العنوان المجتمع التربوي (1228)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
مشاهدات 323
نشر في العدد 1228
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
وقفة تربوية
الحرص على الأوقات
دخل ابن التابعي الجليل «ثابت البناني»، عليه وهو يحتضر ليلقنه الشهادتين فقال له: «دعني فإني في وردي السادس» «صيد الخاطر ص 50 - الفكر».
في هذه اللحظات التي يشتد فيها الألم على الإنسان، والتي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أمته الاستعاذة منها بقوله: «أعوذ بك من فتنة المحيا والممات»، حيث يتمثل الشيطان في هذه اللحظات للإنسان المحتضر ويرغبه بالكفر ليختم به حياته، فتكون من أعظم الفتن والتي يصاحبها آلام خروج الروح من الجسد، والتي تشابه سحب جذع مليء بالشوك من أخمص القدم إلى أعلى الرأس، وكأن الإنسان يستنشق الهواء من ثقب إبرة كما وصفها سعد بن أبي وقاص لابنه عند احتضاره.. حتى في مثل هذه اللحظات يستحضر هؤلاء العظام أهمية الوقت فلا يضيعونه بالتأوه والأنين بل يذكرون الله تعالى، ويتلون القرآن، ليضربوا بذلك المثل لآلاف المسلمين، وحتى للدعاة الذين يضيعون آلاف الساعات في حياتهم في أمور لا تزيد في صحائفهم شيئًا، بل ربما كانت وبالًا عليهم عندما يترتب عليها ضياع الواجب من الواجبات أو أداؤه بجسد من غير روح.
أبو خلاد
المحن
من سنن الله في خلقه
بقلم الدكتور سيد نوح (*)
المحن سنة من سنن الله في خلقه، تنزل بالمؤمن والكافر والصالح والطالح، وإن تنوعت وتغيرت أشكالها وصورها، فهذا يعاني من مرض، وهذا يعاني من عقوق ولده، وهذا يعاني من نشوز زوجه، وهذا يعاني من الفقر، وهذا يعاني من التخمة وهذا يعاني من الاعتقال والحبس، وهذا يعاني من القهر والتعذيب، وهذا يعاني من القلق والاضطراب النفسي، وهذا يعاني من العزلة، وهذا يعاني من أصدقاء السوء، وهكذا دواليك سنة الله في خلقه ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43)، وقد بين ذلك رب العزة سبحانه في كتابه بقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ ﴾ (البقرة: 155)، ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35).
وما دامت المحنة بخيرها وشرها سنة لله في خلقه، لا تتخلف ولا تتبدل أبدًا، فلا يليق بنا - نحن المسلمين - أن نقف عند المحنة نبكي كما يبكي الصبيان والنساء، وإنما علينا أن نكون أقوياء ونعمل جاهدين على تجاوز المحنة بكل الأساليب والوسائل الممكنة، شريطة ألا تتعارض مع مبادئ الدين الحنيف.
ودونك الطريق:
1 - على كل صاحب محنة أن يضع في حسابه أنها قضاء الله وحكمه ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌلِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد: 22، 23)، ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التغابن: 11).
وهذا ما وعاه واحد من العاملين لدين الله في هذا العصر، إذ قُبض عليه، واقتيد إلى السجن والقهر والتعذيب، بل وحكم عليه بالبقاء في هذا السجن لأكثر من سبع عشرة سنة لا لشيء إلا لأنه يقول: «ربي الله»، واهتم لسجنه نفر ممن يعرفونه عن قرب، إذ هو ابن نعمة نشأ وفي فمه ملعقة من ذهب، وهذه أول مرة يعامل فيها بهذه الصورة من القسوة والشدة، فكيف سيتحمل ويصبر إلى أن تنجلي هذه المحنة؟! ومضى اليوم الأول، والأسبوع الأول، والشهر الأول، والسنة الأولى، وسنوات عدة، وهو على حاله لم يتغير أبدًا، ولم يفرط، وتقدم هذا الذي شغله أمره إليه وسأله: كيف استطعت تحمل المحنة هذا الزمن الطويل وأنت ابن النعمة؟ فأجاب في سهولة ويسر: أبدًا لقد ألهمني الله من بداية المحنة أن هذا قضاؤه وحكمه، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وقوى عندي هذا الإلهام حتى صار يقينًا، قادني إلى الصبر والتحمل.
2- وعلى كل صاحب محنة أن يوقن أن القضاء الذي نزل به والحكم الذي أصابه، إنما هو أخف وأسهل بكثير من قضاء آخر أعظم منه وحكم آخر أكبر وأشق منه كان يمكن أن ينزل به، وأن يصيبه، لولا لطف الله وفضله ورحمته، وعليه أن يوطن نفسه على الرضا بهذا القضاء، والشكر لله الذي لم يجعله أشد وأكبر وأشق، وقصة عمر معروفة حيث قال: «أحمد الله أنه كان في جسدي ولم يكن في قلبي، وكان في مالي، ولم يكن في ديني، وكان في واحدة ولم يكن في الثانية»، وصاحبنا الذي مضى الحديث عنه في العامل الأول، أضاف إلى كلامه الأول قوله: «والحمد لله أن محنتي كانت مع هذا النفر الطيب الطاهر الذي يقول ربي الله، ولم تكن مع العصاة والمجرمين، إذ كان سهلًا على الله أن يجعلني ضمن تجار المخدرات أو ضمن السكارى أو ضمن اللصوص وقطاع الطرق، أو ضمن القتلة، وسفاكي الدماء، ولكنه لم يفعل، وهذا فضل منه، وعطاء يستحق الشكر لا السخط والندم والبكاء».
3 - وعلى كل صاحب محنة أن يوقن أن الذي نزل به لا يخلو عن حكمة، وحسن تقدير، إذ ربما كانت المحنة لأن هناك تقصيرًا في جانب من الجوانب في حق الله ودينه، في حق الأبوين، في حق الأهل والأولاد، في حق الأرحام، في حق الجيران، في حق الخدم والأجراء، في حق باقي المسلمين، في حق غير المسلمين من أهل الذمة الذين لهم عهد، وأمان، في حق النفس، وما أكثر الحقوق، وأراد المولى سبحانه أن ينبه عبده كرمًا منه وفضلًا، عله يتوب بتدارك هذا التقصير والرجوع إلى الله والإنابة والاستقامة، إذ يقول سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأعراف: 168)، تكون المحنة حينئذ تكفيرًا للذنوب والسيئات الماضية وتلك السيئات من التكفير، وتكفيرها بمحنة الدنيا أخف وأحسن بكثير من تكفيرها بعذاب الآخرة، وهذا الذي فطن إليه السحرة عندما توعدهم فرعون بالقتل والصلب لأنهم آمنوا برب هارون وموسى قائلين: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾( طه: 72 - 76).
وقد تكون رفعًا للدرجات، إذ ربما سبق في علم الله منزلة للعبد لا يبلغها بعمله، وحينئذ يقدر الله عليه المحنة ليرفع من درجاته وليعليه المنزلة التي أرادها له، فقد جاء في الحديث عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده مرفوعًا «إن الله عز وجل- إذا أراد بعبد منزلة لم يبلغها بعمل ابتلاه، ثم صبره على هذا البلاء حتى يبلغه هذه المنزلة، وفي هذه والتي قبلها قال الله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ (آل عمران: 195)، وقد تكون لأن الباطل يرفع شعارات براقة يخدع بها الدهماء والعامة فتكون سببًا في قعود هؤلاء عن تأييد الحق ونصرته، بل قد تكون سببًا في الاستمرار في تأييد الباطل ونصرته، ولا بد من ظهور الحقيقة دون لبس أو التواء، ليؤدي هؤلاء دورهم وواجبهم الحقيقي في التأييد والنصرة، أو على الأقل يكونوا محايدين لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، ولا سبيل لذلك إلا بالمحنة قال تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: 17)، وقد تكون لغير ذلك من الأسباب مما لا تعلمه، ويعلمه الله.
والعاقل هو الذي يوطن نفسه على أن الأمر لا يخلو من حكمة إلهية، وإن خفيت علينا هذه الحكمة، وبذلك يسهل على النفس قبول المحنة بل والمرور من فوقها إلى المنحة، وقد بين الله في قصة الخضر «العبد الصالح»، مع موسى محنًا خفيت حكمها على هذا النبي كليم الله، وبدت هذه الحكمة في شرح هذا العبد لسائر التصرفات الغريبة التي وقعت منه، ولم يطق موسى صبرًا عليها إذ قال الله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ ( الكهف: 79 – 82).
4 - وعلى كل من لم تنزل به المحنة أن يتوقع المحنة على اعتبار أنها سنة من سنن الله في خلقه، وأن يعد نفسه ويدربها على كيفية تخطي المحنة إذا نزلت بالصدق مع الله في حال الرخاء، إيمانًا ويقينًا، وتوحيدًا وإخلاصًا، وعملًا على وفق النهج القويم، فلا شرك ولا رياء.. ولا شك، ولا معصية، ولا إصرار عليها إن وقعت، ولا تفريط في طاعة من الطاعات، ولو نافلة، وإن كان الرجوع بسرعة، ولا غفلة عند أداء الطاعة بل يقظة وانتباهًا، وفقهًا وتدبرًا، وشعورًا بالعجز وخوفًا من عدم القبول على حد وصفه سبحانه للذين يخشونه بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57 -61).
وعندما نفهم أن العبد إذا فعل ذلك في حال الرخاء، فإن الله يكون معه يؤيده وينصره في وقت الشدة، إذ في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبيﷺ قال له: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة... الحديث».
وكذلك بالصبر والتحمل، إذ إننا نطلب جنة، ولا نصل إليها إلا فوق جبال من العقبات والمعوقات والمحن والشدائد على حد قولهﷺ: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات وقوله: «ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة... الحديث». وكل المخلوقات التي معنا ومن حولنا من طير ووحش وحشرة إنما تقيم مملكتها، وتصنع حياتها بالصبر والتحمل، مع التجريب والتدريب، ألا يكون ذلك عظة وعبرة لنا؟! وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 11).
5 - تذكير النفس بأن الجميع إلى ربهم راجعون لا محالة الذين عاشوا في المحنة، والذين سلموا منها ليجزي كلًا بما عمل، ولا يستوي الفريقان كما قال الله عز وجل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص: 28)، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: 21)، وقد بين رب العزة سبحانه في كتابه هذا العامل عندما قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 155 - 156).
6 - اليقين بأن المحنة ليست حظنا وحدنا فقط، بل هي حظ الناس من قديم وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون، حتى قال النبيﷺ: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل... الحديث»، هذا آدم ابتلي بالشقاق بين ولديه قابيل وهابيل حتى قتل أحدهما الآخر، وهذا نوح كانت مصيبته في ولده وامرأته حيث كفرا بالله ورسالته، والدار الآخرة، وهذا إبراهيم ابتلي بقومه، وبالإلقاء في النار، ويذبح ولده، وغير ذلك من صور البلاء، وهذا موسى عانى ما عانى من بني إسرائيل، وهذا يحيى ابن زكريا يذبح وتقدم رأسه ثمنًا لغانية فاجرة، وهذا زكريا ينشر بالمنشار، وهذا عيسى يبتلى بالدجالين من بني يهود يريدون قتله لولا أن الله أكرمه وحماه فرفعه إليه، وهكذا سائر النبيين وقد قال الله - عز وجل - : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111)، وكما كانت المحنة تصيب الأنبياء والمرسلين فقد كانت كذلك تصيب أتباعهم من المؤمنين الصادقين حيث يقول الحق تبارك وتعالى في أتباع النبيين من قبل: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ الآيات (آل عمران: 146 - 148)، ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
وعلى كل صاحب محنة أن ينظر في محن الآخرين المعاصرين له، ومنها ما هو أشد وأعظم من محنته، ولكنهم قابلوها بالصبر والتحمل والرضا وانشراح الصدر، والطمع فيما عند الله سبحانه وتعالى.
فها هو المجاهد الشيخ نصر عبد الفتاح يبتلى في ولده الوحيد عبد البديع بقطع رجليه تحت عربات القطار مع وجاهته، ومع نبوغه في دراسته حيث كان حقانيًا، ولا يضيق الرجل ذرعًا بهذا القضاء، بل يفرح ويبرق وجهه دائمًا، وقد كان من قبل سجينًا لعشرات السنين، لا لشيء إلا لقوله ربنا الله.
وها هو العالم الجليل الشيخ محمد حجاج السويسي - شيخ المعهد الديني بدسوق إحدى أقاليم مصر - يمشي بابنة له لإلحاقها بالجامعة المصرية وقد كانت الأولى في الثانوية العامة ليسكنها سكن الطالبات الجامعي، وتدوسها سيارة فتموت توًا، ويقوم بتجهيزها ودفنها، ويخفي خبرها عن والدتها عدة أشهر، ثم يخبرها بحقيقة الحال فلا تزيد على قولها: «إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها».
8 - دوام النظر في سير السابقين من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وكيف كانوا يواجهون المحنة من أمثال الرميضاء مع ولدها عبد الله ومن أمثال أبي سلمة وزوجه وولده، ومن أمثال مصعب، ومن أمثال أم حبيبة، وكذلك من أمثال الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- وحسن الهضيبي، وغيرهم، فقد أدوا دورًا كبيرًا في التحمل والرضا.
9 - الدعاء دائمًا باللطف والرضا والثبات، فقد كان النبيﷺ يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من شر البلاء وسوء القضاء».
10- محاسبة النفس، ثم الإقبال على الله بالتوحيد والطاعة فريضة ونافلة، فلعل ذلك يكون سببًا في تخطي المحنة إلى المنحة.
11 - مزيد من الترابط والتماسك الأخوي فإنه ذو أثر كبير في تخفيف وقع المحنة.
12 - الإفادة من الثغرات القانونية التي تفيد في فتح مجالات للعمل وتجاوز المحنة، كاللجوء السياسي، وحق الجوار.
13 - النشاط في الدعوة والتربية لكسب العناصر المستعدة للتضحية والبذل والعطاء، فإن هذا النشاط يكون سببًا في قرب ساعة النصر أو إقامة الحجة عليها، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ...﴾ (الأعراف: 164).
14 - الانضباط في الحركة مع الطاعة في المعروف.
15 - التطلع دائمًا إلى الأجر، وقد قال الحافظ ابن الجوزي: «من لاح له بريق الأجر، هانت عليه مشقة التكليف»، والله أعلم
(*) أستاذ الحديث وعلومه المساعد بكلية الشريعة جامعة الكويت.
من معاني الإسلام:
التجرد
بقلم: د. مجدي الهلالي (*)
- المؤمن يجرد دنيته لله فلا يقوم بأداء العمل طالبًا للرفعة والحمد عند الناس أو خوفًا من مذمتهم
التجرد معنى عظيم من معاني الإسلام تتسع دائرته لتشمل صورًا كثيرة تبدأ بتجريد القصد والنية، وتنتهي بتجريد الفكر والحركة، والمعنى المشترك الذي تدور حوله كلمة التجرد في المعجم هو خلوص الشيء من مخالطة غيره، فالتجرد من الأمر التخلي عنه، والتجرد للأمر الجد فيه، وللتجرد صور كثيرة نذكر منها:
تجريد القصد والنية: فالمؤمن يجرد نيته لله، فلا يقدم على أمر ما إلا بعد أن يتأكد من إخلاص نيته لله فيه، فلا يقوم بأداء العمل طلبًا للرفعة والحمد عند الناس، أو خوفًا من مذمتهم، أو خجلًا منهم، أو حمية وغضبًا، أو لأنه اعتاد القيام بهذا العمل.
ولقد سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول اللهﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» «متفق عليه»، وجاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال: «أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلًا يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ويصوم يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، فقال له عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول:« أنا خير شريك فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي في» (1)
تجريد التوحيد
والأخ المسلم كذلك يجرد اعتقاده وتوحيده من الشركيات، فلا يذبح لغير الله، ولا يحلف إلا به، ولا ينذر إلا له، ولا يزور أصحاب الأضرحة والمقامات، ولا يستعين بهم على قضاء حوائجه ولا يعلق التمائم، ولا يذهب لساحر أو كاهن ولا يتطير، ولا يتبرك بالأشجار والأحجار ونحوها.
تجريد المشاعر:« العبادات القلبية» فالمؤمن يجرد مشاعره ووجدانه لله، ومن صور هذا التجرد:
تجريد الولاء والبراء: المؤمن يحرر ولاءه لله، فلا ولاء القومية ولا وطنية ولا لأهل أو عشيرة بل لله، فالمسلم نسبه الإسلام، فكما قال إبراهيم - عليه السلام-: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (إبراهيم: 36)، وكما قال الله تعالى لنوح - عليه السلام - عندما طلب منه النجاة لابنه من الطوفان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ (هود: 46)
وفي سورة الممتحنة يضرب القرآن لنا أروع الأمثلة في التجرد وتحرير الولاء لله، فعندما عزم رسول الله ﷺعلى فتح مكة أرسل حاطب ابن أبي بلتعة إلى المشركين بكتاب يخبرهم فيه بعزم الرسولﷺ على الفتح، فلما سأله الرسول ﷺ يا حاطب ما هذا؟ قال: لا تعجل علي إني كنت أمرأ ملصقًا من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا، ولا اراتدادًا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ:«إنه صدقكم، فنزل القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1).
بل إن الله - عز وجل - نهى المؤمنين في المدينة عن ولاية إخوانهم المؤمنين الذين لم يهاجروا من مكة، لأنهم لم يظهروا تجردهم التام لله، وولاءهم له بعد هجرتهم فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: 72).
يقول الأستاذ سيد قطب: «إن علاقة المجتمع الإسلامي ليست علاقات الدم، ولا علاقات الأرض، ولا علاقات الجنس، ولا علاقات التاريخ، ولا علاقات اللغة، ولا علاقات الاقتصاد، ليست هي القرابة، وليست هي الوطنية، وليست هي القومية، إنما هي علاقة العقيدة وعلاقة القيادة وعلاقة التنظيم الحركي، فالذين آمنوا وهاجروا إلى ديار الهجرة والإسلام متجردين من كل ما يمسكهم بأرضهم وديارهم وقومهم ومصالحهم وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آووهم ونصروهم ودانوا معهم لعقيدتهم وقيادتهم في تجمع حركي واحد أولئك بعضهم أولياء بعض، والذين آمنوا ولم يهاجروا وليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية، لأنهم لم يتجردوا بعد للعقيدة، ولم يدينوا بعد للقيادة، ولم يلتزموا بعد بتعليمات التجمع الحركي الواحد، لقد انخلع كل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، في مكة من الولاء لأسرته، والولاء لعشيرته، والولاء لقبيلته، والولاء لقيادته الجاهلة الممثلة في قريش، وأعطى ولاءه وزمامه لمحمد رسول الله ﷺ والمجتمع الصغير الناشئ الذي قام لقيادته (2).
تجريد التحاكم والتخاصم: المسلم لا يتحاكم إلا إلى الله وشريعته، ولا يتخاصم إلا به فلا تراه يتحاكم إلى قوانين وضعية مخالفة لشرع الله، ففي الحديث أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت» (3)، ولقد حذرنا الله - عز وجل - من التحاكم لغيره، وعدَّ أي حكم مخالف له حكمًا جاهليًا قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة : 50).
يقول ابن كثير: «ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم» (4).
تجريد الرجاء: الأخ المسلم لا يرجو إلا الله، ولا يتعلق قلبه بأحد سواه، والدليل على صدق تجرد رجائه لله عدم تطلعه لما عند الناس وعدم الطمع إلى ما في أيديهم من مال أو منصب أو مدح أو غير ذلك.
تجريد الخوف: المسلم ينبغي عليه الا يخاف إلا من الله ولا يخشى سواه، فقد جمع همه في هم واحد، وهو هم الخوف من الآخرة، والقدوم على الله، ولقد انعكس هذا التجرد على أفعاله فتراه لا يخشى في الله لومة لائم، يجهر بالحق مهما كانت النتيجة.
تجريد الغضب: الأخ المسلم لا يغضب إلا لله فلا غضب لنفسه ولا انتقام لها، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «ما ضرب رسول الله له شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيئًا من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى» «رواه مسلم».
