; المجتمع التربوي (العدد 1376) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1376)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

مشاهدات 82

نشر في العدد 1376

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

شهر الرسول صلى الله عليه وسلم

«شعبان» إحرام لرمضان.. وإحياء لذكرى خذلان اليهود

بقلم: محمود عبد الهادي المرسي

لشهر شعبان نفحات جملية وذكريات عطرة تستحق أن نقف عندها، وأن نهتم بها، وما أجدر المسلمين بإحياء هذه الذكريات لأنها أنفاس من الماضي تنساب في حنايا الصدور وشغاف القلوب فتبعث الهمم، وتشد العزائم.

هذا الشهر الكريم هو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقع بين شهر حرام هو رجب وشهر الصيام وهو رمضان، ثلاثة أشهر متتاليات كلها خير ويمن وبركات.

ووقوع شعبان بين هذين الشهرين جعل العرب في العهد الجاهلي يعتبرونه شهر نهب، وسلب، وغارات.. ولكنه اكتسب مكانة خاصة في الإسلام، فهو بمثابة الإحرام لشهر الصيام، ذلك أن لكل عبادة إحرامًا، فإحرام الصلاة الوضوء، وإحرام الوضوء الطهور، وإحرام رمضان شعبان، لأنه يمثل الإستعداد لشهر الإعداد والإمداد.

رفع الأعمال

شعبان شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحتفيه بالكثير من الصيام، فهذا أسامة بن زيد حبيب رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول للرسول: يا رسول الله لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فأجابه ناشر الهدى وواسع الندى: يا أسامة: «ذاك شهر يغفل الله الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله وأحب أن يرفع عملي إلى ربي وأنا صائم».

وروى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان إلا قليلًا» رواه البخاري.

إنه توجيه نبوي كريم يجذب فيه أنظار الناس إلى العناية بطاعة الله والاستعداد بالصيام لشهر الصيام، لأن الصوم من أعظم العبادات وأفضل القربات، وهو سر من الأسرار بين العبد وخالقه، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: الصيام لي وأنا أجزي به» البخاري ومسلم.

تحويل القبلة

في هذا الشهر الكريم- في ليلة النصف المباركة منه- تحولت قبلة المسلمين من بيت المقدس- الذي بارك الله حوله- إلى بيت الله الحرام بمكة، وهو أول بيت وضع للناس، بناه إبراهيم بمساعدة ولده إسماعيل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127).

فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، حتى أمر النبي بالهجرة إلى المدينة، ومضى على مقامه بها ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، كما يقول المؤرخون، ثم تحولوا في صلاتهم إلى الكعبة المشرفة، وكان توجيههم هذا بأمر ربهم قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143).

ولقد جاء الأمر بتحويل القبلة إلى المسجد الرحرام والرسول صلى الله عليه وسلم قد صلى ركعتين من فريضة الظهر في مسجد بني سلمة، ولذا سمي «مسجد القبلتين»، ووصلت الأخبار بعد ذلك إلى مسجد قباء في صلاة الفجر من اليوم الثاني كما جاء في الصحيحين عن إبن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة» «تفسير ابن كثير».

وعن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنه- قال: «لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أوسبعة عشر شهرًا وكان يجب أن يوجهه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: 144)، فوجه نحو الكعبة، فصلى رجل معه العصر، ثم مر على قوم من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر، نحو بيت المقدس، فقال هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه وجه إلى الكعبة فانحرفوا وهم ركوع» البخاري ومسلم.

نعم تشوق النبي الكريم إلى وطنه الحبيب، وقرة عينه، ومسقط رأسه، وأخذ يقلب نظره في السماء، رجاء تحقيق ذلك، فاسجاب الله له وأتم نعمته عليه، وعلى العرب، حيث كانت الكعبة قبلتهم، والبيت الحرام مثابتهم، والناس في أقطار الأرض تبعًا لهم إلى يوم القيامة.

فلما تم ذلك ثارت ثائرة اليهود والكفار والمنافقين، إذ كان تحويل القبلة امتحانًا وفتنة لسائر الطوائف على السواء.

فأما كفار قريش فقالوا: «فقد اشتاق محمد  إلى مولده وعما قريب يرجع إلى ديننا- دين آبائه وأجداده»، وقالت اليهود: قد التبس الأمر على محمد وتحير!.

وقال المنافقون: مثل ما قاله اليهود، لأنهم من فصيلتهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (البقرة: 142)، وقد سماهم القرآن سفهاء، والسفه خفة في العقل وطيش في الأحلام، فقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 142).

لقد ثارت ثائرة اليهود، وتحركت ثعابين الحقد في قلوبهم، وهاجت عقارب التشكيك في صدورهم، وقاموا بهذه الحملة الجائرة من الدسائس والجدل والوقيعة بين المهاجرين والأنصار بين الأوس والخزرج، وبين سائر العرب، فتارة يقولون إن محمدًا يخالف ديننا ويتبع قبلتنا، فيرد الله عليه بقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (البقرة: 144).

فإذا تحولت القبلة إلى البيت الحرام قالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (البقرة: 142)، فيحسم الله هذه القضية حسمًا لا يحتمل شكًّا ولا ريبة ويرد عليهم قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 142).

تارة يشككون المسلمين في صلاة من مات منه وهو يصلي إلى بيت المقدس، فيرد سبحانه عليهم ردًّا يفحم الأعداء ويلقم الحجارة في أفواههم قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (البقرة: 143)، والمراد بالإيمان، هنا الصلاة لأنها أعظم الأركان، والمعنى: كأن الله ما كان ليضيع صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة. «ابن كثير: ج 1».

عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض إلى مشارقها ومغاربها من أمتي» «القرطبي ج 1».

وما دفع اليهود إلى هذا الموقف إلا الحسد الدفين في نفوسهم على الإسلام ونبي الإسلام، إذ إن الجميع يعلم أن بين اليهود وبين المسلمين من سموم الحقد.

وزاد القرآن الكريم الموقف جلاء ووضوحًا فقال المولى سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: 177).

وأوضح الرسول- صلى الله عليه وسلم- ما في نفوس اليهود من حقد وحسد على هذا الدين فقال تعالى في أهل الكتاب: «إنهم لا يحسدوننا على شيئ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام أمين».

إن سر قوى هذه الأمة الإسلامية كامن في قوة التوحيد، إنها أمة.. الله ربها، ومحمد نبيها، والمصحف كتابها، والكعبة قبلتها، فكيف لا تكون قوية وهذه أسسها وأركانها؟

لقد تحالف اليهود من القديم مع المشركين والمنافقين وهم لا يكفون عن الدس ضد الإسلام ونبي الإسلام، وكتاب الإسلام، وقبلة الإسلام، وهم مكرة خبثاء ذوو احتيال ودهاء.. واليوم يتحالفون مع الشيوعيين والصليبيين حتى صار الإسلام يواجه الثالوث المدمر «الشيوعية العالمية- الصهيونية العالمية- الصليبية العالمية».

وإذا كنا نحتفل في شعبان بليلة النصف تخليدًا لذكرى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فهي كذلك إحياء لذكرى خذلان اليهود وطردهم من الجزيرة العربية، وقيام وحدة عربية إسلامية ظلت عبر الأجيال والقرون عنوانًا على وحدة الدين واللغة، والهدف، والغاية.

فما أجدر المسلمين بإحياء هذه الذكرى، وما أجدر هذه الذكرى بتنبيه العرب والمسلمين إلى وحدتهم الأولى من العهد النبوي الكريم فتبعث فيهم الهمم، وتشد العزائم على إحياء الأمجاد، وطرد الأعداء، وتحرير أوطان المسلمين.

 

من عجائب الدعاء

أشهد أن الله على كل شيء شهيد إنه أقرب إلينا من حبل الوريد.. وإنه يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. بل ويحب العبد «الملحاح» الذي يلح في الدعاء بالليل والنهار.. في الشدة والرخاء..

