العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1072
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993
مشاهدات 76
نشر في العدد 1072
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 26-أكتوبر-1993
وقفة تربوية.. وعن جسمه فيما أبلاه
من الأسئلة التي يسأل عنها ابن آدم يوم القيامة، عن جسمه فيما أبلاه،
أي فيما أتعبه واستعمله، والإنسان.. كل إنسان لا بد له من إتعاب الجسد، إذ يقول
الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ
كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} (الانشقاق: 6). فكل إنسان،
سواء كان كافرًا أو مسلمًا، فاسقًا أو مؤمنًا، منفلتًا أو ملتزمًا، الجميع يكدح
ويتعب هذا الجسد.
ولكن شتان بين من يتعب هذا الجسد في سبيل نصرة دعوة الله وبين من
يتعبه في طاعة الشيطان. شتان بين من يتصبب عرقه بين غدوة وروحة لتكون له خير من
الدنيا وما فيها، وبين من يصيبه أمراض الأعصاب بشتى أنواعها لكثرة ما يجهد نفسه في
السعي لنصرة الباطل والحصول على شهواته وعبادة ذاته. شتان بين من يتعب جسده من أجل
راحة الآخرين، وبين من يتعب جسده ليتعب الآخرين.
أخي الداعية.. تذكر عندما يتصبب منك العرق، ويصيبك الصداع والإجهاد
أنك ستسأل أمام الله يوم القيامة في ذلك التعب، سيكون لك الشرف والفخر بأنك أتعبت
جسدك في سبيله، فإذا أردت مثل هذا الجواب، فكن كذلك العابد الذي أكثر من قيام
الليل حتى رأفت بحاله أمه، فقالت له: «كم تتعب نفسك!» فأجابها إجابة العارف بالله،
والموقن بدقائق الموقف يوم القيامة: «راحتها أريد». أبو بلال
مصابيح على الطريق: نصيحة لجعفر بن سليمان
بقلم محمد الجاهوش- الكويت
كان جعفر بن سليمان بن علي بن
حبر الأمة عبد الله بن عباس، من سادات بني هاشم نبلًا ووجودًا وبذلًا، وشجاعة
وعلمًا. ولي المدينة ثم مكة معها، وبعدها ولي البصرة للخليفة هارون الرشيد. ركب-
ذات يوم- في زي عجيب من النبل والتجمل، فلقيه فقيه صالح من فقهاء البصرة ورأى ما
هو فيه، فقال له: يا جعفر، انظر أي رجل تكون إذا خرجت من قبرك، وحملت على الصراط،
وهذا الجمع والزي لا يساوي غدًا حبة، ولا يغنون عنك من الله شيئًا، إنك تموت وحدك،
وتدخل قبرك وحدك، وتقف بين يدي الله وحدك، وتحاسب وحدك، فانظر لنفسك، فقد نصحتك.
أ. هـ سير أعلام النبلاء: جـ 8 ص 240.
دروس وعبر من التاريخ
إن المناصب الرفيعة وما يستلزمها من نفوذ الكلمة، وبسطة السلطان،
وكثرة الخدم والأعوان ومسارعتهم في إمضاء كل أمر، وتلبية كل رغبة، وتبرعهم بما لم
يكن في الحسبان، كل ذلك يجر إلى العجب والكبر، والتعالي والخيلاء، وكثيرًا ما يؤدي
إلى الأشر والبطر، والانسياق وراء المطامع والشهوات، ولا ينجو من ذلك إلا عظماء
الرجال، مَن هدى الله قلوبهم فعرفوا حقائق الأشياء، وأدركوا مآل الأمور، واعتبروا
بمصائر من سبقهم، فاتخذوا ما حولهم لله جسرًا ليعبروا لجة الحياة إلى دار لا يزول
نعيمها، ولا ينقضي سرورها. {أُكُلُهَا دَائِمٌ
وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ۖ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ
النَّارُ} (الرعد: 35).
وإذا أراد الله بولي أمر خيرًا هيأ له بطانة صالحة، تأمره بالمعروف،
وتنهاه عن المنكر، وتحذره مغبة العجب والكبر، واستباحة حرمات الله- عز وجل- وحرمات
الناس، حتى ترده إلى الجادة وتقيمه على النهج القويم، والصراط المستقيم. وأولى
الناس بهذه المهمة السامية: أهل العلم والورع، فما أجدرهم أن يكونوا صمام أمان
يحول دون الكثير من المفاسد والطغيان، ويبصر من يضل الطريق ضلال المسعى وخيبة
المنتهى، والحصيف من يغتنم المناسبات، ويتحرى أنسب الأوقات لبذل النصح، وتقديم
الإرشاد بأسلوب المخلص الشفيق، الحريص على هداية من يخاطب وسلامتهم من مضلات الفتن
وسوء المنقلب، فقدم القيام بحق الله عز وجل، والدفاع عن حرمات الإسلام على كل هدف
أو مصلحة أخرى.
