العنوان المجتمع التربوي - العدد 1572
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1572
نشر في الصفحة 54
السبت 11-أكتوبر-2003
وقفة تربوية
أيها العلماء والدعاة
في بلد عربي يعج بالعلماء والدعاة، دعيت إلى إلقاء محاضرة تربوية موجهة للشباب، وإذا بي أفاجأ بعطش الشباب للمعلومة الإسلامية، ولو لم ينه عريف الندوة وقت المحاضرة لامتدت الأسئلة إلى وقت طويل.
ومما لفت نظري طرح أحد الشباب سؤالًا لم أكن أتوقع أن يطرح في بلد عربي إسلامي، ناهيك عن أن يكون ذلك البلد متميزًا بكثرة العلماء والدعاة إلى الله. وكان السؤال «هل يخلد الكفار في النار؟».
آلمني أن يصدر هذا السؤال الذي يعتبر من بدهيات وأبجديات المعلومة الإسلامية من شاب لأبوين مسلمين، ويعيش بين مسلمين، وبعد أن أجبت بخلود الكفار في النار، في الكتاب والسنة، دون أن أبدي استغرابي من السؤال.. انفردت بعريف الندوة، وسألته عن أسباب صدور مثل هذا السؤال من ذلك الشاب أين العلماء في هذا البلد، وأين دور الدعاة في هذا البلد؟
أجابني: استغرابك في محله. والعلماء الذين تتحدث عنهم، الكثيرون منهم لا يلتقون بمثل هؤلاء الشباب، إما لكثرة ارتباطاتهم وانشغالاتهم، وإما لعدم شعورهم بأهمية مثل هذا الأمر، لذلك فإن هؤلاء الشباب الذين التقيت بهم يعتبرون الالتقاء بعالم أو داعية.. حلمًا من الأحلام..
ويكمل محدثي سرد هذه المعاناة: تصور أنني حاولت دعوة أحد العلماء لإلقاء محاضرة على هؤلاء الشباب، وبعد أسابيع وأسابيع وأنا أتابعه من مكان إلى مكان ومن مسجد إلى مسجد لم أتمكن من مقابلته، حتى أدركته عن طريق معرفة الوقت الذي يخرج فيه إلى سيارته.. وعندما فاتحته بالأمر اعتذر..
فلا تستغرب بعد ذلك أن يسألك مثل هذا الشاب ذلك السؤال.
أيها العلماء.. أيها الدعاة.. الله سيسألكم يوم القيامة عن تجاهل مثل هؤلاء فماذا أعددتم من إجابة؟؟
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
مدراء بلا حدود!
عمر بن الخطاب.. نموذج للإداري الناجح
أسس علم الإدارة الإسلامي في خلافته الراشدة.. وكان يستدعي الولاة كل عام ويحاسبهم
مهيوب خضر
مدراء بلا حدود نوع خاص من المدراء، عشقوا السلطة فصرفتهم عن الأهداف، وأحبوا النفوذ فجعلوا من توقيعاتهم فرض عين على كل ما هو ضروري أو غير ضروري، ورغبوا في السيطرة فجعلوا من الموظفين خدمًا، وعاشوا لأنفسهم فحولوا المؤسسات العامة إلى شركات خاصة، وحاربوا الرأي الآخر فكان فرعون لهم قدوة ومعلمًا، كما يقول الله عز وجل ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ (غافر: ۲۹)
لا تكاد مؤسسة من مؤسساتنا الحكومية أو الخاصة تخلو من هذا النموذج من المدراء الذين كان لهم أسوأ الأثر على صعيد الرقي بالعمل وزيادة الإنجازات.
إن ما يعانيه العمل الإداري من تخبط في مؤسساتنا اليوم بسبب مدراء بلا حدود، لهو نسخة طبق الأصل من واقع البيئة التي نعيشها، ابتداء من قمة الهرم والحكم ونزولًا إلى ما نراه بأم أعيننا في كل دائرة ووزارة
والحقيقة أنه لم تر البشرية نموذجًا أسوأ من مدراء بلا حدود، في حربهم للإبداع وأهله، وطمسهم للمواهب والطاقات دون أي وخز للضمير أو تذكر لعظم الأمانة أمام الله سبحانه وتعالى ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (الصافات:24)
عندما يعتقد المدير أو المسؤول هنا أو هناك أن له اليد الطولي في موقعه ومؤسسته ويتصرف على أساس ذلك، يبدأ الفساد والانحراف، أي من طبيعة التفكير السلبي وغير المنطقي.
والسؤال الأهم هنا هو: كيف وُجدت ظاهرة مدراء بلا حدود، وكيف يمكن التخلص منها، لفتح آفاق الحركة والإبداع لكل صغير وكبير من الموظفين؟ النقطة الأساسية تكمن في كيفية وصول أمثال هؤلاء المدراء - المليئة قلوبهم بالأمراض النفسية إلى حد يصعب علاجه وعلى رأسها حب السلطة والرئاسة- إلى هذه المناصب.
أمير المؤمنين عمر.. يكافح الظاهرة
أسر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ذات يوم في نفسه اختيار أحد أصحابه ليجعله واليًا على أحد الأقاليم، ولو صبر الصحابي بضع ساعات، لاستدعاه عمر ليقلده المنصب الذي رشحه له، ولكنه - رضي الله عنه- بادر الأمور التي لم يكن يعرف عنها شيئًا، وذهب إلى أمير المؤمنين سأله أن يوليه إمارة وابتسم عمر لحكمة المقادير، وفكر قليلًا ثم قال لصاحبه: «قد كنا أردناك لذلك، ولكن من يطلب هذا الأمر لا يُعن عليه ولا يُجب إليه»، ثم صرفه وولى غيره. «من كتاب الخلفاء الراشدون لخالد محمد خالد».
نعم إلى هذا الحد تابع الخليفة عمر بن الخطاب مكافحة ظاهرة مدراء بلا حدود، لما لها من مآس عظيمة. فمن يحمل شهوة الحكم والإمارة يحمل في نفسه شهوة التحكم، وهذا ما يقر به علم النفس، وهنا يكمن البلاء الذي يفسد أمور البلاد وحياة العباد على حد سواء.
إذا تقع قضية اختيار المدير أو المسؤول الأول على رأس قائمة الأولويات أو كما يقال وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ومما يذكر هنا أن عملية اختيار المسؤول من الدرجة العليا في اليابان قد تأخذ أسابيع ابتداء من المقابلات المتكررة مرورًا بالفحوص النفسية والجسدية ووصولًا إلى إخضاعه للتجربة العملية، ولقد أوجز الفاروق عمر عملية الاختيار بكلمات موجزة سجلها التاريخ بماء من ذهب قال فيها: «أريد رجلًا إذا كان في القوم وليس أميرهم بدا وكأنه أميرهم وإذا كان فيهم وهو أميرهم، بدا وكأنه واحد منهم».
ثم إن الغبش الذي يسيطر على مفهوم الصلاحيات ويجعل منها حلقة مفتوحة عند مدراء بلا حدود يساهم أيضًا في تعقيد الحالة:
أراد عمر بن الخطاب أن يأخذ جزءًا من بيت العباس عم الرسول ليوسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بيت العباس مجاورًا للمسجد فرفض العباس، وتم الاتفاق على تحكيم حذيفة بن اليمان في الأمر، العباس من جهته هم بأن يرسل في طلب حذيفة، إلا أن الخليفة عمر رفض وأخبر العباس بأن علينا أن نتوجه نحن إليه فهو الآن بمنزلة القاضي، وبمعنى آخر برهن عمر القائد الإداري أنه لا للصلاحيات المفتوحة ونعم لاحترام صلاحيات الآخرين.
.. ويؤدب والي حمص
درج مدراء بلا حدود على العيش لأنفسهم، وتقديم مصالحهم الخاصة على أهداف العمل فضيعوا العمل والرعية معًا:
سأل عمر بن الخطاب وفدًا زاره من أهل حمص عن واليهم عبد الله بن قرط فقالوا: على خير يا أمير المؤمنين، لولا أنه قد بنى لنفسه دارًا فارهة.. ويردد عمر: دارًا فارهة.. يتشامخ بها على الناس!! بخ بخ لابن قرط، ثم يوفد إليه رسولًا يقول له ابدأ بالدار فاحرق بابها.. ثم ائت به إلي.
ويسافر الرسول إلى حمص، ويعود بواليها فيمتنع الخليفة عمر عن لقائه حتى اليوم الرابع، ثم يستقبله
في «الحرة» حيث تعيش إبل الصدقة وأغنامها، ولا يكاد الرجل يقبل حتى يأمره عمر أن يخلع حلته، ويلبس مكانها لباس الرعاة ويقول له: «هذا خير مما كان يلبس أبوك»، ثم يناوله عصا، ويقول له: «وهذه خير من العصا التي كان أبوك يهش بها على غنمه». ثم يشير بيده إلى الإبل ويقول له: «اتبعها وارعها يا عبد الله»، ثم بعد حين يستدعيه ويقول له معاتبًا: «هل أرسلتك لتشيد وتبني؟ ارجع إلى عملك ولا تعد لما فعلت أبدًا»!!
صندوق الشكاوى
فتح باب الحوار والمراسلة بين القيادة العليا والقاعدة في أي مؤسسة يعمل على الوقوف على هفوات مدراء بلا حدود عند البداية وقبل استفحالها:
الفاروق عمر كان من سياسته في إدارة أمر الخلافة تفعيل البريد القادم من مختلف الأمصار، بحيث يمكن لأي إنسان أن يرسل للخليفة شكواه بكل حرية، دون أن تمر على والي ذلك الإقليم، وبهذا يكون الخليفة عمر أول من أسس صندوق الشكاوى الفاعل، الذي جعل الولاة في عهده يمشون على سيرته ويحاولون تتبع خطاه قدر ما يستطيعون.
إن ترك الحبل على الغارب لمدراء بلا حدود هو الذي يضاعف من حجم المشكلة ويوصلنا إلى مرحلة الاحتقان:
قال عمر بن الخطاب يومًا لمن حوله: «أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ما علي؟ قالوا نعم، قال: لا، حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته أم لا».
وكان من شأنه رضي الله عنه استدعاء جميع الولاة في موسم الحج من كل عام، ليحاسبهم ويسمع ما يقولون وما يقال فيهم.
هكذا سلك الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه طريق النجاح في إدارة الخلافة الإسلامية، وكيف لا يكون له هذا وهو مؤسس علم الإدارة الإسلامي، عبر عشر سنوات كانت هي مدة خلافته الراشدة والتي أمدتنا بكوكبة من المبادئ والنظريات الإدارية الإسلامية الخالدة.
ويبقى السؤال: أما آن لمدراء بلا حدود أن يقفوا عند حدودهم..؟!
روح الداعية
إن الدعوة إلى الله نور ينشره الداعية عبر كلماته وابتساماته، وأعماله. وهذا النور يجري في البدن جريان الدم في العروق، فيضيق الخناق على الشيطان، ولكنه يريح المؤمن مما أصابه، فينقض عنه غبار الغفلة، ليتمكن من رؤية السماء في سموها، والدنيا في دنوها، فيميز بين الحق والباطل.
وداعية ليست فيه هذه الروح، إنما مثل ما يقدمه كجنين استكمل خلقه: آية لله في الجمال، ولكنه سقط لا روح فيه!! فما مصيره بعد تقليب الأيادي له إلا أن يوارى في التراب ثم ينسى، فأي قلب يقبل هذه الميتة؟
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى:52).
قال الزمخشري: يريد: ما أوحى إليه، لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح. «الكشاف4/227». ويقول الأستاذ سيد قطب: «روحًا من أمرنا».. فيه حياة، يبث الحياة ويدفعها ويحركها وينميها في القلوب وفي الواقع العملي المشـــهـــود. «الظلال 5/ 2171».
وهذه الروح لها تأثير الغيث على الأرض المستعدة للاستفادة والإفادة، وهذا ما عناه مالك بن دينار، فقد كان يخاطب أهل القرآن فيقول: «يا أهل القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم، فإن القرآن ربيع القلوب، كما أن الغيث ربيع الأرض» «تفسير القرطبي 16/27»
وقد جاء في الحديث المتفق على صحته ما يؤكد هذا المعنى، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة: قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب: أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا.. الحديث» (متفق عليه).
إن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة، والسلاح بضاريه لا بحده، والتبر إنما غلا بعد صياغته، ومروره بنار الفتان، والشجرة التي تزرعها في القلوب قوتها في ثباتها، ونتاجها في ثمارها وحنانها في ظلها واستعلاؤها في سموها لا تعمل بها الريح إلا أن تنكفئ بحكمة ثم تعود سيرتها الأولى قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم:24-25).
ومن هنا كان الذي ينفخ الروح في الدعوة هو أنت أيها الداعية ، والروح التي أعني هي الإيمان الصادق الذي يلهب كل حرف تصوغ منه كلمة، فضلًا عن جملة، والروح التي أعني هي العاطفة الجياشة التي تقدم للأسماع وكأنها الجيش الذي لا قبل لجنود إبليس بها، الروح التي أعني هي التربية الحقيقية، وليس الانتهاء من أوراق الصفحات في الكتب، والمحاسبة على عدد الأشرطة التي تسمع، نحن لا نريد مثقفين فقط، بل نريد مربين يحملون الراية جيلًا بعد جيل، فهل يعي الدعاة ما أقول؟
جميل أن نبني دعوتنا بأساليب الإدارة الحديثة، وجميل أن ننجز في دعوتنا برامج عديدة، وجميل أن نتخذ لدعوتنا طرقًا مبتكرة تواكب العصر، ولكن الأجمل أن تخرج هذه الأمور وقد دبت فيها روح الدعوة والتربية الإيمانية فنرى أثر هذه الأمور في قلب من ندعوه وليس في أعماله فقط فلو أننا خاطبنا القلوب لأصغت إلينا الأعمال وأتت وهي طائعة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». (رواه البخاري)
وكما قال عثمان رضي الله عنه: «لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل» (رواه أحمد في الزهد وابن عساكر).
فلنراجع أنفسنا، ولنقوم مسارنا، ولنصلح التقصير، ثم لنكمل المسير والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل