العنوان المجتمع التربوي ( العدد 1844 )
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 21-مارس-2009
مشاهدات 74
نشر في العدد 1844
نشر في الصفحة 52
السبت 21-مارس-2009
كانت دعوة كريمة من «دار القرآن - مركز الرشاد» بالسجن المركزي للنساء لزيارة مجموعة من سجيناته، لعل الله ييسر زراعة بضع كلمات طيبة في قلوب متلهفة تنبت النبات الصالح بمشيئة القادر، كانت تجربة فريدة أراد سبحانه للداعية أن تخوضها، وقد تشوقنا لصحبتها واطلاعكم على رحلتها.
كانت بداية الدخول لهذا العالم حجرة صغيرة لابد من إجتيازها للحصول على إذن الزيارة، مع تفتيش دقيق وترك لكل متعلقات الدنيا من ذهب ونقود وحقائب إلا بطاقة الهوية فهي فقط المسموح بإصطحابها.
داعية.. في السجن المركزي
سمية رمضان أحمد (●)
(●) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية.
كانت عيون الداعية ترقب كل شيء، فقد دخلت إلى هذه الحجرة إمرأة في العشرينيات تحمل طفلًا صغيرًا، وقد تعلقت بثيابها طفلة رائعة الجمال، كان يبدو على المرأة سمات الوقار والإنتماء إلى أسرة محترمة، طُلب منها بصرامة ترك طفلها والتوجه إلى حجرة التفتيش حتى يُسمح لها بزيارة زوجها، وبدأ الصغير في بكاء متواصل وكأنه يشكو إلى رب العالمين ما هم فيه من عنت وتعب وهوان، فقد قُيّدت حرية الزوج وتم حبسه في قضية مالية، فقد أخذ يغير حق أموالًا مخصصة لإدارة مشروع، وقد خسر المشروع خسرانًا مبينًا، وبدلًا من أن يعترف الرجل بذلك ويرد ما تبقى معه من أموال لأصحابها إذا به ينفق منها على نفسه وعائلته إلى أن يفك الله كربه ويكون معه المال اللازم لإعادته حسب قوله، وحسب ما أقنع به نفسه بالباطل.
ولم يأت المال بل كان السجن، وكان مصحوبًا بالفضيحة والذل، وهكذا تتصور أن هناك بعض الأفعال لا بأس بها، وأن الأمور يمكنها أن تسير بشكل أفضل بعد ذلك، ولكننا لا نعلم الغيب، فعلينا أن نضع الأمور في نصابها وأولًا بأول. فهذا الزوج المسكين لو أطّلع على معاناة زوجته وأولاده لربط بطنه من الجوع ولا تمتد يداه إلى حقوق غيره.
زيارة للسجن
أفاقت الداعية من أفكارها على صوت يطلب منها بطاقة هويتها، وإمرأة تطلب منها أن تتبعها لتجد سيارة بالخارج تابعة للسجن المركزي فانزوت فيها وبدأت تستكشف المكان، أسوار عالية تعلوها أسلاك شائكة، وأبراج مرتفعة في كل الأرجاء، يعلوها حراس يتناوبون الحراسة ليل نهار وهناك دهاليز تخترقها السيارات والأهم هناك هدوء قاتل تسرب إلى قلبها الذي بدأ يشعر برهبة المكان حتى إنها لم تستطع الإمساك بخيالها الذي أفلت منها إلى حيث موقف الحساب عندما تكون محاصرة بالملائكة، وهناك أبواب مغلقة، لا تدري إلى أي هذه الأبواب سيكون مصيرها. توقفت السيارة عند مبنى لوزارة الأوقاف، حيث دوام الداعيات الفضليات وطُلب منها النزول فمسحت دموعها بكفيها ونزلت بخطوات ثابتة لملاقاة هذه التجربة الفريدة.
شعرت بالأمان في مكتب مسؤولة الداعيات، حيث نثرت عليها عبارات الترحيب المغلفة بعبق حب الإله الذي يربط بين قلوب عباده، وأرادت الداعية في البداية أن تتعرف على شخصيات بعض من سخرها الله لدعوتهن، ومدى إستجابتهن لعمل الداعيات، قالت لها المسؤولة الوقورة: سأروي لك قصة إحداهن، فقد تابعت بنفسي تفاصيلها .
كانت إمرأة من أسرة مرموقة وسيدة أعمال من الدرجة الأولى، تدير أعمالها بثقة وجرأة فتنتقل بين أبواب النجاح المتصل، حتى وصلت إلى أوسع وأكبر هذه الأبواب.
وبنفس الجرأة شاركت في مشروع أكبر كثيرًا من إمكانياتها المتاحة وقتها، وأستدرجها نجاحها المتواصل، فكتبت شبكات ليس لها رصيد وهي على يقين أن ما ستحصله من الأموال بعد النجاح الباهر الذي لم تكن تحلم به فقط، ولكنها كانت وكأنها تراه عين اليقين، هذه الأموال ستملأ به خزائنها، وهذه الشيكات ستكون كنقطة في بحر فلا تحسب لها حسابًا.
خسارة رهيبة
- وأتت الرياح بما لا تشتهي الأنفس، فخسرت كل شيء.. نعم، كل شيء، فقد كان شيء يمكن تحمله ومعالجته، إلا الشيكات، وبدأت الحياة تتقلب بها والساعات ناهيك عن الأيام تدحرجها للأسفل بلا حول لها ولا . قوة، قُبض عليها، تعرضت للتحقيقات وفجأة أصبحت في غياهب السجن، السجن الذي لا يفرق بين غني ولا فقير، ولا بين عزيز وذليل، وعندها أفاقت من هذا الكابوس المُذهل فبدأت تصرخ وتعترض بلا مجيب، دخلت إلى هذه الحجرة المقبضة لأي نفس مع جميع الجنسيات والأعمار والمستويات الاجتماعية المختلفة يا الله من تجاورها!! هذه خادمة متورطة في قضية أخلاقية، وهذه قاتلة، وهذه مدمنة، وهذه.. وهذه.. أصبحت ونادت أجعلوني وحدي، إن كان لابد من سجني، أشعر بالمهانة الشديدة، أرجوكم أتوسل إليكم، ولكنها من تخاطب؟ إنها تخاطب أجسادًا مبرمجة على تنفيذ الأوامر لا تعصاها ولا تحيد عنها، فلا مجيب لصرخاتها.
وأصبحت جاراتها صويحبات سجنها، ففي هذا المكان الموحش ليس هناك ألقاب ولا جنسيات ولا مستويات، فخلعت ما اعتادت عليه من كِبر وتيه، خاصة بعد أن تخلى الجميع عنها حتى أهلها، فالأموال المطلوبة أكبر من حجم الجميع، أظلمت الدنيا حولها وركنت إلى مصيرها.
سيدة أعمال أغراها نجاحها المتواصل إلى المشاركة في مشروع أكبر من إمكاناتها فحررت شيكات بدون رصيد ألقت بها في غيابات السجن بعد خسارة لم تحسبها.
شعاع من نور
لكن رحمة الله كانت ومازالت وستظل موجودة تصيب من يشاء سبحانه أن يتغمدهم بها من عباده، وبدأ شعاع من النور ينبثق من أفواه الداعيات وهن يعطفن عليها مع محاولة لتعريفها بالله الخالق العظيم، وتقريبها منه سبحانه وتعرفت على أسماء الله العظمى وصفاته، وبدأت في السجود للقوي المهيمن العظيم.
فقد كانت قبل ذلك لا ترى سوى المشاريع والأموال، فحجبت عنها رؤية رازق الأموال والموفق إلى النجاح، وعندها بدأت تشعر بإتساع قلبها وهدوء لنفسها وأخذت رويدًا رويدًا تتجاوب مع هذه الدروس وتحرص على تفعيلها في حياتها.
كان لها سنة من الأولاد، تركتهم من وراثها، وأنتُزعت من بينهم إنتزاعًا وكانت تتلهف وتتشوق إلى رؤيتهم مما ملك عليها وجدانها، وعندما كانت في درس من الدروس يصف اسم الله الكريم حدثت فيها رجفة، وقالت بصوت مرتفع أمام الجميع: أرجو من الله الكريم أن يجعلني أرى أولادي في رؤيا تثلج قلبي، وتطفئ قليلًا من لهفتي وشوقي، فقال الحضور: آمين!
في اليوم التالي صباحًا، سمعت اسمها يُنادى عليه، فأجابت، ووسط دهشة الجميع، قيل لها: إفراج، تعجبت، سبحان الله! من دفع عني هذه الأموال الطائلة؟ قالوا لا نعرف، أليس هذا هو اسمك، أمسكت الورقة بيد مرتعشة ونفس ممزوجة بالدهشة والفرحة، نعم والله إنه اسمي كاملًا، قيل لها: إذًا هيا أستعدي للخروج.
لوحة حب
فجأة وجدت نفسها في منزلها وأولادها يتمرغون في أحضانها وأحتضنتهم جميعًا بين يديها وقد أنسابت الدموع لتجتمع في لوحة حب من صنع الخالق سبحانه، ومكثت اليوم بكامله مع أولادها، بل نامت بحجرتها وعلى سريرها، وحولها فلذات الكبد ورياحين الحياة، إلا أنها في الصباح الباكر، أستيقظت على جرس متواصل، فقامت مهرولة، وفتح ابنها الباب، وكانت الصدمة، إنها هي المطلوبة، فقد حدث خطأ جسيم، أخذوا يعتذرون عنه، إذ إنها لم تكن هي المطلوبة للإفراج بل إمرأة أخرى، وأن عليها أن تصحبهم للسجن، الآن وفورًا. وكما حملتها الأرض لمنزلها حملتها ثانية لسجنها.
بعد وصولها قامت إحدى الداعيات وربتت على كتفيها بحنو لتهوِّن عليها مصيبتها، ثم سألتها بعد فترة كيف كانت مشاعرك عندما طُلب منك الرجوع إلى السجن مرة أخرى؟ فقالت: كلمات رائعة: يا أختي لم أهتم على الإطلاق..
الفرحة بالله
«كانت فرحتي بالله أكبر من فرحتي بأولادي» فقد وجدته أخيرًا، سبحانه.. سبحانه!! طلبت منه رؤيا أراها في نومي فجعلها حقيقة وليوم كامل، لقد قلت لمن قال لي: نعتذر هناك خطأ، قلت: لا والله ليس بخطأ ولكنه كريم رحمن رحيم، جعل الموظف يسجل اسمي ليجبر الجبار بخاطري. رددت الداعية كلماتها:
«فرحتي بالله أكبر من فرحتي بأولادي»، كلمات رائعة وقصة معبرة فكم من أمهات أولادهن بين أيديهن يعشن معهن باطمئنان ولكنهن كثيرات الشكوى والتذمر منهم، ولا يستشعرن نعمة الخالق في وجودهن معهم، وهذه السيدة كان كل أملها أن ترى أولادها في رؤيا، سبحان الله! له في خلقه شؤون، يأتي لنا بهذه المواقف والعِبر لعلها تكون لنا نبراسًا ومعلمًا.
سعادة الدارين
وصلت السجينات للقاعة وكان اللقاء.. نظرت الداعية للوجوه وأرادت أن تزيل ما بينها من حواجز بابتسامة احتضنتهم بها جميعًا، وأعلمتهم أن الذنوب لو استخدمناها بطريقة صحيحة ستكون سببًا في سعادة الدارين، الدنيا والآخرة، أرهفت لها الأسماع، وهي تواصل: لقد أعلمنا ذلك الداعية النبي نوح عليه السلام، وسجل الخالق لنا كلامه ليخلد في كل ذاكرة: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا (10) يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا (11) وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا (12) مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا (13)﴾ (سورة نوح: 10 – 13).
والإستغفار يكون لذنب مقترف فإن كان توبة مع القلب نجد المغفرة وأسباب سعادة الدنيا من الأموال والبنين والأنهار والجنات التي تدل على استمرارية العطاء، المهم أن نرجو لله وقارًا، ونثبت بالدعاء والإستغفار تفتحت العيونٍ، تسللت إلى الشفاء إبتسامة تنبيء عن رضا للنفس.
أشتاقت لأولادها وتوسلت إلى الله أن تراهم ولو في المنام فتم الإفراج عنها بالخطأ وقضت معهم ليلة كاملة.
لم ستنكر عودتها إلى السجن مرة أخرى.. ولكنها أدركت أن الله كريم رحيم وقالت: «فرحتي بالله أكبر من فرحتي بأولادي».
لحظة ضعف
اختصرت الداعية كلمتها لتترك المجال لهن للسؤال والاستفسار وللقرب والمودة بينهما، تناوبت الأسماع، وبدأ الحوار، فهذه امرأة قضيتها مخدرات، والأخرى قضيتها أخلاقية، والثالثة قضية قتل، وهذه قضية مالية، قضايا مختلفة، قاسمها المشترك شيطان رجيم، فلحظة ضعفهن لحظة تتويج الشيطان عليهن سلطانًا، فبئست رعيته التي رضعت الندم والحسرة. حدثت الداعية نفسها: السجن.. كم هو قريب منّا بضعفنا؟ بعيد منا برحمة الله وستره، طارت عصافير الوقت، وحان وقت الرحيل، وفي طريق عودتها علمت من داعيات الأوقاف مدى تأثير القرآن الكريم في إصلاح النفوس، وتمنت الداعية من سويداء قلبها، لو تعمم تجربة «دار القرآن» في كل السجون، في كل بلادنا، فقد كان من ثمرات النجاح إنتظام السجينات في الصلاة، بل إن بعضهن يقمن الليل، ولأول مرة تشارك السجينات جميعًا في صلاة العيد في ساحة مكشوفة طبقًا للسُنة، لقد أصبح يسمع أزيز لأصواتهن في قراءة القرآن والتسبيح، بل إن الكثيرات منهن تركن عادة التدخين القبيحة.
نظرت الداعية إلى الأفق البعيد، وهي تحمد الرحمن الرحيم على توفيقه، ودعاء لكل من شارك في نجاح هذه الفكرة، وبعد خروجها من أبواب السجن المركزي تنفّست الصعداء، وشعرت وكأن جناحيها قد أطلقهما الرحمن، فشعرت بسعادة غامرة، أن يسر الله لها أمر الخروج من هذا المكان وحمدت الحافظ، وأخذت تردد: «الحمد لله الذي عافانا مما أبتلى به غيرنا».
نفحات في ذكرى خير البريّات
نبيل جلهوم
في ذكرى مولدك أيها الحبيب يا صاحب الشفاعة والحوض يا ذا الخُلق العظيم، طابت نفسي أن أذكّر أحبابك من التابعين لك السائرين على دربك من إخواني في ذكراك بقول الله لك ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة القلم: 4).. أحببت في طيف وسماء الأخلاق العظيمة التي كانت سمتك وكنت لها سمتًا.. التي كانت أضواًء وكنت لها المصباح.. التي كانت قطرات وكنت لها السماء.. التي كانت طريقًا وكنت لها الممهد.. التي كانت شفاًء وكنت لها الطبيب، صلى عليك الله سيدى يا محمد حتى نلقاك.
إن ثناء الله على حبيبه في القرآن بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة القلم: 4) إنما هو في حد ذاته دعوة لكل مسلم بشخصه كي يكون محمديًا ذا خُلُق عظيم، ولنترك العنان الآن النطوف حول قطوف من الأخلاق العظيمة:
ألّا يكون حاقدًا أو حاسدًا أو أسود القلب أو كثير الجدال، أو متمنيًا للغير زوال نعمته، أو مبغضًا للصالحين، بل لهم محبًا، ولا يكون مستانسًا بالفاجرين، ولا غاشًا ولا كارهًا للحق، ولا خاتئًا ولا كذابًا، ولكن يراعي أحاسيس الناس يبذل جهدًا لإسعادهم، بل يجد سعادة غيره كسعادة نفسه عذب الكلام طيب القلب، يحب الله. والقرآن والسُنة يفرح لفرح الغير، ويحزن الحزن الغير، متواضعًا في غير ذلة، لا يعرف للكبر والغطرسة سبيلًا، مهمومًا بأمر الدعوة إلى الله، متابعًا لأحوال المسلمين كل المسلمين عنده أبناء دين واحد، ورب واحد، ونبي واحد، ومحضن كبير واحد هو الإسلام، وأن الأتقى هو الأكرم عند الله..
وأن الجميع في الله إخوة، يقول الشاعر:
أخوّة الدين يا قومي تنادينا
بها يا قومي نحقق أمانينا
يلين في القول، يبتعد عن قسوة الكلام، يتعفف عن المزاح الذي لا داعي منه، يتقلل من الكلام، يكثر من العمل، حيّيًا في الطريق غير مؤذ لأحد، يساعد الغير ويفرح بذلك.. ينفع الناس.. يصبر على أذاهم، يميط الأذي، ويبذل في ذلك الجهد، يوحد الله كثيرًا، ويصلي على الحبيب كثيرًا، ويستغفر كثيرًا، فهي المفاتيح لكل خير، والسعد في كل كرب يرقى دائمًا يعقله وفكره ونفسه، ذا همّة عالية دائمًا، واثقًا من ربه، داعيًا لغيره، مسخرًا لله قلمه، وللدين ماله وللدعوة وقته، حريصًا على وقته منظمًا في شؤونه، لا يخاف إلا ربه، لديه يقين بالله وإيمان راسخ وعقيدة لا تتزعزع، لا يجرّح الآخرين لا يسخر لا يهمز، يلقي على الناس السلام إلقاء المسلم الذي يدلل حبه للسلام وأهل السلام رافعًا به صوته غير متمتم ولاهامس، يحترم الآخرين حتى وإن أختلفوا مع رأيه، يتأدب بأدب الحوار لا يقاطع الغير إذا تكلم، ولا يبدأ حديثه إلا إذا أنتهى الآخر من حديثه.
لا يفعل بالطريق ما يزعج الآخرين، يدعو للخير دائمًا ينهى عن الشر دائمًا لا يعطل للغير مصالحه، يسعد بقضاء الحوائج يجعل ذكر الله همّه الأكبر..
فهو طريق الجنة وأفضل ما يحبه الله ويرضى، يقبّل أيدي والديه ويدعو لهما إذا توفيا.. ليكن بارًّا بهما أحياء وأمواتًا، لا يدخن لا يشرب المسكر، لا يفضح إذا نصح بل يستر، فليس أفضل من الرب الستار، يكن مع الناس كالشجر يقذفه الناس بالحجر ويهديهم هو بأحلى الثمر، كيّسًا دائمًا فطنً .. واللبيب بالإشارة يفهم والحر تكفيه الإشارة، طيّب المعشر حسن التجاور، إذا أقترض من الغير يفي بسداده في موعده لا مماطلة ولا مخالفة لوعد وعده.. بل الوفاء والإنجاز، يتورع دائمًا عن التدخل في أمور غيره، فمن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.. دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.. أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لا ينسى عندما يقف أمام المرأة أن يقول: بسم الله الحمد لله، اللهم كما حسّنت خَلقي فحسّن خُلُقي.. كما كان قدوته محمد ﷺيفعل، يوقن أن التأثير في الناس بتخلّقه بأخلاق حسنة هو أبلغ بكثير، وأكثر في التأثير من أن يخطب فيهم أو يحاضرهم.. فالتربية بالقدوة هي الحل، لا يكتفي بتحسين أخلاقه بل يجعل همّه أيضًا تحسين أخلاق أهل بيته فهو راعٍ وكل راعٍ مسؤول عن رعيته.. قوا أنفسكم وأهليكم نارًا، يؤمن تمامًا بقول النبي ﷺ: «إن المؤمن ليبلغ بحسن خُلقه درجة الصائم القائم». فهل هناك عظمة وجمال أجمل من ذلك؟
وصف الله عز وجل لنبيه بالخًلق العظيم دعوة لكل مسلم أن يكون محمديًا في صفاته.
احتفالنا بذكرى الحبيب المصطفى في التأسي بأخلاقه والسير على هديّه ومنهجه.
اللهم إنا نسألك يا من أقرّ له بالعبودية كل معبود، يا من يحمده كل محمود يا من
تنزّه عن الشبه والمثيل في الوجود، أن تصلي على محمد خير مبعوث دعا إلى خير معبود، وعلى آله وصحبه أهل الكرم والجود، وعنا معهم برحمتك يا ودود، والله أكبر ولله الحمد.