العنوان المجتمع التربوي العدد 1651
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005
مشاهدات 80
نشر في العدد 1651
نشر في الصفحة 54
السبت 14-مايو-2005
د. حمدي شعيب
ظاهرة «التآكل» الروحي.. أسبابها «2 من 4»
تنتج عن صدأ القلب عندما يقصر العبد في طاعة الله
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: 118).
هكذا قص القرآن الكريم، تلك النتيجة التي انتهت إليها حالة هؤلاء الثلاثة الكرام من جيل الخيرية، وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية رضي الله عنهم، حين تخلفوا عن ركب الجهاد في غزوة العسرة: غزوة تبوك، وصدقوا مع الله سبحانه ثم معه صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا كما فعل المنافقون الذين اعتذروا، ولكنهم أعلنوا على لسان كعب رضي الله عنه: «والله ما كان لي من عذر» (1)، أي ليس لهم أي حجة أو عذر للتخلف، كانت تلك النتيجة شعورًا غريبًا لم يألفه كعب رضي الله عنه منذ دخوله لهذا العالم وأنسه بهذا المنهج، وكان ألما نفسيًا ضاقت به نفسه ضيقًا شديدًا حتى تنكر لها الوجود: السابح الساجد لربه.
وتأمل هذه اللمحات الطيبة:
1 – التربية النبوية القرآنية: كانت سريعة وقاسية، ليختبر صدقهم مع الله عز وجل ثم مع النفس، وحكى عنها كعب رضي الله عنه فقال: «ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه» (2).
2– المشاركون في هذه المقاطعة، كل الخلائق، من البشر، من الجماد، بل والوجود كله، استجابة وجندية وطاعة لأمره سبحانه، وتدبر مشاركة الأرض «فاجتنبنا الناس، أو قال تغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف» (3).
3– لقد كانت المحنة من القسوة؛ بحيث أفرزت هذا الشعور، شعور أن الأرض والوجود كله يشارك في المقاطعة، والشعور أنه قد غدا شاذًا عن هذه المنظومة العابدة الساجدة الذاكرة لربها.
4 – هذا الشعور لا يحسه إلا نفس مؤمنة عاشت طويلًا متناسقة ومتوافقة، وكانت معروفة لهذه المنظومة.
لقد كانت هنالك علاقة حب وود، ليس فقط مع المجتمع، بل مع الأرض ومع الوجود كله، ثم انقطعت بمجرد تقصير في طاعة الله عز وجل!
وكم من شواذ لا يستشعرون شذوذهم!؟
وما ذلك إلا لغياب الرابطة السابقة مع هذه المنظومة، وعندما تغيب هذه الرابطة يغيب الرصيد في بنك الخير والطاعة والعبودية!.
وتأمل يونس بن متى عليه السلام، وهو يبين فضل هذا الرصيد الذي نفعه في محنته: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾) الأنبياء: 87).
إنه الرصيد العظيم للأيام العظيمة؛ للمحن المركبة والظلمة المركبة.
5 – إنه لألم عظيم أن تستشعر الرفض والشذوذ فيمن حولك، خاصة في المواقف الصعبة، وإنها لمصيبة كبرى أن تفتقد الرصيد عند اللحظات الفاصلة، وهل هناك أصعب من المشاعر عند مشهد النهاية؟
وتدبر مصيبة آل فرعون، عند مشهد نهايتهم، ولحظات رحيلهم: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ (الدخان: 29).
فلم تك لهم أعمال صالحة، تصعد في أبواب السماء، فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها ففقدتهم، فلهذا استحقوا ألا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم، عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه»، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾، وذكر أنهم لم يكونوا قد عملوا على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم.
أتى ابن عباس رضي الله عنهما رجل فقال: يا أبا العباس، أرأيت قول الله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾؟ فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال رضي الله عنه: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده، بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله عز وجل فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله عز وجل منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض.
قال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا، قال: فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لذكره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل (4).
6- ضرورة الفهم لأي قضية، حتى لا يساء الظن، ولا تترك في النفوس أي أقاويل.
