; المجتمع التربوي ( 1730) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي ( 1730)

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006

مشاهدات 74

نشر في العدد 1730

نشر في الصفحة 54

السبت 09-ديسمبر-2006

تأملات في قصة الفداء 

فداك نفسي يا رسول الله

علي بن أبي طالب يبيع نفسه لله ورسوله ويقدمها فداء في ليلة الهجرة

ضرب لنا المثل في التضحية والصبر في سبيل الله.. فقد هاجر ماشيًا على قدميه لعدم وجود راحلة.

كان حامل الراية في أكثر الغزوات.. وهو الذي أخذ بيد الرسول ﷺ حينما وقع في الحفرة يوم أحد

وكان دائم الحذر من الوقوع في شهوات الدنيا والانشغال بزخرفها ... وكثيرًا ما كان يقول : يا دنيا غري غيري

«نم في فراشي، وتسج ببردي هذا الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم .....» سرت هذه الكلمات في نفسه حين طرقت مسامعه فأشعلت الحماس فيها، وأججت شوقه للقاء ربه، وأعطت بطلنا الفرصة ليثبت حبه وولاءه لحبيبه حيث سيفتديه بنفسه، فرقد في الفراش يواري عنه القوم الذين باتوا يفكرون ويتساءلون من سيهجم على صاحب الفراش فيوثقه حتى أصبحوا فإذا بهم يفقدون بغيتهم، ولما سألوه عن صاحبه أجاب قائلًا لهم، لا علم لي! فعلموا أنه قد فر ونجا من سيوفهم وبطشهم، فخاب أملهم وفاتهم مطلبهم وباؤوا بالخزي والعار والندامة».

وكان موقفًا عظيمًا تؤخذ منه الدروس وتستلهم منه العبر ويتعلم منه الإخلاص، فلقد شرى نفسه وباعها لله ورسوله ﷺ، وقدمها فداء في تلك الليلة، فنجى الله حبيبه من القتل وحفظه من مكر أعدائه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)، وحفظ الله من فدي نبيه وخلد ذكراه بطلًا فدائيًا محبًا لله ورسوله إلى أن نلقاه.

أول فدائي في الإسلام

إنه البطل العظيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أسمر اللون، أصلع الرأس إلا من الخلف، واسع العينين شديد سوادهما، عريض المنكبين، شديد الساعد واليد، خشن الكفين، عظيم البطن قريبًا إلى السمن، حسن الوجه، ليس بالطويل ولا بالقصير، ضحوكًا، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، بطل ليس ككل الأبطال، ورجل بآلاف، بل ملايين أو يزيد من الرجال..

ففي يوم الهجرة النبوية كان قريبًا من أن تنهشه سيوف القوم فتعمل في جسده ما تعمل، لكنه كان فوق مستوى الشجاعة التي عهدت في صناديد الرجال، فاستحق عن جدارة أن ينال اللقب العظيم ويعلق وسام البطولة بفخر ليكون أول فدائي في الإسلام، كما كان أول من أسلم من الصبيان، وهذا ليس بغريب عليه .. فهو ابن عم رسول الله ﷺ وقد تربى في بيت النبوة ينهل من بحر أخلاقها، ويهنأ بصحبة معلمه وحبيبه عليه الصلاة والسلام.  أي إيمان بقدر الله اطمأنت به نفس علي بن أبي طالب استمده من كلام الله... ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ( التوبة: 51) وأي ثقة في نصر الله وحفظه حين استسلم لأمره ونام في الفراش! بل أي يقين امتلأ به قلبه بصدق رسول الله ﷺ ووعده حين قال له: «فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم»!! 

 ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد فاز بطلنا أيضًا بثقة رسول الله ﷺ وتزكيته حين أمره بالمكث في مكة حتى يرد الودائع لأهلها قبل أن يلحق به في المدينة، فانطلق في مكة يجوب شوارعها باحثًا عن أصحاب الودائع حتى ردها إليهم، فبرئت ذمة رسول الله ﷺ منها، وقتها استعد وتأهب للهجرة ليلحق به بعد ثلاث ليال قضاها في مكة.

تضحية وصبر

وكما ضرب لنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه المثل في البطولة والفداء ضرب لنا أيضًا المثل في التضحية والصبر في سبيل الله، فكانت هجرته تدل على شجاعته وثباته وتضحيته وتحمله المتاعب، إذ هاجر ماشيًا على قدميه الشريفتين، فلم تكن له راحلة يمتطيها، ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس، فكان أثناء هجرته يكمن بالنهار، فإذا جن عليه الليل سار في ظلمته وحيدًا لا صحبة أو رفيق أو أنيس إلا الله -سبحانه وتعالى-، حتى قدم المدينة وقد تفطرت قدماه الشريفتان -رضي الله عنه وأرضاه-، كل ذلك يلحق برسوله ﷺ فينعم بقربه وحبه الذي امتزج بلحمه ودمه فوجد حلاوته، كما جاء عنه ففي الصحيح أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه». لذا فقد صار نبي الله ﷺ عنده أغلى من كل شيء في دنياه، وذلك من تمام إيمانه العظيم، مصداقًا لما جاء عنه في الصحيح أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين».

جهاده في سبيل الله

وهو الذي ضرب أروع الأمثلة في الجهاد في سبيل الله، فقد شهد المشاهد كلها مع الرسول ﷺ إلا تبوك حيث استخلفه على المدينة، وقال له: «أما ترضى أن ن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟! غير أنه لا نبي بعدي» (مسلم).  وكان حامل راية الرسول ﷺ في أكثر الغزوات، وفي غزوة أحد كان علي رضي الله عنه هو الذي أخذ بيد رسول الله ﷺ حينما وقع  في الحفرة، كما قام مع زوجه فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- بمداواة جرحه وإيقاف الدم الذي كان ينزف على وجهه الشريف ولحيته.

ورعه وتقواه وعلمه

لقد دعا له النبي ﷺ قائلًا: «اللهم ثبت لسانه وأهد قلبه».. لذا فقد كان علي رضي الله عنه يقول: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبًا عقولًا ولسانًا صادقًا ناطقًا» وقد روى عن النبي ﷺ ٥٨٦ حديثًا.

 ورغم مكانته من رسول الله ﷺ وهو القائل له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» (الترمذي) إلا أنه كان دائم الحذر من الوقوع في شهوات الدنيا والانشغال بزخرفها عن رسالته في الحياة، وكثيرًا ما كان يخاطب دنياه كأنها تبادله الحديث والحوار ويقول لها: «يا دنيا، غري غيري ... إلى تعرضت أم إلى تشوفت؟! هيهات هيهات قد يأتينك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير «الخطر بمعنى القدر والمنزلة»، أو من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق».

دخل عليه الأشتر النخعي وهو قائم يصلي بالليل فقال له: يا أمير المؤمنين صوم بالنهار وسهر بالليل وتعب فيما بين ذلك!! فلما فرغ علي -رضي الله عنه- من صلاته قال له: «سفر الآخرة طويل، فيحتاج إلى قطعه سير الليل» وكان يحث الناس على تقوى الله ومراقبته، وخشيته يقول لهم: «أيها الناس، اتقوا الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقمتم أخذكم».

قال يصف القرآن الكريم معظمًا له: «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو الحبل المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق ومن عمل به آجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».

لبيك اللهم

في الطواف نجد أنفسنا قد دخلنا إلى آلة عجيبة تحددت اتجاهاتها وأصبحت الأجساد من العوامل الإنسانية لتحريكها.

زمزم .. أجراها الله لنا كنبع لا ينضب وقد شرب منه الملايين وكأن مياهها تزيد بارتواء العبيد منها 

السعي بين الصفا والمروة يمثل نهرين متقابلين من الأمواج البشرية.. وقد أصبحت أجساد العبيد ضمن ذرات هذه المياه.. ينشغل كل منهم في أن يكون سببًا لجريان هذا النهر 

هنيئًا لكل قدم وطئت أرضًا قال عنها رسول الله ﷺ «أحب أرض إلى نفسي» وهي أرض محاطة بجبال وكأنهم «حرس الرحمن» لهذا البلد الأمين، وينبض قلبها دومًا بطوفان بشري يستمد قواه بـ لا إله إلا الله.. ترددها الألسن راجية من المولى أن ينير بها القلوب هذه البقعة القادرة على إذابة جليد «الأنا»! فسبحان الله..

فإن كل منا يدخل المسجد الحرام وهو يحمل أثقالًا ينوء بها ظهره اسمها «الأنا» ورويدًا رويدًا يشعر بحق أن الملك لله، وما هو إلا فرد ضعيف فقير إلى رحمة الرحمن الرحيم، فعند دخولنا لهذا المكان المبارك الطاهر نريد كل شيء، أن تجلس بأفضل مكان، وأن نطوف أيسر طواف، وأن يكون السعي أيسر ما كان، وأن نشرب من زمزم حتى نرتوي لا يزاحمنا فيها أحد، وتكون والدعوية المفاجأة! أشكال وألوان مختلفة متباينة، ألسن عندما تسمعها تسجد لله خضوعًا لقدرته على هذا التنوع العجيب، وعندما نبدأ بتحقيق أول الأماني «الطواف اليسير» نجد أنفسنا وقد دخلنا إلى آلة عجيبة قد تحدد اتجاهها، وأصبحت الأجساد من العوامل الإنسانية لتحريكها، وفي داخل الآلة تسمع عجبًا.. «سيمفونية» من التسبيح والدعاء والبكاء والابتهال والتوسل، تذيب القلوب، وتوقظ العقول.

 من أنا في وسط هذا الهدير الخاشع؟! لا شيء على الإطلاق.. أسير معهم بلا توقف حتى تنتهي الأشواط .. لا يكاد يشعر بي أحد، أي أحد، سوى الخالق السميع القادر الجبار، هو وحده من يشعر بوجودي ويستطيع سماعي، بل وتحقيق رجائي، كيف هذا؟ لا ندري، ولكن نحن على يقين بقربه ووجوده معنا، شيء عظيم رائع يجعل اليقين يسري إلى القلوب أن إله هذ الكون هو القادر المقتدر، وأن قدرته ليست كمثلها قدرة. سبحان الله! هذه المرأة العجوز، هذ الشاب القوي، هذا الرجل الكهل، هذا الأسود، وهذه البيضاء، وهؤلاء الصفر، هذا الطويل وهذه القصيرة، وتنوع الوجوه المحير للألباب يقول هؤلاء كلهم «لا إله إلا الله»، كيف توصل الجميع إلى معرفته مع اختلاف الأوطان والألسن والمسافات، والجواب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ملك الملوك

وفي كل صلاة وعندما يؤذن المؤذن يصطف، العبيد لملك الملوك، ومهما زادت الأعداد يجد كل عبد مكانًا له ليقيم فيه الصلاة، ولكن قبل ذلك تجدهم يحورون ويدورون يبحثون عر مكان يحوي أجسادهم، وكثيرون لا يجدون، فقد امتلأ المكان، ولا توجد حتى ثغرة بين الأجسام المتراصة بحكمة رائعة ممن أمر بتنظيم هذه الصفوف ﷺ، ويغمر من يبحث له عن مكان للصلاة، شعور قوي، وكأنه يبحث عن مكان له في الجنة، فيدعو الله ويبتهل إليه أن يجد بغيته، والسؤال: في الآخرة ماذا سيكون وضعنا لو بحثا فوجدنا الجنة وقد امتلأت وليس لنا مكان؟! اللهم سلم ..... اللهم سلم.

لماذا التشاحن والتشاجر!

