العنوان المجتمع التربوي - عدد 1358
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1999
مشاهدات 80
نشر في العدد 1358
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 13-يوليو-1999
وقفة تربوية
الطريق إلى القلوب
يغفل بعض الدعاة - ممن حباهم الله بالشهرة والبروز في المجتمع - عن أن كلماتهم وأفعالهم وتصرفاتهم جميعها تحت مجهر الجمهور من طلبة العلم وغيرهم، وأن كل كلمة وفعل محسوب بدقة عليهم.
وبسبب انشغالهم الكبير بأمور الدعوة والعلم، يضيق الوقت أحيانًا أو غالبًا أمامهم عن الاستماع إلى أسئلة طلبة العلم، أو إلى مشكلاتهم، أو تلبية دعواتهم، أو قد تكون إجابات مثل أولئك البارزين فيها شيء من الغلظة أو الترفع الأمر الذي قد يؤدي - وبسرعة كبيرة - إلى سقوط أولئك الدعاة من أعين الجمهور، وخروجهم من قلوبهم.
أما أولئك الدعاة البارزون الذين- بالرغم من انشغالاتهم، وضيق الوقت امام قضاء بعض حاجاتهم، لكثرة الأعباء الدعوية والعلمية الملقاة على عواتقهم- عندما يلتقون بالجمهور أو طلبة العلم، فإن البشاشة لا تغادر محياهم، ورقة العبارة لا تفارق ألسنتهم، والتواضع الجم يكون صبغة لاصقة فيهم، ولهذا السبب يدخل مثل هؤلاء في قلوب الجمهور عندما يرون ذلك التواضع من أولئك العمالقة.
ومما جاء في ترجمة الإمام أبي معاوية الأسود صاحب الإمام سفيان الثوري أنه قدم فإذا بطائفة من الناس يقولون له: «ادع الله لنا»، فقال بكل تواضع «اللهم ارحمني بهم، ولا تحرمهم بي» «سیر أعلام
النبلاء ٩/79».
إنه الإيمان الذي يجعله يتواضع لمن منحه تلك المنزلة من غير حول منه ولا قوة.. وهو لون من ألوان المحافظة على نعمة العلم، كما أنه الطريق الأقصر إلى قلوب الآخرين، ذلك أن القلوب تنفض عمن لا يلاطفها، ويتعالى عليها..
أبو خلاد
طريقك إليها يتحقق بتقويم نفسك وتربية من حولك
أبشر بالريادة
فتش عن الجوانب التي تحبها ثم أنطلق منها لخدمة دعوتك
اختصر الزمن.. تعلم فن التطوير.. واستخدام طاقتك مهما صغرت
العظماء هم الذين يصنعون التاريخ، والرواد هم الذين يبنون القلوب، ويربون النفوس والرائد لا يكذب أهله، والريادة رمز يميز العاملين الجادين والصادقين المخلصين، ودعاة الإسـلام هـم سـادة الريادة في شتى مجالات الحياة في الأعمال الدينية والأخروية، وفي الميادين الدنيوية العملية.
وحتى يسلك أولئك الدعاة طريق الريادة، فيكونوا القادة والرواد الذين يتبعهم الناس يحسن بهم أن يتعلموا بعضًا من فنون الريادة والطريق الموصلة لها، ومن هذه الطرق ما يلي:
١ - ارض بما فيك لأن ما فيك قل من يعرفه فيك:
فالله خلق للناس مواهب وقدرات مختلفة، فقد يكون أحدهم خطيبًا بارزًا، أو كاتبًا مؤثرًا، لكنه لا يحسن القراءة الجميلة.
وأنت - أخي الداعية - تعلم من نفسك قدرات لا يحسنها غيرك، فقد تخدم الدعوة في مجال الكمبيوتر مثلًا، وتعرف طرق البرمجة وفنونها، فتستطيع بهذا العلم إثراء الحركة الدعوية بهذا اللون من الفن وغيرك يستطيع أن يحاور ويناقش، فلديه المهارة القيادية، والسمات الإدارية الناجحة، وآخر تتلمذ على يد أهل العلم ردحًا من الزمن، فهو مؤهل الآن للتعليم وتربية النشء..
وكم رأينا من أناس فقدوا جوانب كثيرة من العلم، وفنون المعرفة، لكن لديهم الجلد والصبر على التعامل مع الناس، وإقناعهم بفعل الخير.
فمن هنا كان لزامًا عليك أن تفتش عن الجوانب التي تحبها، ويمكن أن تنطلق من خلالها لخدمة دعوتك.
٢ - تفاعل مع ما تكرهه نفسك:
الذي يريد أن يصل إلى الريادة والرفعة لا بد من أن يجابه ما تكرهه نفسه من النوم الكثير وقلة الحركة وكثرة الأكل والملل السريع والحساسية المفرطة، والعاطفة الجامحة، وذلك كي لا تُبنى نفسه على الخور والضعف وعزائم الأكابر هي التي تبني الأمجاد، وتصنع الأعاجيب.
٣- كن متطورًا ومطورًا.. أو كن متغيرًا ومغيرًا:
أقبل التغيير كشيء حتمي يفرضه الواقع وتقتضيه الضرورة، خاصة في واقع يتقلب فيه الناس تبعًا للبيئة المحيطة بهم.
فاستغلال الفرص المتاحة للدعوة وكسب المؤيدين لها، يحتاج إلى مبادرة ورجال يحسنون فهم النتائج الصادرة عن ذلك.
لكن إذا بقيت – أخي- على التفكير القديم والرضا بالحال نفسها التي تعيشها، فإن الناس قد ينقلبون عنك.
وإذا كنت داعيًا مربيًا لبعض التلاميذ والطلبة، فإنهم يريدون منك الجديد والتجديد فكل فترة تعطيهم من المعاني التربوية، والحكم، والتجارب المفيدة.
وإذا كنت خطيبًا يجتمع حولك جملة من الناس، فعليك بالتغيير والتجديد في أسلوب الطرح والتنوع في المواضيع.
وإذا كنت مسؤولًا يستمع لك وينصت لرايك. فيحتاج ذلك منك تعلم أساليب التعامل، وفنون الحديث والتجديد والتغيير لأتباعك في أساليب شتی.
إن التغيير والتجديد فن وأمر فطري ترتاح له النفوس.
وإن لقاءك الدعوي - أخي الداعية- يحتاج منك إلى تغيير وتجديد: وفي مقدمة اللقاء، ونوع الطعام، وأسلوب التعايش.
إن أهلك في البيت يرغبون في أن تبادر أنت إلى التغيير والتجديد لصالح بيتك، فلماذا يكونون هم المبادرون لذلك؟
إن التغيير صناعة تنتج نفوسًا تقبل التوجيه من المغير.. والتغيير يحتاج إلى تطور وتعلم فالجهل عيب في شأن الدعاة، والجهل بكل صورة خاصة إذا كان التعلم سهلًا، لقد عرفنا كثيرًا من المفاهيم التربوية والأصول العلمية التي أثرت في مجريات حياتنا نحو الأفضل عندما تعلمنا فلنسع إلى هذا التغيير والتطوير حتى نواكب الناس فيقبلونا.
ولا يعني هذا التغيير إلغاء الأسس والأصول والمبادئ الأساسية، إنما هو السعي نحو التطور، واستعمال أجمل وأنفع الأساليب للتقدم نحو الأفضل وفق المنهج الصحيح.
4- أحط نفسك بتيارات الريادة التي تريد:
فكر أولًا ماذا تريد؟ هل تريد أن تكون ربانيًا؟ أو فقيهًا؟ أو إداريًا؟ أو خطيبًا؟ أو كاتبًا؟ فإذا ما أردت أن تكون ربانيًا وشخصية إيمانية، فإن هذا يتطلب منك أن تحيط نفسك بتيارات واسعة قوية في هذا الباب، إذ يتطلب ذلك منك أن تحافظ على وردك اليومي من القرآن وتكثر من الأذكار الشرعية من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.. والمحافظة على قيام الليل، والإكثار من القراءة في كتب الرقائق، وأخبار السلف، والحرص على الجلوس مع الصالحين، وأهل الله من أهل القرآن، كما يتطلب منك ذلك طول الجلوس في المساجد، والخلوة المستمرة مع النفس، ودوام المحاسبة، وهكذا تنطلق من هذا الجانب الإيماني، وتحيط نفسك بكل تياراته التي تبني فيك هذا الجانب.
وإذا أردت أن تكون خطيبًا بارزًا، فعليك أن تتعلم فنون الخطابة ونقرأ في الكتب التي تحدثت عن هذا الجانب وتكثر السماع الأشرطة الخطباء البارزين وتحرص على المقارنة والاستفادة من الأساليب وفنون الاتصال، وطريقة الجذب، وتحاول حفظ النصوص، واستخدام بعض الأساليب البلاغية، والعبارات الاستهلالية.
وهكذا تحرص - أخي الداعية - على الاستفادة من كل ما هو حولك لتبني نفسك في الأمر الذي تريد، لتكون رائدًا فيه.
5- نظم حياتك وما حولك:
قل لي: هل أنت منظم في أمور حياتك؟ أقل لك من أنت بل ومن ستكون!
وليس هذا ادعاء للغيب، بل هو مما جعله الله سنة في الحياة.
إن تنظيم ما حولك يعينك كثيرًا على الإنتاج والإبداع، والتفرغ للعطاء.
فتخيل شخصية تريد أن تكون في الريادة في جانب الكتابة والثقافة ولكن كتبه مبعثرة، وأوراقه مسافرة في أقطار الغرف المختلفة، أني لهذا الإبداع والتميز والريادة على غيره.
6- خطط لأهدافك:
من أنت في العام المقبل؟ بل في خلال ثلاث سنوات؟ أو في خمس سنوات؟
ماذا ستكون؟ في أي شيء ستكون رائدًا؟ ماذا تعلمت خلال هذه المرحلة؟
إن الشخصية الدعوية الريادية الناجحة هي تلك الشخصية التي تحددت لديها الأهداف، فهي تخطط للمستقبل المقبل، وتتجه نحوه بخطوات ثابتة.
أعرف من الدعاة من وضع لنفسه الريادة في جانب القرآن وعلومه، فحصل على الإجازة في القراءات العشر وحفظ المنظومات المتعلقة بذلك، في سنة واحدة فقط.
إن من وضح له هدفه، وسعى جادًا نحوه عما قريب ستتحقق ريادته.
7- كن صريحًا مقنعًا لا غامضًا مقنعًا:
كن واضحًا صريحًا، لا تمثل على نفسك، ولا على الناس من حولك.
الناس يريدون شخصية مقنعة لا مطلعة، نقرأ الصدق فيها قبل أن ينطق صاحبها.
أخي الداعية.. كم منا من يعمل عملًا لا يظهر له روح ولا أثر في الساحة الدعوية؟
كم منا من يشار إليه بين طلابه وإخوانه بالعلم والمعرفة والصلاح والله يعلم كم هو قدر هذا العلم عنده، وكم هو مقدار ذلك الصلاح فيه؟
لا بد يا أخي من أن تكون واضحًا في كلامك، مقتنعًا بقولك، وحينئذ أبشر بخطوات الريادة، لأن من لم يكن مقتنعًا بقوله وعمله فلن يستطيع إقناع غيره.
8- اختصر الزمن لنفسك:
كنا نقول قديمًا إن الزمن يمضي بسرعة، ونحن نقول الآن إن الزمن يسرق منا بخفة.
أي والله، تمضي السنون تباعًا، والعمر يمضي والرواحل متعطشة للزاد.
فأحرص على اختصار الزمن لنفسك، تعلم المبادئ المساعدة على التطور، وإدارة الوقت.
استعن بالأجهزة المعاصرة على إنجاز أعمالك، خطط بدقة لأهدافك، سافر، قابل رواد التربية الذين صاغتهم التجارب، حاول أن تتعلم بسرعة استغل الفرص إذا كنت طالبًا جامعيًا فاجتهد الآن لتتخرج بسرعة وبتقدير متفوق، لا تكن كسولًا، أحمل الورقة والقلم وتعلم سجل كل التجارب التي استفدتها، والحكم التي تعلمتها، لا تمضي عليك الحياة هملًا، تخط الزمن قبل أن يتخطاك.
إن لم تحفظ من القرآن شيئاً فاحفظ الآن، إذا لم تكثر من الأوراد والأذكار فأكثر الآن.
إذا كنت تنام بعد صلاة الفجر ولا تحافظ على الأذكار فأخر النوم من الآن.
إذا لم تكن قد تزوجت بعد، وماتزال تسير في خطوات الزواج فسارع بإنجازها، وتعلم فنون الزواج تقدم قبل أن تتقادم.
إذا بدأت بعمل جديد حاول فهم طريقة العمل، وطبائع العاملين، راجع الملفات، استفد من الأخطاء التي حصلت كي تتداركها، اللهم اكتسب وتعلم بسرعة.
اختصر الزمن لنفسك فحاول تفويض غيرك في الأعمال الروتينية التي تأخذ من وقتك الثمين فالعمر محدود، والعمل مقيد مكتوب.
9- ابن ولا تهدم:
كن متعاونًا، ومتفائلًا، مبتسمًا، محفزًا، ابن قلوبًا.
إن أسهل كلمة ينطق بها لسانك كلمة الهدم. وأسلوبك هذا في الهدم النفسي والخلقي لا يفيد شيئًا، ماذا تستفيد من اللوم، وكثرة العتاب، والجرح للشخصيات والمؤسسات؟ ماذا تستفيد من الغضب السريع والتشنيع المروع؟
كن يا أخي - سمحًا، قريبًا من الناس، أقبل معذرة المخطئ وعاتب برفق.
إن بناء النفوس عظيم. ولن تكون رائدًا حقًا ما لم يعرف الناس فيك عظمة الأخلاق.
إن أخلاقك هي التي تبني نفوس من حولك من حيث لا تشعر.
إذا كنت رائدًا مسؤولًا فإنك مؤتمن على من هم تحتك ويقدر تربيتك وعطائك ستكون النتيجة
التي سيتربى عليها الجيل الذي معك.
اعتد -يا أخي - سماحة الأخلاق، وابن عليها النفوس.
وإذا حصل خطأ فاعف، وإذا تباينت الآراء فتنازل مادامت الأمور في حدود المستساغ.
كن متعاونًا، مشاركًا محترفًا على من هم معك، وحينئذ فلتبشر بجيل فريد بإذن الله.
۱۰ - اصنع شيئًا:
قدم يا أخي شيئًا لإخوانك وأمتك.
تين مشروعًا تشرف عليه، ولو كان صغيرًا.
اقتنع به أولًا، ودرب من معك عليه.
تين مشروعًا لجمع أي مبلغ زهيد.. صدقة في سبيل الله أو مشروعًا لجمع أسماء الكتب والأشرطة الجديدة، أو مشروعًا لتربية الشباب على العلم الشرعي أو الإيماني، أو الإداري.
تبن فكرة، وخطط لها، واحمل همها، وأعد الدراسات فيها.
استخدم كل طاقاتك صوتك، قلمك، جسدك، شخصيتك.
استخدم أي شيء.. وتبن أي شيء، مادام يخدم إخوانك وأمتك.
يا أخي إن أمتنا لئن واعداما يخططون بعمق، وباستراتيجيات طويلة المدى.
فلنخطط نحن، ولنبدأ في مجد أمتنا.. فلن يستطيع أحد حصر أفكارنا، أو مصادرة همومنا.
فلنبدأ أو لنسع، ولنرج التوفيق من رب السماء والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه.
علي بن حمزة العمري
أروع لحظات العمر تقضيها وأنت تتلو القرآن
التفاعل مع كتاب الله لا يتحقق إلا بتلاوتنا له
ذاق الصحابة نعيمه فلم يكن يوم يمر دون أن يتزود منه بالزاد الوفير
ما نصيب القرآن من يومنا؟
حقًا إنه جواب مؤلم، أن يصبح أحدنا ويمسي في عمل الدنيا مشغولًا منهوكًا، مقرًا بتقصيره، وقلة تلاوته لكلام ربه.
ولست أدري إلى متى سيظل أهل الإيمان، يعتذرون بكثرة الانشغال عن القرآن وكأنهم لم تبلغهم المواعظ، ولم تحثهم أبواب فضائل تلاوة القرآن لكي ينشغلوا بهذا المعين الثر؟
قال تعالي في فضله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص:29).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: ٥٧).
﴿نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء:۸۲)
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق:45).
وفي أحاديث النبي ﷺ، ما يجلو هذه الحقيقة: «الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة» «يقال لقارئ القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها».
آما أن لدعاة اليوم ورجال الإسلام أن يراجعوا أنفسهم إذن، وأن ينظروا كم من الوقت يعيشون فيه مع القرآن كل يوم؟
أم مازالوا يعتذرون بكثرة الأعمال، وازدحام الأشغال عن القرآن!
وليتأمل من هذا حاله، ومن تلك إجابته حتى غدت كخيوط العنكبوت الواهية، وتعشعش في قلبه، فتمنعه عن القرآن، ليتذكر هؤلاء حال الفئة الأولى، والقافلة الرائدة مع القرآن وكم كان نصيبه من يومهم على كثرة أشغالهم وأعمالهم؟
رسول الله ﷺ، الرجل الذي جمعت هموم الأمة كلها في قلبه، وفتح صدره لاستقبال مشكلات الناس جميعًا صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، بل حتى الجماد منهم.
هل اعتذر بكثرة الأعمال والأعذار عن عدم استطاعته قراءة القرآن كل يوم؟
روت أم المؤمنين عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل كل ليلة يقرأ القرآن، فتكلمه في ذلك فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».
حال السلف مع القرآن: أبو بكر أول خليفة للمسلمين، وسيد الصحابة أجمعين تقول عنه ابنته عائشة رضي الله عنها: عندما أراد النبي ﷺ تقديمه للإمامة بالناس، قالت:
يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قرأ لم يستطع أن يكمل.
أفنظن أن الحالة التي وصل إليها أبو بكر من هذا التفاعل العجيب مع القرآن يأتي بقلة التلاوة؟
عمر أمير المؤمنين وحامل لواء المسلمين، الذي أنهكته الخلافة، وفتح المدائن المختلفة لم يشغله هذا الهم العظيم والشغل الجسيم عن القرآن وهو الرجل الذي حفر في خده خط أسود من كثرة الدمع.. أفيحصل هذا بقلة تلاوة القرآن؟
لقد قال عمر لأحد الصحابة بعد أن جاءه يرجو منه التخفيف عن نفسه بئس ما جئت من أجله، لتن نمت النهار ضيعت رعيتي، وإن نمت الليل ضيعت نفسي.
عبد الله ولد عمر - رضي الله عنهما- يقول عنه مولاه والله لا تطيقون فعل ابن عمر قالوا:
وما ذاك؟ قال: الوضوء والمصحف.
إنها عزائم لا يقدر عليها إلا الأكابر.
عثمان - رضي الله عنه - الرقيق القلب، والشيخ الوقور، لم يفارق المصحف طوال عمره، حتى تمزق من كثرة التلاوة، وتقليب الصفحات، وسقوط الدمع عليه، ولم يترك المصحف حتى في لحظة قتله!
علي - رضي الله عنه - القائم بالأسحار، بهذا شهد له أهل التاريخ والسير ما كان ليترك قيام الليل وإحياءه بالقرآن.
هكذا أيها الإخوة:
لما كان الجيل الأول يستشعر عظمة القرآن لم يستطع أن يروي أفراده أرواحهم إلا بتلاوة القرآن.
إنها أعظم لحظات العمر، وأجمل أوقات اليوم، ولقد سار السلف الصالح على هذا النهج، قراءة القرآن
وتدبره كل ليلة.
كان قتادة - رحمه الله – يختم القرآن في كل سبع ليال مرة.
وكان الأسود يختم القرآن في كل ست ليال.
وفي خبر إمام المفسرين أبي جعفر الطبري أنه كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن، أو حظًا وافرًا منه.
وجاء في ترجمة منصور بن المعتمر أنه كان يقرأ ثلث الليل بالقرآن وذلك في كل ليلة.
ليس بمستغرب أبدًا أن يقرأ الصالحون هذا القدر، وقد سمعنا من يقرأون مثل ذلك أو قريبًا منه بشكل يومي في زماننا، فكيف بزمانهم؟!
ومما يذكره الشيخ الدكتور يحيى الغوثاني في كتابه القيم «كيف تحفظ القرآن الكريم، ص ١٥٦» عن شيخه العلامة عبد الفتاح المرصفي- رحمه الله-: أنه كان يصلي الوتر يوميًا أحد عشر ركعة ويقرأ فيها ثلاثة أجزاء.
وكان الشيخ فتح محمد رباني يقرأ كل يوم في صلاة التهجد بعشرة أجزاء.
ويقول الشيخ يحيى الغوثاني: «لقد شهدت مجلسًا له قرأ فيه أحد طلابه سورة البقرة وآل عمران والنساء في جلسة واحدة».
إنه والله النعيم العظيم، والسرور العجيب، الذي يحول حياة الفرد إلى بهجة وأنس، ويقوم سلوكه، ويعينه في طريقه.
إنه كلام الله الذي أنزله لنقرأه ونتدبره.
فما نصيب القرآن من يومنا؟!
كلمة أخيرة: الزم غرسك، وأكثر من تلاوة کتاب ربك كل يوم، فإنه نور في الدنيا، ويه تكون
مكانتك في الآخرة.
علي بن حمزة العمري
كلمة إلى الدعاة
لكل ظلام زوال
وقفت أرقب الخطب مليًا.. وإذا بي أرى أمة كانت بالأمس القريب منارًا للأمم، وملاذًا للضعفاء، ونصيرًا للمظلومين.. وها هي اليوم تعاني الألم بعد الآخر، والظلم بعد الاعتصاب، والإهانة بعد الاعتداء.
ماذا حدث لها يا ترى؟
لماذا كل هذا التحامل عليها.. لقد أصبحت كرجل أنهك جسمه طعنات السيوف وأدمى جبينه سيل الدم المنحدر عليه من جراء ضربات الحديد؟
لماذا يا ترى لا تحتل إلا ديار المسلمين؟ لماذا يا ترى لا يشرد إلا أطفال المسلمين؟ لماذا
یا ترى لا تنتهك إلا...؟
تردد القلم وقلت له: توقف عن الكتابة.. كفاك - لقلبي - إذلالًا... ولعيني إبكاء.
قلت له وأنا أكفكف الدمع قبل أن ينطفئ بصري.
لكل ظلام زوال.. ولكل ليل نهار.
قال لي: ولكن متى ذلك؟
قلت له: حينما تزار الأسود.. وحينما يرتفع الأذان يخرس الشيطان.. حينما نعود للإيمان تزول عنا عروش الطغيان حينما نرجع للقرآن تذهب عنا أصوات المعازف والقيان حينما تأمر بالمعروف وننهي عن المنكر ينقلب حال الزمان حينما نحب الصالحين لصلاحهم ونبغض العصاة لمعاصيهم تحل
علينا رحمة الرحمن.
حينما نعمل بلا ملل.. نبدع بلا كلل.. نحب بلا تعصب نبغض بلا هوى.. نناصح بلا مماراة.. نتسامح بلا معاداة.. نتقاسم بلا محاباة تؤثر إخواننا على أنفسنا.. وديننا على دنيانا وأهدافنا على مصالحنا.. ودعوتنا على راحتنا.. وشهادتنا على حياتنا. حينما نجعل الإيمان والإسلام لنا دينًا.. ومحمدًا لنا رسولًا.. والقرآن لنا دليلًا - والجنة لنا غاية.. وطاعة الله لنا شعارًا.. ومحاربة الباطل لنا فخرًا وافتخارًا.
عندها - أيها القلم - سوف تكتب عن خروج القردة من ديار الأسود.. سوف تكتب عن قتل الخنزير في بيته، وهو ذليل حقير.
ستكتب عن قيام أمة تبدل ذلها عزا، وفقرها غنى.
وحزنها فرحًا.. وظلمها عدلًا.. وخوفها أمنًا.. ودستورها دينًا.
ماجد بن عبد الله الموسى
حين تكون الحياة.. عنقودًا معقودًا بحب الدعوة
كانت حياته مواقف مشرقة تشف عن قلب نابض بدعوة الله، يحمل همها، ويسير بهديها في كل ميادين حياته، فجاعت سطورًا من نور في تاريخ الدعوة المباركة، ونياشين بالحب على صدره منحه إياها تلامذته وذوو رحمه، وجيرانه وإخوانه، والعاملون معه في حقل التدريس، فجهده مشكور في تصحيح الفكر المنحرف والوقوف على شرع الله وسنة نبيه ﷺ وتربية الشباب وذريته الطيبة على ذلك.
عاطف مسعود.. اسمه الذي ربما لا يعرفه سوى عدد محدود من قراء المجتمع، وما هذا إلا لتجرده في دعوته، وتخلقه بالخفاء والبعد عن الظهور، كان علي بن أبي طالب رضي- الله عنه - كان يصفه عندما قال: «خير الأتقياء الأخفياء.. الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا».
كان - يرحمه الله - يجمع خصال الخير من كرم، وجود، وتواضع وصبر وخُلق طيب رفيع.. يفهم بواطن الأمور، ويسبر غور الأحداث، فكان دقيق الحدس.. يتوقع فيصدق توقعه.. دقيقًا في شؤونه.
«وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقه لمحزونون»، بهذه الكلمات النبوية الكريمة نودعه، وهو الحبيب الذي نحسبه قد أثر ما عند الله - طوال حياته على ما في الحياة من متع ورغبات فاختار الله بقدر.. فقد كان من الذين قالوا فصدقوا وتعلموا ففهموا وعملوا فأخلصوا.. قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة:177).
كان أخي متحركًا بدعوته صباحًا في عمله ومساء في بيته مع أبنائه، وكذلك في حركته بين إخوانه، وفي كل موقف له ديدن لا يخرج عن فهمه الذي تربى عليه، فكان قدوة بمعنى الكلمة بين عينيه القرآن وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وأعمال السلف الصالح، والتابعين، والمخلصين من جيل الأوائل في الدعوة.
لا أنسى يومًا ذهبنا فيه معًا.. مجموعة من الشباب.. يصطحبنا في نزهة خلوية وسط الطبيعة الخضراء، وجمال الريف الهادئ، وهوائه النقي، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث وهو يذكرنا بآيات الله الكونية في كتاب الله المفتوح، ويحدثنا حديثًا رائعًا رصينا آخذ الألباب وفتح أمامنا الآفاق للفهم، وحسن التفكير بشكل جديد تمامًا على عقولنا البكر.
أتاه الله الزوجة الصالحة ذات الخُلق والدين، فوقفت معه في طريق الدعوة تدفعه إلى العمل الصالح، وتعينه على نوائب الدهر، وتسهر إلى جواره، صابرة.. مجاهدة.. ثابتة.. نسأل الله لها الصبر والسلوان، وأن يعينها على تربية كريماتها على ما كان يربيهم أبوهن من خصال الخير، وآداب الشرع.
اشتد عليه المرض مؤخرًا، ونال منه حتى نحف جسده، وقلت حركته، وضعفت طاقته، ذلك وهو في ريعان الشباب، فظل صابرًا شاكرًا محتسبًا، يمتلئ بالأمل.. واثقًا في رحمة الله يسأله العفو والعافية، فكان ما كان من قدر الله، والحمد لله رب العالمين.
وإني لأقرأ ما في نفسه من وصايا أراد أن يوصي بها إخوانه وهو على فراش الموت أن: «تشبثوا بدعوة الله، فإن فيها الخير الوفير، لا تؤثر فيكم المحن والابتلاءات، كونوا أقوى منها، ارتفعوا عن صغائر الأمور، وكونوا أكبر منها، عيشوا الدعوة في كل أوقاتكم ولتكن نصب أعينكم.. اعملوا ولا تركنوا فإن العمر قصير.. لا تأخذكم زخارف الدنيا فإن النفس لا تشبع.. سلوا الله التوفيق وأحسنوا العمل.. سلوه الرحمة والمغفرة والنجاة من النار.. رطبوا ألسنتكم بذكر الله».
ومن كلماته في رسائله لي يقول: «تسألني عن حياتي في بلاد الراحة والاستقرار؟ أقول: إن الغربة ليست غربة الأوطان والأبدان، وإنما غربة الأرواح».
ويقول عن الغربة أيضًا: «ناهيك عن ضروب شتى وأنماط مختلفة من البشر، والسلوك، والأخلاقيات التي ينشأ فيها نوع من الفقه الجديد، فقه تحل فيه المعاني السيئة محل المعاني الجميلة التي تغنى بها العقلاء».
وعن عاطفة الحب في الله يقول: «إننا بهذا الحب تكون، وبهذه العاطفة الصادقة نحيا، وهل الحياة إلا حب ويغض قال تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (الأنفال: (٦٣)، فالله أسأل أن يربط على قلوبنا، وأن يوفقنا لما فيه خيري الدنيا والآخرة».
ادعو الله أن يُسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يجعل له في القبر مؤنسًا، وأن يبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة.
حسام قاسم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل