; المجتمع التربوي (العدد 1384) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1384)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000

مشاهدات 81

نشر في العدد 1384

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 18-يناير-2000

وقفة تربوية

أخلاق المُطلِّقين

يروي الأبهيشي في المستطرف أن رجلًا طلق امرأته، فلما أرادت الارتحال قال لها: «اسمعي، ويسمع من حضر، إني والله اعتمدتك برغبة، وعاشرتك بمحبة، ولم أجد منك زلة، ولم يدخلني عنك ملة، ولكن القضاء كان غالبًا».

فقالت المرأة: «جُزيت من صاحب ومصحوب خيرًا، فما استقللت خيرك، ولا شكوت ضيرك، ولا تمنيت غيرك، ولا أجد لك في الرجال شبيهًا، وليس لقضاء الله مدفع، ولا من حكمه علينا ممنع».

لم نعد نرى مثل هذه الأخلاق الحسنة ولا حتى شيئًا يسيرًا منها بين عموم المطلقين بل نرى عكس ذلك من سوء أدب وظلم يتجاوز الطرف الآخر ليصل إلى الأبناء الذين ليس لهم ذنب فيما جرى من انفصال، كما نرى انتقامًا أسود يتجاوز حدود القيم والمبادئ والأخلاق.

فهذا يمتنع عن النفقة، وآخر يهجر أبناءه ويرتمي في أحضان الزوجة البديلة، دون أن يتذكر أن له أبناء من الأولى لهم حقوق عليه، وأخرى تترصد لمطلقها فما من محاولة للزواج من ثانية إلا وتتصل بها لتشوه صورته، وتسيء إلى محاسنه وتصوره على أنه وحش كاسر، ليس له من أخلاق البشر شيء، وكذلك يفعل بعض المطلقين مع مطلقاته.

إننا نعاني من أزمة أخلاقية، قبل معاناتنا من مثل هذه التوترات الاجتماعية، ولهذا السبب كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصينا -كما جاء في الحديث: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» فلم يكتفِ بالدين فقط، بل بالأخلاق شرطًا رئيسًا مع الدين ذلك أنها الجوهر الحقيقي له.

  أبو خلاد

من جماليات البيان النبوي

ثلاثة.. لا ترد دعوتهم

عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين».

من الأحوال التي تتأكد فيها العبودية الخالصة لله «الدعاء»، الذي يصدر عن إحساس الداعي بعجزه وحاجته إلى العطاء والنصرة، ويصدر كذلك عن يقينه بقدرة خالقه المطلقة، وعطائه الذي لا يحد، والداعي حين يرفع يدي الضراعة إلى خالقه الكريم لا يرغب بشيء في ذلك الوقت قدر رغبته في إجابة دعائه لينال ما يريد.

وفي هذا الحديث يكشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أحوال تتأكد فيها إجابة الدعاء، والكشف عن هذه الأحوال ليس هدفًا مقصودًا لذاته، بل يأتي حفزًا للنفوس كي تستبق الخيرات، وتبصرة للعباد كي يؤدوا الأمانة التي استرعاهم الله عليها، وصيانة للسلوك من الزيغ والظلم، ودفعًا للسلوى في نفس المرء حين يقع تحت وطأة الظالمين، فدعوة الصائم الذي أمسك عن الطعام والشهوة ابتغاء مرضاة ربه، ودعوة الإمام العادل الذي يراقب الله في جميع أمره، ودعوة المظلوم الذي أقدم الظالمون على ظلمه، كلها من الدعاء الذي لا يرده الله.

والحق أن بناء الحديث يتسم بالترابط والإحكام، ففي قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ترد دعوتهم» اجتذاب لأذهان السامعين، ودفعهم إلى متابعة مكونات الحديث التي تكشف عن هؤلاء الثلاثة، خاصة حين يرتبط ذكرهم بأمر تهفو إليه كل نفس وهو «إجابة الدعاء»... وفي بناء الفعل «ترد» للمجهول تعظيم من شأن السميع المجيب سبحانه.

وتفصل وحدات الحديث القول في أمر هؤلاء الثلاثة وهم: الصائم حال إمساكه عن الطعام والشهوة، مما يبلور اطمئنان قلبه بالإيمان، والإمام العادل الذي يجتهد في تحري العدل والقيام بحقوق العباد الذين أصبحوا أمانة في عنقه، ودعوة المظلوم.

ومما يجذب الأنظار أن دعوة المظلوم مثار عناية خاصة في هذا الهدي النبوي لذا استأثرت بصورة ممتدة تأخذ بالألباب، إذ يتابع السامعون هذه الدعوة وهي تعلو صوب السماء، مرتفعة فوق السحاب، وقد فتحت لها أبواب السماء ليقسم خالق الكون سبحانه بعزته وجلاله لينصرن هذا المظلوم ولو بعد حين.

ومما يلحظ في هذه الصورة كذلك أنها تتكون من وحدات متصلة، تؤدي كل واحدة منها إلى تاليتها، في أداء مناسب يطلعك على روعة البيان النبوي ومرد هذا الأداء المنساب أن عناصر الصورة كلها مستقاة من عالم السماء العلوي مما يكشف عن هذه المنزلة الخاصة التي تستأثر بها دعوة المظلوم.

وإن القلوب لتخفق، والنفوس لتوجل، وهي تتابع أطراف هذه الصورة الممتدة التي بلغت ذروتها في هذا القسم الإلهي المهيب: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين»، ومما يجذب الانتباه في هذا القسم التأكيد الذي ظفر به فعل النصرة «لأنصرنك» وتنبهنا حتمية الإجابة على نحو ما يدلنا «ولو بعد حين»، فالنصرة واقعة حتمًا، فإن لم يظهر ما يشير إلى حدوثها على الفور، فالأمر ليس إلا وقتًا يمر، ثم يمن الله بنصر المظلوم.

والثمرة المرتجاة من هذه الصورة بما يحيط بها من ظلال وجدانية تتمثل في تخويف الظالمين من الاجتراء على ظلم العباد فإن أنس المرء من نفسه قدرة على ظلم الناس، ثم جأر المظلوم بالدعاء، فإن دعوته مستجابة حتمًا، ينضاف إلى ذلك فائدة أخرى هي تخفيف المرارة التي تمتلئ بها نفوس المظلومين، وتوجيههم إلى السلوك الرشيد الذي ينبغي عليهم اتخاذه، وهو التوجه إلى الله بالدعاء الضارع.

نسأل الله أن يرزقنا أجر الصائمين القائمين، وأن يعيننا على أداء ما استرعانا عليه من أمانات وحقوق، وأن يقينا الظلم، وأن يصرف عنا الظالمين.

  د. طارق سعد شلبي

  كلية الآداب- جامعة عين شمس

ضرورة إعداد جيل يسد فراغ الراحلين ويربط الأمة بأفكارهم

في عام الحزن المنصرم فقدنا كوكبة من العلماء والفضلاء والدعاة، يتصدرهم الشيوخ عبد العزيز بن باز، وعلي الطنطاوي، وصالح بن غصون، ومناع القطان، ومحمد المجذوب، وعطية محمد سالم، ومصطفى أحمد الزرقا، ومحمد ناصر الدين الألباني.. وغيرهم، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: ما واجبات الأمة تجاه هؤلاء العلماء الأفذاذ؟

إن للعلماء منزلة جليلة في الإسلام دونها بقية المنازل فيما عدا الأنبياء والرسل، فقد شرف الله تعالى العلماء ورفع قدرهم، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (المجادلة: ١١).

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (فاطر: ٢٨)

يقول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية-رحمه الله- «العلماء هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة- قبل مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم-فعلماؤها شرارها إلا المسلمون، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا.1

وتتجلى منزلة العلماء-أيضًا- في كونهم ورثة الأنبياء، يسيرون على منهاجهم، ويقتفون آثارهم، يدعون إلى الله على بصيرة، ويعملون صالحًا ويشفقون على المسلمين، ولا تزال الأمة بخير ما دام فيها علماء ربانيون راسخون في العلم يسلكون السبيل المستقيم، ويسيرون على المنهج القويم، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ولهذا فإن فقد العلماء مصيبة كبيرة، وخسارة بالغة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».2

حاجة الناس إلى العلماء أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ (النساء: ٥٩) وكما جاء أن أولي الأمر هم: العلماء والأمراء، قال ابن القيم: «والتحقيق أن الأمراء يُطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء».3

البكاء والحزن على العلماء

هل يقتصر البكاء والحزن على البشر عند فقد عزيز أو موت حبيب؟ كلا.. إن البكاء والحزن يكون في الإنسان وفي غيره من مخلوقات الله كالسموات والأرض، وهذا ما أتطرق إليه بإيجاز:

نقل ابن جرير- رحمه الله- في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (الدخان: ٢٩): أتى ابن عباس- رضي الله عنه- رجل فقال: يا بن عباس أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (الدخان: ٢٩). فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، بُكي عليه: وإذا فقد مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها، بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض، وعن مجاهد، قال: كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا».4

ففي الآية دلالة على إحساس السماء والأرض وتعبيرهما بالبكاء، وهما من أعظم مخلوقات الله وأعجبها، فإن الله تعالى ذكر بكاء السماء والأرض، وفي هذا بيان عظيم قدرة الله البالغة في تسخير السموات والأرض وما فيهما لما فيه خير الإنسانية الصالحة، حتى إنها تبكي عند فراق ووداع العبد الصالح.

فلمَ لا نبكي ونحزن على فقد علمائنا الصالحين؟ بقية السلف الصالح الذين يتخطفهم الموت من بيننا واحدًا بعد الآخر، حتى أطلق على هذا الزمان زمان قبض العلم.

واجب العلماء في الأمة

إن عظم شأن العلماء في الأمة يزيد من عظم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، فمما ينبغي أن ينهضوا به:

1- اعتناؤهم بتلاميذهم، وتربيتهم لطائفة منهم واصطفاء صفوتهم، حتى يتهيأوا لسد مكانهم من بعدهم، قال ابن جماعة «واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة، من أعز الناس عليه، وأقرب أهله إليه، ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم، ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب علم واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر».5

2- تفويض بعض الأمور العلمية والدعوية إلى الطلبة، مثل إلقاء خطبة وطرح درس، وإصلاح ذات البين لتربيتهم وتدريبهم.

3- إيجاد صف من العاملين لهذا الدين والتفكير الجاد فيمن يخلفه.

4- تدوين التجارب والمواقف المهمة التي تحصلت لهم طيلة سنوات طويلة في الدعوة والإصلاح، لكي تتيح هذه التجارب لمن بعدهم الإفادة منهم في المستقبل.

واجب طلبة العلم نحو العلماء

1- الالتصاق بالعلماء والدعاة، ووضع أيديهم بأيدي العلماء، وعدم قطع أمر دونهم.

2- الإفادة من علومهم وآدابهم وتجاربهم، وطريقة تعاملهم في العلم والدعوة.

3- تزويدهم بالمستجدات وقضايا الواقع المعاصر.

4- الدفاع عنهم والذب عن أعراضهم في حياتهم وبعد مماتهم، قال ابن عساكر: «إن لحوم العلماء مسمومة، وسنة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمرها عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله تعالى منهم لنشر العلم خلق ذميم»6، وكما قيل فيهم: «من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، بلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب».

وكما قال الشاعر:

أقِلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم

  من اللوم أو سُدُّوا المكان الذي سدوا

5- الشعور بالمسؤوليات والتغلب على المعوقات:

فاصنع لنفسك قبل موتك ذكرها

  فالذكر للإنسان عمر ثان

أسال الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يخلفنا في علمائنا خيرًا، وأن يمد لهم في حسناتهم مدًا، وأن يجعلنا- من بعدهم- خير خلف لخير سلف.

  د. عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين

  كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحساء

1  مقدمة رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص 8.

2  رواه البخاري ٣-كتاب العلم ح (۱۰۰)، ومسلم ٤٧-كتاب العلم، ح (٢٦٧٣)، وصحيح مسلم (4/ 2058).

3  إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 10).

4   انظر: تفسير الطبري (٢٢/ 33-26).

5   تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، ص ٦٣.

6   تبيين كذب المفتري، ص ۲۸.

حُماة القرآن.. عليكم سلام

محمد نبهان.. شيخ قراء «حماة» المجاهدة

بقلم: عبد العزيز المشوح

كنا ونحن في المرحلة الابتدائية نردد النشيد الوطني «حماة الديار عليكم سلام» فتأخذنا الحماسة والانفعال الجماعي لنشيد الوطن دون أن نفقه شيئًا من معانيه، حتى إذا كبرنا، وكبرت همومنا علمنا أن معنى ذلك تخليد للبطولة والفداء من أجل الوطن وإشادة بأولئك الذين يدافعون عن أرضهم ومقدساتهم، وهذا جميل إن كانت النية خالصة لله، مربوبة على طاعته، والإذعان لمبادئه وتعاليمه.

وإن كنا نرى أن الأولى أن توجه هذه التحية لأولئك الجنود المجهولين من حملة كتاب الله وحفظته الساهرين على تعليم الأجيال كلماته ومعانيه، لأن هذا الغرس هو الذي سينمو ويثمر أجيالًا مخلصة تدافع عن وطنها وأمتها، وهي السياج المتين والحصن الحصين، لكل ما تتعرض له هذه الأمة من مؤامرات المتآمرين، وكيد الكائدين ولقد شهدنا «حماة الديار» أولئك عندما ابتعدوا عن منهج الله، وخلت قلوبهم من معاني القرآن، ونفحاته الروحانية، وامتلأت بالشهوات والمطامع الدنيوية الرخيصة كيف ولَّوا هاربين أمام العدو لا يلوون على شيء، حفاة عراة لسان حالهم يقول: «اُنج سعد فقد هلك سعيد».

تذكرت هذه المعاني، وأنا أتسلم من شيخي الفاضل محمد نبهان مصري: الإجازة في قراءة حفص بعد مدة طويلة كنت أتردد عليه فيها بين الفينة والأخرى، أُسمِعُه قراءتي، فيُقوِّم هذه ويصحح الأخرى ويذكرني بمبادئ التجويد وقواعده ويوصلني عن طريق شيوخه بقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأي نعمة هذه التي يغمرني بها هذا الشيخ الجليل؟ وأي بركة أسداها إليَّ؟ وأي خير هذا الذي أوصلني إليه؟ فلئن كانت الحركة الإسلامية قد أوصلتني بالإسلام ونبيه فكرًا وحركة وسلوكًا. فإن شيخي الفاضل قد أوصلني- أيضًا- برسول الله صلى الله عليه وسلم روحًا وقلبًا وصفاء وتساميًا.. فالتقت الأنفاس، وتعانقت الأرواح ورقت القلوب وترقرقت الدموع.. فلا تسمع إلا همسًا، وتتبعنا أثر القائد الرائد لعل قدمًا تقع على قدم وآية وراء آية، وكلمة خلف كلمة وحرفًا إثر حرف، ونفسًا يتبعه نفس فنكون من الفائزين، ونرد حوض نبينا مع الواردين اللهم آمين.

وإذا كانت هذه المناجاة من أثر هذا الحديث، فلا بد من أن نرد الفضل إلى أهله، وننوه بالشيخ ومكانته وعلمه. وقد سبقني إلى ذلك الدكتور الأخ: منير غضبان حين تحدث عن أستاذ شيخنا وشيخ قراء حماة في عصره الشيخ سعيد العبد الله حفظه الله وأدام عليه الصحة والعافية وجزاه عن الإسلام والمسلمين السعادة والرضوان.

فشيخنا الفاضل «هو أبو الحسين محمد نبهان بن حسين مصري قجو، ولد في حماة في ٢٥ صفر ١٣٦٣هـ الموافق ۲۰ مارس ١٩٤٤م، درس المرحلتين الابتدائية والمتوسطة ثم ضعف بصره حتى كف وهو في السابعة عشرة من عمره، ثم التحق بمعهد الحفاظ والدراسات القرآنية وتخرج فيه، وتلقى القراءات العشر عن الشيخ سعيد بن عبد الله المحمد شيخ قراء مدينة حماة في عصره، وعُين نائبًا لمدير المعهد، ودرس فيه، ثم انتقل إلى مكة المكرمة سنة ١٤٠١ هـ- ١٩٨١م. ودرس القرآن والقراءات في جامعة أم القرى وهو ما يزال فيها حتى الآن، أسأل الله أن يختار له الخير حيث كان، إنه سميع مجيب.

ولقد كان الشيخ محمد نبهان مصري وأستاذه سعيد العبد الله من الدرر التي نثرتها كنانة حماة المدينة المجاهدة الصابرة، مدينة العلماء وحفاظ القرآن ومقرئيه، فكانا من نصيب مكة المكرمة وهي أولى بهما، فهي مهبط الوحي، وامتداد لهذا الرعيل المبارك ممن تلقوا القرآن غضًا طريًا على ألسنة مشايخهم من الحفاظ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولئن كانت العلوم الأخرى تحصل بالجهد والمشقة الفردية، فإن قراءة كتاب الله عز وجل لا تحصل إلا بالتلقي عن الحفظة والمقرئين والعلماء الذين تلقوه عن أسلافهم الأتقياء الصالحين، ولئن كان للرسم العثماني في كتابة القرآن مزايا وأغراض كثيرة فإن أهمها حمل الناس على أن يتلقوا القرآن من صدور ثقات الرجال، ولا يأخذوه عن هذا الرسم الذي جاء غير مطابق للنطق الصحيح في الجملة وينضوي تحت هذه الفائدة مزيتان:

الأولى: التوثق من ألفاظ القرآن وطريقة أدائه وحسن ترتيله وتجويده، فإن ذلك لا يمكن أن يعرف على وجه اليقين من المصحف مهما تكن قاعدة رسمه، واصطلاح كتابته، فقد تخطئ المطبعة في الطبع، وقد يخفى على القارئ بعض أحكام تجويده كالقلقلة والإظهار والإخفاء والإدغام، والروم والإشمام ونحوها، فضلًا عن خفاء تطبيقها، ولهذا قرر العلماء: أنه لا يجوز التعويل على المصاحف وحدها بل لا بد من التثبت في الأداء والقراءة بالأخذ عن حافظ ثقة، وإن كنت في شك فقل لي بربك هل يستطيع المصحف وحده- بأي رسم يكون- أن يدل قارئًا، أيًا كان على النطق الصحيح بفواتح السور الكريمة، مثل: «كهيعص، حم، عسق، طسم» ومن هذا الباب الروم والإشمام في قوله سبحانه: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ (يوسف: ١١) من كلمة لا تأمنَّا.

الثانية: اتصال السند برسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك خاصية من خواص هذه الأمة الإسلامية امتازت بها عن سائر الأمم.

منحة لا محنة

ومن هنا كانت محنة الشيخين- حفظهما الله- وإخوتهم الكثر في هجرتهم من بلادهم خيرًا، ومنحة استفاد منها طلاب العلم ورواده: القراءة الصحيحة والحفظ المتقن، والقراءات المروية عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بلسان الوحي متمثلين بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران: ١٠٤).

 وقول رسولنا الكريم عن معاوية رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (صحيح مسلم).

١- إنني إذ أنوه بفضل مشايخنا وعلمائنا فإنني أؤكد حقيقة لا نتذكرها إلا عندما نفقد هؤلاء الأعلام أطال الله في أعمارهم فننساهم أحياء وعند فقدهم نقيم عليهم مأتمًا وعويلًا.

والجدير بنا أن نكرمهم في حياتهم وأن ننشر علمهم وفضلهم، وخاصة أننا نرى يد المنون تتخطف علماء أفاضل أمثال: «ابن باز» والطنطاوي، والزرقاء، والمجذوب، والعرقسوسي، وعطية، والقطان» وغيرهم كثير.

2- إننا نفتقد هذه الأيام الأسوة الحسنة، والمثال الرائد الذي نطالب الأجيال أن تتأسى به، وتسير على نهجه، وتقتبس من علمه وفضله، فحري بنا أن نتخذهم أسوة وقدوة ونعرف الأبناء فضلهم ومكانتهم.

3- إن في سيرة حياتهم، وعلو همتهم وطريقة تعليمهم، وما كتبوا من كتب نبراسًا يُحتذى وطريقًا يتبع خاصة أنهم حرموا نعمة البصر فأبدلهم الله بها نور البصيرة والهدى والمعرفة.

منهج رباني وخلق قرآني

وإنها لمناسبة جميلة أن أذكر بفضل شيخنا حفظه الله من دأب على العلم ومتابعة له، وصبر على التلاميذ ورعاية لهم، والسؤال عن أحوالهم، وتقديم ما يستطيع من عون ومساعدة لهم، وتجمله بالخلق الحسن دماثه، وملاطفة ومحاسنة، وسعة صدر، ومقدرة على المتابعة والتحمل: فما إن تنتشر أنوار الفجر بين جبال مكة وفجاجها، حتى ينبعث صوت القرآن في منزل الشيخ يفوح عطرًا وينتشر أريجًا، ويعبق به المكان فتحل السكينة، وتصفو النفوس، وتسمو الأرواح.

فالطلاب يتتابعون في قراءاتهم كل بدوره. فهذا يقرأ لحفص، وذاك لورش والثالث لقالون فيطلب من هذا مراعاة المد، أو الغنة، أو الإدغام. وقد يشرح فكرة أو يقف عند كلمة، فهذا ديدنه من شروق الشمس إلى الظهيرة، ومن العصر إلى ما بعد العشاء، فرادى وجماعات شيبًا وشبابًا نساء ورجالًا، كل بدوره وكل بوقته، فجزاك الله يا شيخنا خير الجزاء، فإن كنت قد حرمت نعمة البصر فقد عوضك الله نور البصيرة ومنَّ عليك بنور القرآن فكنت هاديًا مهديًا.

ولم يمنع الشيخ متابعة طلابه ومريديه من التأليف والكتابة فصدر له من الكتب وجميعها في أصول التجويد والقراءات، ما يلي:

1- المذكرة في التجويد.

2- الرياش في رواية الإمام شعبة بن عياش.

3- القمر المنير في قراءة الإمام المكي عبد الله بن كثير.

4- الثمر اليانع في رواية الإمام قالون عن نافع.

وسوف يصدر تباعًا إن شاء الله.

1- عبير من التحبير في القراءات الثلاث المتممة للقراءات العشر.

2- فوح العطر في رواية الإمام الدوري عن أبي عمرو.

3- الإستبرق في رواية الإمام ورش عن نافع طريق الأزرق.

أخيرًا: إذا كان هذا ما ملأ الشيخ به المكتبة القرآنية، فإن ما ملأ به المدارس ومراكز التحفيظ والجامعات من موطنه في حماة المجاهدة إلى أم القرى العشرات بل المئات من حفظة وقراء يلهجون بذكره، ويدعون له مؤتسين بمنهجه سائرين على طريقه في وقت قل فيه الأسوة وفقد الرواد.

مُحدث الحجاز الشيخ محمد الصومالي

في منتصف ليلة الأحد لأربع خلون من شهر رمضان كانت وفاة العلامة المحدث الشيخ محمد بن عبد الله الصومالي المكي عن عمر يناهز تسعين عامًا، في مستشفى بمكة إثر معاناة طويلة مع المرض، وقد صُلي عليه في المسجد الحرام، ودفن بمقابر عدل.

كان الشيخ من مواليد مقاطعة أوجادين في منطقة الصومال الغربي المحتل من قبل إثيوبيا، حيث نشأ وتربى فيها وحفظ القرآن في صغره على يد معلم حسين الرحنويني كعادة أبناء المسلمين في المنطقة، ثم تتلمذ على يد أشهر علماء منطقة القرن الأفريقي، كالشيخ علي جوهر وغيره.

وفي عز شبابه هاجر إلى أرض اليمن ليواصل رحلته العلمية على الرغم من خطورة السفر آنذاك، لكنه لم يطق المكوث تحت وطأة الاحتلال الاستعماري الحبشي، ومضايقاته أيام حكم الإمبراطور الصليبي هيلا سلاسي، وقد وصل إلى اليمن أيام حكم الأئمة، غير أنه بعد خمس سنوات واصل رحلته في طلب العلم حتى وصل إلى مكة المكرمة عام ١٣٦٠هـ الموافق ١٩٤٠م، وأثناء وجوده في اليمن نهل من منابع العلم ومعاقله في اليمن وخاصة ما يتعلق بعلوم اللغة، وعلى كل حال فقد وصل الشيخ إلى مكة، وفور وصوله إليها، وأدائه فريضة الحج انتظم في حلقات العلم التي كانت تعقد بالحرم المكي الشريف، ثم انتظم في دار الحديث الخيرية.

والشيخ محمد بن عبد الله اشتغل في صدر عمره بعلوم متنوعة من فقه، وحديث، وتفسير ولغة، وغير ذلك، وقد سمع الكثير، ورحل وجمع، وكان ورعًا زاهدًا يحاسب نفسه على الأوقات، ولا يدع وقتًا يمضى بغير فائدة، ولا غرابة في ذلك، فقد أخذ العلم على يد علماء أجلاء فيهم الشيوخ: عبد الرزاق حماة، وأبو محمد عبد الحق بن محمد الهاشمي المكي، وسلطان معصوي بخاري، وأبو سعيد الباكستاني، ومحمد شؤيل المصري، ومحمد حامد الفقي، وقد أخذ عن هؤلاء العلماء وغيرهم أمهات كتب السنة والتفسير وعلومه، وعلم العقيدة لا سيما كتب العلامة المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي- رحمهم الله جميعًا رحمة واسعة.

وكان الشيخ محمد بن عبد الله يتميز بمعرفة علم رجال الحديث، إذ كان بارعًا متفننًا فيه، وخاصة رجال جامع الصحيح للبخاري، وقد وضع أحد طلابه وهو الشيخ فهد الكشي كتيبًا سماه: «المفيد في الرجال المذكورين في صحيح البخاري»، يتحدث عن طريق تمييز أسماء الرجال المشتبه بناء على ما استفاده من حلقة الشيخ العلمية.

ومثل ذلك أشار إليه الشيخ مقبل بن هادي الوادعي في كتابه «المقترح في علم المصطلح» كما وصفه العلامة المحدث الطحان بأنه «أعلم الناس بعلم الحديث في منطقة الحجاز» لأنه وسع الحديث الكثير، إذ كان يضبط الضبط الصحيح.

وقد تخرج الفقيد في دار الحديث الخيرية عام ١٣٦٥هـ، وعُين مدرسًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عام ١٣٧٧هـ، وتتلمذ على يديه- رحمه الله- عدد من طلبة العلم لا حصر لهم سواء حين كان مدرسًا بدار الحديث، أو حين كان يلقي الدروس في المسجد الحرام بانتظام.

وكان يواظب على حلقاته العلمية ويحضرها نخبة من العلماء الأفاضل: مثل الشيخ محمد بن عبد الله السبيل- رئيس شؤون الحرم المكي والمسجد النبوي وإمام وخطيب المسجد الحرام- والشيخ يحيى بن عثمان الهندي- من علماء الحجاز في زماننا هذا وله حلقة علمية في المسجد الحرام حتى الآن- والشيخ مقبل بن هادي الوادعي أحد أبرز علماء اليمن، والشيخ أحمد ولد الحبشي مدرس جامع الأنوار في عاصمة إثيوبيا بأديس أبابا، والشيخ محمد الجيش، والشيخ عبد الله بن الشيخ عمر، والشيخ محمد خير بن عمران حسن، وغيرهم كثير.

وبموت الشيخ المحدث محمد بن عبد الله يستمر جرح الأمة الإسلامية، ويتعمق بفقدان كوكبة من العلماء الأجلاء في عالمنا الإسلامي خلال سنة واحدة وهذا قدر من الله سبحانه وتعالى، والموت حتم وواقع لا مفر منه مهما عاشت النفوس وكانت الشخوص.

قال الشاعر:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته

  يومًا على آلة حدباء محمول

وقد اشتهر الراحل بالزهد الواسع، وعدم حبه للظهور متأثرًا في ذلك بشيخه عبد الرزاق حمزة، وقد أنفد جل أوقاته في نشر العلم، وإلقاء الدروس حتى حين صار إلى السرير عجزًا وشيخوخة، كما كان إمامًا جليلًا زاهدًا ورعًا متقشفًا، على طريق السلف رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

رحم الله الشيخ محمد بن عبد الله بن حسن المكي الأوجاديني الصومالي، وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه وطلبته الصبر والسلوان.. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (البقرة: ١٥٦).

  محمد حسين الصومالي- مكة المكرمة

1  كاتب سوري.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 288

106

الثلاثاء 24-فبراير-1976

شريط الاخبار

نشر في العدد 355

93

الثلاثاء 21-يونيو-1977

من شذرات القلم.. العدد 355

نشر في العدد 547

123

الثلاثاء 20-أكتوبر-1981

اتقوا دعوة المظلوم