وإنه لشعور أليم أن يساء فهم موقفك خاصة عند الابتلاء؟
والشعور الأكثر إيلامًا : ألا تترك لك الفرصة أن تصحح موقفك.
التآكل الروحي
هذه اللمحات الطيبة، ما هي إلا بعض الإضاءات التي تركز على جانب واحد من الجوانب العديدة في قصة محنة كعب رضي الله عنه: وهو الجانب المرتبط بسنة إلهية اجتماعية، تفسر لنا ظاهرة تربوية وهي ظاهرة «التآكل الروحي».
وهي ظاهرة تنشأ من خلل في التوازن التربوي بين طاقات العبد الثلاث، وهي طاقة العقل، وطاقة البدن، وطاقة الروح، حيث يقل حظ الجانب الروحي في أعمال العبد، مثل التفريط في بعض الفرائض، وغيرها من أعمال اليوم والليلة من السنن، مثل الذكر والدعاء والاستغفار، وتلاوة القرآن.
وينشأ نوع من الخلل أو الانفصام المركب:
أولًا: داخليًا يستشعر العبد قسوة وجفاءً مع نفسه.
ثانيًا: خارجيًا يستشعر العبد قسوة وجفاءً مع الوجود كله.
والنتيجة هي الشعور بأن النفس والوجود يتنكران له فما هي بالنفس وما هو بالوجود اللذان يعرفهما.
وبمعنى آخر؛ هي الظاهرة التي تبحث في حالة صدأ القلب، أو حالة الجفاء الروحي، التي يستشعرها العبد المؤمن، عندما يقصر في طاعته سبحانه، فلا يستشعر للعبادة حلاوة، ولا للطاعة لذة، ويقاسي ألم البعد عنه عز وجل، ويتحول هذا إلى شعور بوحدة قاسية، ومسافات شاسعة، وحواجز نفسية تفصل بينه وبين الخلائق، خاصة الصالحين، ويمتد هذا الشعور بغياب لذة الطاعة وألم البعد عنه سبحانه إلى حالة من غياب الرغبة في الحياة عمومًا، وضياع اللذة في المعيشة في الدنيا، ثم فوق ذلك استشعار خيبة الأمل في النجاة في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 124).
وهو تحذير منه سبحانه، لكل معرض خالف أمره وما أنزله على رسوله، وأعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه فإن له معيشة ضنكًا: أي ضنك في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره (5).
الهوامش
(1) و (2) و (3) متفق عليه.
(4) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير – الدخان 29 بتصرف.
(5) المرجع السابق، سورة طه 124 بتصرف.
=======================================================
أثاث البيت
إيمان مغازي الشرقاوي
المرآة
السلوك واللسان مرآة القلب.. يعسكان ما استقر فيه
كلنا يعرف المرآة ولا أحد منا يجهلها، إنها شيء مهم وضروري في أثاث المنزل، وكلنا ينظر إليها ويقف أمامها كل يوم فيرجل شعره ويجمل من صورته، ويحسن من هندامه، وليس للمرآة دخل فيما يظهر عليها من صور، إذ هي تعكس ما يبدو فوق سطحها لنراه كما هو بلا زيادة أو نقصان.
بيد أن المرآة لو نطقت لقالت لنا كثيرًا، إذ إن معظم أصدقائها ومحبيها لهم معها وقفات وجولات لا سيما النساء.. فقد عقدن معها صفقة دائمة ومستمرة، وأنشأن صداقة حميمة وقوية لا غنى للمرأة فيها عن المرآة، حتى أنها تلازمها في حقيبة يدها خارج أسوار البيت، وما ذاك إلا للفطرة التي جبلت عليها النساء من حب للزينة والظهور في أجمل منظر.
والزينة نفسها ليست مذمومة، إنما المذموم منها ما خالف الشرع وغيَّر خلق الله تعالى، كما جاء عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يلعن «المتنمصات، والمتفلجات والمستوشمات اللاتي يغيرن خلق الله عز وجل» (النسائي).. كما أن الزينة إذا كانت أمام غير المحارم من الرجال يحرم إبداؤها .
ومن الزينة المحمودة تزين المرأة لزوجها وتزين الرجل لزوجته بما يناسبه كرجل، وذلك من تمام المودة وحسن التبعل وكمال الزوجية، وقد حث الإسلام عليه، ففي الحديث: «خير نسائكم التي إذا نظر إليها زوجها سرته» (رواه النسائي).
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: «إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي»، وإذا كان الجمال مطلوبًا، والله سبحانه وتعالى يحبه «إن الله جميل يحب الجمال» (مسلم).. والزينة مرغوبًا فيها وجميعنا يحبها ويطلبها، فإن الإسراف في أي شيء مذموم، وقد ذكر الله تعالى ذلك فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: 31)، وقال رسولنا ﷺ: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة» (البخاري).. وما جر إلى الكبر والخيلاء فهو مذموم كذلك ولو كان زينة مباحة في الأصل «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (مسلم).
وكما أن المرآة تعكس الصورة التي تظهر عليها فإن مرآة القلب هي الأخرى تعكس ما يستقر فيه، ويظهر ذلك على السلوك وعلى فلتات الألسن، وذلك جاء في الحديث الشريف: «من أصلح الله سريرته أصلح الله علانيته».
من نظر في المرآة فعليه أن يذكر نفسه ويؤدبها بدعاء النظر فيها فيقول: «الحمد لله.. اللهم كما أحسنت خَلقي حسن خُلقي» (ابن السني).
ولا يخفى على ذي لب الغرض من هذا الدعاء، إنه دعوة صريحة للعمل وخير العمل، إذ لا يكفي جمال الظاهر إذا كان الباطن كئيب المنظر ملبدًا بغيوم المعاصي والذنوب، ولا يكفي طهارة الثوب والجسد إذا كانت النفس غافلة وملوثة بآثار الحقد والحسد، والغش والخديعة، أو مريضة بالكبر والنفاق، يؤكد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» (رواه مسلم).
إن جمال الخلقة يظهر ويكتمل مع جمال الأخلاق، وجمال الأخلاق ثمرة طيبة للتقوى، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ﴾ (الأعراف: 26).
ومن كمال الأخلاق أن ترى في أخيك المؤمن صورة لك وأن تجعله مرآتك، فما كان منه من خلق حسن اقتديت به، وما كان من عيب فيه سترته أمام الناس، ونصحته وحده، ونأيت بنفسك عن هذا العيب، ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابنه: «يا بني.. من نظر في عيوب الناس ثم رضيها لنفسه فذاك هو الأحمق بعينه.. يا بني.. من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره.. وليكن شعارك: رحم الله من أهدى إلي عيوبي».
النظر في المرآة يتطلب منا وقفة جادة مع أنفسنا.. فمن تحرى صورته فيها ودقق النظر لنفسه يومًا بعد يوم سيجد حتمًا أن المرآة تكلمه وتذكره، وأن وجهه يناديه وهو يتغير مع تقدم الأيام ومرور السنين، وظهور الشيب والتجاعيد، فإذا ما دعتنا أنفسنا إلى شيء من الإعجاب حينئذ فلنتذكر أننا في الدنيا التي في حلالها الحساب وفي حرامها العقاب وكل شيء فيها إلى زوال، ونسرع لعمل ما يحفظ علينا جمال وجوهنا وحسن طلعتها في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن للحسنة نورًا في الوجه، وفي الآخرة كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ (عبس: 38 – 39).
فلنحرص جميعًا على جمال وجوهنا بجمال أعمالنا وصلاحها، ولنخلط جمال الظاهر بجمال الباطن ونمزج بينهما، وذلك كما قالوا: أن يكون المرء كثير الحياء قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، برًا وصولًا، صبورًا، شكورًا، راضيًا، حليمًا، رفيقًا، عفيفًا، شفيقًا، لا لعانًا ولا سبابًا، ولا نمامًا ولا مغتابًا، ولا عجولًا، ولا حقودًا، ولا بخيلًا، ولا حسودًا، بشاشًا هشاشًا، يحب في الله ويبغض في الله، ويرضى في الله ويغضب في الله.. وإذا كنا نحاول إخفاء عيوبنا بالزينة ونحن أمام المرآة حتى لا نظهر بها أمام الناس.. فأولى بنا أن نزين قلوبنا بالتقوى لتظهر في أحسن حال أمام رب الناس.
المجتمع التربوي
سمية رمضان (*)
تجربتي في التحرك بالقرآن
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا، دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.
أي نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعًا للقلب وذهابًا للهم وجلاءً للحزن.
سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًا، وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
الدعاء
كان ضمن النشاط الذي قمت به بفضل الله تعالى إلقاء بعض دروس التحرك بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في بعض مدارس اللغات، وقد وجدت تجاوبًا كبيرًا من كثير من الطالبات وكذلك كثير من المدرسات، كما حدث تقارب كبير بين هؤلاء الطالبات والمدرسات، فاتصل رباط التآلف بينهن، ولم تشغلهن الدراسة عن دوام الاتصال.
ودارت عجلة الزمن دورتها المعتادة، وأواصر الود تتوثق بينهن حتى بعد تخرج الطالبات من هذه المدارس وزواج الكثيرات منهن، ظلت الصلة قائمة بين بعضهن وبين مدرساتهن، ومن هؤلاء واحدة ظلت على صلة وثيقة مع إحدى المدرسات، حيث تابعت معها هذه الأخيرة معاناتها الشديدة بسبب عدم الإنجاب لخمس سنوات متصلة بعد الزواج، وقد كان الإنجاب حلم حياتها، ليس فقط كأي فتاة في مثل وضعها، بل أكثر من أي فتاة، إذ إن زوجها كان وحيد والديه، وكانت ترى الحسرة مرتسمة على وجوه والديه وأهله قبل ألسنتهم، فأصبح عدم الإنجاب الهم الأكبر في حياتها، وكانت المعلمة تحاول أن تهون عليها وتزين لها الصبر وتجمله لها وتسألها أن تجعله حلتها التي ترتديها أبدًا، إلى أن أتى اليوم الذي ضاقت عليها فيه الأرض بما رحبت، فقد أصرت كل من والدتها ووالدة زوجها على أن تذهبا بها إلى حيث التيه والضياع، وهما تتصوران أنهما تحسنان صنعًا، فقد قالا لها: لابد أن تفعلي المشاهرة.
لم تفهم في أول الأمر هل هذا العمل حلال أم حرام، ولم تسعفها معلومات المدرسة لبيانهذا الأمر لها، فلجأت إليَّ مستفسرة سائلة مستنجدة، استمعت باهتمام وطاف بخاطري ما أعلمه عن هذا الأمر، وهو أن المشاهرة ما يظنه بعض الناس أن المرأة يحدث لها عقم في حالات معينة، كأن تقوم بزيارتها امرأة عقيم فيصبح هذا مصيرها بعد ذلك، أو أن يحضر لها أحد نوعًا معينًا من الخضراوات، أو أن يدخل عليها زوجها بوضع معين يحددونه هم، وهكذا، أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، ثم قلت لها: اسمعي يا منى، إن هذه المشاهرة التي يطلبونها منكِ إن هي إلا خرافات وأساطير يزينها الشيطان لقرنائه حتى يتصوروا أنها حق مع أنها عين الباطل، وللأسف الشديد أصبحت هذه الخرافات من معتقدات بعض العامة، يحيطونها بهالة من الأوهام والشائعات والمفتريات فيصدقها الآخرون.
تشنجت الفتاة بالبكاء وقالت لي: كما تعلمين فإنني أتمنى الحمل من كل قلبي، وهذه بارقة أمل تلوح لي ولن أخسر شيئًا إن فعلت ما يطلبونه مني كان أمشي في وسط حقل معين من خضار معين أو أن أسير في وسط المقابر ليلًا، أو.. أو.. أو.. رددت عليها بشفقة ورفق: بل ستخسرين، ولن تخسري إلا الحق مع تشبثك بالباطل على أمل النجاة مع أنه لن يقودك إلا إلى الهلاك، إن الأمل – يا حبيبتي – في الله الواحد الأحد، فهو وحده القادر على أن يهبك ما تتمنين، فكيف يكون اعتقادك في غير الله سبحانه؟! خاصة وأن ما ستفعلينه ليس علاجًا، بل هو بلاء، إن هذا ابتلاء يختبر الله به إيمانك الحق وإخلاصك في العبادة، والدعاء: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (غافر: 65).
تحقيق الدعاء
فعليك بالقرآن الكريم والسنة المطهرة اللذين يربيان فينا العقيدة الصحيحة، ألم تستمعي إلى قول الله سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ (غافر: 60).
فالله وحده هو القادر على تحقيق الدعاء، فعيشي يا ابنتي مع هذه الآيات وكوني ذاكرة لها واعية بمضمونها حتى تستقر في فؤادك ويرطب لسانك بذكرها وحتى تمتلئ نفسك بيقين أن الله وحده هو القادر على تحقيق رجائك، فسبحانه تفوق قدرته أي تصور لنا: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل: 62).
ثم أردفت قائلة: يبدو أنكِ نسيتِ بعض ما اتفقنا عليه في المحاضرات السابقة، ألم نتفق على أن يكون تعاملنا مع كتاب الله وسنة نبيه تعاملًا عمليًا حيًاحقيقيًا، نفهمه ونعيش معه وتطبقه ونتحرك به بحيث يكون واقعنا متمثلًا به وممثلًا له؟ إننا الآن في حاجة إلى أن نبدأ برنامجًا مكثفًا للدعاء فهو خير لك مما كنت تزمعين فعله، لتبدأ معيشتك وتطبيقك وحركتك بالآيات والأحاديث التي تعودنا أن نقرأها أو نسمعها ولا تحرك فينا ساكنًا، آن الأون لحركتكالعملية بذلك، لقد كنتِ تريدين بارقة أمل ولكن الله سبحانه وهبنا الأمل كله بالتعلق به وحده.
تحركي بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: 45)، وقوه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153)، تحركي بقول رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (رواه مسلم)، فحين تكونين ساجدة توسلي إلى المولى بذل ورغبة واضطرار، وقد وعدك بالإجابة، وبدلًا من ذهابك هنا وهناك كما تقولين، كوني أهلًا لمعية الله سبحانه في بيتك وعليكِ بمناجاته سبحانه في الثلث الأخير من الليل، ففي البخاري: «يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟».. فأين أنتِ من هذه اللحظات الرائعة؟
إن كنتِ حقًا تريدين أن يحقق الله آمالك ولا تجعلي الريبة تدخل في نفسك مثقال ذرة من قدرة الله أن يهبك هذا الطفل الذي تتوقين إلى ضمه إليك، فأكثري كما وصانا رسول الله ﷺ من الاستغفار والتسبيح، وحاولي أن تتغيري إلى الأفضل مع زوجك ووالديك وأقاربك وجيرانك، واعلمي أن الله سبحانه قريب منك، فكوني معه ولا تنشغلي بغيره واجعلي في صحبتك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186).
فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أنزل عليه من کتاب، وبما صح عنه من حديث، يقدم لك سعادة الدنيا والآخرة، فمتى تتقبلين هديته وتبدئين العمل بها؟
قالت: على الفور بمشيئة الله تعالى.
ودارت الأيام وانقضى أكثر من شهرين كأنهما يومان، ورن جرس الهاتف عندي، وكانت المتكلمة نفس الفتاة ولكن صوتها كان فرحًامسرورًا متهللًا، حيث قالت: عندما يمن الله العظيم على عبد ذليل فقير فيعطيه ما عجز العبد نفسه أن يحصل عليه، بعد أن دفع الأموال وأهدر الأوقات، ثم يهبه ما تمنى بيسر وسهولة مذهلة بل محيرة، فماذا يفعل هذا العبد أمام قدرة الله؟
قلت لها مستفسرة: عم تتكلمين يا منى؟
قالت: حبيبتي إني حامل، نعم وهب الله لي الفرحة بعد الحزن، نعم حامل والتحليل بين يدي «إيجابي»، هل تصدقين ما تسمعين؟
قلت: ونعم بالله سبحانه، ويبدو أنكِ قدوفيت بوعدك وأخلصتِ في دعائك لله.
قالت الفتاة: كوني لي مصغية وسأروي لك الحكاية، فبعد أن أغلقت معكِ الهاتف في آخر مرة تحاورنا فيها، بدأت في ترتيب نفسي عقيدة، وعبادة، فقد كنت خلال السنوات الخمس الماضية أذهب إلى أشهر الأطباء والطبيبات، وكنت أدعو ربي بعبارات اعتدنا عليها مثل: ربنا يرزق، ربنا يسهل، ربنا كريم، وغيرها، عبارات كانت تخرج من طرف لساني ولا أجد لها أي صدى في نفسي وروحي وكياني، وظللت هكذا، إذ إن قلبي كان معلقًا بالدنيا، لا أتمنى حقيقة ما يقوله لساني، إلى أن تغمدني الله برحمته وبدأت أستشعر آيات القرآن الكريم بداخلي قبل لساني، وكأنني لأول مرة أسمع قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60)، فقد شعرت وكأن كل ذرة في نفسي كانت تدعو الله في كل وقت وكل حين، وعندها تأكد لي الفرق الهائل بين سماع القرآن بالآذان فقط، وبين فهم القرآن واستشعاره والتحرك به، لقد تأكدت لي رحمة الله بنا بإنزاله آياته العظيمة المباركة، وداومت على قيام الليل، هذه الجنة الوارفة الظلال، ففي هذا الوقت المبارك كنت أشعر بوجود الله وقربه وقوته وقدرته وهيمنته على كل شيء، أشعر بذلك أكثر من أي وقت آخر، فهدأت نفسي تمامًا، وكنت أشعر براحة نفسية وسكينة تسري في بدني كله وأنا بين يدي ملك السماوات والأرض وما بينهما، رب المشارق ورب المغارب، سبحانه وحده القادر المسيطر المعطي الوهاب.
وأراد الله سبحانه أن يجعل لي آية أو هكذا أحسست، فقد كنا في زيارة لأم زوجي حيث قالت: لقد رأيت رؤيا عجيبة، فقد رأيت «شال» قطيفة جميلًا بين يدي، وقيل لي: أعطى هذا الشال لمنى لأنها رفضت المشاهرة.
عندما سمعت هذه الرؤيا انتفض كل بدني، فكأنها بشرى لي من الله سبحانه على لسان أم زوجي التي طالما أصرت على ذهابي لعمل المشاهرة، وأنا مصرة على الرفض، فلعل الله تقبل مني رفضي لكل شيء سواه سبحانه، وتساءلت بيني وبين نفسي: ترى هل تقبل الله دعائي ورجائي وتوسلاتي؟ إن الله قادر على كل شيء طبعًا، ولكن بهذه الكيفية، وهذا الكرم البالغ.
المهم، ونحن في طريق عودتنا إلى المنزل طلبت من زوجي أن نعرج على معمل التحاليل، نظر إليَّ زوجي بتعجب شديد وإشفاق أشد، فقد سبق لي عمل عشرات التحاليل، والنتيجة دائمًا « سلبية»، ولكن في هذا اليوم بالذات وبعد سماعي لرؤيا حماتي أصبح عندي شبه يقين أنني حامل،ألححت على زوجي بالذهاب، وعشت دقائق كأنها الدهر، ونادى المختص بالعمل اسمي النتيجة، فكاد الجميع أن يسمع ضربات قلبي بالرغم من أن نفسي كانت ساكنة مطمئنة هادئة راضية، سمعت زوجي يقول له: هل أنت متأكد أن هذا التحليل لن؟ا هل هو لزوجتي حقًا، هل التحليل حقًا «إيجابي»؟
خشع قلبي وتبعه جسدي وقد خرَّ على الأرض شاكرًا متذللًا راجيًا، كنت أريد أن أحدث كل الناس بكل المستويات وأنادي بأعلى صوتي: انظروا إلى قدرة الله تعالى، وقد تمثلت في روح تدب في أحشائي، روح لم يستطع أن يهبها سوى مالكها وحده، سبحان اللهالعظيم، آيات من القرآن العظيم وأحاديث رسوله الكريم، كان لها الفضل في ثباتي على صراط الله المستقيم، فأنعم الله سبحانه عليَّ من فضله العظيم.
ملاحظة: رزقت منى منذ عدة أيام بمحمد بارك الله لها فيه.
(*) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل