; المجتمع التربوي (العدد 1378) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1378)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1999

مشاهدات 89

نشر في العدد 1378

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 30-نوفمبر-1999

وقفة تربوية

الحديث بالطلاسم

شوقنا لجيل الريادة، وإعادة مجد الأمة، ومواقف الرعيل الأول يجعل البعض منا أحيانًا يميل لطرح مسائل كبار العلم في كل مناسبة يلتقي فيها هذا العلم، استعجالًا منه يسمع منه لبناء سريع للجيل المأمول.

وينسى هذا الصنف من الدعاة -بالرغم من وجهة نظرهم وصحة نيتهم- أن كبار العلم لا يمكن أن تستوعب قبل معرفة صغاره، حتى ليزين لبعض هؤلاء أنه لا يليق بهم عندما تتاح لهم الفرصة في الصحافة، أو التلفاز، أو الإذاعة، أو المؤتمرات إلا التحدث بكبار العلم. 

كما ينسون أيضًا أن القاعدة الكبرى للمستمعين هي من جيل الشباب الذين لا يفهمون معظم هذه المصطلحات التي قد لا يفقهها إلا قدامى الدعاة، وكبار المثقفين والمطلعين.

يذكر عبد الله يوسف الحسن في الرسالة الثانية من رسائل العين «ربانية التعليم» في الشرط الخامس للانفتاح بالكلام على المجتمع:

«ألا يكون قصد المفكرين والقادة الكلام بكبار العلم في المؤتمرات والصحف عن عمد واستمرار يجعلها هي الموطن الطبيعي لهذا النوع من الكلام أو الموطن المختار وإنما يجعلون ذلك من باب الاستثناء بقصد اكتشاف وإثارة وتشجيع عناصر قوية ذات إبداع ربما لا يصلون لها بطريق الاتصال الخاص، وأما كثافة ما ينقلونه من كبار العلم مما علمهم الله فيجب أن يكون عبر المدارس القيادية والمجالس المنهجية المتكررة، ليتم الشرح بأوفر ما يكون البيان وليكون الحوار المباشر المستخرج من قبل الأستاذ لما لم يكن قد رواه سلفًا من المعاني والإرشادات».

أبو خلاد 

 

أخلاق متولدة من بين قوتي الشهوة والغضب!

الحسد يضر صاحبه في الدين والدنيا.. وعلاجه بالفرار إلي الله

سلوى سعود

أشق ما على النفس الإنسانية تغيير الأخلاق التي جبلت عليها، لكن النفس المجاهدة تحاول أن تكبح جماحها، وأن تصرفها لما فيه الخير، فإذا جاء سلطان الطبع سيطر على مملكة النفس، وطغى على النفس الجاهلة فقط.

وقد اقتضت حكمة الله -سبحانه وتعالى- أن يركب الإنسان -وسائر الحيوان- على طبيعة محمولة على قوتين غضبية وشهوانية.

هاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها، وهما مرتكزتان في جبلة كل إنسان فبقوة الشهوة والإرادة يجذب المنافع إلى نفسه وبقوة الغضب يدفع المضار عنها.

فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه تولد منها الحرص، وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه تولد منه القوة والغيرة، فإذا عجز عن ذلك أورثه قوة الحقد، وإن أعجزه وصول ما يحتاج إليه، ورأى غيره مستبدًا به أورثه الحسد، فإن ظفر به أورثته شدة شهوته وإرادته خلق البخل والشح، وإن اشتد حرصه وشهوته للشيء، ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية فاستعملها فيه أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم.

ومنه يتولد الكبر والفخر والخيلاء، فإنها أخلاق متولدة من بين قوتي الشهوة والغضب، وتزوج أحدهما بصاحبه.

وقد شبه ابن قيم الجوزية هاتين القوتين بالنهر وهو منصب في جدول الطبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله يخربها ويتلفها، فهذه النفس نفس ظالمة جاهلة، تركته ومجراه يخرب ديار الإيمان ويقلع كل ما أمامه.

أما النفوس الزكية فقد انقسمت إلى ثلاث فرق إلى ما يؤول له هذا النهر وهو منصب:

ففرقة رأت أن ترمي قطعة من ينبوعه، فأبت عليهم ذلك حكمة الله تعالى، وما طبع عليه الجبلة البشرية، ولم تنقد له الطبيعة، فاشتد القتال ودام الحرب، وحمي الوطيس، وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة هذه النفس على إزالة تلك الصفات. 

والفرقة الثانية: أعرضوا عنها وشغلوا أنفسهم بالأعمال، لكن لم يمكنوا نهرها من إفساد عمرانهم، بل اشتغلوا بتحصين العمران وإحكام بنائه وأساسه حتى إذا وصل إليه النهر أخذ عنه يمينًا وشمالًا، فهؤلاء صرفوا قوة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة، وإحكام البناء. 

أما الفرقة الثالثة: فرأت أن هذه الصفات ما خلقت سدى ولا عبثًا، وأنها بمنزلة ما يسقى به الورد والشوك والثمار والحطب، وأنها حيوان وأصداف لجواهر منطوية عليها، فرأوا أن الكبر نهر يسقى به العلو والفخر والبطر والظلم والعدوان ويسقى به علو الهمة، والأنفة والحمية والمراغمة لأعداء الله، وقهرهم والعلو عليهم فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس، وأبقوه على حاله في نفوسهم لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع.

وقد رأى النبي ﷺ أبا دجانة يتبختر بين الصفين، فقال: «إنها لمشية يبغضها الله، إلا في مثل هذا الموضع».

ومن الآفات السيئة التي تصيب الداعي لله -عز وجل- وأسأل الله العلي القدير أن يبعدنا عنها- الحسد.

«فالحسد انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها، وسواء أتبع الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ، أو وقف عند حد الانفعال النفسي فإن شرًا يمكن أن يعقب هذا الانفعال».

إن الحسد مرض نفسي خطير له آثار سيئة على حامله فتؤثر في صلاته الاجتماعية، وبالأخص مع من يحسده، لأنه ربما يؤدي إلى القتل، فالحاسد عامل هدم وتخريب في المجتمع.

فمنذ بداية الخليقة، ونزول أبينا آدم -عليه السلام- إلى الأرض، ظهر هذا المرض السيئ في ابن آدم عليه السلام إذ قتل أخاه بسبب الحسد الذي أكل فؤاده وأعمى بصيرته، فلم تهدأ نفسه حتى وجد أخاه جثة هامدة بين يديه، بينما أخوه الصالح كان يقول له قبل قتله: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 28).

وأمر الله -سبحانه وتعالى- رسوله والمؤمنين أن يستعيذوا من أنواع الغدر وذكر منها الحسد، وذلك في قوله عز وجل في سورة الفلق ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ 

وقال رسول ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فلسلطه على هلكته في الحق. ورجل أتاه الله علمًا فهو يعمل به ويعلمه الناس «(متفق عليه).

ففي هذا الحديث يبين رسول الله ﷺ أن هناك نوعًا من الحسد يعني الغبطة بمعنى أن هذه النعمة لا تكرهها ولا تحب زوالها عن حاملها، لكنك تشتهي مثلها، وهذه هي الغبطة، لأنها تعني المنافسة فهي محمودة وممدوحة للمسلم لكي يسعى في حدود قدرته إلى أن يحصل على ما يريد. 

أما الحسد المحرم فيشمل الحسد على النعمة الدنيوية كالمال والولد، والصحة، والجاه، والمنصب.. إلخ.. وهناك الحسد المعفو عنه في النعمة الأخروية، كالإنفاق في سبيل الله، والجهاد والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إلى أخره من الأمور الحسنة. 

علاج مرض الحسد: كما علمنا فإن هذا المرض يعد من الأمراض القلبية الفادحة لأنه ضرر على الحاسد في الدين والدنيا، والحاسد ساخط على قضاء الله وكاره نعمه التي قسمها بين عباده، ومبغض لعدله، فشارك هنا إبليس -والعياذ بالله منه- في حسده لآدم، ومعصيته لربه، وهو في الوقت نفسه يعذب نفسه، ويعيش في كدر وضيق.

فعلاج الحسد يكون بالرضا بقضاء الله وقدره بأخذ النفس باللوم وقهرها بالندم حتى يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه، وأن يكون دائم الذكر الله تعالى حتى يعينه على نفسه، وأن يتضرع إليه تعالى بإخلاص وصدق نية حتى يملأ بالنور قلبه ويشرح للخير صدره، ويخرج بإذنه تعالى من ظلمة الحسد إلى نور حب الخير لكل عباد الله. 

وعليه أن يحكم نفسه عمليًا بمعنى أنه إذا لم يستطع أن يمسك نفسه بالقول أو الفعل على محسوده فعليه أن يهجر هذه البيئة التي تغريه بالإيذاء، ويفر إلى الباري -عز وجل-: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الذاريات: 50).

قال ابن سيرين -رحمه الله تعالى-: «ما حسدت أحدًا قط على شيء قط في الدنيا، إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده عليها وهو يصير إلى النار».

المراجع

(۱) ابن قيم الجوزية مدارج السالكين جـ2.

(۲) سيد قطب في ظلال القرآن ج6.

٣) حسن أيوب السلوك الاجتماعي في الإسلام ج1.

 

من عجائب الدعاء

لقد تضافرت لي ولغيري حوادث شخصية وقصص واقعية مع الدعاء، رأينا فيها عظمة هذا السلاح الفتاك الذي يلتقي مع القضاء في السماء، فيعتلجان... وينتصر الدعاء على القضاء رحمة وشفقة لجباه خرت لله ساجدة في خشوع وتذلل تناجيه بقلوب صادقة وعيون دامعة، تلح.. تستغيث.. تستنجد.. تتضرع إلى بارئها.. تتوسل إليه.. تدعوه في ناشئة الليل.. فتكون ساعة إجابة تخترق القوانين وتعطل السنن بإذن ربها، كرامة لعباده... وهي معجزات ربانية باهرة تذهل العقول وتكشف الهموم وتجلي الأحزان..

إليك عزيز القارئ نماذج من هذه الحكايات تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ۝١١﴾ (الضحى: 11)، نعرضها في حلقات فتأمل معي:

الحادثة الثالثة: بسمة.. ونورة

كان لي ثلاثة أولاد.. وتمنيت وزوجتي أن نرزق ببنت وفعلًا بعد سنوات حملت زوجتي، وكانت نتائج الفحوص طوال الشهور التسعة تبشر بالخير، حتى جاء اليوم الموعود فأسرعت بها إلى مستشفى الولادة والقلب يخفق طربًا لاستقبال المولود الجديد، أدخلت هي الجناح وبقيت أنا في الخارج أترقب البشرى طوال الليل، وطال الانتظار ونقد الصبر فراجعت الموظف أسأله عن الخبر، وألح في السؤال.. فلا أسمع إلا صمتًا.

وقبل بزوغ الفجر، عاودت السؤال عن حال الزوجة فاتصل الموظف بالجناح، ثم طأطأ رأسه وقال لي بأسى: جاءتك مولودة، إلا أنها توفيت قبل الولادة بساعة لالتفاف الحبل السري حول عنقها.. عظم الله أجرك... تلقيت النبأ بوجوم، ثم تمتمت: إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل.

وكانت زوجتي تردد في اللحظة نفسها هذه العبارة، سلمنا أمرنا لله، ورضينا بقضائه، وسكب هذا التسليم ماء باردًا على قلبينا، فالقلب يحزن، والعين تدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.. والخير فيما اختاره الله، ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ﴾ (البقرة: ٢١٦)، وكانت هذه المعاني تبعث الطمأنينة والسكينة في نفسينا، وتحفنا بالرحمة والحنان. 

لم يكن هناك من يواسينا، فأهلي وأهل زوجتي كانوا في سفر، وهي وحدها في الجناح تنظر لطفلتها، وقد غطيت بقطعة قماش جميلة أعدت لاستقبالها، فتحولت إلى كفن أبيض يحتضن المولودة لتسجل في لائحة الوفيات قبل المواليد، أخذتها وأحد أقربائي إلى المقبرة، وكشفت الغطاء لأرى براءة وجمالًا ونورًا يشع من وجهها المشرق، رأيت شعرها الأسود الناعم يداعب بشرتها البيضاء، بدت لي كأنها في نوم عميق لا في موت سحيق، وضعتها بهدوء في القبر وأهلت عليها التراب، ثم عدت لزوجتي فتبادلنا الوصية بالصبر والتسليم بالقضاء.

مرت الأيام والشهور سريعة، فحملت زوجتي ثانية، فلما أثقلت دعونا الله أن يرزقنا مولودة تكون قرة عين لنا، واقترب الموعد.. وجاء الموعد. فخيل إلينا مشهد «بسمة» المولودة الأولى التي كانت أسمًا على مسمى.

وتكررت التجربة بكل تفاصيلها، وما هي إلا ساعات حتى جاءت البشرى بمولودة جميلة تأخذ الألباب، إنها «نورة» التي كانت جائزة السماء وهبة المولى -جل وعلا-، ساقها إلينا في اليوم نفسه الذي ولدت فيه «بسمة» بعد مرور سنة على وفاتها.. اليوم نفسه، وكان في الموعد إشارة للابتلاء الذي أصابنا قبل سنة، فرزقنا الحسنى وزيادة، وجاءتنا مولودة أخرى بعد سنتين، واكتملت الفرحة.. وأيقنت قلوبنا بسعة رحمة الله... فسألناه شفاعة «بسمة» لنا يوم العرض الأكبر.

عبد الله الزامل

 

الشهادة والشهيد.. رؤية تحليلية من منظور إسلامي (٣من ٣)

من أخلاق الشهيد: لا أرض تحده ولا عذاب الدنيا يرهبه

  • عزيز النفس.. مضيء الوجه.. طاهر البدن دائم المعية مع الله

تحدثنا في الحلقة الماضية عن الدوافع التي تجعل الشهيد يقدم طلب الشهادة، وتطرقنا إلى التكوين النفسي والعقائدي له، واليوم نواصل الحديث حول بنائه الأخلاقي، والتربوي.

إنه صبور صدوق رقيق رفيق عفيف لطيف أمين شريف، وفي لله ولرسوله وللمؤمنين، إنه تقي نقي، غضبه في الله، وحلمه في الله حبه في الله وكرهه وبغضه في الله جريء لا يخشى في الله لومة لائم، إنه صاحب عزيمة وشجاعة وإرادة وشكيمة، إنه عزيز النفس لا تعرف نفسه الهوى وما يقرب من اتباع الهوى شعاره قول الله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦) وقول رسول الله ﷺ :« لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جنت به» «أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح».

وفوق هذا وذاك تراه سخي النفس كريمًا جوادًا، يجود بأغلى ما يملك دمه وماله وروحه إنه دائم المعية مع الله دائم الذكر والاستغفار، إن استعان لا يستعين إلا بالله، وإن توكل لا يتوكل إلا على الله، في معظم أوقاته تراه مواظبًا على قراءة ورده اليومي من القرآن، تراه يعبد الله في الصباح والمساء، في حله وترحاله، وفي الليل والنهار، يعامل الكبار باحترام وبر وإكبار ويعامل الصغار برأفة ورقة، ورحمة ووقار حسن المعاملة مع نفسه، ومع والديه، ومع أقاربه، ومع جيرانه، ومع الناس جميعًا.

 إنه من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومن الذين يأمرون بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى واليتامى والمساكين، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ومن الذين ينهون عن البخل والشح وخشية الإنفاق، وحب الأنا والظهور، إنه دومًا عبد لله، مقيم للصلاة، دافع للزكاة، وممن يصومون رمضان وغير رمضان لا يقصر بفرض من فروض الله مادامت نفسه تطيقه وتقدر عليه، فهو يعي ويدرك أن عدالة الله ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: ٨٤)، لا تكلف نفسًا إلا وسعها، هذا من حيث كينونته عقلية إسلامية، ونفسية إسلامية.

ولكي يكتمل التشخيص لابد من الحديث عن التركيبة الجسمية والبدنية لطالب الشهادة في سبيل الله، فهو منذ نعومة أظفاره يهتم بتربية بدنه على القوة والطهارة والنظافة، وهو على إدراك تام بمفاهيم الإسلام وأحكامه المتعلقة بالطهارة والنظافة والقوة، إنه يحب الصحة وبكره المرض، يحب النظافة واللياقة، دائمًا تراه حريصًا على وضاءة وجهه وبدنه وطهارة أعضائه وأركانه من كل دنس ونجس.

 إنه منذ البداية على علم ودراية بضرورة القوة والإعداد في سبيل الله، وسبيل الدفاع عن أعراض المسلمين وقضاياهم المختلفة، إنه ممن تربوا على مفاهيم الإعداد والاستعداد في سبيل الله، وسبيل العقيدة الإسلامية المنبثقة عن الله وما إعداده واستعداده إلا استجابة لنداء الله: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾(الأنفال: ٦٠)، كما أنه على علم ودراية بأهمية القوة في سبيل تحقيق الأهداف والغايات فهي لا تقل أهمية عن العناصر المعنوية كالمسؤولية والأمانة في سبيل تحقيق نفس الأهداف والغايات، وهذا هو معنى قوله تعالى في محكم التنزيل في وصف موسى عليه السلام على لسان ابنة نبي الله شعيب ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26)، وهو مدلول قول رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، (رواه مسلم)، فكلا العنصرين ضروري في حياة العاملين في سبيل الله، وطالب الشهادة يعي ويدرك ذلك تمام الوعي والإدراك.

 إن الإنسان المسلم المدرك الواعي لحقوقه وواجباته تجاه ربه ونفسه ودينه، وأمته، لا يغفل ولا يتغافل عما ذكرنا من مدلولات ومعان ومفاهيم يحتاج إليها كل فرد مسلم، وما طالب الشهادة في سبيل الله، وفي سبيل العقيدة وسبيل الدفاع عن حقوق أمته المغتصبة إلا واحد من أولئك الذين وعوا وأدركوا حقيقة الأمر، وكان واحدًا من الذين أعدوا له عدته، واستعدوا له أكمل استعداد.

هذه هي شخصية الإنسان المسلم الذي تتطلع نفسه إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، ولتخليص العباد من عبادة العباد لردهم إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، إنها شخصية حيوية- ديناميكية.

إنها شخصية داعية إلى الله لا الأرض تحده، ولا العذاب يرهبه.

ويصف أحمد محمد الراشد هاتين الحقيقتين في شخصية الداعية بأنهما حقيقتان بازغتان تصفان الداعية المسلم دومًا، وفي ظلالهما يعيش سعيدًا، ويرددهما مع المرددين

نحن عصبة الإله *** دينه لنا وطن
نحن جند مصطفاه *** نستخف بالمحن 

أحمد محمد الراشد المنطلق، ط ١٥، بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٩هـ- ۱۹۸۹م، ص ۲۲۱).

ويبقى لنا أن نقول ما قاله الحق -تبارك وتعالى- بحق المجاهدين من طلاب النصر والشهادة:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 169-171)

﴿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111)

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)

وهذا هو علم الهدى، وإمام المجاهدين رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم من يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك». «أخرجه البخاري والترمذي»، وهو القائل: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» «البخاري ومسلم» وهو القائل: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد» «مسلم»، وعنه ﷺ أنه قال: «لأن أقتل في سبيل الله أحب إلى من أن يكون لي أهل الوبر والمدر» «النسائي».

 هذا بعض من معالم سيكولوجية الشهادة والشهيد، ويبقى أن نقول لمن يغمزون ويلمزون الجهاد في سبيل الله، ويتطاولون على طلاب النصر والشهادة ما قاله رسول ﷺ: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» «مسلم». ثم لابد من أن نقول لهم: افرحوا كما فرح أسلافكم من قبل، وقولوا الذي تريدون، وأضحكوا والعبوا، واقعدوا مع القاعدين.

﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ* فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ* فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ (التوبة: 81-83)

كلمة أخيرة...

إن الإسلام حينما رغب في الجهاد وطلب الشهادة والاستشهاد، وأجزل في العطاء والثواب لمن يجاهد ويستشهد في سبيل الله، وبشر المجاهدين بنصر وتمكين في الدنيا، وفوز في الحياة الآخرة بما أعد الله لهم من الجنان، فإن ذلك كله لا يعني بأي حال من الأحوال أن الإسلام يسمح لأبنائه، وكل من ينتمون له بالاعتداء على حقوق الناس، أو اتخاذ الجهاد والاستشهاد وسيلة للظلم والعدوان وتحقيق الثروات، والشهوات، والرغبات الفردية، والجماعية.

كلا ثم كلا وما الأمر -في حقيقة الأمر- إلا شحذًا وإعدادًا لهمم المسلمين لحماية دعوتهم الإسلامية مما يحاك لها من مؤامرات ومخططات من قبل أعداء الله، وأعداء الإنسانية.

هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى كي يعمل المسلمون تلك الوسيلة الرفيعة لإزالة أي عائق وأي حاجز مادي قد يحول دون وصول رسالة الإسلام، ودعوته الكلية عن الكون والإنسان والحياة وما قبلهما وما بعدهما، إلى قلوب الحيارى من العباد الذين يتطلعون إلى من يخلصهم من وحل الجاهليات والوهم والخرافات وحياة الاستهواء والاستبداد والهون والاستعباد، وهذا ما فعله الإسلام حقًا يوم أن جاء وأول ما جاء والتاريخ والسيرة يشهدان على ذلك، وهذا هو فعل الإسلام، والغاية من شرعية الجهاد، والحث على الشهادة والاستشهاد في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

هذا هو الحق.. والله أعلى وأكبر، ونسأله -جل وعلا- أن يعلي كلمته، وأن ينصر دعوته، وأن يثبت أقدام المجاهدين في سبيله في كل زمان ومكان.

 

أحوال الناس في الصلاة

الناظر إلى أحوال الناس الدينية اليوم يجد تغيرًا كبيرًا يدهشه، فهذه الصلاة التي هي ثاني أركان الإسلام وعموده، قد أعرض الناس عنها غير مبالين ولا نادمين، إنها الصلة بين العبد وربه، ويتوجب على كل مسلم أن يحرص عليها كل الحرص، وأن يعتني بها كل الاعتناء فبأدائها يكون من المؤمنين الموعودين بالفوز المطلوب والنجاة من المرهوب، ويترك هذا الواجب يكون من الكافرين الموعودين بالجحيم أبد الآبدين.

فإذا حان وقتها وجب الاستعداد والتهيؤ لمناجاة الخالق -جل وعلا- وأخذ الزينة امتثالًا الأمر الله تعالى: ﴿ ۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ (الأعراف: ۳۱)، والاعتناء أولًا بالطهارة التي هي مفتاحها ثم أداؤها بخضوع وخشوع واطمئنان بحيث لا يصلي المصلي بجسمه ويحرك لسانه وشفتيه ويرفع يديه بالتكبير، ويحني ظهره بالركوع والسجود بينما قلبه لا يتحرك ولا يستحضر عظمة الخالق أو لا يتدبر معاني ما يتلفظ به سارحًا في أودية الدنيا يفكر في العقارات والمداينات والسيارات التي عن قريب سيخلفها برغم أنفه لمن بعده.

 فإذا نظرنا إلى أحدهم وهو يصلي لاهيًا في تفكيره يعبث في ثوبه تارة وفي ساعته تارة، وفي أنفه تارة، أو يصلح ثوبه أو غترته، أو يقلم أظفاره بأسنانه وهكذا.. فإنه قد يخرج من الصلاة صفر اليدين ليس معه منها -ربما- إلا نسبة العشر.

ولهذا لو تأملت المؤدي لهذه الصلاة رأيت أن هذه الصلاة لم تؤثر عليه لا في إكمال الواجبات ولا في ترك المحرمات، بل ولا في تخفيفها لأن الصلاة الحقيقية التي أقامها صاحبها من شأنها أن تهذب النفس، وترقق الخلق، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، فإذا رأينا من يصلي لكنه يأكل الربا أو يمارس الزني، أو يعق والديه، أو يقطع رحمه، أو يجاهر بالمعاصي، أو يغش المسلمين، أو يتعامل بالرشوة، أو يتعاطى المخدرات والمسكرات أو يتاجر بها، أو نحو ذلك من المعاصي والمنكرات، فلنعلم أن صلاته التي يصليها لم تنهه عن الفحشاء والمنكر وبالتالي لم يزدد من الله إلا بعدًا!.

وأسوأ من ذلك من يستغل صلاته ليكيد بها الناس أو يتخذها وسيلة يتصيد بها ثناء الناس عليه، أو يحصل بها على شيء من الدنيا.

وقال بعضهم في مصل يتصيد بصلاته:

ذئب رأيت مصليًا *** فإذا مررت به ركع
يدعو وجل دعائه *** ما للفريسة لا تقع
عجل بها عجل بها *** إن الفؤاد قد انصدع

ومن كانت هذه حاله فما أبعده عن الدين وما أقربه إلى الرياء والنفاق، نسأل الله العصمة لنا ولإخواننا المسلمين منهما، ومن كل ما يخل بالدين، إنه جواد كريم.

صالح أحمد الترابي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 244

107

الثلاثاء 08-أبريل-1975

حراس العقيدة وحماة الإسلام

نشر في العدد 323

97

الثلاثاء 02-نوفمبر-1976

بريد القراء (323)

نشر في العدد 359

106

الثلاثاء 19-يوليو-1977

الأسرة (359)