذا سعى بين الصفا والمروة: تذكر سعي السيدة هاجر عليها وعلى نبينا السلام، وكيف أنها مع ضعفها لكونها امرأة، سعت في الحر الشديد والرمال الحارقة سبعة أشواط بحثًا عن الماء لها ولولدها الرضيع الذي أوشك على الهلاك من شدة العطش، إنها لم تكتف بشوط واحد أو اثنين أو ثلاثة، ثم أدركها اليأس من رحمة الله، بل إنها طافت سبعة أشواط كاملة وصعدت بعد كل مرة جبلًا، حتى إنه لم يبق لها أدنى قوة تواصل بها السعي، فأتي فرج الله تعالى، وصدق القائل:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها***فرجت وكنت أظنها لا تفرج
كم من شدة نزلت يضيق بها***الفتي ذرعًا وعند الله منها المخرج
وليمثل الصفا والمروة بكفتي الميزان، وتردده بينهما في عرصات يوم القيامة، أو تردد العبد إلى باب دار الملك، إظهارًا لخلوص خدمته، ورجاء الملاحظة بعين رحمته وطمعًا في قضاء حاجته.
ثالث عشر: أما عند وقوفه على عرفة: فليتذكر الحاج، بما يرى من ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم وأجناسهم يوم القيامة، وموقفه العظيم واجتماع الأمم في ذلك الموطن واستشفاعهم وتوسلهم إلى الله تعالى، أن يدركهم برحمته وأن يجود عليهم بفضله عليهم.
رابع عشر: فإذا رمي الجمار: فليقصد بذلك الانقياد للأمر، وليتذكر عداوة إبليس اللعين، وأن عداوته ستزداد منذ هذه اللحظة التي رجمه فيها، فأزله وأهانه، وحقر من شأنه، ومن ثم فليحذر من مكره وتربصه الدوائر به كيف لا وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر: ٦).
خامس عشر: أما عند الحلق أو التقصير: فإنه يتذكر أنه أزال عنه هذا الشعر الذي عصى به الله تعالى، أو بعضه، كأنه يعقد عهدًا جديدًا مع الله تعالى بالسير في طريقه والتزام شرعه ولزوم دينه سبحانه، فليحذر من النكوث بهذا العهد، أو النكوث عن هذا العقد، فإذا فرغ الحاج من أعمال الحج، وطاف طواف الوداع، فليتذكر قول الرسول ﷺ «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (متفق عليه) روي عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: «من علامات قبول الحج أن يعود الحاج زاهدًا في الدنيا مقبلًا على الآخرة» فهنيئًا لمن قبل الله حجه فعاد كيوم ولدته أمه، ويا لقرة عين من سعد بطيب المقام في مهبط الوحي ومجمع الرسالات، ويا لسعادته بجوار رسول الله ﷺ.
▪    آداب الحج: البدء بالتوبة.. الخروج من المظالم.. رد الأمانات وترك نفقة الأهل قبل السفر
د. زين بن محمد الرماني 
قال علماؤنا رحمهم الله تعالى إن لحج بيت الله آدابًا إذا روعيت، وقام الحاج بها، عاد بإذن الله، موفور الحسنات، مقبول الأعمال.
منها إذا استقر عزم الحاج على السفر، فعليه البدء بالتوبة النصوح من جميع المعاصي والذنوب، والخروج من مظالم العباد برد الحقوق لأهلها، مع قضائه لديونه، ورد الودائع والأمانات لأهلها، ويستحل كل من بينه وبينه معاملة غير صحيحة ويكتب وصيته ويشهد عليها، ويوكل من يقضي عنه ديونه، إذا لم يتمكن هو من قضائها، ويترك لأهله ومن للزمه نفقته من زوجة ووالد وولد شيئًا من المال إلى حين رجوعه، ومن الآداب المستحبة أن يجتهد الحاج في إرضاء والديه ومن يتوجب عليه بره وطاعته من أستاذ ومعلم ورحم قريب.
ومنها أن تكون نفقته حلالًا خالصة من الشبهة، فإن خالف وحج بما فيه حرام لا يكون حجًا مبرورًا، ويبعد كل البعد عن أن يكون مقبولًا، الله در القائل:
إذا حججت بمال أصله سحت***فما حججت، ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل خالصة***ما كل من حج بيت الله مجرور
لذا، فعلى الحاج أن يستكثر من الزاد، والنفقة من المال، ليواسي من كان محتاجًا من القاطنين في تلك البقاع المباركة، ويأخذ بيد البائسين.
وعلى الحاج كذلك أن يترك المماحكة والمشاححة فيما يشتريه، بأن يكون سمحًا في البيع والشراء، سمعًا في الأخذ والعطاء، فإن أهالي تلك البقاع ينتظرون موسم الحج ليغتنموا من منافع الحج، وليفيدوا الحجيج بتوفير المأكولات اللازمة، والملبوسات المناسبة والأدوات الضرورية مقابل ربح معقول مقبول.
ومن الآداب في الحج أن يتعلم الحاج كيفية الحج وأحكامه وما يحرم عليه وما يحل له، مما يجب وما يسن، وهذا فرض قد فرضه الله على مريد الحج، إذ لا تصح العبادة ممن يجهلها، وأن يستصحب معه كتابًا واضحًا في مناسك الحج، جامعًا لأحكامه ومقاصده، يديم مطالعته مع سؤاله لأهل العلم والفتوى في جميع أعمال الحج.
ومن تلك الآداب أن يطلب الحاج له رفيقًا صالحًا موافقًا راغبًا في الخير، كارهًا للشر، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن كان من أهل العلم والصلاح فليتمسك به فإنه يعينه على مبار الحج ومكارم الخلق، يمنعه بعلمه وخلقه من سوء ما يطرأ على راحته في الطريق، ويحتمل كل واحد منهما صاحبه.
ومن ذلك أن يستعمل الحاج الرفق وحسن الخلق مع الرفقة والأصحاب ويتجنب المخاصمة مع الناس، والمخاشنة والمزاحمة في الطريق وموارد الماء، وعلى الحاج أن يصون لسانه من الشتم والغيبة والألفاظ القبيحة.
قال ﷺ: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

975

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 12

128

الثلاثاء 02-يونيو-1970

لقلبك وعقلك