; المجتمع التربوي- العدد 2003 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد 2003

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2012

مشاهدات 75

نشر في العدد 2003

نشر في الصفحة 52

السبت 19-مايو-2012

  • الوقت الرباني

لماذا الوقت ؟!

  1. لأنه العجلة التي إذا تحركت لا يمكن أن تتوقف أو ترجع للوراء شئت أم أبيت.
  2. لأن الذي يستثمر الوقت ويهتم به سيستفيد منه الاستفادة المثلى، وسيفيد غيره.
  3. لأنه بلا شك يمثل حياة المرء وهل الحياة سوى شوان ودقائق وساعات وشهور وسنين؟
  4. لأنه عنصر مهم من عناصر التخطيط السليم وتحقيق المستهدفات البناءة.
  5.  لأنه من أجاد صنعة التعامل مع الوقت استطاع إجادة صنعات أخرى من التميز والإبداع.
  6.  لأن عامل الوقت من ضرورات تحقيق نهضة الأمم وريادتها .. 

وصدق من قال إن «الدنيا ساعة فاجعلها طاعة».

وهذا يعني أن الوقت في حقيقته ما هو إلا حياة العيد، فإن استطاع أن يوظف حياته توظيفًا طيبًا يقربه إلى الله ويمينه على تحقيق استخلاف الله في أرضه استعلامًا تتحقق به ومعه حياة الأمة وكرامتها وسعادتها، بل حياته هو نفسه وسعادته وإنجاز طموحاته وامنياته إن استطاع ذلك فقد فاز، وهنيئًا له مع السالمين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

الوقت في فكر الإمام على:

وللإمام على برك نظرة رائعة إلى الوقت وقيمته في حياة المسلم، تتمثل في نقاط موجزة رائعة يقول فيها الدهر يعلق الأبدان ويحدد الأمال ويقرب المنية ويباعد الأمنية من ظفر به نصب، ومن فاته تعب.

-يا ابن آدم، ما كسبت فوق وقتك فأنت فيه خازن لغيرك.

معينات على تحقيق الربانية في الوقت:

  • أن ترتب أولوياتك الحياتية على حسب الدرجة والأهمية.
  •  أن تجتهد ألا تغفل عند ترتيب وقتك أورادك الربانية من كثرة ذكر الله تعالى والمحافظة على الورد القرآني وركعاتك وسجداتك الإضافية مع الله سبحانه، فهو أهم زاد وأقرب طريق للربانية.
  •  إذا كان بينك وبين أحد من الناس موعد فاجتهد أن تلتزم بالفترة الزمنية التي حددتها معه، وأن تحدد لذلك سقفًا زمنيًا لا تتخطاه مهما كانت الظروف حرصًا على وقتك ووقته ولا تكن ثقيلاً على الناس.
  • إذا كلفك آخرون بأعمال فاجتهد أن تعدها إعدادًا جيدًا بشكل يساعد على الإنجاز في الوقت المحدد دون تجاوز. 
  • أن تحرص على حضورك المواعيد مع الناس في الوقت المحدد فلا تذهب قبله ولا بعده، وكن محترمًا للناس وبيوتهم ومواعيدهم فربما يحتاج البيت إلى ترتيب وإعداد لكونه غير مهيأ لاستقبال ضيوف.
  • أن تتجنب الأحاديث الجانبية مع الغير ففي هذا مضيعة للوقت مغضبة للغير مبغضة لقلوب الآخرين. 
  • لا تستبد برأيك حتى لو كان صحيحًا وكن جميلاً لبقا في أطروحاتك، ففي ذلك حفاظ على وقتك ووقت غيرك ولا تتحدث فيما لا يعنيك، فربما تسمع في ذلك ما لا يرضيك. 
  • قبل أن تتحدث حدّد متى ستتكلم وبأي حديث ستبدأ ومتى ستنتهي، واعلم أن خير الكلام ما قل ودل، وأنه ليس شرطًا أن يكون كل من يتكلم ويطيل الحديث يكون بالضرورة أعرف وأجدر وأفضل.
  •  اعلم أن الفلسفة التي لا تستند إلى الإلهامات الإلهية هي في حقيقتها فكر زائف فلا تتعب نفسك، ولا تجهد الآخرين ولا تضيع وقتك ووقتهم.

