العنوان شخصية المسلم
الكاتب عبد الكريم مسعد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1303
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 09-يونيو-1998
شخصية المسلم من أول الأمور التي يجب أن يوليها الاهتمام، وتوضع نصب أعين المربين، ولهذا يكثر الحديث حول المكونات الأساسية للشخصية المسلمة، فالإنسان يعيش ضمن مجموعة من المبادئ اختطها لنفسه وآمن بها ويسعى لتحقيقها، وهذه المبادئ هي ما تميز شخصية عن أخرى.
ولكن من المهم قبل ذلك أن يتكون لدى المسلم الأرضية السليمة التي تبنى عليها هذه الشخصية السوية، وأهم ما تتميز به هذه الأرضية ثلاثة أمور هي الاستقلال، المعرفة، الالتزام.
الاستقلال: أما الاستقلال، فأقصد به الاستقلال الفكري المبني على أساس التفكير الحر النزيه أي القدرة على النظر في الأمور واتخاذ الآراء من غير خضوع إلا لقوة الحجة وسلامة المنطق، والتجرد من القيود والأغلال من تقليد أعمى وتأثر بالعادات والتقاليد. يقول الله عز وجل في ذم الكفار: ﴿إنا وَجَدنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِم مُقتَدونَ﴾ (الزحرف: ٢٣)، ومن القيود أيضًا الهوى، قال عز وجل في وصف أهل الجنة ﴿وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوى﴾ (النازعات: ٤٠) ويأتي في إطار القيود أيضًا الممالاة والتسلط يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يكن أحدكم إمعة يقول إذا أحسن الناس أحسنت وإذا أساؤا أسأت»، ويقول الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- «إن معرفة الحق لا تكترث بالتقاليد السائدة ولا تتقيد بالعرف الشائع، إنها بحث لا علاقة له بكثرة الأصوات أو قلتها».
والاستقلال هو المجال الرحب للإنسان كي يظهر إبداعه الشخصي، وهو الذي إذا ترسخ في نفس المسلم أصبح من أهم الدعائم في تطوير تجربته واختياراته الشخصية والتي تراعي ظروفه المحيطة بفهم أفضل، ووفقًا لهذا المبدأ يُطلب من المسلم أن يتوافر فيه:
١ - عمق التفكير.
٢ - نضج العقل.
٣- صفاء الذهن وتركيز الانتباه.
٤- سلامة المنطق.
٥- النزاهة.
٦- التحرر من قيود التبعية الفكرية.
٧- عدم الوقوف عند الآراء والأفكار التي توصل إليها، بل عليه أن ينمي هذه الآراء بالبحث المتواصل.
ومن الآيات القرآنية التي أرسى الله عز وجل بها قواعد وضوابط للاستقلال الفكري الآية ٤٦ من سورة سبأ:﴿قُل إِنَّما أَعِظُكُم بِواحِدَةٍ أَن تَقوموا لِلَّهِ مَثنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّروا ما بِصاحِبِكُم مِن جِنَّةٍ إِن هُوَ إِلّا نَذيرٌ لَكُم بَينَ يَدَي عَذابٍ شَديدٍ﴾ (سبأ: ٤٦)، وقد استنبط الدكتور راجح الكردي في كتابه (نظرية المعرفة) من هذه الآية قواعد، منها أربع تعتبر ضوابط لمنهجية الاستقلال الفكري، وهي:
١- قاعدة الإخلاص في حب الحقيقة والبحث عنها واضحة جلية، ﴿أن تَقوموا لِلَّهِ﴾.
٢- الموضوعية، أي البعد عن العامل الذاتي. يقول تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كونوا قَوّامينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسطِ وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى أَلّا تَعدِلُوا اعدِلوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوىَ﴾ (المائدة: ٨).
٣- التجرد عن العوامل الخارجية والضغوط من تقليد للآباء وإعجاب بالمبادئ والتيارات السائدة والمؤثرات الاجتماعية.
٤- إدارة الحوار المنتج إما مع النفس «فرادي» أو مع الآخرين بالقيود السابقة «مثنى».
المعرفة: أما المعرفة فهي الاطلاع والسعي نحو كسب العلوم والمعارف بمختلف الوسائل المتاحة وأهمية المعرفة تتجلى من خلال عدة أمور:
١- أنها أول أمر نزل به الوحي من الله على نبيه﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ﴾ (العلق: ١).
٢- والمعرفة هي الداعم الأساسي في ترسيخ استقلالية المسلم وبنائها على أسس علمية سليمة. لا ينحرف بها الهوى والجهل عن جادة الصراط وأيضًا حتى يكون الاستقلال جادًا لا بالأشكال والرسوم.
٣- وأيضًا ما نراه من أثر للمعرفة في بناء الحضارات، فكل حضارة قامت وبنت مجدها وقويت فقط عندما اعتمدت على العلم، وانظر من الحضارات القديمة مرورًا بالحضارة الإسلامية وانتهاء بحضارة الغرب حاليًا.
٤- والمعرفة هي التي تثري الخطاب وتبني الشخصية الواثقة.
٥- أن كل تصرف يقوم به الإنسان إنما هو قائم على أساس نظري، يكون مقتنعًا به يصدر عنه ويتوجه باتجاهه.
٦- وعلى هذا كان اهتمام الرسول بتعليم أصحابه واهتمام المسلمين على مر العصور بإنشاء المدارس والكتاتيب لتعليم الإنسان منذ الصغر.
٧- ولقد بلغ من حث الرسول الله أمته على كسب العلم أن ساوى بين الذي يموت في سبيل طلب العلم والشهيد.
ولكسب المعرفة وتحصيلها وسائل عدة، ولكن أهمها هو القراءة والمطالعة.
فالأمة الواعية هي التي تقرأ وتعرف كيف تقرأ وماذا تقرأ، ولقد سئل فولتير عمن سيقود الجنس البشري فأجاب «الذين يعرفون كيف يقرؤون».
وعلى هذا فالاهتمام بالجانب المعرفي منصب على جانبي الكم والكيف.
وأما طرق تحصيل المعرفة في عصرنا فهي كثيرة، مثل الكتب والمجلات والصحف والإنترنت ومواصلة التحصيل العلمي، والدورات والمعاهد، فكلها طرق يسرت لنا كسب المعرفة.
والملاحظ لنا من كل طرق المعرفة أن المعول الأساسي فيها هو القراءة والمطالعة. وفي وصف القراءة وفوائدها ننقل قولين أحدهما للكاتب الكبير عباس محمود العقاد والآخر للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمهما الله. يقول الشيخ محمد الغزالي: (فالشهادة ليست هي نهاية العلم بل مفتاحه والداعية إلى الله يجب أن يظل قارئًا ما عاش، فالقراءة هي حياته، والله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿وَقُل رَبِّ زِدني عِلمًا﴾ (طه: ١١٤) والسلف يقولون «لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل» ومن مأثوراتهم «اطلب العلم من المهد إلى اللحد».
ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد: «لست أهوى القراءة لأكتب ولا لأزداد عمرًا في تقدير الحساب، إنما أهوى القراءة لأن لي في هذه الدنيا حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، القراءة وحدها هي التي تعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة، لأنها تزيد هذه الحياة عمقًا وإن كانت لا تطيلها بمقدار الحساب، ففكرتك أنت فكرة واحدة وشعورك أنت شعور واحد وخيالك أنت خيال فرد واحد إذا قصرته عليك، ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى، ولاقيت بشعورك شعورًا آخر، ولاقيت بخيالك خيال غيرك، فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين، وأن الشعور يصبح شعورين، وأن الخيال يصبح خيالين كلا وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات الفكر في القوة والعمق والامتداد».
الالتزام: أما الالتزام «والذي يأتي كهدف رئيس من الركائز السابقة» فهو السلوك الظاهر والدليل العملي على مدى إيمان الإنسان بما ينافح عنه من أفكار، وهو نقطة الانطلاق لإثبات صدق وجدية ما وصفناه باختياراتنا الشخصية.
والالتزام أيضًا هو السعي نحو إيجاد وسائل وآليات عمل وأطر لإنزال الأفكار على أرض الواقع سواء في أنفسنا أو في مجتمعنا، فالهدف الأول من الأفكار هو تصحيح مسار الأعمال، فما الفائدة من الأفكار إذا انفصلت عن التطبيق العملي وبقيت في الإطار النظري؟ وفي الروايات عن الصحابة أنهم نهوا عن السؤال عما ليس وراءه عمل.
وختامًا- أرجو أن أكون بذلك قد أوضحت ما أعتقد أنه من الضروري ترسيخه وبلورته بصورة واضحة في نفوس المسلمين، وبغير ذلك يسيطر التقليد والجهل والهوى على أعمالنا، وينعدم توجيهها التوجيه السليم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل