; المجتمع التربوي (1121) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1121)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

مشاهدات 109

نشر في العدد 1121

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

 وقفة تربوية.. أين هؤلاء؟

قال علقمة بن لبيد العطاري لابنه: «يا بني إذا دعتك إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب منهم من إن صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك(1)، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شد صولك، وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمات واساك، من لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منفسًا(2) آثرك»(3).

إن حالنا يقول إنه من أصعب الأمور العثور على أخ فيه هذه الصفات أو حتى نصفها أو ربعها، لقد علا الران على إخوتنا، فما عاد هناك إحساس متبادل، ولا سؤال عند الغياب، ولا تتبع للأحوال، ولا إعذار عند الخطأ أو التقصير، ولا استعداد للتضحية عند الحاجة إليها، أو الإيثار عندما يتطلب الأمر ذلك إلا في القليل القليل من الإخوة.

أبو بلال

الهوامش

(1) أنفق عليك.

(2) عظيم القيمة.

(3) عيون الأخبار 3/4.

 أثر التقوى وخلق المراقبة لله -عز وجل- في حياة المسلم

بقلم: خليل عبد الله سلوت

قال أحد الصالحين: رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف وليست بشيء، فنظرت إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)، فعملت في التقوى لأكون عنده كريمًا.

كلمة التقوى ومشتقاتها وردت في القرآن كثيرًا حتى لا يمر القارئ على صفحة واحدة أو عدة صفحات من القرآن الكريم إلا ويجد لفظة التقوى منسابة في الذكر الحكيم هنا وهناك، ويظهر اهتمام القرآن الكريم بفضيلة التقوى والأمر بها والحض عليها في هذه الآيات: يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (النساء: 131).

فالتقوى إذن وصية الله لكل أمة بعث لها رسول، وهي هدف عام بعث من أجله الرسل، وجعل الله التقوى مقياس القرب والبعد عنه فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)، كما جعل الله التقوى خير زاد يتزوده الإنسان في هذه الدنيا فقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: 197) والرزق الحسن والخروج من كل ضيق موعود به المتقون، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2-3).

 كيف عرّف العلماء التقوى؟

التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وأن تترك معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله، أو هي أن لا يراك الله حيث نهاك وأن لا يفقدك حيث أمرك، أو هي استصحاب المرء لرقابة الله وهو يباشر أي عمل، هذه المراقبة هي التي وجه إليها المربي الأول في إجابته السائل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وورد أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال: أما سلكت طريقًا فيه أشواك؟ قال: بلى، قال: فما عملت؟ قال عمر: شمرت واجتهدت، قال أبي بن كعب: فذلك التقوى. فكما أن السائر على الطريق تكون أحيانًا مليئة بالأشواك فيأخذ السائر في هذه الطريق حذره من الأشواك فيشمر ملابسه ويجتهد، كذلك المؤمن وهو سائر في طريقه إلى الله تكون تلك الطريق مليئة بأشواك الرغائب والشهوات وأشواك المطامع والمطامح، فعلى المؤمن أن يكون في حذر دائم ويتقي هذه الأشواك، وأن يكون شاعرًا بالله في كل حالاته، متحرجًا مستحييًا أن يطلع الله عليه في حالة يكرهها. التقوى فعلًا إن وجدت في قلب بشر لم يحتج بعدها إلى رقيب أو حسيب، فتقواه حاجز له عن كل شر، دافعة له لكل خير.

 كيف يحقق المسلم خلق التقوى؟

الطريقة الأولى: تلاوة كتاب الله -عز وجل- مع التدبر

قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (طه: 113).

يقول العلماء: إن كتاب الله طريق كامل للوصول إلى الله، لذلك كان من أوراد المسلمين اليومية الراتبة قراءة القرآن، وكان من الضروري ألا يمر بالمسلم يوم بدون أن يقرأ شيئًا من كتاب الله تعالى.

الطريقة الثانية: المجاهدة

ويقصد بالمجاهدة عمل الطاعات واجتناب المعاصي، وأهم أنواع المجاهدة الصلاة في جماعة وكثرة الصلاة على رسول الله والصبر ثم الذكر الدائم لله والعمل بما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، المجاهدة تورث الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69) والهداية تورث التقوى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد: 17).

الطريقة الثالثة: الصيام

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

إن أصعب شهوات الإنسان شهوة البطن وشهوة الفرج، فإذا ما سيطر الإنسان عليهما، سهل عليه أن يسيطر على شهوات نفسه كلها، والصوم هو أداة السيطرة على هاتين الشهوتين. قال تعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به، يدع شهوته وطعامه من أجلي».

أمثلة من تقوى الصالحين من أمة محمد

1- قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى مكة فاسترحنا في الطريق، فانحدر بنا راع من الجبال، قال له عمر: يا راعي بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إني مملوك، فقال له عمر اختبارًا: قل لسيدك أكلها الذئب، فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر -رضي الله عنه- ثم غدا على المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة وأرجو أن تعتقك في الآخرة.

