العنوان المجتمع التربوي عدد(1190)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 72
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 05-مارس-1996
التحية والسلام مبدأ الألفة والوئام
بقلم: عبد الرحمن اللعبون «*»
الترابط بين أبناء المجتمع الواحد قوة حقيقية تبني وتعمر، وتمنع التصدع والتفكك، وتقضي على الآفات التي لا تجد عجزًا ولا كسلًا في نهش أي جزء مريض أو ضعيف، فالآفات لا تقوى على مواجهة العضو الصحيح الذي يقلب المواجهة فيقضي عليها، وتلاحم الأفراد هو سعادة المجتمع بأسره النابعة من الفرحة الغامرة لتوفر الاحتياج النفسي الذي يطلبه كل شخص ممن حوله تقديرًا وأدبًا واهتمامًا، وهناك أمور بسيطة في نوعها كبيرة في أثرها، تزيد من ارتباط المسلم مع من حوله، ومن ذلك تبادل التحية والسلام، والإحساس بما فيها من إحياء لمعان عليا وتنميتها في النفس، وإذكاء لمشاعر المسلمين، وهذا ما تلحظه عندما تلتقي الأصحاب والأقرباء، بل حتى من لم يكن بينهم تعارف سابق، فتجد الاحتفاء والسؤال عن الأحوال وتفقد الأمور تشعر المرء بقيمته في مجتمعه وقدره بين الناس بخلاف ما نراه ونسمعه عن المجتمعات الغربية من قطيعة وانكفاء الفرد منهم على نفسه، بل لعله يجد كلبًا أو قطة يتحايل على نفسه معهما للحصول على مشاعر إنسانية صرفة.
والجانب الاجتماعي في الإسلام لم يترك مسألة من مسائل تقوية المجتمع إلا وأمر بها وحث عليها، بل والزيادة فيها، قال الله تعالى:﴿إِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ ﴾ (النساء: 86) «1»، وإفشاء السلام ركيزة من ركائز البناء النفسي والاجتماعي، وأحد أبواب الخير التي توصل من ولجه إلى الإيمان والفوز بالجنان بسلام واطمئنان قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» «2»، وعن عبد الله بن عمرو رضي- الله عنهما: أن رجلًا سأل النبي أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف «3»، كما أن فيه تأليف للقلوب وتلطيف للمشاعر وبناء للمحبة التي تجعل المسلم يعطف على أخيه ويرحمه ويفرح لفرحه ويألم لألمه، قال رسول الله ﷺ: «ولا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» «4»، فهو أمر يجمع عليه أفراد المجتمع ويبذله الكل للآخرين فيبذله الكبير للصغير ويتعلمه الصغير من الكبير.
ويا له من خير عميم تناساه الناس حين تساهلوا في إفشاء السلام فيما بينهم، وقد حرموا أنفسهم الأجر الذي كان عبد الله بن عمر يخرج من بيته لمجمع الناس باحثًا عنه، فقد «كان ابن عمر يدخل إلى السوق فلا يمر بأحد إلا سلم عليه، فقال له الطفيل بن أبي كعب: ما تصنع في السوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق فقال: «إنما نغدو من أجل السلام وتسلم على من لقينا».
ومن هنا تبني العلاقات الاجتماعية الراسخة على المحبة والألفة.
قد يمكث الناس دهرًا ليس بينهم *** ود فيزرعه التسليم واللطف.
الهوامش
- النساء: ٨٦
- صحيح سنن ابن ماجة، الحديث ٢٦٣٠
- اللؤلؤ والمرجان، الحديث ٢٤
- مختصر صحيح مسلم الحديث ٤٢.
مواقف العلماء
العلماء لهم دور بارز في معارك البناء ولهم مواقف عند اللقاء ويسجل لهم التاريخ من المواقف ما لم تمحه صروف الزمان فإذا انحرف العالم يفقد الملح ملوحته، ويفقد الميزان حساسيته فكيف تقاس الأمور؟
والعلماء جند الحق، وحراس العدالة، إذا صلحوا صلح الناس، وهم ملاذ المظلوم، وكهف المهضوم، وملجأ المغبون، لا ينامون على ضيم، ولا يسكنون على ظلم، ولا يرضخون لتجبر، فهم محصلة التقوى ومصدر الرضا وميزان الاستقرار.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال، قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» ومن مواقف العلماء الخالدة دخل أعرابي على هشام ابن عبد الملك فقال له هشام عظني يا أعرابي فقال كفى بالقرآن واعظًا: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة المطففين:١-٦) ثم قال يا أمير المؤمنين هذا جزاء من يطفف في الكيل والميزان فما ظنك بمن أخذه كله؟
وقدم هشام بن عبد الملك مكة حاجًا، فلما دخلها قال أئتوني برجل من الصحابة، فقيل يا أمير المؤمنين لقد تفانوا فقال من التابعين فأوتي بطاووس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بالإمارة ولكن قال: السلام عليكم يا هشام فغضب هشام غضبًا شديدًا، وقال: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت، قال طاووس وما الذي صنعت، فازداد هشام غضبًا وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني، قال طاووس أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يعاقبني ولا يغضب علي، وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- يقول: «لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة» أما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياء وأولياء فقال یا داوود یا یحيى یا عیسى وكنى أعداءه فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (سورة المسد:١) وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليًا- رضي الله عنه- يقول: «إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام».
قال حكيم العلم ميراث غير مسلوب وقريب غير مغلوب، ومن فضل العلم على المال أن الله فهم سليمان مسألة فمن عليه وقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (الأنبياء: 79) وأعطاه الملك ولم يمن عليه بل قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (ص: 39) وقيل من خلا بالعلم لم توحشه الخلوة، ومن تسلى بالكتب لم تفته السلوة، وقيل لابن المبارك من تجالس فقال أصحاب النبي ﷺ وقال الشاعر:
قد يجمع المرء مالًا ثم يسلبه *** عما قليل فيلقي الذل والحرب
وجامع العلم مضبوطة به أبدًا *** فلا يحاذر منه القوت والطلبا
محمد أبو سيدو
تذكرة
يقول ابن القيم: «إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمل الله حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها، وغمومها، وأنكادها إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره.. كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره، فكل من أعرض عن عبودية الله، وطاعته ومحبته بلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته..» من كتاب الفوائد: «7»
ولا يدخل ضمن ذلك بالطبع عباد عرفوا الله عز وجل فأفرغوا قلوبهم لمحبته ولم يكن لهم هم سواه.. فاختصهم- عز وجل- بقضاء حوائج الناس على أيديهم.. حببهم في الخير... وحبب الخير فيهم.
قال رسول الله ﷺ «إن لله عبادًا اختصهم لقضاء حوائج الناس، حببهم في الخير، وحبب الخير فيهم أولئك هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة.
قال الإمام الشافعي فيمن اختصه الله- عز وجل- لقضاء حوائج الناس:
وأفضل الناس ما بين الورى رجل *** تقضى على يده للناس حاجات
لا تمنعن يد المعروف عن أحد *** ما دمت مقتدرًا فالسعد تارات
واشكر فضائل صنع الله إذا جعلت *** إليك لا لك عند الناس حاجات
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم *** وعاش قوم وهم في الناس أموات..
نورة الفهد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل