العنوان المجتمع التربوي( العدد 1920)
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 25-سبتمبر-2010
مشاهدات 61
نشر في العدد 1920
نشر في الصفحة 46
السبت 25-سبتمبر-2010
ونفس وما سوّاها
مات زوجها وترك لها ستة من الأولاد لكل منهم مفتاح لشخصيته يختلف عن الآخر
لتربي أولادها.. حاولت أن تتعرف على وسائل التربية الإسلامية والنفسية الصحيحة
انتهزت كل فرصة للدعاء.. حتى يكمل الله سبحانه فضله عليها وذريتها إلى قيام الساعة
أحاط به أجله وغيبه الثرى وترك زوجه وستة من الأولاد، مع إطلالة شهر رمضان وقد توشح منزلهم بالأحزان، واكتوت قلوب ساكنيه بغياب الأحباب، ووجدت الأم المسؤولية الجديدة كالجبال الراسيات، وقد تجذرت في الفؤاد، ولكن ما باليد حيلة، هكذا قالت باستسلام، فاستعانت بالله وبدأت ترى عجب العجاب، فأولادها كمفاتيح التلفاز، كل لمسة لمفتاح بقناة، فولدها الشاب المراهق كان يطيل النظر من النافذة، وقد لاحظت في نهار رمضان أن فمه يلوك شيئًا، وعندما اقتربت منه تسمرت قدماها، فقد كان ولدها يأكل متعمدًا مختبئًا منها، كاشفًا ستره لله والملائكة التي تسطر في كتابه اغتياله لصيام يوم من أيام الشهر المبارك.
سألته بعجب: هل أنت معذور كعذر النساء؟ بُهت الشاب وأجاب باستحياء: لا يا أماه فبادرته بقولها: أم تراك من العجائز الضعفاء؟ أم أنت مريض، وقد وهنت عن الصيام؟ يا بني ظلمت نفسك فاذكر الله وتُب إليه واستغفره.
تقول ذلك وكلماتها ترتعش مع جسدها، فها هو فلذة الكبد، الذي كانت تطمع أن يحمل عنها بعض العبء، لا يستطيع أن يقود نفسه لطاعة الرحمن الرحيم، فكيف سيفعل ذلك مع إخوته الصغار.. وفاقد الشيء لا يعطيه؟!
اختلّتْ بنفسها، وأخذت تفكر كيف لا يستشعر ولدها قرب الله منه؟ إنه يعلم أن الله يسمع ويبصر؛ فكيف تغافل عن ذلك عند جرأته على الأكل في نهار رمضان وهو ليس لديه عذر يدفع عنه غضب الرحمن؟!
استعرضت شريط ذكرياتها مع ولدها وركزت على معالم مهمة مثل حبه للغناء، وعشقه للتلفاز، وأن جُلّ وقته يقضيه مع الكمبيوتر، وبالطبع لا يجد أدنى مساحة من الوقت ليقضيها مع القرآن، أو مع طمأنينة الصلاة، وسألت نفسها: هل كان هناك تقصير في التربية سواء منها أو من أبيه؟ سبحان الله! دومًا كانا ينصحانه، دومًا كانا يعظانه وهذه هي النتيجة، هكذا تفوّهت بصوت مرتفع وقالت لها ابنتها أي نتيجة يا أماه؟!
تحررت الأم من حوارها مع النفس وفطنت إلى دموع ابنتها التي تملأ مقلتيها، فغشيها الذهول وهي تسألها ما بالك تبكين؟ قالت بتشنج: قَرُب أذان المغرب ويجب عليَّ الآن بأمر الله الإفطار، فابتسمت الأم وربتت على كتفي ابنتها بحنان قائلة: باركك الرحمن أطعتيه أول نهارك صائمة، وأطعتيه قبل الغروب مفطرة، فهنيئا لك بالطاعتين، وأسرعت الأم إلى مطبخها فقد أدركها الوقت لإعداد إفطار الأولاد، ولم يغب عن ذهنها موقف ولدها وابنتها وشتان بين الموقفين مع أن الأب واحد والأم واحدة، ولكن صدق الله العظيم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَاهَا﴾ (الشمس:7-10).
وأخذت تدعو لولدها بالصلاح بإلحاح لعل الله سبحانه يتقبل دعاءها في صيامها.
في يومها التالي، كانت ابنتها الأخرى تغطّ في نوم عميق إلى قرب صلاة العصر بحجة الصيام، وحتى ينقضي جل النهار وهي نائمة، ثم تنقر الصلاة نقرًا لتستقر بعدها أمام برامج التلفاز حتى أذان المغرب؛ بحجة تضييع الوقت لتحافظ على إكمال صيامها وأختها الأصغر منها – في مقابل ذلك - في نشاط كبير من أول النهار، فقد تعاونت مع صديقاتها على حفظ ما تيسر من القرآن، وهن يقمن بإعداد التمرات غسلًا وتغليفًا من أجل إفطار الصائمين في المساجد، وأخذ الأجر والمثوبة من الخالق، بل وتبادر إلى معاونة أمها في ترتيب المنزل، أو تحضير الإفطار، وما أروعها وهي تتصل بأقاربها طمعا في صلة الله لها بالرحمة وعند لحظة الإفطار ترفع كفيها لله وتدعو لوالدها بالمغفرة والجنات وترى الأم كل ذلك وهي تردد يا الله يا خالق الأنفس، ردنا جميعًا إلى مأواك، كيف تعيش الأختان في نفس المنزل بل تضمهما نفس الحجرة؟ ولكن شتان بين هذه وتلك وما حيلتها كأم سوى التوجيه والإرشاد والدعاء والقدوة بقدر المستطاع.
شعارها.. الله أولاً
بقي في جعبتها الصغيرين، طفل وطفلة، عليها أن تقوم بتوجيههما وتأمل أن تجد تيسيرًا في تشكيلهما، وهنا أدركت أن عليها أن تكون حذرة في أقوالها وأفعالها فيما يحب الله ويرضى فأنظار الأطفال عليها يقلدونها ويمتثلون لأوامرها، فجعلت شعارها «الله أولًا»، فإن أرادت أن تقوم بشؤون منزلها فعليها أن تقرأ أولًا ورد قرآنها، وإن انتهت صلاتها لا تنصرف فورًا بل تتريث حتى تختمها بالتسبيح كما علمها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصرت على أن تتحكم في موجة صوتها، واختارت لها الموجة المنخفضة، وبدأت في استعمال بعض الأدعية الجميلة وهي تتعامل مع أولادها، فإن سلم أحدهم ردت السلام وأضافت: سلمت عليك الملائكة في الجنة ونشر الله عليك من اسمه السلام، وإن ناولها أحدهم شرابا بادرته بقولها: شربت من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم وسقاك الرحمن من نهر الكوثر، وهكذا بدأت ببث الأمل ورسمت الابتسامة على شفاههم، ثم في حديثها العادي اكتشفت عند مراقبتها لنفسها أنها كثيرة الشكوى من كل شيء، وفي أي شيء، بل إنها تكثر من الغيبة لأولادها أو لجيرانها أو لإخوتها، وهذا الاكتشاف في تصرفاتها أفزعها كثيرًا؛ فحاولت جاهدة أن تبدأ بالتخلص من كبيرة الغيبة، وكانت تظن أن الأمر بسيط، ولكنها عادة خبيثة من الصعب اقتلاعها إلا بشق الأنفس، ولكنها حاولت وحاولت، وكانت تتوسل إلى المولى.
١٢ عينًا تراقبها
أما الشكوى فقد حاولت أن تقلل من شكواها الزائدة قدر استطاعتها، ففي مسؤوليتها ستة من الأولاد، وهناك اثنتا عشرة عينًا تراقبها، ناهيك عن أسلوبها في الطعام، هل هو إسلامي أم يخضع للعادات والتقاليد التي كثير منها ما أنزل الله بها من سلطان؟
ثم هل هي ممن يطعم الطعام ويرحب بالضيف بالإكرام؟ وهل؟ وهل؟.. لقد وجدت الكثير من الثغرات في حياتها وبالتأكيد تسلل منها الشيطان، وأخذ يصول ويجول بينها وبين الأولاد.
أخذت الأم في تبني النفس اللوامة وقالت: ليكن هذا العام مع هذه النفس لمعرفة خفاياها وقياد زمامها إلى ما يحب الله ورسوله، ولعلها تنجح فيعينها الله على هذا الكم من الأولاد، كانت دومًا تراقب أولادها في ردود أفعالهم، تجاه ما تحاول هي أن تغيّره في نفسها من سلوكيات، فلاحظت - ويا للعجب! - أن البعيد يزداد بعدًا والقريب يزداد قربًا، وأن بين هذا وذاك يميل إلى الدوران حول فلكها، أخذت تبحث عن سر ذلك؛ فتجلّت لها قصة نوح عليه السلام، وهو النبي والرسول مع ابنه الكافر، فنوح عليه السلام لم يستطع أن يوقف تمرده واستسلم إلى الدعاء لله أن ينقذه بعد أن حاول الكثير مع ولده بلا جدوى، وقابلت بين ذلك وبين أمر الغلام العجيب الذي قتله الرجل الصالح عندما كان في صحبته موسى عليه السلام، فمثلًا إن ابن نوح كان قد صار رجلًا كافرًا قبل أن يكون من المغرقين، أما هذا الغلام فهو بعد لم يصبح رجلًا، ولكن الخالق سبحانه يعلم سر خلقه ويحيط بكل شيء علمًا، وكانت رحمته كبيرة بالوالدين المؤمِنَين: ﴿وَأَمَا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مَنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (الكهف:80-81) .
فقد كان الوالدان صالحين مرضيًا عنهما من الخالق ولكن لم يكن لهما حيلة في طغيان الولد وكفره.
فمفتاح الهداية تمامًا بيد الله، نعم علينا أن نأخذ بالأسباب ونفعل ما في وسعنا للتربية الصحيحة وأما النتيجة فليست بيد مخلوق.
وها هو موسى عليه السلام بعد أن ألقى الله عليه محبة منه ألقاه في بيت فرعون فكان هو وفرعون على النقيض تماما، ولم يتأثر لا بأقوال ولا أفعال فرعون ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ (طه:39)، هكذا أراد الله فكان له ما أراد.
اطمأنت الأم قليلًا إلى قدر الله سبحانه؛ حيث إنها قست على نفسها، فقد كان أمر ولدها يؤرقها كثيرًا ويستغرق جل تفكيرها فكان اللوم الشديد من نصيب النفس التي بين جنباتها؛ مما يؤثر على نومها ونفسيتها عمومًا، وكان ينعكس ذلك على تعاملها مع بقية أولادها، علمت أن الأمر كله بيد الله فهدأت، وأخذت تعدل بين أبنائها في الوقت المبذول لكل منهم في التربية، بدلًا من أن تخصص كل وقتها مع ابن واحد، وحاولت أن تتعرف على وسائل التربية الإسلامية والحديثة وأيضًا النفسية فهم معادلة واحدة، فلابد وأن نربي أولادنا إسلاميًا، وأن تكون لدينا ثقافة عن نفسية من نتعامل معهم، خاصة وأن الله سبحانه تكلم كثيرًا عن النفس لتنتبه إلى أهميتها.
.. المستحيل
حاولت المستحيل ألا تكون هي فقط عند التعامل مع كل طفل من أطفالها، ولكن أن تكون بعضًا من شخصيته، وتحاول أن تتعامل مع هذه الشخصية بما يتيح لها فرصة بذر بذرة ويحدث لها قبولًا، ثم تترك الأمر برمته بعد ذلك لخالق هذه النفس ليجعلها كما يحب.
ضاقت عليها نفسها وظنّت ألا ملجأ من الله إلا إليه وانتهزت كل فرصة للدعاء، حتى يكمل سبحانه فضله عليها وذريتها وذرية ذريتها إلى قيام الساعة.
وما زلنا نحاول - مثلها نحن أيضًا - لعل أولادنا يكونون لنا نورا في الدنيا والآخرة، ولا يسببون لنا رهقًا، ولعل الله يبصرنا وإياهم إلى ما يحب ويرضى ندعوه ونحن نحسن الظن به، وأنه على كل شيء قدير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل