; المجتمع التربوي - عدد 1138 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي - عدد 1138

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1995

مشاهدات 66

نشر في العدد 1138

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 14-فبراير-1995

إعداد: عبد الحميد البلالي

وقفة تربوية

أيها الداعية ربما تكون أنت

يقول تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) (الفرقان: 23).

وقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

وجاء في الحديث الصحيح ما معناه: "أن رجلًا يأتي يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة بيضاء ينسفها ربي نسفًا"، وعلل الرسول -صلى الله عليه وسلم- سبب ذلك بقوله: "ألا إنه منكم ويأخذ من الليل ما تأخذون، ولكن إذا خلا بمحارم الله انتهكها".

هذه الآيات والأحاديث يقرؤها كثير من الدعاة قراءة سطحية، ويستبعدون خلال قراءتها أنهم ربما كانوا هم المقصودين بذلك، بل يقرؤونها وهم يتصورون صورة عبد الله بن أبي ورفاقه من المنافقين، ولا يمتد بهم الخيال ليصلوا إلى واقعهم الذي يعيشون فيه.

أيها الداعية، أما سألت نفسك يومًا أنك ربما تكون أنت أحد المقصودين بهذه الآيات والأحاديث؟

هل حاسبت نفسك يومًا، وسألتها إن كانت أعمالك أمام إخوانك في الظاهر هي ذاتها عندما تقبع في بيتك بعيدًا عن رقابتهم؟ هل سألتها يومًا إن كانت أخلاقك مع إخوانك هي نفسها التي تلازمك وأنت مع أمك، وأبيك، وزوجتك، وأبنائك؟ هل أنت ملك -بفتح الميم- أمام الناس، وشيطان في بيتك؟ إذا كنت ممن يعظ الناس بالالتزام بالسلوك الحسن، واختيار أطيب الكلام، والابتعاد عن ظلم الآخرين، ثم تأتي لبيتك وتهجر والديك أو تظلم زوجتك وتسب أبناءك، وتحرم النفقة لمن تعول، فربما تكون من أولئك الذين ذكروا بالآيات والأحاديث، فكن جريئًا في محاسبة نفسك، فإن العلماء يقولون في تعريفهم للإخلاص: "هو استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره" "تهذيب المدارج 322".

أبو بلال

أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بقاء المجتمع

الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض، وهذا التكليف يوجب على المسلم أن يكافح الظلم والبغي حيث كان، فالمسلم دائمًا يشعر أنه على ثغرة، فيحرص كل الحرص ألَّا يأتي ما يضر المجتمع الإسلامي من قبله أو يتهاون كحارس على ثغرته.

والقرآن الكريم جعل الوصف الخاص الذي تعلو به أمة الإسلام على غيرها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران: 110).

وللنبي -صلى الله عليه وسلم- وصايا في هذا المعنى: "الدين النصيحة"، فسأله الصحابة: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

بهذا الأصل يسعى الإسلام إلى تكوين رأي عام موحد نحو غاية سامية يستأصل شأفة الفساد، وليس أضر على شعب أو مجتمع من مجاهرة بعض أفراده بالاعتداء على حرمات الدين والحقوق العامة، ثم لا يكون الإنكار ولا يحرك أحد ساكنًا أمام المنكر.

ويقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو يسلط الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم".

تسأل عائشة -رضي الله عنها- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلة: "أنهلك وفينا الصالحون؟" قال: "نعم إذا كثر الخبث". فالفساد أشبه ما يكون بالمرض، فإذا انتشر المرض فإنه يصيب الأصحاء كما يصيب المرضى.

والمجتمع يكون آثمًا إذا كان الشر يسير في طريقه، ولا يوجد من ينكره، ولقد ذم القرآن الكريم بني إسرائيل لأنهم أفسدوا مجتمعهم بترك الآثمين يرتعون في إثمهم، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: 78- 79).

واللعن عقوبة شديدة فظيعة، هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله والحرمان من توفيقه ورعايته، ولا شك أن أمة تصاب بذلك أمة هالكة، وقد ذكر الله سبب ذلك اللعن، أنه العصيان والاعتداء وعدم التناهي عن المنكر، ثم ذم الله صنيعهم بهذه الآية البليغة: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (المائدة: 63).

ولا شك أن الذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب التي أدت إلى هلاك الأمم السابقة، وذلك عندما عصوا، وكما قال علي -رضي الله عنه-: "ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة".

محمد أبو سيدو

 

الرابط المختصر :