; المجتمع التربوي ( 1727) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي ( 1727)

الكاتب د. ناصر بن خليفة اللوغاني

تاريخ النشر السبت 18-نوفمبر-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1727

نشر في الصفحة 56

السبت 18-نوفمبر-2006

الحمد لله الذي أذن «للمصنَّف» أن يلبس حلته

د. ناصر بن خليفة اللوغاني[1]

الحمد لله الذي أذن لظهور كتاب عظيم من كتب السنة النبوية المطهرة لعظيم من عظماء الإسلام ومحدثيه، وبحر من بحور العلم ومدققيه، ومنار من مناراته، ينتهي به ضرب المثل في قوة الحفظ والاستحضار أحد الرجال الذين قال عنهم الإمام أبو عبيدة، انتهى الحديث إلى أربعة، فذكره مقدما لهم، ثم ثنى بأحمد بن حنبل، وثلث بيحيى بن معين، وربع بعلي بن المديني، كما تتلمذ عليه أشهر مدوني السنة من أئمة الحديث ونقاده، كأحمد بن حنبل، وهو من أقرانه، والبخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه وغيرهم، رحمهم الله تعالى أجمعين.

وأما كتابه فهو ذلك الكتاب الذي ارتقى في فضائل السنة النبوية أعلاها، وحوى من الميزات وجمع مقاصد كتب الحديث الشريف أحلاها وأغلاها، فحق أن يقال في حقه على ما وصفه محققه الذي كانت معايشته لهذا الكتاب ستة عشر عامًا: إنه جامع الجوامع، وديوان الدواوين.

ذلك الكتاب هو كتاب المصنف للإمام الكبير أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة (١٥٣). ٢٣٥هـ)، الذي تميز بعدة مزايا يمكن أن تجمل - كما يفاد من مقدمة التحقيق. بما يلي:

أولا: الكتاب من أكبر دواوين السنة النبوية التي جمعت بين الأحاديث النبوية وآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى إنه حفظ بين دفتيه كثيرًا من مضامين كتب السلف التي تعد اليوم ضمن المفقود، فبالمقارنة مثلًا بكتاب المصنف للإمام عبد الرزاق الصنعاني. وهو مطبوع ومتداول. نجد أن أحاديث مصنف عبد الرزاق بلغت (۲۱۰۳۲) حديثًا بينما بلغت أحاديث مصنف ابن أبي شيبة (۳۹۰۹۸) حديثًا، فنسبة أحاديثه تزيد على أحاديث عبد الرزاق بقرابة (٨٦).

ثانيا: أنه أهم مرجع في معرفة اتفاق السلف واختلافهم في مسائل الفروع ويرجع ذلك لاهتمامه الشديد بتناول مسائل الأحكام، وهذه ميزة غالية، ودرة نفيسة يستفاد منها في مختلف جوانب العلوم والفكر من السياسة الشرعية والفروع الفقهية والتربية النفسية، وأحكام الاختلاف وغير ذلك.

ثالثًا: أنه أولى أبواب العلم الأخرى. غير الأبواب الفقهية عناية كبيرة أيضًا. فتضمن كتاب العلم والإيمان، والآداب والفضائل والمناقب، والرقاق والتاريخ والفتن، وغيرها من الموضوعات التي تجمعها كتب الجوامع، ولم يقتصر على الأحكام التي تجمعها كتب السنن مثلًا.

رابعًا: كان ختام المصنف مسكًا فريدًا، حيث ختم بكتاب الفتن، متوسعًا في هذا الميدان مقارنة بغيره، فأعطى. من خلال ذلك الصورة عما جرى بين رجالات الصدر الأول من خلافات سياسية فجاءت صورة نقية من التشويه والانحراف مطابقة للوصف الذي أثنى الله تعالى به عليهم في كتابه المعظم ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩).

فهذه بعض مزاياه من حيث التصنيف ويوجد الكثير غيرها من هذه الحيثية.

تحقيق المصنف:

وأما من حيث الإخراج إلى عالم المطبوع والتحقيق فلا أبالغ إن قلت: إن الكتاب قد ازداد حسنًا إلى حسنه، وفضلًا إلى فضله حينما قيض الله تعالى لتحقيقه والعناية به أحد كبار علماء عصرنا ومحدثيه، وعدول حملة الشريعة النافين عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين العلامة المحقق والمحدث المدقق محمد عوامة حفظه الله تعالى وأمتع به ونفع الذي أكرمني الله تعالى بالتلقي عنه زمنًا ثلت به الفخر، فعرفت منه تدقيقًا في علوم الشريعة نادرًا، وتحقيقًا المعضلات المسائل فريدًا، وتثبتًا في العلم وأهله متينًا، ناهيك عن الجوانب التربوية والحث على العمل بالعلم وتعظيم أهله ورعاية أدبه وهديه على نهج السلف الصالح  رضي الله عنهم.

والمقام ليس لبيان فضل الشيخ - حفظه الله تعالى - ولكن لبيان المسلك الذي سلك حتى تحقيق الكتاب، فقد نهج به خير المسالك. فيما نحسب - وأقومها، وأفضلها إن كانت أصعبها وأوعرها: 

  1. فقد تم جمع أكبر قدر من مخطوطاته الموزعة في مكتبات العالم، ثم قوبلت بدقة وأناة، وتبين من خلال ذلك عدد من الأخطاء والتحريفات التي تواردت عليها طبعات سابقة لهذا الكتاب أو بعضه.

  2. كما خرجت الأحاديث المرفوعة على منهج معتدل نافع دون حشو وإثقال وتقصير وإخلال، وذلك بالعزو المشهور لكتب السنة، بتخريج الحديث أولًا عمن رواه عن المصنف، ثم من رواه من طريق المصنف، ثم من رواه عن شيخ المصنف، ثم من شارك المصنف في روايته عن باقي رجال السند أضف إلى ذلك ربط أحاديث الكتاب المتكررة أو المجزئة بعضها ببعض من أول الكتاب إلى آخره.

  3. مع مراعاة الحكم على الحديث صحة وضعفًا من كلام أئمة الحديث السابقين، فإن لم يوجد اجتهد شيخنا. حفظه الله تعالى. في بيان درجة الحديث بعد البحث الطويل والنظر الدقيق، والتأني الشديد في الحكم على الراوي، دون تقليد انسياق مع التيار العام في حق الرواة فكان من نتائج ذلك تصحيح أو تحسين أحاديث درج كثير من المعاصرين على تضعيفها.

  4. كما صنعت فهارس فنية متكاملة جاءت في خمسة مجلدات، مصحوبة بقرص مدمج لكمال الاستفادة من الكتاب.

وغير ذلك من ميزات تعرف من مقدمة التحقيق، فخرج الكتاب - والحمد لله تعالى في ستة وعشرين مجلدًا بأبهى حلة وأجمل طلعة، ولذا وغيره استحق أن ينوه عنه ويكتب عنه ليعلم المختص وغيره من القراء الكرام الفرق بين الغث والسمين والصحيح والسقيم من مطبوعات العصر وكتبه التي كادت ترفع أو رفعت من أسعار الورق العالمية على غير معنى وسرقت محلًا ليس لها في الأسواق والمكتبات العامة والخاصة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين..

شخصيات إسلامية:

ابن تيمية:

الفقيه المعذب أحمد بن تيمية الذي تلقى العلم على أعلام عصره، ودرس مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فلم يكن أحد في مذهبه أنبه منه، كما درس أمهات كتب الحديث والسنة النبوية، مثل: صحيح البخاري» وصحيح مسلم، وغيرهما.

وكان ابن تيمية يكثر من العبادة والطاعة، فلم يجعل شيئًا يشغله عن عبادة الله تعالى، ضارعا مواظبا على تلاوة القرآن العظيم، يكثر من الصلاة والذكر والدعاء والتهجد لله في الليل.

وقد ألف ابن تيمية عددًا كبيرًا من الكتب تزيد على الثلاثمئة مجلد، فقد كان غزير العلم كثير التأليف والتصنيف.

وعرف بميله الشديد للزهد في الدنيا، وحبه للبذل، يؤثر بما لديه سواء كان قليلًا أو كثيرًا، كان يتصدق بما معه، حتى إذا لم يجد شيئًا نزع بعض ثيابه فتصدق بها على الفقير.

وعلى الرغم مما كان يعانيه من ضيق العيش، فإنه لم يكن يقبل لنفسه عطاء من سلطان ولا أمير ولم يدخر لنفسه دينارا ولا درهما ولا متاعا ولا طعاما.

واشتهر ابن تيمية بالشجاعة والجرأة والإقدام، فكان إذا خرج مع المسلمين في جهاد فإنه يكون في طليعة المقاتلين في مقدمة الصفوف يشجعهم ويبث فيهم الحمية والحماس، وقد شارك في فتح «عكا»، وأظهر من الشجاعة ما يدل على قوة إيمانه، وحبه للجهاد.

وقد عاش ابن تيمية حياة شاقة عصيبة، فقد تكالبت عليه الشدائد والمحن وأنواع الابتلاءات، فما كان ينتهي من محنة إلا ويدخل في أخرى ولا يخرج من سجن إلا ليوضع في آخر.

وفي آخر حياته دبر له البعض حيلة بسبب فتواه في مسألة منع السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فأشاعوا بين العامة أنه ينتقص من قدر الأنبياء، وأفتى قضاة «مصر» الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق».

وقد فتح الله عليه في هذه القلعة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها.

وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت أعطيت ملء هذه القلعة ذهبا، ما عدل عندي شكر هذه النعمة.

وحينما يذكر من تسببوا في إيذائه وسجنه يقول: «ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير».

وظل ابن تيمية، محبوسا في تلك القلعة نحو عامين، إلى أن توفي سنة (٧٢٨هـ) بها، وعندما أحضرت الجنازة إلى الجامع احتاط بها الجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وقد تزايد اجتماع الناس حتى ضاقت بهم الأزقة والأسواق... رحم الله ابن تيمية.

 [1] عضو هيئة التدريس بجامعة الكويت كلية الشريعة.

الرابط المختصر :