2- كثير من الناس يعرفون قصة الأم مع ابنتها، فالأم تريد أن تخلط اللبن طمعًا في زيادة الربح والبنت تذكرها بمنع أمير المؤمنين، الأم تقول: أين نحن من أمير المؤمنين إنه لا يرانا، وترد الابنة بالجواب المفحم: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا.

3- قص الإمام الغزالي في إحيائه: قال سهل بن عبد الله التستري: كنت وأنا صغير أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي «محمد بن سوار» فقال لي يومًا: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل في قلبك عند تقلبك في فراشك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: «الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي»، فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلته فوقع في قلبي حلاوته. فلما كان بعد سنة، قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة. فلم أزل في ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يومًا: يا سهل من كان الله معه ناظرًا إليه وشاهده، أيعصيه؟ إياك والمعصية.

بهذا التوجيه السديد والترويض المستمر والتربية الإيمانية الحقة أصبح سهل -رحمه الله- من كبار العارفين ومن رجال الله الصالحين بفضل خاله الذي أدبه وعلمه ورباه وغرس في نفسه وهو صغير أكرم معاني الإيمان والمراقبة والتقوى.

4- كان الرجل إذا خرج من بيته يقول له أهله: اتق الله ولا تكسب حرامًا فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على جهنم.

5- كان عمر بن عبدالعزيز يطفئ مصباح الدولة ويضيء مصباحه الخاص به لشؤونه الخاصة.

 مشكلات وحلول في حقل الدعوة

المشكلة: الميل للعنف.

التعريف: اللجوء إلى أسلوب تغيير المنكر بالقوة التي تؤدي إلى وقوع ضرر على صاحب المنكر سواء في ماله أو نفسه، وسواء كان صاحب المنكر فردًا أو مؤسسة.

المظاهر:

1- تبني هذا الفرد لفكرة تغيير المنكر بالقوة.

2- عدم تقبل ذلك الفرد للحلول الأخرى.

3- إنكاره على الأفراد أو الجماعات التي تتبنى أساليب أخرى في التغيير.

4- يغلب على أسلوبه في الحديث طابع الحدة والغضب.

5- كثير الشكوى والتذمر من تردي أحوال المجتمع.

الأسباب:

1- تعرضه لبعض أو كثير من الأذى والتعذيب على أيدي الحكام الطغاة.

2- تعرضه للكثير من الظلم على أيدي سلاطين البغي.

3- تعرضه لصدمات نفسية في صغره.

4- طبيعة البيئة التي عاش فيها.

5- فهمه الخاطئ لبعض النصوص.

6- قلة العلم.

7- ظنه أنه الطريق الأسرع والأنجح في تغيير المنكر.

8- قلة القدوات الموجهة للاعتدال.

9- رؤيته لبعض الثمرات والنتائج.

10- استبطاء النصر واستطالة الطريق.

11- قلة الصبر.

12- عدم معرفته بطبيعة الطريق.

13- عدم الاستفادة من تجارب الآخرين في مواجهتهم للسلطان.

14- عدم دراسته للنتائج المترتبة على انتهاج هذا الأسلوب.

15- استعجال الثمرة قبل النضج.

16- الحماسة غير المنضبطة.

17- الانتصار للنفس.

العلاج:

هناك حلول جذرية لهذه المشكلة لا تملك الحركة الإسلامية حيالها شيئًا لخروجها عن نطاقها مثل انتشار العدالة بين الناس وانتفاء الظلم، وغيره مما يتعلق بالأنظمة، ومع ذلك فإن الحركة تستطيع فعل الكثير لعلاج هذه الظاهرة في أفرادها، ومن أبرز هذه الحلول:

1- التعليم المركز لأفراد المؤسسة بطبيعة طريق الدعوة وتوضيح معنى البلاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية.

2- تعريف الأفراد بأصول الدعوة إلى الله والتي منها الرفق والحكمة ونبذ العنف، ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه.

3- معرفة الأفراد بمراحل الدعوة وخطورة تجاوز المرحلة التي هم فيها.

4- دراسة التجارب الدعوية التي مورس فيها العنف دراسة متأنية واستقصاء السلبيات والإيجابيات التي نتجت عنها.

5- إحكام النظام ومعالجة الاجتهادات الفردية أولًا بأول قبل استفحالها.

6- تأكيد خلق الصبر عند الأفراد.

7- وضعه في مجموعة تغلب عليهم صفة التأني والحلم.

8- إشغال الأفراد ببعض الأنشطة التي فيها مجهود عضلي لتفريغ الطاقة.

9- إظهار نتائج الوسائل والأعمال الدعوية الخالية من العنف بشكل دائم لأفراد المؤسسة.

الرابط المختصر :