العنوان المجتمع التربوي- العدد (1477)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2001
مشاهدات 33
نشر في العدد 1477
نشر في الصفحة 52
السبت 17-نوفمبر-2001
وقفة تربوية
التعامل مع الفتنة
روى الشيخان والإمام أحمد عن هريرة- رضي الله عنه-«قول النبي ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجاً أو معاذاً فليعذ به»
(صحيح مسلم).
يقول الإمام المناوي في شرح هذا الحديث- فيض القدير ٩٨/٤: «القاعد فيها».
أي القاعد في زمنها عنها- خير من القائم- لأن القائم يرى ويسمع- ما لا يراه ولا يسمعه القاعد، فهو أقرب إلى الفتنة منه، والقائم فيها- يعني القائم بمكانه في تلك الحالة- خير من الماشي- في أسبابها- والماشي- فيها خير من الساعي إليها أي الذي يسعى ويعمل فيها.
ويقول الإمام النووي معلقاً: «القصد بيان عظم خطرها، والحث على تجنبها والهرب منها والتسبب في شيء منها، وأن شرها يكون على حسب التعلق بها.
والتشرف الوارد في الحديث يعني التطلع للفتنة، ومن تطلع للفتنة فإنها تستشرفه أي تجره لها.
في هذا الحديث العظيم يبين لنا النبي خطورة الخوض في الفتن ويدعونا إلى الابتعاد عنها قدر الإمكان، وأن الخيرية تزيد على قدر البعد عنها والسلامة من شرورها، لأن الخائضين فيها والمتطلعين لها لابد أن يكتووا بنارها.
ويدعونا رسول الله( حينما تشتد الفتن إلى أن نبحث عن الملجأ والمعتصم لتلوذ به اتقاء هذه الفتن، ولا شك أن أول هذه الملاجئ الاعتدال والرجوع إلى أقوال جماهير علماء أهل السنة والجماعة والابتعاد عن الأفكار الشاذة والمخالفة لقول الجمهور والمناقضة لروح الإسلام، وهدي النبوة، وكذلك كف اللسان واليد والخطي عن الفتنة ومسعريها.
أبو خلاد
برنامج يزمي في رمضان
إن الذي أعطاه الله تعالى فقهاً في الدين، وهداه سبيل الرشاد وحب الخير يدرك أن شهر رمضان المبارك من أوله إلى آخره، بل يوم واحد منه يعد فرصة طيبة ومجالاً واسعاً لتحصيل أكبر قدر ممكن من الحسنات والأجور من خلال التقرب إلى الله بأفضل الطاعات، وتنوع العبادات، فإن استطعت ألا يسبقك أحد إلى الله في هذا الشهر فافعل.
قبل الفجر
التهجد قال تعالي: ﴿أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾(الزمر: ۸).
السحور: «قال النبي : تسحروا فإن السحور بركة»(أخرجه النسائي). «متفق عليه».
-الاستغفار إلى أذان الفجر قال تعالى: ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾(الذاريات: 18).
- أداء سنة الفجر: قال النبي: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (رواه مسلم).
بعد طلوع الفجر
التبكير لصلاة الصبح قال النبي: «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهماً ولو حبوا»(أخرجه مسلم).(متفق عليه).
الانشغال بالذكر والدعاء حتى إقامة الصلاة قال النبي: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة»(رواه أحمد والترمذي وأبو داود)
الجلوس في المسجد للذكر وقراءة القرآن إلى طلوع الشمس: أذكار الصباح، «فقد كان النبي إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء» (رواه مسلم).
صلاة ركعتين، قال النبي: «من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة» (رواه الترمذي).
الدعاء بأن يبارك الله في يومك «قال النبي: اللهم إني أسألك خير ما في هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه، وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده» (رواه أبو داود).
النوم مع الاحتساب فيه: قال معاذ رضي الله عنه: إني لاحتسب في نومتي كما احتسب في قومتي الذهاب إلى العمل أو الدراسة «قال النبي: ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (رواه البخاري).
الانشغال بذكر الله طوال اليوم: «قال النبي: ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله تعالى فيها»(رواه الطبراني).
صدقة اليوم مستشعراً دعاء الملك اللهم اعط منفقاً خلفاً.
الظهر
صلاة الظهر في وقتها جماعة مع التبكير إليها، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن رسول الله علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه»(رواه مسلم). أخذ قسط من الراحة مع نية صالحة وإن لبدنك عليك حقاً ...
العصر
صلاة العصر مع الحرص على صلاة أربع ركعات قبلها: «قال النبي: رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً»(رواه أبو داود والترمذي).
سماع الموعظة قال النبي: «من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً ويعلمه كان له كأجر حاج تاماً حجته»(رواه الطبراني).
الجلوس في المسجد قال النبي: «من توضاً في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم الزائر» (رواه الطبراني بإسناد جيد)
المغرب
الانشغال بالدعاء قبيل الغروب،«قال النبي : ثلاثة لا ترد دعوتهم وذكر منهم الصائم حتى يفطره»(أخرجه الترمذي).
تناول وجبة الإفطار مع ذكر الدعاء، كان من دعاء النبي: «ذهب الظماً وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى»(رواه أبوداود).
أداء صلاة المغرب جماعة في المسجد، مع التبكير إليها.
الجلوس في المسجد، وقول أذكار المساء الاجتماع مع الأهل، وتدارس ما يفيد قال النبي وإن لزوجك عليك حقاً.
الاستعداد لصلاتي العشاء والتراويح.
العشاء
صلاة العشاء جماعة في المسجد مع التبكير إليها
صلاة التراويح كاملة مع الإمام «قال النبي: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»(رواه البخاري ومسلم).
تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل قال النبي: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» (رواه البخاري). (متفق عليه).
برنامج منوع
زيارة أقارب- صديق- جار ممارسة النشاط الدعوي الرمضاني- مطالعة شخصية-
مذاكرة ثنائية أحكام- آداب.
سلوك... إلخ.. درس عائلي. تربية ذاتية- حضور مجلس الحي
مع الحرص على الأجواء الإيمانية، واقتناص فرص الخير في هذا الشهر الكريم.
خالد بن عبد الرحمن الدرويش
٢٠ حافزاً على فعل الخير
قال الله تعالى ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾(المزمل: ٢٠).
انطلاقاً من روح هذه الآية الكريمة، فإن من المحفزات على عمل الخير ما يلي:
1- معرفة أبواب الخير التي أمر الله بها المسلم.
2- أن يستحضر هذه المعرفة بخصال الخير في ذهنه لئلا ينساها .
3- استثمار الأجر المترتب على فعل الخير.
4- حضور اللقاءات الأخوية والأجواء الإيمانية.
5- معرفة أن السباق إلى الخيرات مطلب شرعي قال تعالى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾(البقرة: ١٤٨).
6- زيارة الجمعيات الخيرية والهيئات الإغاثية
7- استشعار أن التنافس في الخيرات صفة من صفات المؤمنين قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ (الأنبياء: ٩٠).
8- إدراك مدى حسرة وبكاء السلف على فوات الخير، فكان أحدهم، إذا فاتته صلاة الجماعة بكى.
9- استشعار أن العمر قصير وأن الأنفاس معدودة فيحتاج المسلم، والحال هذه إلى الجد في فعل الخير
10- قراءة كتب الزهد والرقائق وفضائل الأعمال
11- معرفة أن الدال على الخير كفاعله، وأن المتسابق إلى فعل الخيرات له أجر من تبعه، وقلده.
12- زيارة أهل الخير ومجالستهم، وصحبتهم ومحبتهم، وطلب زيارتهم والدعاء منهم.
13- معرفة مدى حرص السلف الصالح على التنافس في أمور الخير.
قال الفاروق في حق الصديق: والله ما سابقته إلى خير إلا وجدته قد سبقني
14- دعاء الله أن ييسر لك عمل الخير
15- استشعار نية الخير، وانشغال القلب بذلك.
16 - معرفة أن النبي ﴿كان يدعو ويسأل الله فعل الخيرات. ففي دعائه (اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات﴾ (رواه الترمذي).
17- استحضار الجنة ونعيمها.
18 - إدراك أن عمل الخير في الحياة سبب لثناء الناس على فاعله في الدنيا ومحبتهم له وذكرهم الحسن بعد الموت.
19- استشعار المرء أن فاعل الخير مع طول عمره يكون من خير الناس عند الله تعالى
20- معرفة أن المداومة على العمل الصالح، وإن قل أحب إلى الله تعالى.
هذه عشرون حافزاً على فعل الطاعات والتقرب إلى الله بأفضل القربات، فليتك أخي المسلم تنهل منها... قبال الله تعالى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(الحج: 77).
المجتمع التربوي
رمضان إليك أتحدث
ها هي السماء تبتسم عن هلاله.. وها هي الأرض تهش لاستقباله.. إنه الشهر الكريم المبارك.. شهر الخيرات الربانية والنفحات الإلهية والفيوضات الرحمانية.. أقبل أيها الشهر الكريم، وأقم طويلاً في هذه الأمة المسكينة، أقم فيها ما شئت وعلمها أن الشهوات قيود الأسر، وأن المطامع أساس الاستعباد، وأن أساس الحرية الاستغناء، وأن الإرادة متى قويت والعزيمة متى صحت، لا يقف في وجههما شيء، وأن غذاء الطين طين، بينما غذاء الروح روح.. اقبل أيها الحبيب، فكم نحن في شوق إليك، تأتي كل عام فتغسل أدران قلوبنا وتروي ظمأ نفوسنا، وترفرف بأرواحنا في مدارج السمو والتعالي على الشهوات والملذات، فنتشبه بالملائكة التي لا شهوة لها.
تأتي كل عام فتتعطر المساجد بأنفاس الذاكرين الراكعين الساجدين الداعين المستغفرين، والتوابين الأوابين، ويعود القرآن غضاً طرياً على الألسنة، وتسخو الأيدي بالعطاء. والمآقي بالبكاء، وترفل المآذن والقباب في حلل من البهاء والجمال والأنوار.
أوله الرحمة تغمرنا
ويطيب لأنفسنا المنهل
أوسطه مغفرة كبرى
من كل خطايانا نغسل
آخره عتق من نار
لولاه كانت تتغلغل
كم نحن في حاجة إليك، كم نحن في حاجة إلى أن نتعلم في مدرستك العظيمة، ونتحلق حول مائدة دروسك البليغة، كم نحن في حاجة إلى أن تلتحق بجامعتك الكبرى التي تقدم دورة تدريبية مكثفة كل عام، لا يلتحق بها إلا ذوو الهمة العالية والإرادة الواعية الذين يرغبون في أن يتاجروا مع الله تعالى تجارة لا تبور، لا أكتمك سراً- أيها الشهر المبارك- أننا- نحن المسلمين- قد تفرقت بنا السبل فضعفت
عاطف أبو السعود
عزائمنا وخارت قوانا وصرنا- إلا من رحم الله عباداً لشهواتنا جل همنا وأكبر سعينا وغاية مرادنا إشباع الشهوات وإرضاء الملذات.
قد تسألني متعجباً ولم كل هذا؟ ألم تتعلموا مما قدمته لكم من دروس وعبر طوال أربعة عشر قرناً؟ ألم أقص عليكم قصص البطولة والفداء والتضحية والعطاء؟ ألم أرب فيكم العزائم، وأصنع منكم الرجال؟
وأجيبك حزيناً بل قد أتيت وعلمت وربيت ولكننا كثيراً ما ننسى، تأخذنا الحماسة في أولك، وتضعف الهمة في وسطك، ثم تخبو شعلة الحماس في آخرك فينفرط منا العقد قبل أن ينعقد، وينقض منا البناء قبل أن يكتمل.
لكن.. ما زال الأمل يداعبنا
كلما أقبلت كل عام ينساب في قلوب المؤمنين نور وتتجدد مشاعر وتحيا آمال
وكلما أقبلت استعاد المسلمون ذكريات النصر الخالدة، وصفحات الضياء المشرقة في تاريخ الأمة المجاهدة التي تمر الآن بشدائد نرجو الله أن يرفعها وابتلاءات ومحن نسأل الله أن يخففها عنها.. كلما أقبلت أيها الشهر الكريم- أقمتنا على أول طريق العزة، وفتحت لنا أولى صفحات المجد والفخار، وذكرتنا بمجدنا التليد وماضينا المجيد واستعدنا قول هاشم الرفاعي:
ملكنا هذه الدنيا قرونا
وأخضعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياء
فما نسي الزمان وما نسينا
ما زال الأمل قوياً في التغلب على الشهوات والملذات، ومن ثم النصر على الأعداء، ما زال الأمل قوياً في مغالبة الأنفس، فذاك هو الطريق المغالبة أهل الهوى والضلال والباطل ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾( النور: ١٩)
ما زال الأمل يداعبنا- أيها الضيف العظيم- في أن نحسن محاسبة أنفسنا ومراقبة ربنا والتأسي بنبينا المصطفى، الذي كان أكثر الناس طاعة لله سبحانه، ومع ذلك كان أكثر الناس خوفاً من الله، وأشد الناس حساباً لنفسه ما زال الأمل يداعبنا، بأن نخرج منك، وقد ازددنا من الله قرياً، ولله وداً، وعلى الآخرة إقبالاً، ومن الدنيا حذراً.
طاعة.. أربع وعشرون ساعة
إن فيك يا رمضان من خصال الخير ما لا يُحصى، ومن فيوضات الله ما لا يذكر، فالمسلم الحق يشمر فيك عن سواعد الجد، ويعلن الحرب على نفسه؛ لأنه يعلم أنها أعدى أعدائه، وأنها لا بد أن تحمل على طاعة الله حملاً، وأن تساق إلى رحاب ربها سوقا ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾(الشمس: من 7 إلي 10).
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: من 37 إلي 41).
ومن ثم فإن من يريد أن يظفر بالفوز والنجاة والرحمة والمغفرة والعتق من النيران في هذا الشهر الكريم، يضع لنفسه برنامجاً إيمانياً مكثفاً: فهو يبدأ يومه بطاعة، ويختمه بطاعة، وما بين البدء والختام يتقلب- أيضاً- في صور شتي من الطاعات، إنه يبدأ يومه بالسحور، ناوياً الصيام مخلصاً النية لله. رب العالمين، ثم يثني بصلاة الفجر، ثم يجلس يذكر ربه تعالى حتى تطلع الشمس، فيكتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، كما أخبر الصادق المصدوق، ثم ينصرف إلى عمله غاضاً بصره ذاكراً ربه تالياً كتابه، داعياً إلى سبيله، قدوة في سلوكه وقوله.
إذا سابه امرؤ أو شاتمه لا يرد عليه بل يقول كما علمه المصطفى إني صائم إني صائم وهو مع صيامه لا يتكاسل في عمله، بل يتقنه خير ما يكون الإتقان ويؤديه أحسن ما يكون الأداء.
ويخطئ من يظن أن الصيام تكاة أو حجة للتكاسل أو التواني أو الإساءة إلى الناس في معاملتهم، فـ(رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر) ثم يعود إلى بيته- وقد صلى الظهر والعصر- ليأخذ قسطا من الراحة ثم يصحو قبل صلاة المغرب، فيعطر لسانه وقلبه بأذكار المساء، فإذا ما انطلق أذان المغرب أفطر على تمرات أو رطبات أو حسا حسوات من الماء ثم توجه إلى بيت من بيوت الله فأدى الصلاة، ثم يعود فيفطر إفطاراً لا يسرف فيه ولا يكثر حتى لا يتثاقل جسمه عن أداء صلاتي العشاء والتراويح، إذا الهدف من الصيام قتل شهوتي الفم والفرج أو ترويضهما إلى أقصى درجة ممكنة، فإذا ما ملأ المسلم معدته في الإفطار، فما حقق للصيام هدفاً، ولا قتل في النفس شهوة، وبعد صلاتي العشاء والتراويح لا يضيع وقته الثمين في الملاهي أو المعاصي- حاشا أن يفعل المسلم ذلك - بل عليه أن يستثمر هذا الوقت في زيارة أحد إخوانه أو السمر مع أولاده، أو تلاوة آيات من كتاب الله العزيز أو المطالعة المفيدة المثمرة أو في أي عمل نافع آخر، ولا يطيل في ذلك ، إذ يحرص على النوم مبكراً للقيام لصلاة التجهد، فهذه صفة من صفات عياد الله المؤمنين حقاً، الذين قال الله تعالى عنهم﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾(الذاريات: 17 و 18).
وقال سبحانه عنهم في سورة السجدة﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾(السجدة:17 و18).
وليسأل كل مسلم نفسه إن لم أحي رمضان بالطاعة والصيام والتهجد والقيام.. مع كل ما فيه من منن عظيمة وعطايا جليلة ومضاعفة للحسنات ومغفرة للسيئات وتصفيد للشياطين، وتفتيح لأبواب الجنان وتغليق لأبواب النيران فمتى إذن سأفعل؟ وماذا انتظر؟.
فرصة نادرة وغنيمة باردة
إن رمضان فرصة نادرة وغنيمة باردة ومضمار للتنافس في فعل الخير لا يغفل عنها إلا من رغب عن التجارة مع الله تعالى الذي حثنا على أن نتاجر معه وبين أن تلك التجارة أبداً لن تبور:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾( فاطر: 29).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(الصف: من 10 إلي 13).
ولو تصورت أن تاجراً انصرف عن تجارته في مواسم الربح والرواج، أو أن زارعاً انشغل عن زراعته في مواسم الزرع والنماء، فماذا أنت عنهما قائل؟ وتصور أن موائد حافلة قد نُصبت، وتحلق حولها الراغبون وفُرشاً وثيرة قد بسطت وجلس عليها الجالسون، وبينما أنت تصرف بصرك هنا وهناك إذا برجال يفترشون الثرى، ويتحلقون حول مائدة عليها بقايا طعام لا يسمن ولا يغني من جوع فماذا أنت عنهم قائل؟ هل يعرض عن مواسم الخير والعطاء، ونفحات البر والسخاء، إلا من سفه نفسه وغرته الدنيا وخدعه شيطانه؟
إن الحديث عن رمضان حديث ذو شجون، وهو متعدد الرؤى والزوايا، ويجب أن يكون ثرياً ثراء هذا الشهر العظيم، فهو غرة الأيام والشهور، وزينة الأعوام والدهور.
أر الله من نفسك خيراً
أخي: أعلم أن الله اصطفاك ومن عليك وأعطاك ولو أراد الله بك شراً- وحاشا وكلا- فهو القائل في كتابه الكريم:﴿ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾( النساء: 147).
أقول: لو أراد الله بك شراً لما هداك للإيمان، ولما أفاض عليك- كما أفاض على عباده المؤمنين- بنعمة القرآن، ولما أمد في عمرك وأعطاك الفرصة تلو الفرصة، والمنحة وراء المنحة، فعليك أن تري الله من نفسك خيراً.
تذكر أن الله يباهي ملائكته بعباده الصالحين الذاكرين، وأنه- جل وعلا- يفرح بتوبة التائبين وأوبة الأوابين، وهو الذي لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، فهل تحب أن يفرح بك ربك جل وعلا ويباهي بك ملائكته؟
وتذكر أن الله جل وعلا قد عقد معك- أيها المؤمن الحق- صفقة رابحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111).
وما أصدق قول الصديق رضي الله عنه في هذه الآية "أنفس خلقها، وأموال رزقها، ثم لما علم بخلنا اشتراها منا" سبحانه بفيض كرمه وجوده وعطائه، ومع ذلك فنحن عن ذلك من الله المعرضين، وفيه من الزاهدين إلا من رجم العالمين ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت69:).
﴿فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185).
المجتمع التربوي
شهر خير ورشد
جنود المعالي
كلمة كثيراً ما نقرأها أو نسمعها في الندوات، فهل يوجد من حاولت نفسه فهم المعنى الحقيقي لها أو حاول أن يروض نفسه، حتى تصبح من جنود المعالي، ومن جنود المعالي أصلاً؟ هم أصحاب النفوس الكبيرة التي تعبت في مرادها الأجسام، هم الذين تاقت أنفسهم إلى بلوغ المجد وقمة العلياء، وأبت إلا أن تشارك في إضافة لبنات في بناء الحضارة، هم أولئك الذين تطلعت نفوسهم إلى السماء، فكان مطلبهم وأمنيتهم الوصول إلى القمة الشامخة لا تقف أمامهم عوائق. لماذا؟.. لأنهم رسموا وخططوا للانتصار، ولأن لديهم همة عالية تجعلهم يستصغرون ما دون النهاية من معالي الأمور.
فإذا كنت تريد أن تكون من هؤلاء، فلا بد أن يكون فيك عزم متواصل لا تراجع معه، وأعلم أنك في ميدان سباق مع الزمن فاجعل من عزمك سلاحاً.
وأعلم أن الهمة إنما تكون في أول الطريق وأوسطه ونهايته، وذلك لبلوغ الأهداف: فما نيل المطالب بالتمني لكن تؤخذ الدنيا غلابا عليك بأن تطرق أبواب الرحمن على الدوام بأداء العبادات، وأن يكون لديك العلم الكافي ليس أي علم، إنه العلم الذي يبقى مع صاحبه إلى الموت.
العلم الذي مفتاحه القراءة والاطلاع، وبقدر الإمكان حاول أن تتصيد السلبيات قبل أن تتصيدك، وأن تتخذ من الإخوان مرأة تبصر من خلالها زلاتك وأخطاءك، وأن تحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وأن تعلم أن الطريق إلى بلوغ المعالي هو التنافس وليس التحاسد وحاول أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم ﴿رجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23 ).
فأنت حيث جعلت نفسك، فإذا أردتها عالية ، وجب عليك أن تدفع غالي الأثمان وتستسهل الصعاب، وأعلم أنه إذا اعتادت نفسك التحليق أبت الاستقرار على الأرض وكرهت أن تكون مع المتخلفين.
هناء عبد الرزاق هلال ماليزيا
شهر خير ورشد
ارتباط رمضان بالشهر القمري يعني أن يتذوق المرء طعم الصيام في جميع الفصول على مدار حياته
عبد الباري محمد الطاهر(.)
(.) كلية المعلمين. أبها السعودية
abdulbarim@yahoo.com
أظلنا شهر رمضان المبارك، يحمل معه ذكريات عام مضى وانقضى، وآمالاً عريضة مليئة بالتفاؤل والرضا..«قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»(رواه البخاري ومسلم).
وأول ما يستوقفنا في هذا الشهر المبارك الدعاء النبوي الكريم حين نرى هلاله: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله هلال خير ورشد رواه ابو داود والترمذي وابن حبان وبهذه المناسبة فإن ارتباط الصيام بشهر قمري هو من رحمة الله تعالى بعباده، لأن ذلك يعني أن يمر الصوم على أيام السنة كلها، فتجد المسلم يصوم تارة في الصيف القائظ وتارة في البرد القارس، وتارة في جو معتدل ليتذوق طعم.
الطاعة في كل أوقات العام، ويستشعر فضل الله عليه ثم إن ذلك التواصل بين شهر رمضان والقمر، يشير إلى مدى ارتباط المسلم بالكون فهو جزء منه، فإذا كان الكون يسبح بحمد الله ويطيعه، فالمسلم لابد أن يتوافق مع هذه المنظومة الربانية المسبحة بحمده عز وجل.
بل إن لأول ليلة في هذا الشهر منزلة خاصة أكدها المصطفى في قوله:«إذا كان أول ليلا من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجز وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها ،باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، والله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة»(رواه الترمذي والنسائي وغيرهما).
ولعل من أوائل ما نستقبل به هذا الشهر الذي استعد لاستقبال المسلمين قبل استعداده له- صدق النية والإخلاص لله في العبادة التي وفقنا سبحانه لبلوغها، لقوله عز وجل: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ٱلْخَالِصُ﴾( الزمر: ۳۰۲).
ويستتبع صدق النية التوبة النصوح من المعاصي والآثام التي ارتكبها المسلم في حق الله تعالى أولاً، ثم في حق نفسه أو ذويه، أو من تربطه به صلة: لقوله تعالى﴿يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةࣰ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ ﴾(التحريم:7 و8).
وقد استعدت الجنات وتزينت لاستقبال عمارها الذين تابوا إلى الله التوبة النصوح صغيرها وكبيرها، وعزموا عزماً أكيداً على عدم اقتراف الذنوب صغيرها وكبيرها.
ورب مذنب يقول في نفسه: لقد أسرفت في المعاصي قبل رمضان فهل لي من توبة؟! ويجيب الحق تبارك وتعالى عليه مخاطباً نبيه،﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(الزمر:53).
وقال جل شأنه:﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾(طه: 82).
الإيمان والقرآن
يلي ذلك الايمان بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم عليه وسلم نبياً ورسولاً واحتساب ثواب الصيام عند الله عز وجل الذي تكفل سبحانه به؛ لقوله: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وقال صلى الله عليه وسلم- مبلغاً عن ربه عز وجل-« كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، الحديثان»(رواهما البخاري ومسلم).
ثم هناك الأهتمام بالقرآن الكريم تلاوة وحفظاً و مدارسة لما في ذلك من الفضل والخير قال سبحانه﴿إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيرًا﴾(الإسراء:9).
وقال:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾(فاطر: 29- 30).
وقال:«إن الله يرفع بهذا القرآن قوما ويضع آخرين»(رواه مسلم).
وقال:«أهل القرآن أهل الله وخاصته»(رواه النسائي وابن ماجه) (النسائي وابن ماجه).
بل جمع رسول الله بين فضل شهر رمضان وفضل القرآن بأعتبارهما يشفعان لصاحبهما.
فقال صلي الله عليه وسلم «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان»(رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه).
كما ينبغي استقبال هذا الشهر بكثرة الاستغفار، وخاصة في وقت السحر، لقوله تعالى:﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾(الذاريات: 18).
وقال عليه الصلاة والسلام «إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه وذلك كل ليلة» (رواه مسلم).
، وقد علق الإمام النووي على ذلك بقوله: فيه إثبات ساعة الإجابة في كل الليل رجاء مصادفتها ليلة، ويتضمن الحث على الدعاء في جميع ساعات ومن الاستغفار إلى التهجد بالليل، فقد قال الله عز وجل يصف عباده الطائعين: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾(الذاريات: 17).
وقال: رسول الله عليه الصلاة والسلام «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم» (رواه الترمذي وابن خزيمة) وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم وليس هذا فحسب، بل لابد من الإنفاق والتقوى ورفع راية الجهاد، وحفظ اللسان، وقلة الطعام، واجتناب الموبقات .
متى دمعت عيناك من خشية الله آخر مرة؟
هل دمعت وأنت تتلو كتاب الله تعالى إذن. فمتى قرأته آخر مرة؟! وهل أصابك الخشوع إذ سمعته؟ قال الله تعالى:﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾(الزمر: 23).
فهل تقشعر جلودنا حين نسمع كلام الله أو نتلوه: «عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي القرآن، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية»(تخريج المسند الشاكر).
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 41).
قال: حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (متفق عليه).
كم قرأ أناس:﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَاْۚ﴾(البقرة : ٢٧٥).
ثم لم يتورعوا عن الربا وكم قرأ أناس:﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يغضوامِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾(النور: 30).
ثم أطلقوا لأبصارهم العنان كأنهم لم يقرأوها أو لم يعلموها ما أعجب أحوالنا اليوم، تُقربنا الأيام والليالي من أجالنا وتبعدنا الأماني الفارغة عن الاستعداد لما أمامنا.
كم دمعت أعين أناس لا من خشية الله ولكن تأثراً بأمور دنيوية، أنها لم تلتحق بركب من يبكون من خشية الله، ذلك أنها ربما لم تكتحل بتدبر حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ..اللهم عنا على تفقد أنفسنا. ومراجعة أحوالنا، والتوبة من الذنوب والمعاصي التي أعقبتنا قسوة في قلوبنا وقحطا في مآقينا وتمادياً في غفلتنا