لم هذه المقدمة؟

لقد تضافرت لي ولغيري حوادث شخصية وقصص واقعية مع الدعاء، رأينا فيها عظمة هذا السلاح الفتاك الذي يلتقي مع القضاء في السماء، فيعتلجان.. وينتصر الدعاء على القضاء رحمة وشفقة لجباه خرت لله ساجدة في خشوع وتذلل تناجيه بقلوب صادقة وعيون دامعة، تلح.. تستغيث.. تستنجد.. تتضرع إلى بارئها.. تتوسل إليه.. تدعوه في ناشئة الليل.. فتكون ساعة إجابة تخترق القوانين وتعطل السنن بإذن ربها، كرامة لعباده.. وهي معجزات ربانية باهرة تذهل العقول، وتكشف الهموم، وتجلي الأحزان..

إليك عزيز القارئ نماذج من هذه الحكايات تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: 11)، نعرضها في حلقات فتأمل معي:

الحادثة الأولى: في طريق العودة من الحج، تعطلت سيارة شابين كويتيين في مدينة الرياض، واكتشفا أن الماكينة قد أصابها عطل جسيم، ويحتاج تصليحها لمبلغ كبير، فجلسا على الرصيف وقت الظهيرة يفكران في مصيبتهما التي حلت بهما وهما لا يملكان من المال إلا اليسير، وبينما هما يتناوبان الهم في لحظات صمت ووجوم، إذ سل أحدهما الدعاء من غمده وأطرق في لحظة مناجاة تتناسب حرارتها مع حرارة الجو القائظ.. تمتم خلالها بكلمات زهيدة المبنى، عظيمة المعنى: «يا من دعوناك بالسراء ها نحن ندعوك بالضراء، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وأكفنا بفضلط عمن سواك»، «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، وما هي إلا لحظات حتى توقفت عندهما سيارة فخمة وترجل صاحبها فبادرهما بالسلام ثم سأل عن حالهما وسبب جلوسهما على قارعة الطريق في مثل هذا الوقت من الظهيرة، فعرضا عليه المشكلة، هنا قال لهما: إن أمير مدينة الرياض لاحظ أثناء مروره بالطريق السيارة وجلوسكما قربها وقد أوصاني أن أسعى في حاجتكما فهلما معي، يقول أحدهما: فانطلقنا إلى قصر بهيج ووجدنا مائدة عامرة بانتظارنا ولم يسمح الجوع لنا بالمجاملة والتمنع، فقد تبدد الخجل وهوينا على المائدة كنسر جامح أو جارح لا فوق.. وبعد الغذاء والاسترخاء سألنا الرجل عن حاجتنا، فذكرنا له مشكلة السيارة والحاجة لتصليحها، اعتذر صاحبنا بلطف لأن اليوم يوم الجمعة والمحلات مغلقة، وبعد إلحاح وافق على المحاولة وفعلًا وجدنا ضالتنا في المنطقة الصناعية وسط دهشة المرافق لهذا التيسير العجيب... وأصلحنا السيارة على حساب الأمير، ثم شكرناه على هذا الكرم وعلى تفريج كربتنا على نحو لا يطرأ على بال، وواصلنا طريق العودة ولسان حالنا يلهج بذكر الله والثناء عليه أولًا وأخيرًا، ورددنا سويًّا قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60).. شرط بشرط.

عبد الله الزامل

 

الشهادة والشهيد: وجهة نظر تحليلية من مظور إسلامي (1 من 3)

حب الاستشهاد أكبر انتصار للإنسان على النفس وملذاتها

* الجهاد حاجة إنسانية يكمن فيها الخلاص من الهوان والاستبداد.

* طالب الشهادة يقدم بقاء الدين والمجتمع المسلم على حبه لذاته وملذاته.

بقلم: أبو مصطفى وائل المصطفى([1])

أتى على الناس حين من الدهر وهم يلمزون الجهاد في سبيل الله، ويطعنون مع الطاعنين في شرعيته وفرضيته، فمرة يسمونه «تطرفًا»، ومرة يقولون: «إرهابًا»، وثالثة ينعتونه بأنه «انتحارًا»! وفي نظر هؤلاء الشرذمة من الناس- وإن كان كثير منهم من المنتمين إلى هذه الأمة وممن يحملون بطاقة هويتها- أن المجاهدين في سبيل الله قتلة، يحبون الدماء والدمار، ويبيعون حياتهم الثمينة التي وهبهم الله إياهم رخيصة في مقابل الشهرة والمال، بل يقولون فيهم إنهم مرضى نفوس لا يحبون الحياة لا لأنفسهم ولا لغيرهم من الأبرياء، وإن هذا هو سر إقدامهم على الموت والانتحار!.

ولرد التهمة، ورفع الشبهة عمن يبيع نفسه لله، وفي سبيل الله لتبقى هذه الأمة حية مرفوعة الجبين أمام أعداء الله، آثرت أن أدرس الأمر، لأكشف الخبر، وليستقي منه من أراد الدروس والعبر، وذلك من خلال هذه النظرة التحليلية المتواضعة.

بادئ ذي بدء... طالب الشهادة إنسان وبشر مكون من جسد وروح، والجسد في تركيبه المادي لا يختلف عما هو في التراب من العناصر والمركبات، أما الروح في كنه تركيبه فأمره إلى الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء:85)، ونتيجة لهذه «الطبيعة الإنسانية المزدوجة»، وهذه «التركيبة الإلهية المحكمة»، ترى الإنسان تارة ينجذب إلى الأرض والتراب، فيصاب بالركون والتثاقل، وتارة يتعرض إلى شيء من الشد والجذب الروحي، حيث الشعور والتحليق، والتحرر من قبضة الطين، هكذا الإنسان باستمرار: دائم الصراع مع نفسه، لا يهدأ له خاطر أو بال إلا إذا استقر أمره على حال.

والبشر يحبون ذواتهم حبًّا جمًّا، وهو ما عبر عنه علم النفس الإسلامي بمصطلح «حب الذات»([2])، فحب الذات- ابتداء- يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدوافع حفظ الذات، أو ما يسمى في علم نفس الحياة بـ «غريزة حب بقاء الذات»، ولهذا يحب الإنسان أن يحيا حياة كريمة، وأن ينمي إمكاناته، وكل ما فيه حياته، وتحقيق ذاته كما يحب كل ما يجلب له الخير والأمن والسعادة: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: 8).

وفي الوقت ذاته يكره كل ما يعوقه عن الحياة، وكل ما يجلب له الألم، والألم، والأذى، والضرر، وقد عبر القرآن الكريم عن هذا الحب الفطري في النفس الإنسانية، وعن حب الإنسان لذاته وميله إلى طلب ما يفيدها وينفعه، وتجنب ما يضرها ويسؤوها، حينما ذكر على لسان النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير لنفسه، ولدفع عنها السوء والأذى والضرر: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاستكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (الأعراف: 188).

ومن هنا نرى عالم النفس محمد عثمان نجاني قد تنبه إلى هذه الحقيقة الجوهرية في حياة الإنسان، فأورد بعض المظاهر المستوحاة من القرآن الكريم، والدالة في نظره على حب الإنسان لذاته وملذاته، وهي: 

- حبه الشديد للمال الذي يستطيع أن يحقق به جميع رغباته، وأن يهيئ لنفسه جميع أسباب الراحة والرفاهية في الحياة، وقد ذكر القرآن حب الإنسان الشديد للمال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: 8).

- إنه دائم الدعاء للخير لنفسه من مال وصحة وغير ذلك من خيرات الحياة ونعمها، وإذا أصابه سوء أو بلاء أو فقر تملكه اليأس الشديد وظن أنه لن يتهيأ له بعد ذلك خير: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49).

- أنه إذا أصابه بلاء أو أذى انتابه الجزء والهلع على ما حل به وئيس من الخير، وكفر بنعم الله السابقة عليه، وجحد بها، وإذا أصابه سعة في المال فرح به وبطر وحرص عليه حرصًا شديدًا، وامتنع عن التصدق بجزء منه على الفقراء والمحتاجين: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المعارج: 19- 21). ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ (الشورى: 48). ([3])

هذه صورة سلوكية واضحة من صور الحياة الإنسانية الفطرية، تعبر لنا عن حب الإنسان لذاته وملذاته، وهي في ذلك جلية كل الجلاء كما يقدمها لنا علم النفس الإسلامي.

وثمة صورة سلوكية أخرى من صور الحياة الإنسانية الفطرية البارزة في حياة الإنسان- بما أنه إنسان ذو طبيعة مزوجة- ألا وهي حب ذوات الآخرين، وحب البقاء أو الفناء من أجلهم، وهو ما يعبر عنه بغريزة «حب بقاء النوع الإنسان أو حفظ النوع».

فالإنسان- ببيعته الفطرية- يندفع إلى الإجتماع بالآخرين من حوله، وإلى التعارف والتآلف والتحالف والتكاتف، والتزاوج والتكاثر، وإلى تكوين شلل وأسر إجتماعية، والسهر على رعاية شؤونها والإهتمام بتلبية حوائجها، ومن أعظم مظاهر غريزة حفظ النوع وحب بقاء النوع: الميل إلى الجنس الآخر والعمل على إيجاد الأصدقاء والحفاظ عليهم، وتأليف العصائب وغيره([4]).

وقد عبر القرآن الكريم عن حقيقة ذلك في أكثر من موطن من مواطن الذكر الحكيم، «انظر الحجرات: 13، والنساء: 1، والذاريات: 49، والنحل 72، والشورى 11، ويس: 36، والروم: 21، والأعراف: 89، والأحقاف: 15، ولقمان: 14، والقصص: 10،.. الخ»، والآيات القرآنية في هذا الشأن كثيرة فهي أكثر من أن تورد في هذا المقام الضيق، ناهيك عن الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في ذلك.

وقد تنبه علم النفس الإسلامي إلى مثل هذه الظاهرة الحيوية في حياة الإنسان، يقول محمد عثمان: الإنسان كائن اجتماعي، يعيش في مجتمع تربطه بكثير من أفراده علاقات متعددة: وجدانية، واجتماعية، واقتصادية، وغير ذلك من أنواع العلاقات الإنسانية، فالطفل منذ ولادته يعيش بين أفراد أسرته، تربطه بهم مشاعر الحب والحنان والتعاطف، والتعاون، والوفاء، والإخلاص، والانتماء، ويشعر بينهم بالحب والطمأنينة والسعادة([5]).

وكل من هاتين الغريزتين المشار إليهما: «غريزة حب بقاء الذات، وغريزة حب بقاء النوع» لهما علاقتهما الوطيدة في تشكيل الظاهرة النفسية لدى الإنسان، وكل ما يتعلق بنمط حياته وأسلوبه في تلك الحياة، وما قد تحمله من أفكار وتصورات ومعتقدات تجاه الكون والإنسان والحياة، وما قد ينبثق عن ذلك الفكر والتصور والمعتقد، وما قد يرتبط بهما من سلوكيات ظاهرية كانت أم باطنية.

وما حب الشهادة والاستشهاد في سبيل نيل مرضاة الله تعالى، وفي سبيل جلب الحياة، والعزة والكرامة للذات، ولمن يحيط بها من أنفس وذوات إلا سلوك من ذلك السلوك عن المحتوى الفكري والتصوري والعقدي للإنسان وعن الوضع النفسي المستقر، الذي عليه حال ذلك الإنسان.

إنها ظاهرة نفسية إنسانية ينتصر فيها الإنسان على ذاته وملذاته، وكل ما يتعلق بها به من حطام الدنيا والشهوات، وقبل أن أفصل أكثر في هذا الموضوع أنتقل لتوضيح صورة أخرى من ظواهر الحياة الإنسانة الفطرية، ألا وهي: ظاهرة حب الدين والتدين، أو ما يعرف في علم نفس الدين والتدين بـ «الغريزة الدينية».

وقد عبر الأستاذ نايف المعروف عن هذه الظاهرة الفطرية في حياة الإنسان، في كتابه القيم الإنسان والعقل»، بـ «خاصية الميل إلى التدين والتقديس»([6]).

وفي نظرنا فإن هذه الخاصة الإنسانية الفريدة ما هي إلا مظهر من مظاهر الطبيعة الروحية لدى الإنسان، وما قد ينبثق عنها من حاجات دينية وغرائز روحانية تشد إلى عالم الغيب والقدس، كون الإنسان كما أشرنا- جسد وروح، ينبثق عن طبيعته الجسدية المادية حاجات عضوية وغرائز حيوية «يشترك فيها الإنسان مع الحيوان» تشده إلى الحياة الدنيا، فإنه في الوقت ذاته ينبثق عن طبيعته الروحية حاجات وغرائز «ينفرد بها الإنسان عن غيره من المخلوقات»، تشده إلى الحياة الأخرى، وهذا هو سر تميز الإنسان على غيره من المخلوقات الأخرى، فهو بالروح لا بالجسد قد صار إنسانًا، ولله در القائل:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته

 

فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

وطريقة هذا الإنسان في إشباع حاجاته وغرائزه كيفًا وكمًّا ونوعًا، أي طريقته في الاستجابة إلى تلبية نداء حاجاته وغرائزه هي التي تحدد له دومًا معالم شخصيته الإنسانية، وأبعاد تلك الشخصية، وما قد يندرج تحت ذلك من صفات وسمات عقلية، ونفسية، وبدنية، وكل ما قد ينبثق عن ذلك من أنماط وهيئات وأحوال سلوكية، وقيم ومعايير إنسانية.

والإنسان بحكم الفطرة وما هو مركوز فيها من الطبائع والغرائز والفطر، يميل إلى إشباع جوعاته ولوعاته، وأشواقه وحاجاته البدنية والروحية لتقوم وتقسيم حياته باتزان، والميل إلى الطعام والشراب، والمأوى والمسكن، وما ذلك إلا تعبيرًا صادقًا وصادرًا عن حاجات الإنسان إلى الدين والتدين والدينونة، وعن تلك الغرائز الروحية المتعلقة بارتقائه وارتقاء نوعه الإنساني، وكل ما فيه عيش الطمأنينة والسكينة وحياة اللا خوف واللا حزن واللا ضنك.

ولكي لا يتوه الإنسان في الحياة أو يضيع أو ينحرف، كان هنالك رسل ورسالات، وكان آخرها رسالة الإسلام الخالدة التي- بما جاء فيها من أخبار ونصوص وأحكام- إنما هي مقياس وميزان كل ما يصدر عن الإنسان من حركات وسكنات، وأقوال وأفعال، وما على الإنسان- كل إنسان- إلا أن يسير تبعًا لهذا المقياس، وهذا الميزان.

إن الإنسان الذي يشبع حاجاته ودوافعه وميوله ورغباته كيفًا وكمًّا ونوعًا تبعًا لما جاء به الإسلام من مبادئ وتعاليم وأحكام يكون بحق وحقيقة من الذين عصموا أنفسهم من الانحلال والانحراف وحياة اللاسوء، ويكون من الذين استجابوا لنداء ربهم والدينونة له: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).

أما الذين يشبع حاجاته، وما ينبثق عنها من دوافع وميول ورغبات تبعًا لغير منهج الله، كأن يلجأ إلى المطعم الحرام، والمشرب الحرام، والملبس الحرام، والمسكن الحرام، ويملأ فراغه الروحي من خلال الميل إلى تعظيم وتقديس الزعامات، والأباطرة والقياسرة، وملوك الإنس والجن، أو غيرهم من الأصنام الحجرية والبشرية، أو الميل إلى تعظيم وتقديس بعض المبادئ والأفكار التي ما أنزل الله بها من سلطان، أو بعض ظواهر الطبيعة كالزلازل والبراكين، والنواميس الكونية والقوانين، فإن مثل هذا- ولا شك- سينحرف عن خط فطرته وما يلائم ويناسب تلك الفطرة، وهذا هو الانحراف عينه عن سواء السبيل.

نموذج طالب الشهادة

وطالب الشهادة نموذج إنساني حي، تتطلع نفسه التواقعة وترنوا إلى كل من الموت والحياة في سبيل الله، ونيل مرضاة الله، فإنه لا يملأ عليه عقله وقلبه ولا يلبي أشواق روحه إلا السعي الجاد، والعمل الجاد على جعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والعمل على تخليص الأبرياء الواقعين تحت نير الظلم والاستبداد والاستعباد.

وكون الجهاد حاجة إنسانية يكمن فيها الخلاص من الذل والهوان، والاسبتداد والاستعباد، وكونه سنة إلهية من سنن الله في فرضها على عباده، فإن هذا يعني أن ميل طالب الشهادة للاستجابة إلى تلبية نداء كل من غريزة الدين والدينونة لله تعالى، وغريزة حب بقاء النوع مقدم على حب بقاء الذات وما تتطلبه من إشباع حاجات عضوية ونفسية وحيوية، فبالنسة إلى طالب الشهادة، فإن دائرة الصراع محسومة لصالح المجموع العام، ممن هم حوله من أبناء أمته، بل والناس أجمعين، وفي ذلك استجابة منه أيضًا لنداء رب العالمين لتخليص الآخرين مما هم فيه من غوائل الظلم والطغيان والانحراف، وهذا يعكس صورة حب الإيثار لدى طالب الشهادة، وتغليبها على الأثرة، وحب الذات والملذات.

كما أن شوقه الروحي للقاء ربه، وما أعد له في عالم الغيب من حور عين، ومن جنان الخلد في عليين دائمًا غلاب على شوق انجذاب دفعات البدن لتراب الأرض والطين، وما التجارة الرابحة في نظر طالب الشهادة إلا الجهاد في سبيل الله تعالى، نعم الجهاد وحده لا غيره، هذا بعد أن يكون الإيمان بالله تعالى ورسوله، وما جاء عن الله ورسوله قد ملأ عليه فكره ووجدانه، وجنبات شعوره ولا شعوره، وهذا هو مدلول قوله تبارك وتعالى للذين آمنوا في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف: 10- 11).

إن الشهيد يدرك مدلول هذه الآيات الكريمة، ويعين يقينًا أن وعد الله له حق، ولهذا تراه يحب هذا النوع الخاص من التجارة والاستثمار، وتراه لا يهدأ له بال ولا يستقر له حال إلا بنيل ربحه من وراء كره وفره، وعرقه ودمه وبذلك روحه وماله في سبيل الله، وربحه كما هو معلوم في مثل هذا النوع من التجارة هو إحدى الحسنين، إما النصر والرفعة والسيادة في الدنيا، وإما الشهادة ونيل السعادة في الآخرة، وعليه فهو لا يبالي على أي جنب يصرع ما دام همه الأكبر، وغايته العظمى نيل مرضاة الله تعالى.

([1]) محمد قطب: دراسات في النفس الإنسانية، ط 5، بيروت: دار الشروق، 1- 514- 1981م، ص 93، 152، 164، وانظر أيضًا: محمد باقر الصدر: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، منشورات مجمع الشهيد الصدر العلمي والثقافي، 51307- 1987م، ص 57- 67.

([2]) عطوف محمود ياسين: أسس الطب النفسي الحديث، ط1، بيروت: منشورات بحسون الثقافية، 1988م، ص 340.

([3]) محمد عثمان نجاتي: القرآن وعلم النفس، ط 6، بيروت: دار الشروق، 51417- 1997م، ص 83، 84، وانظر أيضًا: محمود البستاني: دراسات في علم النفس الإسلامي، ط2 (جـ 1)، بيروت، دار البلاغة، 51411- 1991م، ص 7- 26.

([4]) فاخر عقل: علم النفس التربوي، دمشق: مطبعة الجامعة السورية، 1957م، ص 125- 151.

([5]) محمد عثمان نجاتي: الحديث النبوي وعلم النفس، ط2، بيروت، دار الشروق، 51413- 1993م، ص 84.

([6]) نايف معروف: الإنسان والعقل- ط1، بيروت: دار سبيل الرشاد 51415- 1995م، ص 139.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

167

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

203

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

157

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17