حُسن المواجهة وحقيقة المآل
لقد أجاد الفقيه البصري مخاطبة الأمير وذكره بأمور لا يثور حولها جدال
ولا يشك فيها مسلم، لكنها قد تنسى وتغيب عن البال أمام زهرة الحياة الدنيا
والافتتان بمباهجها. فالموت نهاية كل حي "كل نفس ذائقة الموت" والقبور
مثوى الجميع، على اختلاف طبقاتهم وتفاوت مناصبهم ومراكزهم، تبلى أجسامهم وتبقى
أعمالهم، فلا يضير هناك فقر، ولا ينفع غنى.
الموت فيه جميع الناس تشترك *** لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في مقابرهم *** وليس يغني عن الملاك
ما ملكوا
فكلهم يأتي ربه فردًا، يقف بين يديه وجاهًا، وينشر كتابه، فلا يغني
جمعه وما استكثر، فكل صاحب لا يهديك إلى البر ولا يقودك إلى الرشد لا يغني عنك
مقدار حبة. وطالما أطاحت كثرة الأتباع بالباب الرجال، حتى لم تبق من عقولهم شيئًا،
وقديمًا قالوا: إن كثرة الأتباع فتنة للمتبوع وذلة للتابع. فالعاقل من بادر نعمة
الله بالشكر، فأدى حقها، ورعى حرمتها ومهد سبيل النجاة ليكون من السعداء «يوم لا
ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم». فليت حكامنا يعتبرون وليت علماءنا
يؤدون أمانة العلم، ويقومون بواجب النصح ويؤثرون ما عند الله إن في ذلك لذكرى لمن
كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد سدد الله الخطى، ووفق الجميع.
فتور أثناء الطريق وفقه التعامل مع النفس
لا بد لكل موفق لحسن استغلال وقته من غفلة وفترة، لأن هذا من طبع
البشر إلا الملائكة، فإنهم يعبدون الله ولا يفترون، كما قال الله تعالى: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (الأنبياء: 19- 20). فهذا شأن
الملائكة، أما البشر فإنهم يضعفون ويفترون في سيرهم إلى الله تعالى، وأحيانًا
يقصرون ببعض الحقوق ويضيعونها. والنفس لها حالتان لا ثالث لهما، إما إقبال وإما
إدبار، ولكل منهما فقه في التعامل. كما قال خبير النفوس «ابن قيم الجوزية» رحمه
الله: «إن للقلوب شهوة وإدبارًا، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند
فترتها وإدبارها».
فينبغي إذًا أن نحسن سياسة أنفسنا حتى تستمر منطلقة إلى الله تعالى:
أ. حالة
الإقبال: نكثر
من الأعمال الصالحة والعبادات، ونلزمها بنوافل الأعمال والسنن، ونأمرها بأداء
التكاليف ليلًا ونهارًا.
ب - حالة الإدبار: نلزمها الفرائض الواجبة من العبادات، ونعاملها برفق ولين حتى تقبل، فإن أقبلت شددنا عليها مرة أخرى.
لقد كان مجتمع الصحابة- رضي الله عنهم- يعانون كذلك من مشكلة «الفتور»
أحيانًا، حتى سأل أحد الصحابة يوما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قائلاً: «أرأيت
إن ضعفت عن بعض العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة
منك على نفسك». هذا توجيه حكيم من النبي- صلى الله عليه وسلم- وجه النفس حين
إدبارها إلى عمل سهل يسير، وهو الكف عن الأذى، فلا يحتاج «الكف» إلى مجهود لبذله
ولكن في نفس الوقت، فهو عمل إيجابي لأنه صدقة يؤجر المرء عليها، فهذا من فنون
التعامل مع النفس أثناء فترتها أو إدبارها. فلا تكن مع نفسك كالعصا فتكسر أو
كالليمون فتعصر، وإنما كن حكيما في تعاملك معها، واعلم أنه لا بد من الفتور أثناء
الطريق، ولكن كن خفيف النوم. جاسم المطوع