ولما ولي عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه – الخلافة، خرج ليلة ومعه حرس فدخل المسجد فمر في الظلمة برجل نائم فعثر به فرفع رأسه إليه فقال: أمجنون أنت؟ قال: لا، فهم به الحرس فقال لهم عمر: مه إنما سألني أمجنون انت؟ فقلت: لا (5).
تجريد التوكل: الأخ المسلم لا يتوكل إلا على الله، فهو يعلم مدى ضعفه وفقره وحاجته إلى ربه فتراه لا يعتمد على ذكائه أو خبرته أو لباقته أو ثرائه أو جاهه، أو حسبه، أو مواهبه وقدراته عند قیامه بالأعمال، ليقينه بأن تلك الأمور ما هي إلا أعراض، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر: 15 - 17).
تجريد المتابعة: الأخ المسلم يجرد فعله لله، فلا يقوم بأداء عمل ما إلا إذا كان موافقًا للشرع بعيدًا عن البدع، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153)، وعن عائشة - رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» «متفق عليه»، فالخير كل الخير في اتباع الرسول ﷺ فما ترك لنا من أمر يقربنا إلى الله إلا ودلنا عليه، وما ترك لنا من أمر يبعدنا عن الله إلا ونهانا عنه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران 31)، فأفعال الرسول الله وأقواله هي المقياس الذي نقيس به أفعالنا وإن اختلفنا في شيء فلنرجع إلى كتاب الله وسنة الرسول ﷺ.
تجريد السلوك
الأخ المسلم متجرد لله في سلوكه وأفعاله فغايته رضا ربه، ويتجلى هذا في أمور كثيرة منها:
تجريد الأخوة: فالمسلم جرد أخوته من المنافع والمصالح وجعلها خالصة لوجه الله، ففي الحديث: «أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكًا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه، قال: لا غير أني أحببته في الله تعالى، قال الملك: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه «رواه مسلم».
والدليل على صدق تجريده لأخوته عدم مداهنة أخيه بل ونصحه إذا ما احتاج للنصيحة، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: «آخى الشافعي رضي الله عنه محمد بن عبد الحكم، وكان يقربه ويقبل عليه ويقول: ما يقيمني بمصر غيره، وظن الناس لصدق مودتهما أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل له في علته التي مات فيها - رضي الله عنه - إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه، فقال الشافعي: سبحان الله أيشك في هذا؟ أبو يعقوب البويطي، فانكسر لها محمد وقام أصحابه إلى البويطي مع أن محمدًا كان قد حمل عنه مذهبه كله، لكن كان البويطي أفضل وأقرب إلى الزهد والورع، فنصح الشافعي لله المسلمين، وترك المداهنة ولم يؤثر رضا الخلق على رضا الله تعالى، فلما توفي انقلب محمد بن الحكم عن مذهبه ورجع إلى مذهب أبيه ودرس كتاب مالك رحمه الله» (6).
تجريد النصح: الأخ المسلم ينصح من حوله لله، ولا تمنعه القرابة أو الأخوة أو الحاجة من إسداء النصح، فلقد قوي عزائمه، واستجمع شجاعته ليقول للمسيء: أسأت، والمخطئ: أخطأت، وهو حين ينصح فإنه لا يريد من وراء ذلك إلا مصلحة من ينصحه، لا الشماتة فيه، أو إظهاره بمظهر الجاهل أو المقصر، والدليل على ذلك حرصه على نصح أخيه سرًا وانتقاء الطف وأطيب الألفاظ كما قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الإسراء : 53).
تجريد التقييم والنقد والحكم بين الناس: الأخ المسلم يتجرد من عاطفته عند حكمه بين الآخرين، فلا يظلم عدوه، ولا يحابي صديقه كما قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(المائدة: 8)، والمسلم كذلك متجرد عند تقييمه لغيره، فلا يتغير تقييمه بتغير مشاعره تجاه من يقيمه، فلا يبرر العيوب وقت الرضا، ولا يتصيد الأخطاء وقت السخط، كما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساوئا
تجريد الحال مع الله: المسلم يعمل دائمًا على تجريد حاله مع الله وتصفية وقته معه من كل ما يكدره فلا يترك خواطر الدنيا تتتابع إلى ذهنه وقت صلاته، أو دعائه، أو ذكره الله، بل يعمل على دفعها ولا يسير وراءها فهو يعلم أنه بدون حضور القلب مع الله وجمعيته عليه في عباداته فستكون هذه العبادات صورًا بلا روح.
تجريد الفكر
الأخ المسلم جرد فكره من فكرة مخالفة للإسلام، فالفكرة الإسلامية قد هيمنت عليه ورسخت معانيها في عقله ووجدانه، فلا مكان للأفكار المضادة، ولا النظريات المخالفة لمنهج الإسلام كالفكر العلماني والشيوعي والاشتراكي والرأسمالي.
يقول الأستاذ حسن البنا - رحمه الله: «وأريد بالتجرد أن تخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص، لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها (7) : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ﴾ (البقرة: 138).
والأخ المسلم لا يطلع على الأفكار المضادة للفكرة الإسلامية، إلا بعد أن تتمكن هذه الفكرة منه أولًا فصفاء الابتداء ووحدة التلقي من الأمور الضرورية في بداية تكوين الشخصية الإسلامية.
تجريد الحركة
الأخ المسلم بعد أن جرد فكره وصبغه بصبغة الإسلام، وتشبع عقله بالفكرة الإسلامية، فإنه يجرد حركته للعمل من أجل إقامة الإسلام وسط الناس وتحويل الفكرة الإسلامية من نظريات في العقول إلى واقع حي يلمسه الناس، فحياته كلها لدعوته، فقد هيمنت على قلبه، فأخضع غرائزه ودوافعه جميعها لها، فهو يغضب ويخاف ويحب أبناءه ويجمع المال ويدخر، ويستعلى ويتواضع، ولكنه يغضب في سبيل دعوته، ويخاف من أجلها، ويحب أبناءه إذا أعانوه على حملها، ويجمع المال لينفقه في سبيل دعوته، ويستعلى على أعداء دعوته، ويتواضع لأصحابها، إن أخًا كهذا لا يقر ولا يستقر ولا يعرف كللًا ولا مللًا ولا يطلب راحة ولا هدوءًا (8).
ولقد كان هذا هو حال الصحابة - رضوان الله عليهم - كانت الدعوة للإسلام هي المسألة الأولى الحاضرة لديهم في كل وقت من أوقات حياتهم، فأغلب العشرة المبشرين بالجنة دخل الإسلام بدعوة أبي بكر، وكثير من الصحابة - رضوان الله عليهم - دفن خارج الجزيرة العربية، لأنهم انتشروا في الأرض دعاة إلى الله، وإذا ذكرنا تجرد الصحابة للدعوة فلا ينبغي أن ننسى سفير الإسلام مصعب بن عمير ذلك الفتى الذي حمل الدعوة إلى المدينة بعد بيعة العقبة الأولى، والتي كان عدد الأنصار فيها اثنى عشر رجلًا، وكان مصعب خير سفير للإسلام، فقد تحرك بالدعوة في جميع أنحاء المدينة حتى دخل فيها الكثير.. ففي بيعة العقبة الثانية أي بعد عام من البيعة الأولى كان عدد الأنصار بضعًا وسبعين، وحينما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة لا يكاد التاريخ يذكر أن هناك بيتًا في المدينة لم يدخله الإسلام، كل ذلك بفضل الله أولًا ثم بحركة مصعب بن عمير بدعوته بين الناس.
وخلاصة القول: إن على الأخ المسلم أن يتجرد لله في كل أحواله، فحياته وموته ونومه ويقظته وحركاته وسكناته وسائر عباداته ينبغي أن تكون لله مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162، 163).
فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، إن رأيت المجاهدين رأيته معهم، فهو لله وبالله ومع الله، قد صحب الله بلا خلق وصحب الناس بلا نفس، وصحب النفس بالمجاهدة (9).
(*) كاتب مصري
الهوامش
1 - مختصر ابن كثير: (2/440).
2- في ظلال القرآن: (3/1554).
3- متفق عليه من حديث ابن عباس.
4 - مختصر ابن كثير (1/525).
5 - سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي (208).
6- إحياء علوم الدین (2/188).
7 – مجموعة الرسائل.
8- سبيل الدعوة الإسلامية لمحمد أمين المصري (50/51).
9- مدارج السالكين.