 

  • خاتمة

اللهم اختم بالسعادة أجالنا ، وحقق بالزيادة آمالنا ، واجمع بالعافية غدونا وأصالنا، واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا .. واصبب سجال عفوك على ذنوبنا ، ومن علينا بالصحة والعافية من كل أنواع البلاء والأمراض.

اللهم اجعل أعمارنا وأوقاتنا بذكرك معمورة، ولا تجعل للشيطان فيها نصيبًا.

واجعل التقوى زادنا، وفي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا، وإلى رضوانك معادنا.

اللهم ثبتنا على نهج الاستقامة، وأعذنا في الدنيا من موجبات الندامة يوم القيامة.

اللهم خفف عنا ثقل الأوزار، وارزقنا عيشة الأبرار، واكفنا واصرف عنا شر الأشرار.

وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وأحبابنا من النار يا عزيز يا غفار يا كريم.

اللهم صل على سيدنا محمد طب القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها ..

نبيل جلهوم 

 

  • استعانة الحكام الظالمين بالعلماء المنافقين
  • الحكام الظالمون استعانوا بالفقهاء الظلمة لإقناع العامة بأنهم أئمة الدين الذين يجب اتباعهم

تحت هذا العنوان كتب السيد محمد رشيد رضا (صاحب المنار) في الجزء الأول من تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار، تعليقًا على تفسير الشيخ محمد عبده لقول الله تعالى في سورة البقرة ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) ﴾ (البقرة: الآية 134).

قد غلبت على الناس أهواء السلاطين والحكام الظالمين، حتى أن هؤلاء الأئمة الأربعة لم يسلموا من أولئك الظالمين، فقد سجن أبو حنيفة وحاولوا إكراهه على قبول القضاء لما رأوا من إقبال الناس على الأخذ عنه فلم يقبل، فضربوه وحبسوه ولم يقبل كما هو مشهور، وضرب الإمام مالك سبعين سوطًا الأجل فتوى لم توافق عرض السلطان، نقله ابن خلكان عن شذور العقود لابن الجوزي ونقل عن الواقدي أنه لم يكن في آخر عهده يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة. وكان يقول ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره، وسعي به إلى جعفر ابن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، وهو عم أبي جعفر المنصور وقالوا له: إنه لا برى ايمان بيعتكم هذه بشيء فغضب جعفر ودعا به وجوده وضربه بالسياط ومدت يده حتى انظلمت كتفه، وارتكب منه أمرًا عظيمًا، وخير طلب هارون الرشيد الشافعي للقضاء واباته واختفائه ثم هربه مشهور وسببه الورع، وأشهر منه محنة الإمام أحمد، وحبسه وضربه الضرب المبرح؛ ليقول بخلق القرآن فهكذا عامل الملوك الظالمون هؤلاء الأئمة وبلغوا منهم ومن الناس بظلمهم ما أرادوا من إفساد الدين والدنيا .

  • تحكيم الأهواء

وكلنا يعلم أن أولئك الذين ظلموا الأئمة الذين يدعي الأمراء والحكام اليوم اتباعهم كانوا أقل توغلاً وإسرافًا في الظلم من أكثر الملوك والأمراء المتأخرين، وإنك لترى أكثر الناس تبعا لأهواء هؤلاء الرؤساء إلا من وفقه الله وهداه، وقليل ما هم، بل هم الغرباء في الأرض.

والعبرة في مثل ما أشرنا إليه من الأحداث أن الظالمين من حكام هذه الأمة بدؤوا بتحكيم أهوائهم السياسية في الدين وأهله من القرن الأول، وكانوا إذا رأوا الناس قد أقبلوا على عالم من علماء الدين استمالوه، فإن لم يمل إليهم آذوه وأهانوه ولكن كان الدين وطلب الحق غالبًا على أمر المسلمين، فقد نقل المؤرخون أن الإمام مالكًا لم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة وكأنما كانت تلك السياط حليًا حلي بها، ولو أمر أحد السلاطين المتأخرين بضرب عالم من أعلم أهل العصر؛ لأنه لا يرى عهد بيعته صحيحًا، أو لأنه أفتى بما لا يوافق غرضه كما نقل عن مالك، لما رأيت له رفعة ولا احتراما عند الناس، ولأعرض الجميع عنه فأما العقلاء العارفون بفضله، فيعرضون عنه بوجوههم، وأما الغوغاء من العامة ومن في حكمهم فيعرضون عنه بقلوبهم ووجوههم ويعتقدون كفره أو فسقه وابتداعه.

  • أئمة الدين

ذلك أن الظالمين من الأمراء قد استعانوا بالظالمين من الفقهاء على إقناع العامة بأنهم أئمة الدين الذين يجب اتباعهم حتى في الأمور الدينية، وحالوا بينهم وبين كتاب الله الذي ينطق بأن عهد الله بالإمامة لا يناله الظالمين وغشوهم بأن أئمة الفقه الأربعة يحكمون بذلك، ولو عرف الناس سيرتهم مع خلفاء زمنهم لما تيسر غشهم.

هذا، وإن الحاكمين على عهدهم كانوا على علم بالكتاب والسنة واتباع لهما في أكثر أعمالهم وأحكامهم، وأما المتأخرون فلا يعرفون من ذلك أكثر مما يعرفه السوقة ويعملون بخلاف ما يعلمون، بل يُشرعون للناس أحكامًا جديدة يأخذونها من قوانين الأمم، تخالف الشريعة ولا توافق مصلحة الأمة، ويلزمون عمالهم وقضاتهم الحكم بها باسمهم، لا باسم الله تعالي: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(المائدة: الآية 45).

فؤاد رضا 

 

  • مشروعية تجديد الدين بين الأمل والواقع (۸)

التجديد في طريقة عرض الإسلام

  • القرآن معجزة أبدية لكنة بحاجة إلى أن تعرض معاينة بطريقة عصرية

د. محمد جميل المصطفى

تناول الكاتب الجوانب الدينية التي يشملها مثل التجديد في العقيدة، والتجديد في السنة النبوية وفي الفقه، وفي مجال النظر والاستدلال، وفي نشر العلم الشرعي وبيانه للناس، وفي السلوك الفردي والاجتماعي والفضح المناهج والاتجاهات المخالفة للإسلام ويكمل بالتالي:

  • التجديد في طريقة عرض الإسلام:

إذا صح الاعتقاد والمقصد والهدف، لم نعدم وسيلة في الوصول للهدف، ما لم تكن حرامًا .. من ذلك تنويع الأسلوب في عرض الإسلام ومبادئه بشكل مباشر، أو غير مباشر بالشعر والقصة والمقالة الصحفية والمقابلة الإذاعية، والكتيب والمطوية والمحاضرة والندوات و.. و.. فإن نوحا عليه السلام تفنن في عرض دعوته في قال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا﴾ (نوح: الآية 5)، ﴿ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَمْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)  فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) ويمددكم بأموال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لكم جنات وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ الله وَقَارًا (13) وقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كيف خلق اللهُ سَبْعَ سَمَوَات طِباقا (15) وَجَعَل القمر فيهن نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مَنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فَجَاجًا (20) ﴾ (نوح: الآيات من 8 ل 20) .. لقد نوع عليه السلام أسلوبه في الدعوة؛ من اختيار الوقت المناسب، إلى الإسرار إلى الإعلان إلى التلطف بقومه، والصبر على صدودهم إلى الترغيب والتذكير بفوائد الإيمان الدنيوية إلى التذكير بنعم الله ووجوب شكرها إلى الترهيب من لقاء الله وعقابه.

فالإسلام يحتاج طريقة جذابة يُعرض بها على الناس كي تتقبله النفوس، وتقتنع به، وذلك بذكر محاسنه وآدابه أو بإثبات صدق نبيه وصحة رسالته، أو ببيان ملاءمته للطبيعة البشرية وتحقيقه السعادة التي يبحث عنها الناس، أو بيان نصاعة مبادئه وسموها وعدالتها وإنصافه وحرصه على الحق.

الإسلام قضية عادلة تحتاج إلى محام ناجح يحسن عرضها، ألا ما أعظم هذا الدين لو كان له رجال! لقد عرض القرآن الكريم الحقيقة الواحدة بأساليب شتى علها توصل إلى المقصود، وتفنن الدعاة في عرض حقائق الإسلام بأساليب شتى فيها الإقناع، وفيها الأدب الرفيع من ذلك قول النبي ﷺ: «يا حصين، كم إلها تعبد اليوم؟!» قال: «إني أعبد سبعة؛ واحدًا في السماء وستًا في الأرض»، قال: «فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟»، قال الذي في السماء، قال: «يا حصين، أما إنك إن أسلمت علمتك» (1) وقد استخدم الأساليب المشوقة وغير المباشرة في الدعوة كقوله : «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة»، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه تكرر ذلك ثلاثًا : «فاشتاق عبد الله بن عمرو بن العاص أن يعرف العمل الذي استحق به الرجل أن يكون من أهل الجنة».. ثم أخبره الرجل: «أنه كان لا يحمل غشًا لمسلم ولا يحسد أحدًا»(2)، وقوله : «أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم كان إذا أصبح قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك» (3). ومنها : «ما نقل عن شابين أنهما شاهدا شخصا يتوضأ ولا يحسن الوضوء فقالا : ياعم، اختلفت أنا وأخي أينا أحسن وضوءًا ؟ وسنتوضأ أمامك لترى أينا أحسن وضوءًا فلما توضأ كل منهما فطن الرجل لنفسه وقال : كلاكما يحسن الوضوء، إنما أنا الذي لا أحسن الوضوء».

يا حبذا لو انتبهنا لهذا الجانب فنوعنا أساليبنا في عرض الإسلام؛ ليتشجع أهله على العودة إليه والتمسك به، وترغيب الكافر فيه.

«إن القرآن معجزة أبدية قائمة باقية لكنه بحاجة إلى أن تعرض معانيه بطريقة عصرية تراعي علوم العصر ولغة العصر خطاب عصري لكنه يحمل تصورات القرآن وقيم القرآن» (4).

يقول الشيخ محمد الغزالي: «سار الدعاة المسلمون في عصور كثيرة على منهج التعريف بالإسلام وشرح عقيدته السهلة، وعباداته التي تصل الإنسان بالله مباشرة، وكانت بساطة الدين وسماحة تكاليفه - ومازالت - السبب الفعال في انتشاره وانتصاره على العقائد الأخرى، ولو ظفر هؤلاء الدعاة بأمداد منظمة من حكومات تتبنى الدعاية  الخارجية، وتتعهد ثمارها ما بقي في أفريقيا وآسيا دين غير الإسلام »(5).

فالتجديد المقصود المنشود: ليس تغييراً في حقائق الدين الثابتة القطعية حتى تلائم أوضاع الناس وأهواءهم، ولكنه تغيير للمفهومات المترسبة في أذهان الناس عن الدين، ورسم للصورة الصحيحة الواضحة. التجديد مطلوب لكن بشرط الالتزام بمبادئ الإسلام ومقاصده العامة، وإلا كان تشويهًا للدين ومبادئه(6).

==============

الهوامش:

(1) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٨٨/٢

(۲) مسند أحمد ١٦٦/٢

(۲) سنن أبي داود ٢٧٢٤، رقم ٤٨٨٦

(٤) انظر : نقد العقل المسلم، ص ١٨٤

(5) معركة المصحف محمد الغزالي ط دار الكتب الحديثة بالقاهرة الطبعة الثانية، ص ۸۸

(6) انظر: التجديد في الإسلام المنتدي الإسلامي، ص ٤٥ - ٤٩، وتجديد الخطاب الإسلامي الرؤى والمضامين د. عبد الكريم بكار، الطبعة الأولى دار العبيكان الرياض ص ۱۷ – ۲۲

 

 

  • إذا أردت أن تنصح فلا تفضح

هي أحد الحقوق الواجبة على كل مسلم تجاه أخيه المسلم، فالمؤمن مرأة أخيه، يقدم له النصيحة وفق شروطها وآدابها، ودون تأخر أو تمنع، ولا يكتم عنه ذلك. قال ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست» قيل: ما هي يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس محمد فشمته، وإذا مرض فَعُده (فرره) وإذا مات - فاتبعه أي سر في جنازته)» (رواه مسلم).

يقول السعدي: قوله : «وإذا استنصحك فانصح له»؛ أي: إذا استشارك في عمل من الأعمال: هل يعمله أم لا؟ فانصح له بما تحبه لنفسك، فإن كان العمل نافعًا من كل وجه فحثه على فعله، وإن كان مضرًا فحذره منه، وإن احتوى على نفع وضرر فاشرح له ذلك، ووازن بين المصالح والمفاسد، وكذلك إذا شاورك على معاملة أحد من الناس أو تزويجه أو التزوج منه فابذل له محض نصيحتك، وأعمل له من الرأي ما تعمله لنفس، وإياك أن تغشه في شيء من ذلك. ف من غش المسلمين فليس منهم. وقد ترك واجب النصيحة، وهذه النصيحة واجبة مطلقًا، ولكنها تتأكد إذا استنصحك وطلب منك الرأي النافع. 

وللنصيحة آداب وشروط على الناصح الالتزام بها، وأهمها:

  1. العلم بما ينصح به لا بد أن يكون الناصح عالمًا بما ينصح به ولديه علم شرعي وأدلة من الكتاب والسنة في الجانب الذي يتكلم فيه، فلا ينصح في أمر يجهله، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾(الإسراء : الآية 36)، و«حمد اللسان»، لابن عبد البر (ص ۱۰۷) و«الآداب الشرعية» لابن مفلح (۱۰۰/۲) وقال عبد الله بن مسعود «أن للقلوب شهوة».
  2. إخلاص النية: على الناصح أن يرجو بنصيحته وجه الله تبارك وتعالى فلا يقصد بنصيحته الأغراض الدنيوية من رياء، وسمعة، وحب شهرة وغيرها، قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
  3. الحكمة والرفق والموعظة الحسنة في النصيحة: أن تكون النصيحة بالرفق واللين والأسلوب الحسن مع انتقاء الألفاظ المحببة، وعدم استخدام الأساليب المنفرة، قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ (النحل: الآية ١٢٥)، وقال سبحانه: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)﴾ (الإسراء :الآية ٥٣).

ألا يجهر بنصيحته أن يكون مسرًا بنصيحته فلا يفضحه.

أما المنصوح فالواجب عليه الإصغاء إلى النصيحة والعمل بخيرها دون ضيق أو تكبر، وقد قيل: تقبل النصيحة بأي وجه وأدها على أحسن وجه.

  1. عدم الجهر بالنصيحة:

ومن الرفق والحكمة الا تكون النصيحة علانية أمام الملأ بل تكون في السر : فالمسلم لا يفضح المنصوح ولا يجرح مشاعره قال الشافعي يرحمه الله:

تعمدني بنصحك في انفرادي                                  وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع                                      من التوبيخ لا أرضى استماعه

وإن خالفتني وعصيت قولي                                      فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

وقال أيضًا : «من وعظ أخاه سرًا : فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد  فضحه وشانه» وعن سليمان الخواص قال: «من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما فضحه».

  1. ألا تكون النصيحة على شرط القبول: قال ابن حزم ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه من فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة لا مؤدي حق ديانة وأخوة، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة، ولكن حكم الأمير مع رعيته والسيد مع عبيده.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

عصمت عمر

الرابط المختصر :