وسبحان الخالق! بمجرد إقامة الصلاة تجد كل من أراد الصلاة، وكان قطعة من الأرض قد وهبها الله له من السماء ترحب به مصليًا عليها، وتصطف الصفوف في منظر مهيب يسر الناظرين، أمر مدهش، كيف يصبح المسلمون بهذا النظام المبهر، وهم غير ذلك في حياتهم العادية، ولماذا التشاجر والتشاحن على أبسط الأمور؟

ماء زمزم

وهذا ما نلحظه عند مياه زمزم، فقد أجرى الله لنا نبعًا من الماء لا ينضب، كل هذه الملايين تشرب منه على مر العصور، وكان مياه هذه العين المباركة تزيد بزيادة ارتواء العبيد منها، وكل هذه الأوعية والزجاجات التي تعبأ وتصدر ولا تنضب، والكل يعلم أنه لابد أنه شارب منها مادام وصل إليها، ولكن تجد التسابق وعدم النظام، ولو اصطف المسلمون طوابير منظمة كما في الصلاة ما أذى مسلم أخاه، ولا تقوه بلفظ يؤاخذ عليه في هذا البيت الحرام، وعندما نقف أمام هذه المياه المطهرة، وتمد الأكواب والأيدي لتغترف منها يهتف القلب مهللًا الله، واللسان داعيًا، يشعر العبد بذوبان «الأنا»، فلا حول له ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وتذكرنا بحوض رسول الله ﷺ وما في الآخرة من مشقات فكيف لو حرمنا من شربة ماء من حوضه الكريم؟ كيف ستكون مشاعرنا، وكيف ستكون ردود أفعالنا، والرسول ﷺ يردنا عن الحوض والذي شربة ماء واحدة منه فيها النجاة؟ نشعر بذلك فتميد الأرض من تحت الأقدام، ويردد اللسان يا رب سلم.. يا رب سلم.

المسعى

ويتجه إلى المسعى، رباه ما هذه الأفواج الكثيرة!! ما هذه العلامات المتعددة؟! إنهم ينحدرون في نهرين متقابلين متغايرين في الاتجاه، وأصبح جسد العبيد ذرة من ذرات هذه المياه لا يعبأ به أحد، ولا يعبأ هو بأحد، وقد انشغل كل منهم في أن يكون سببًا في جريان هذا النهر بأمر الله.

ومن هذه الأعداد الغفيرة يبدأ العرق في الخروج من مسام الأجساد، وتشعر بعدم قدرتنا على تحمل هذه القطرات المتساقطة والتي تبتل منها الثياب، ويسرح الخيال في الآخرة، والتزاحم والحشر والعرق الكثير، الذي من كثرته يمكن أن يصل إلى السيقان... بل إلى التراقي، يا رب سلم كيف سيكون الاحتمال؟

الحلق والتقصير

 وعندما يحين قص الشعر تسقط «الأنا» على الأرض، ويخرج المسلم، وقد أصبح مع من حوله كالفراش المبثوث راجيًا رحمة ربه، ويسير في الساحة المباركة، فهذه امرأة تفرش سجادتها للصلاة وتتكاثر النساء حولها، وهذا رجل افترش سجادته في مكان آخر، فأصبح الرجال حوله وكان أحدهم يثبت الآخر، فيصبحون كالجنود على أرض الله، طائعين لخالق واحد، وملك جبار.

خرج العيد بعد أداء المناسك عازمًا على الطاعة، مهرولًا إلى الله، فارًا إليه بذنبه، وقد أسلم إليه كل شيء وكان جسده، وهو يغادر بروحه المسجد، منجذبًا إلى أرضه... أرض المسجد الحرام، لا يريد مطاوعته فألح عليه قائلًا: هيا معي لنعمر الأرض ونصلحها، وستذكر .. في كل مكان قولًا وعملًا، وغادر الاثنان، وطير الحرم يشيعه بقوله: «أفلحت أن صدقت».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

953

الثلاثاء 17-مارس-1970

ناس.. وقضايا.. وتعليقات

نشر في العدد 2147

153

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد