; المجتمع التربوي .. العدد 1568 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي .. العدد 1568

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003

مشاهدات 123

نشر في العدد 1568

نشر في الصفحة 54

السبت 13-سبتمبر-2003

وقفة تربوية

كتب هذا الزمان (1)

من عادتي الذهاب إلى المكتبات الإسلامية لمتابعة آخر ما يطبع في مجالات متعددة في الشأن الإسلامي، وأُصدم عندما أرى عشرات الكتب التي تقذف بها المطابع إلى هذه المكتبات، ولا يوجد فيها إلا القليل مما يستحق القراءة، أو يستحق أن يطلق عليه كتاب. وأصبح من المتعذر أن ترى كتابًا قد بذل فيه المؤلف جهدًا يستحق القراءة، أو أضاف شيئًا جديدًا لم يسبقه إليه أحد، أو علمًا قديمًا قد أخرج بثوب جديد، وعرض مشوق، وقالب سهل ليستفيد منه أبناء هذا العصر.

إن مما يؤلم أن ترى معظم الكتب التي تملأ رفوف المكتبات بأجمل التصاميم وأكثر الألوان جاذبية مجردة من المحتوى الذي يتناسب مع هذه الزخارف والألوان والصفحات المصقولة.

يبهرك غلاف كتاب، وعندما تتصفحه ترى أن من كتبه لم يضع فيه حرفًا واحدًا من عنده، بل نقله بكامله من كتب أخرى وكتب أسفل الغلاف تأليف فلان، أهذا من الأمانة العلمية؟

كيف يجرؤ مثل هذا على كتابة اسمه على الغلاف؟ وكيف تطبع دور النشر فصولًا منقولة من كتب أخرى تُنسب لغير أصحابها؟

وترى كتبًا أخرى تبهرك عناوينها وعندما تقلبها تطالع عبارات غير متناسقة وأفكارًا مشتتة، وكلمات مبعثرة، وعندما تسأل عن سبب ذلك، يخبرك الناشر أن هذا الكتاب ما هو إلا شريط مفرغ لذلك العالم المشهور.

أبو خلاد

albelali@bashaer.org


 

 

طبقه صلى الله عليه وسلم عمليًّا ولم يرفعه شعارًا أجوف:

إنما بعثت محررًا

  • اهتم الرسول  بتوجيه العقول وإقناعها لتختار ما تعتقد وما تدين به لله طوعًا لا كرهًا.

  • ليس لأحد من الناس، حتى الأنبياء أن يستطيلوا على الناس بسلطان أو قداسة ولو باسم الدين.

السيد الشامي (*)

(*) خدمة مركز الإعلام العربي – القاهرة

جاء في وصف عباد الله المتقين قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ * قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ (الأعراف:157 – 158).

لم تكن بعثة النبي  لبني هاشم أهله الأقربين ولا لقريش قومه ولا للعرب الذين نشأ واحدًا منهم يتحدث بلسانهم ويتألم لآلامهم ويفرح لفرحهم، إنما كانت بعثته للبشرية كلها من حيث هم بشر وللناس جميعهم عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم وأحمرهم، وهكذا قدم النبي  نفسه وقدمه القرآن للناس وللعالم: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا﴾ (الأعراف:158)، ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ:28). على عكس ما جاء على لسان نوح: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ (الأعراف:59)، وكذا هود وصالح وعيسى وموسى: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا﴾ (الأعراف: ۷۳)، ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودًا﴾ (الأعراف:65)، ونجد موسى وعيسى يخاطبان بني إسرائيل.

 وهكذا نجد الفرق بين رسالتين: رسالة قُطرية وقومية، وأخرى عالمية إنسانية، فلم يكن النبي أخا العرب من دون الناس ولم يقل الله له قل: «يا بني إسماعيل»، أو «يا أيها العرب»، إنما هو أخو البشرية كلها، تجاوزت رسالته الآفاق والزمان والمكان «ليبغلن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار لا يترك بيت مدر ولا وبر إلا دخله». 

جاء النبي  على حين فترة من الرسل وانقطاع من الكتب فكانت رسالته أسمى الرسالات، وكان كتابه مهيمنًا على الكتب، جاء  لا ليحرر العرب من ظلم بعضهم بعضًا، ولا من تسلط القوى الكبرى آنذاك الفرس والروم، وإنما جاء إلى الجميع محررًا، واقتضت حكمة الله أن يكون التحرير هو البند الأول في كل الرسالات: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: ٣٦).

 كما اقتضت مشيئته سبحانه وتعالى أن يكون النبي محمد  خاتم النبيين ورسول الله إلى الناس أجمعين، وكانت مهمته  ليست بالمهمة التي يستطيعها كل أحد؛ لأنها القول الثقيل الذي أُلقي عليه، والذي لا يستطيعه إلا أولو العزم من الرسل الذين كان النبي إمامهم وأولهم. 

أرسل الله رسوله محمد بن عبد الله لينير طريق الناس في الحياة ويفتح أعينهم لتبين الحقائق، ويرفع عن كاهلهم تلك القيود التي فُرضت عليهم في الأزمان السابقة عندما كانوا كالأطفال في عقولهم ومداركهم، والأغلال التي طوقها بهم بعض من يدعون رجال الدين والكهنة باسم الدين ليملوا عليهم إرادتهم وسلطانهم، والدين منهم براء؛ لأن من مهمات الرسول الأولى أن يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالرسول ما هو إلا مذكر ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ* لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ (الغاشية:21-22).

فالإسلام لا يصادر حريات الناس في الأقوال والأفعال، ولا في العقائد والأفكار، حتى لو كانت هذه العقيدة هي الإسلام، الدين المرضى عند الله ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّ﴾ (البقرة:257).

﴿أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ (يونس:99).

فعدم إكراه الناس على قبول الدين واعتناقه كان القاعدة الأولى التي أرسى معالمهما النبي ؛ لأن مهمة الرسول محصورة في توجيه العقول وإقناعها لتختار ما تعتقد وما تدين به لله طوعًا لا كرهًا، ولذلك قبل النبي من الناس علانيتهم وأوكل سرائرهم إلى الله، وقصر مهمته على البلاغ المبين ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ (النحل: 82)، ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ﴾ (الغاشية:21).

وقصة أسامة الذي قتل الرجل لأنه قال لا إله إلا الله -عندما رفع أسامة السيف ليقتله في إحدى المعارك- معروفة، وعتاب النبي والقرآن له معروف كذلك ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنًا﴾ (النساء:94). 

وليس لأحد من الناس ولا حتى الرسل -عليهم السلام- أن يستطيلوا على الناس بسلطان أو قداسة، حتى لو كانت باسم الدين، ولذلك لم يدع النبي  الربوبية ولم يزعم لنفسه أي سلطان، ولم يطلب من الناس الخضوع لشخصه أو حتى إطرائه والقيام له «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم»، «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد، وإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد». ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام:50). 

أين ذلك مما تعيشه البشرية اليوم من محاولة البعض دولًا وزعامات وقيادات فرض سلطانها وسطوتها على الناس، وكذلك فرض ثقافتها ولغتها وأنظمة حكمها ونمط حياتها على الشعوب بدعوى أن في ذلك تحريرًا لهم؟!

اليوم تقف البشرية على حافة الاستبداد والفرعنة والتألُّه من قبل بعض القوى في العالم، وتحتل شعوبًا وأوطانًا زاعمة أنها جاءت لتحررهم. 

إن النبي عندما جاء إلى البشرية جاءها والحال هو الحال، والوضع هو الوضع، ولله در من قال واصفًا حالة البشرية يومها: 

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم          إلا على صنم قد هام في صنم

فعاهل الروم يطغى في رعيته            وعاهل الفرس من كبر أصم عم

ما أشبه طغاة الأمس وأصنام             الأمس بطغاة وأصنام اليوم

اليوم البشرية تساق إلى حتفها ويراد لها أن تصفق لجلاديها وقاتليها ومحتليها، تفرض عليها ثقافات وزعامات لم تبد رأيها فيها.

إن البشرية رغمًا عنها تُفرض عليها أفكار ومبادئ وأنماط حياة وأزياء ولغات، بحجة عولمة مفروضة وتلاشي الحدود والمسافات يراد لثقافة واحدة ونمط حياة واحد ولغة واحدة أن تكون هي المهيمنة إن لم يكن بالترغيب فبالقوات العسكرية والقاذفات الصاروخية، مع أن الرسول المبعوث رحمة لهذه البشرية لم يُكره أحدًا على دينه، ولم يطلب من أحد أن يسلم كرهًا، أنَّى يكون له هذا وهو المحرر للبشرية والمطلوب منه أن يكسر هذه القيود وهذه الأغلال؟!

إن رسول الله  أرسى مبادئ التحرر والحرية، ولو كان يجوز في الإسلام تقديس الزعامات والأشخاص لحق للمسلمين والبشرية أن تصنع تمثالًا للرسول باعتباره محرر البشرية، ولكن لم يكن ذلك كذلك لأن النبي  جاء ليجعل المقدس والقدوس هو الله لا البشر.

لقد بعث النبي  ليقول لبلال وعمار وصهيب وسلمان: قفوا إلى جوار أبي بكر وعمر وحمزة في الصلاة، وليجعل منهم المؤذنين والأمراء والقادة. إن البشرية اليوم لتستعيد بسيرة نبيها ومحررها حريتها وتحررها.

تحرير عقولها من ربقة وقيود المبادئ المفروضة والمعتقدات الموروثة عن الآباء والأجداد. 

تحرير نفوسها من أسر الشهوات التي تستبد بصاحبها فتجعله عبدًا لها.

تحرير الشعوب من وصاية واستبداد الغاصبين لحريتهم، سواء كانوا حكامًا أو قادة أو كهنة يطلقون على أنفسهم زورًا وبهتانًا «رجال دين».

إن الناس مولودون على الحرية كما هم مولودون على الفطرة، فالحرية هي الفطرة التي فطر الناس عليها، وإذا أتيح للناس وللشعوب أن تختار بحرية دون إكراه، لما اختارت غير الإسلام الذي هو فطرتها، وساعة أن يتدخل البشر في إفساد هذه الفطرة، وفي ممارسة شعائر القهر والاستبداد عليهما، نجد أن هذا القهر يجعل من هذا المسلم بالفطرة يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا.

ولذلك كان من نعم الله على نبيه  أن تربى في البادية حرًّا طليقًا بعيدًا عن قيود المدنية وسلطة الوالدين، فنشأ محبًّا للحرية وعدم الخضوع لأحد من الناس، وعندما عاد لأمه وكان وحيدها لم تشأ أن تعكر عليه صفوه أو تملي إرادتها عليه، وهكذا عامله جده عبد المطلب، حيث كان له فراش خاص في ظل الكعبة لا يجرؤ أحد على الجلوس عليه إلا محمد بن عبد الله.

وعندما نشأ وترعرع ورأى خضوع قومه لتلك الأصنام المنحوتة من الأحجار لم تهضم نفسه بفطرته السليمة الحرة هذا العمل، فلم يخضع ولم يسجد لها قط، كما أنه لم يقبل ما كان يتردد من أفكار وخرافات وأقوال دون فكر حر وتأمل طويل.

وهكذا اعتنق  مبدأ الحرية بفطرته، ولم يحاول أحد أن يغير رأيه أو يخضعه لغير ما هداه إليه عقله وضميره.

ولقد فقه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المعنى الحقيقي لبعثة النبي  عندما أعلن قولته المشهورة لعمرو بن العاص عندما سابق ولده ولد أحد الأقباط فسبق القبطي ابنه فضربه ابن عمرو بن العاص، فقال: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟». وهذا ما نؤكده في هذا المقال الذي نؤكد فيه على النبي  الذي خاطبه ربه بقوله: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾ (آل عمران:64). 

ماذا نسمى ما يحدث اليوم على أرض العراق وغيرها؟ أوطان تحتل ودماء تسفك، وإعلان أن أمريكا إنما جاءت لتحررهم، هكذا أصبح شعار الحرية هو الدين الجديد الذي تريد أن تفرضه المتألهة أمريكا، فالحرية في مفهومها والتحرر في نظرها ألا يكون للشعوب رأي وألا يقاوم المحتل الغاصب، وأن يرضى بحاله وواقعه. وما علم هؤلاء أن الحرية لا تقام بالدماء ولا بالحروب ولا باحتلال الأوطان وقهر الشعوب.

إن العالم ليتعطش إلى حرية كالتي حملها محمد  إلى العالم، فلم يُكره أحدًا على الإسلام، وإنما كان الجهاد الذي رفع لواءه وسيلة من وسائل رد العدوان ومحاربة المغتصبين لحريات الناس.

إن البشرية لتتطلع إلى ذلك اليوم الذي تتحرر فيه باسم محمد ، فلم يعد هذا الكون ينعم بالحرية إنما هي شعارات جوفاء يعلنها المغتصبون لحقوق شعوبهم، ولو كانت هذه الشعوب تنعم بالحرية حقًّا لاستجاب المتحكمون فيها لهذه المظاهرات وتلك المطالبات التي رفضت العدوان والحرب على شعبي العراق وفلسطين وغيرهما. 

ماذا تُسمى تلك الدعوات المتكررة من تلك الأقليات بتقرير مصيرها؟! أليس تقرير مصائر هذه الشعوب هو المرادف لمفهوم الحرية والتحرر؟ إن حروبًا كثيرة ومقاومات وانتفاضات كانت من أجل الحرية والتحرر والاستقلال، أليس النبي  كان محررًا بحق؟

أهل الجنة وأهل النار

عبد الله محمد القاضي

لما شاء الله لآدم أبي البشر -عليه السلام- أن يهبط إلى الأرض، لتكون مستقرًّا له ولذريته ومتاعًا إلى حين، إثر المخالفة التي زينها له الشيطان حينما أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها في الجنة، وضع الله قانونًا لعباده، فأهل الخير يختارون فعل الخير والطاعة، وأهل الشر يختارون فعل الشر والمعصية، وترتب على ذلك وجود الجنة والنار، الجنة لمن أطاع الله، والنار لمن عصاه. 

وتبعًا لذلك فإن أصحاب الجنة لهم مواصفات خاصة، وكذلك أهل النار.

روى مسلم في صحيحه عن النبي  أنه قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك»، وذكر البخل والكذب، والشنظير الفحاش.

والمقسط هو العادل. والذي لا زبر له أي لا عقل له يمنعه مما لا ينبغي. لا يبتغون أي: لا يطلبون ولا يرغبون. لا يخفى أي: لا يظهر. والشنظير الفحاش: سيئ الخلق.

هذه صفات أهل الجنة وصفات أهل النار، وهذه النماذج موجودة في حياتنا المعاصرة، وقد وجدت في الماضي، وستستمر إلى ما شاء الله.

فالرجل الرحيم رقيق القلب لكل ذي قربي ومسلم، والعفيف المتعفف ذو العيال، هذان الصنفان اللذان يدخلان في أهل الجنة لا تخلو المجتمعات المسلمة منهما، إلا أنهما يعيشان في الخفاء، فلا يعلم بهما إلا القلة الملتصقة بهما بحكم الجوار أو القرابة، ويجهلهما كثير من الناس.

أما أهل النار فذكر الحديث منهم: الضعيف الذي لا زبر له، أي لا يتورع عن الانزلاق والسقوط الأخلاقي، ويحب أن يكون دائمًا عالة على غيره في مأكله ومشربه، وفي كل شيء، فلا يهمه إلا اتباع شهوته وإشباعها، فهو كالحيوان، بل أضل!

أما الصنف الثاني فهو الخائن الذي لا يخفى له طمع، وإن دق، إلا خانه! ديدنه الخيانة صغرت أم كبرت، دقت أم جلت، خفيت أم ظهرت، فهو في تصوره ومفهومه وحساباته لا يستطيع أن يعيش إلا بهذه الطريقة التي تجري في عروقه مجرى الدم. 

ففي ظنه أنه لو ترك ذلك السلوك المشين لمات وانتهى، كالجُعل عندما يستنشق هواء نقيًّا صدفة فإنه يموت من توه في مكانه. 

أما الصنف الثالث من أهل النار فهو الرجل الذي لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، يتظاهر لك بالصداقة والإخلاص والنصح والأخوة وهو يضمر في نفسه الخيانة والمخادعة، فهو يخطط للتطاول على عرضك وشرفك ومالك، يبدو كالحمل الوديع، وملمسه ناعم كالثعبان، ولكنه يترقب الفرصة المواتية للانقضاض عليك وأنت لا تشعر، فيجب عليك أن تكون دائمًا في حذر من هؤلاء.

أما الصنف الرابع من أهل النار فهم أهل البخل والكذب، وهذه الصفات من أشنع صفات المنافقين، فالبخل رذيلة والكذب رذيلة، وهما من أخلاق ضعاف الإيمان الذين ترتعد فرائصهم لأدنى هزة أو صوت ﴿يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ﴾ (المنافقون:4).

لا يثقون بالله ولا بوعوده بالرزق والخير والأمان، فتراهم يعددون أموالهم ويكنزونها ويخبؤونها، محرومون منها، وتراهم عالة على الغير، وقد استمرؤوا الكذب وقول الزور، فلا أحد يصدقهم أو يثق بهم، ويكونون دائمًا مثار سخرية وتهكم من الغير، لأنهم سقطوا من أعين الناس، فأذلهم الله وألبسهم ما كانوا يعتقدون ويضمرون من سوء الفعل والعمل.

 والصنف الخامس والأخير من أهل النار هو «الشنظير»، وهو الفحاش السيئ الخلق الذي لا يقول خيرًا، بل يسب ويلعن ويقذف البريء والمحصن ولا يقول إلا باطلًا، ملك الشيطان لسانه وعشش في عقله، يسيره كما شاء، فتنفر منه الخلق وتلعنه في سريرتها، وتتعوذ بالله من شره، يعشق الجدل والمراء وقول الفحش وشهادة الزور والبهتان، وهو الخصم الألد اللجوج الذي لا يقنعه رأي أو صلح أو منطق، وسواء ظهر الحق أو خفي فإنه مستمر في لجاجته وعدوانيته وخصومته، ويشغل السلطات والمحاكم بالدعاوى الكيدية واستئجار شاهدي الزور، مع أنه في الأصل شاهد زور من الدرجة الأولى!

ولا تخلو المجتمعات من أمثال هؤلاء، فتلك سنة الله: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلًا﴾ (الفتح:23).

فإن كنت من أحد الأصناف الخمسة -وإني أربأ بك عن هذا- وما دمت في زمن المهلة والفسحة وإمكانية التوبة والندم والاستغفار والاعتذار إلى الله، فاغتنم ما بقي من حياتك وتصالح مع الله، وتب إليه وانطرح بين يديه بالدعاء في وقت السحر وأوقات الإجابة، فإذا علم صدقك وعزمك على التوبة تاب عليك وقبلك، فتحظى بحسن الخاتمة إن شاء الله.

 

الإيمان يجمع المسلمين.. والعصبيات تفرقهم

د. زكريا المصري

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه» (متفق عليه). الإيمان بالله تعالى ورسوله  يجمع بين المؤمنين، ويشد بعضهم إلى بعض، كما يشد «الإسمنت» لبنات الجدار بعضها إلى بعض ليجعل منها بناء قويًّا متماسكًا، وعنصر الشد والتماسك بين المؤمنين هو المحبة المتولدة من اشتراكهم في هذا الإيمان، التي قال فيها النبي : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وبالتالي فإن الحب في الله يشد أفراد المؤمنين وجماعاتهم بعضهم إلى بعض، كما يكون ذلك في البناء، كما قال : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، فيعين القوي منهم الضعيف، ويساعد الغني الفقير، ويرحم الكبير الصغير، ويعين بعضهم بعضًا على رد الظلم، ودفع الظالمين باللسان واليد، كما قال : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».

ومن هنا حرم الله تعالى الظلم والعدوان والسخرية والتنابز بالألقاب... إلخ، لأن ذلك يفكك عرى المحبة، ويقطع روابط المودة فيما بينهم، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ * يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ (الحجرات:11-12).

وقال  «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه».

ومن هنا يسعى أعداء الإسلام إلى إفساد المحبة بين المسلمين، بإثارة أسباب الكراهية فيهم لتفكيك أواصرهم وتقطيع روابطهم من خلال إيجاد أسباب الخلاف العقائدي والفكري، ومن خلال إثارة العصبية القومية أو العرقية أو الوطنية ونحو ذلك، ليضعف بناؤهم وينهار كيانهم، فيتمكنوا من السيطرة عليهم، وقد قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمْ﴾ (النساء:71).


دعائم النهضة ومعالم النصر

فهم الواقع

محمد معجوز

maagouz@hotmail.com

حرِي بكل مسلم أن يهتم بأمور دينه ويفهم جيدًا واقعه الذي يعيشه، ويعرف حجم التحديات والمكائد التي تكال له وترصد يوميًّا في طريق إعائقته، حتى لا ينشط بين أبنائه، ولا يصل إلى منصة الحكم، وحتى لا يكون هو المصدر الرئيس للتشريع في بلد ما، وقد كان من المفترض طبيعيًّا أن يتولى إدارة شؤون البشر في العالم أجمع في هذا الوقت بالذات، حيث لا يصلح أي نظام بشري لإخراج العالم من الكبوات المتتالية والأمواج المتلاطمة والظلمات الحالكة التي يتخبط فيها، وأن يكون عزنا وفخرنا في ديننا، وأن ترتبط القلوب والأرواح وجدانًا في كل بقعة إسلامية تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله دون تعسف أو تشرذم، ذلك كله من خلال فهم صحيح، وعقيدة سليمة، وهمة عالية، وإرادة قوية، وعمل مستمر، وإخلاص وتضحية، وتجرد وثبات وثقة، حينئذ ستجد المسلم السائر على منهاج النبوة الصادقة.

وهذه الخطوات وإن بدت متعاقبة في حق الفرد إلا أنها قد تكون متزامنة فيما يتعلق بالشعوب، وهي ضرورية لفهم الواقع الذي يحتم على الحكومات والشعوب كافة أن تتوحد وتتراص ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ (آل عمران:103). وأن تضع أيديها على المرض فتعالجه، والخلل فتصلحه، والانهيار فتوقفه، والتخاذل العربي العام الذي يعصف بالأمة يمينًا وشمالًا فتشد من أزره، وهذه من فوائد فهم الواقع.

ويعني هذا بطبيعة الحال استمرار العمل في سبيل تحقيق مبدأ الفهم الواعي، والعمل المستمر لإعادة صبغ المجتمع بالصبغة الإسلامية الأصيلة، وترسيخ الهوية الإسلامية في النفوس، ورفع معنويات الشعوب المسلمة، وتوجيه الطاقات وتوظيف الإمكانات وتنمية القدرات، وتحويل صورة إسلام العامة إلى إسلام محرك فاعل، يرمي إلى بناء الإنسان بناءً راسخًا، وتبني كل فكرة صالحة تهدف لبناء مجتمع مسلم عملي وعالمي مع إضافة أعباء أخرى على الأفراد في مجال تكوين باقي مؤسسات وشرائح المجتمع المتعددة، التي باتت في أمسِّ الحاجة الآن إلى متخصصين في كل المجالات.

وأنا أتساءل: لماذا لا نوجه أولادنا لما يحتاجه الواقع الآن سواء كان في الطب، أو الهندسة، أو الإعلام، أو التجارة أو السياسة لنسد ثغرة قد يأتينا منها العدو؟ ولماذا نرغب جميعًا في أن يكون أولادنا إما مهندسين أو أطباء فقط، ونستحي من كثير من التخصصات النافعة؟

لماذا ننظر تحت أقدامنا والرسول  كان عالميًّا، ودعوتنا عالمية؟ أين عالم الذرة، وصانع الإبرة و الصاروخ، ومطور الطائرة، ومصمم القنبلة والدبابة؟ وأين الإعلام الإسلامي الفعال؟ وأين القنوات الإعلامية المفتوحة والمتاحة لأصحاب القدرات الإعلامية؟ أين البرامج الإعلامية الإسلامية البديلة؟ وأين الأنشودة البديلة والمسرحية الهادفة والمسلسل والفيلم الذي يبني ولا يهدم؟! أين المحلل السياسي المحنك وكذلك الخبير الاقتصادي والمفاوض الدولي؟

قد يكون هذا كله موجودًا، ولكنهم قليلون جدًّا في مجتمع إسلامي يزيد عدده على مليار ونصف المليار نسمة، وبالتالي نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب أنفسنا أولًا بفهم واعٍ يتفق مع واقعنا المعاصر. 

وعندما تسود هذه الفكرة فنفهم الواقع جيدًا ونوفر متطلبات النهضة، ستعيش الأمة عالية الهامة مرهوبة الجانب، وستعود حينئذ إلى دورها الأصيل الذي تخلت عنه سواء بمؤامرات أعدائها أو بحبها الدنيا وإيثارها على الآخرة، ونسيانها الغاية التي من أجلها أخرجت للناس، والرسالة التي يجب أن تنهض بها، وستعود إلى فطرتها وأصالتها ﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗ﴾ (البقرة:138) وتُتوج بالهوية الإسلامية الخالدة، وتنعم الأمة بالأمن والأمان لأن هذا الدين ميراث عزيز غال على المسلمين ليس تفريطها فيه بالشيء الهين، ولا إبعادها عنه بالأمر المستطاع، مهما بذلت في سبيل ذلك الجهود الهدامة المدمرة. فلقد ورثنا هذا الإسلام الحنيف واصطبغنا به صبغة ثابتة قوية تغلغلت في الضمائر والمشاعر ولصقت بحنايا الضلوع وشغاف القلوب.

 

الرابط المختصر :